عدت في مساء أحد الأيام من جولة في الجبل وما كدت أدنو من الكوخ حتى رأيت النور ينبعث من نافذته ، فأدركت على الفور، والسعادة تملأ جوانحي.. ان زوربا قد عاد أخيرا.
وهممت بأن أعدو إلى الكوخ ولكني أمسكت وقلت لنفسي: يجب أن أخفي سروري، وأتظاهر بالضيق، وأتحدث إليه في شده وقسوة، فقد أرسلته في مهمة عاجلة فبدد نقودي، وعاش مع احدى الساقطات، وها هو يعود بعد اثني عشر يوما.. يجب أن أتظاهر بالغضب.. يجب.
وحاولت جاهدا أن أغضب ، وقطبت حاجبي... وأطبقت يدي، وحاولت أن افعل كل ما يفعله الرجل الغاضب، ولكني لم أوفق.. وكلما دنوت من الكوخ، تضاعف شعوري بالسعادة.
وتسللت بالقرب من النافذة، وأطللت منها فرأيت زوربا جاثيا على ركبتيه أمام الموقد، وهو يعد القهوة:
وذاب قلبي بين ضلوعي وصحت:
- زوربا.
وبأسرع من لمح البصر، كان زوربا واقفا حافي القدمين أمام الكوخ وعيناه تفتشان في الظلام، وما ان تبين وجهي حتى بسط ساعديه ليعانقني، ولكنه عاد فارخاهما وقال في تردد:
- يسرني أن أراك.
فحاولت أن أرفع صوتي في غضب وقلت له ساخرا:
- يسرني أن أرى أنك تفضلت بالعودة.. لا تدن مني ان رائحة الصابون المعطر تفوح منك.
- آه، ليتك تعلم كيف حككت جسدي بالرمل، لكي أتخلص من هذه الرائحة اللعينة.. ولكنها ستزول مع الوقت عاجلا او آجلا.. وهذه ليست أولى تجاربي مع الصابون المعطر.
فقلت له وأنا أقهقه ضاحكا:
- هلم بنا ندخل.
ودخلنا الكوخ. وكانت تنبعث منه روائح العطر والمساحيق والنساء، فهتفت وأنا أشير إلى صندوق مليء بحقائب السيدات والجوارب وقطع الصابون وزجاجات العطر:
- ما كل هذا بحق السماء!!
- هدايا..
- هدايا؟
- نعم، هدايا لبوبولينا، فأرجو ألا تغضب.. ان عيد الفصح يقترب .. وبوبولينا امرأة كما تعلم..
فقلت محاولا كتمان الضحك:
- ولكنك لم تحضر لها أهم شيء..
- ماذا؟
- ماذا.. ماذا تعني؟ أنا لا أفهمك..
وهنا قصصت عليه كيف خدعت الغانية المدلهة، فحك زوربا رأسه بشدة وقال:
- ما كان يجب أن تفعل ذلك يا سيدي.. انت تعلم ان هذا النوع من الدعابة.. ان النساء ضعيفات ورقيقات كما قلت لك مرارا.. انهن أشبه بأواني الخزف.. ويجب أن يعاملن بعناية ورفق..
فشعرت بالخجل.. وكنت قد أسفت على ما فعلت ولكن بعد فوات الاوان.
قلت لاغير مجرى الحديث:
- والسلك الهوائي؟ والادوات؟
- لقد أحضرت كل شيء فلا تنزعج.
قال ذلك وملأ قدحي بالقهوة وقدم لي بعض قطع الحلوى مما أحضره معه.:
وقال:
- لا تظن أنني نسيتك، فقد جئتك بصندوق كبير مليء بالحلوى.. انني لم أنس أحدا، حتى الببغاء احضرت لها حقيبة مليئة بالفول السوداني.
وكان يحتسي القهوة ويدخن ويرقبني بعينين كعيني الثعبان.
سألته:
- هل حللت المشكلة التي حيرتك ايها الوغد العجوز.
- أية مشكلة يا سيدي؟
- مشكلة ما اذا كانت المرأة مخلوقا آدميا أم لا.
فأجاب وهو يلوح بيده:
- آه .. طبعا.. ان المرأة مخلوق آدمي مثلنا.. ما في ذلك شك.. كل ما هنالك انها أسوأ منا.. انها ترى نقودك فتفقد صوابها.. وتنزل لم عن حريتها ولكن ما ان تفرغ نقودك .. ان الباقي معروف ولا ضرورة للتكرار.
ثم نهض واقفا والقى بسيجارة من نافذة الكوخ وقال:
- دعنا نتحدث حديثا جادا.. لقد أحضرنا السلك والادوات.. وآن لنا أن نتعاقد مع الدير بشأن الغابة.. انما يجب أن يتم التعاقد قبل اقامة السلك الهوائي حتى لا يغالوا في مطالبهم.. هل فهمتني؟ يجب أن نبدأ العمل، فالوقت يمر بسرعة، وبحسبنا ما أضعنا من مال في رحلة (كانديا) ان الشيطان.
وصمت، وشعرت بالاسف له..
كان أشبه بطفل ارتكب حماقة ولم يعرف كيف يعالج الموقف فراح يرتجف.
وقلت لنفسي: عار عليك ان تدع رجلا كهذا يرتجف خوفا.. انك لن تجد ما حييت زوربا آخر.
صحت به:
- دعنا من الشيطان يا زوربا فلا شأن لنا به.. ان ما كان قد كان، فانس ما حدث.. وتناول السانتوري.
فوثب نحو الجدار ليتناول الالة الموسيقية، ولكنه ما كاد يضع يده عليها ، حتى سمعت وقع خطى ثقيلة في الخارج، فجمد زوربا في مكانه، ورفع حاجبيه متسائلا ثم قال بصوت خافت:
- يا للشيطان.. لقد اشتمت الكلبة العجوز رائحة زوربا في الهواء فجاءت تطلبه.
فقلت وأنا أنهض واقفا:
- لا أريد ان يكون لي شأن بهذا الموضوع.. سأقضي بعض الوقت على الشاطئ حتى تحسم الامر معها، ولا تنس انك وعدتها بالزواج، حذار ان تكذبني يا زوربا.
فتنهد وقال:
- ألا تكفي الزيجات السابقة حتى اتزوج مرة أخرى؟
واقتربت رائحة الصابون المعطر فقلت:
- تشجع يا زوربا.
وتسللت إلى الخارج.