- ان العم اناجنوستي يحييكما ويدعوكما لتناول الغداء في بيته، وستعد لكما زوجته السيدة ماروليا طعاما خاصا. ثم ان اليوم هو عيد ميلاد حفيدهما (ميناس) ويمكنكما أن تهنئاه وتتمنيا له السعادة وطول العمر.
ان من بواعث السرور حقا أن تدخل بيت فلاح كريتي وترى نظامه التقليدي. المدفأة والمصباح الزيتي والاواني الخزفية والمقاعد القليلة ومائدة الطعام واناء الماء الموضوع في كوة الجدار، وحزم الثوم والرمان والتوابل المتدلية من أعمدة السقف، ثم المصطبة القائمة في أقصى الغرفة وعليها الفراش ومن فوقه الايقونات المقدسة، وصورة للسيدة العذراء.
والبيت بهذا الأثاث يبدو عاريا، ولكنه يحتوي على كل ما يحتاجه الانسان وما أقل الأشياء التي يحتاجها الانسان فعلا!
وكان اليوم رائعا، ويزيد من روعته رقة شمس الخريف.. فجلسنا في حديقة صغيرة أمام البيت، تحت شجرة زيتون مثقلة بالثمار.. وكان البحر يتألق أمامنا من بعيد ويبدو هادئا ساكنا. بينما السحب تمر فوق قرص الشمس بين وقت وآخر، فتكتئب الأرض تارة وتبتهج تارة أخرى.
وتناول حديثنا الموضوعات الخالدة المألوفة، محصول القمح والكروم والامطار. وكان رب الدار ثقيل السمع فاضطررنا أن نرفع أصواتنا إلى حد الصياح..
كانت حياة العم أناجنوستي قد سارت في طريق هادئ مستقيم، كحياة شجرة في واد أمين، فقد ولد وترعرع وتزوج ورزق بأولاد وامتد به العمر حتى رأى أحفاده.. صحيح أن بعض الأحفاد قد ماتوا.. ولكن البعض الآخر كان على قيد الحياة مما يضمن استمرار الأسرة.
وتحدث الكريتي الشيخ عن الأيام الخالية وعن الحكم التركي، والمعجزات التي حدثت في تلك الأيام لأن النساء كن مؤمنات يخشين الله.. قال:
- لقد كان مولدي نفسه معجزة، وستدهشون متى ذكرت لكم كيف ولدت، نعم. ستدهشون وسترسمون علامة الصليب على صدوركم وستذهبون إلى دير العذراء مريم وتوقدون الشموع لها.
ورسم علامة الصليب على صدره، ومضى يسرد قصته في صوت هادئ قال:
- في تلك الأيام، كانت تعيش في قريتنا امرأة تركية ثرية، وقد حملت هذه المرأة وحان موعد الوضع، فنقلوها إلى فراشها حيث قضت ثلاثة أيام بلياليها وهي تئن وتصرخ ولا تستطيع أن تضع طفلها. وحينئذ نصحتها احدى صديقاتها بأن تستنجد بالسيدة العذراء، فصاحت المرأة التركية: لماذا؟ انني أوثر الموت على الاستنجاد بها.
واستمرت الالام وزادت حدتها، ومر يوم آخر، والمرأة لا تكف عن الصياح.. فما العمل؟
ولم تستطع المرأة احتمال المزيد من الالام فصاحت بكل قوتها:
- يا مريم العذراء!! يا مريم العذراء..
ولكن الالم لم ينقطع، والطفل لم يولد، فقالت الصديقة:
- ربما كانت العذراء لا تفهم اللغة التركية..
فصاحت المرأة:
- يا عذراء الروم! يا عذراء الروم!
وزادت آلامها، فقالت الصديقة:
- لعلك تناديها بغير اسمها، ولهذا لم تخف لنجدتك.
فصاحت المرأة:
- أيتها العذراء المقدسة!
وجاء المولود على الفور..
حدث ذلك في يوم أحد، وفي يوم الأحد التالي، أحست أمي بآلام الوضع. وراحت بدورها تستنجد بالعذراء المقدسة ولكن دون جدوى. وكان أبي يجلس على الأرض في فناء الدار ولا يستطيع أن يأكل أو يشرب بسبب صراخ أمي وآلامها..
وانقضت ثلاثة أيام دون أن تخف السيدة العذراء إلى نجدة أمي، وفي اليوم الرابع، ضاق أبي ذرعا فحمل فأسه ومضى إلى دير السيدة العذراء وهو يتميز غضبا، وهناك أغلق الباب وراءه ووقف أمام تمثال العذراء المقدسة وصاح: اصغي إلي أيتها العذراء، أنت تعرفين زوجتي جيدا فلطالما حملت إليك الزينة والشموع.. إنها تتألم وتستنجد بك منذ ثلاثة أيام أفلم تسمعيها؟ لا بد أنك أصبت بالصمم، اذا استنجدت بك احدى الساقطات التركيات فانك تسرعين إلى نجدتها، أما زوجتي المسيحية فانك تصمين اذنيك ولا تسمعينها!! لولا أنك السيدة العذراء لالقيت عليك درساً بهذه الفأس..
وأولاها ظهره، وهم بالانصراف..
ولكنه قبل أن يصل إلى الباب، سمع فرقعة خفيفة صادرة من ناحية الشمال.. كما لو كان التمثال يوشك ان يشطر .. والشائع عندنا ان التمثال يحدث مثل هذا الصوت عندما توشك معجزة أن تقع.. فدار أبي على عقبيه، وركع على ركبتيه وهتف: لقد أخطأت أيتها العذراء المقدسة وقلت أشياء ما كان ينبغي أن أقولها فمعذرة..
وما أن وصل إلى القرية حتى سمع النبأ السعيد..
قال له قائلا: أطال الله عمرك يا قسطندي، لقد وضعت زوجتك ولدا..
وقد كنت انا ذلك الولد، ولكني ولدت وفي أذني صمم، لان أبي وصف العذراء بأنها صماء. ولعلها قالت له، صبرا، سأصيب ولدك بالصمم حتى لا تعود إلى مثل هذا الكفر.
ورسم العم أناجنوستي علامة الصليب على صدره مرة أخرى واستطرد قائلا:
- شكرا لله على كل حال، فقد كان يمكن أن تجعلني السيدة العذراء ضريرا أو معتوها، أو أدبا، بل كان يمكن أن تفعل بي ما هو أسوأ من ذلك – حفظنا الله – فتجعلني فتاة..
فقلت وأنا أرفع قدح النبيذ:
- نخب صحتك أيها العم أناجنوستي.. اسأل الله أن يمد في عمرك حتى تبلغ المائة وترى أحفاد أحفادك.
فاحتسى الشيخ قدحه ومسح شاربه وقال:
- كلا يا ولدي.. انك تطلب لي الكثير.. لقد رأيت أحفادي، وهذا يكفي.. ان ساعتي تقترب ، وما عاد باستطاعتي أن ألد مزيدا من الأبناء، رغم شدة رغبتي في ذلك، فما قيمة الحياة اذن بالنسبة الي؟
وملا الاقداح مرة أخرى، واخرج من حزامه تينا مجففا اقتسمه معنا واستطرد قالا:
- لقد نزلت لاولادي عن كل ما أملك، ونحن الآن فقراء ولكن لا أشكو ولا أتذمر.
وفي هذه اللحظة أبلت زوجته ماروليا وبيدها اناء مليء بالنبيذ وصفحة عليها طعام من خصى الخنازير.. فوضعت الشراب والطعام على المائدة وظلت واقفة معقودة اليدين منكسة الرأس.
وأنفت نفسي هذا الطعام فقد كانت الخنازير التي خصيت لا تزال تصرخ في الحظيرة المجاورة ولكني لم أجرؤ على الرفض.
ونظر إلي زوربا من ركن عينيه وابتسم في خبث وقال:
- هذا أشهى طبق يمكن أن تحلم به.
وضحك أناجنوستي العجوز وقال:
- تلك هي الحقيقة.. تذوقه وسوف ترى.. عندما زار الأمير جورج الدير، أقام الرهبان مأدبة تكريما له وقدموا اللحوم لجميع المدعوين، أما الأمير فقد وضعوا أمامه صفحة مليئة بالحساء، وتناول الأمير ملعقة وراح يجرك الحساء، وما لبث أن سأل في دهشة: ما هذا الذي أراه في الحساء؟ فاصوليا..
فأجابه رئيس الرهبان:
- تذوقها يا صاحب السمو. وسنتحدث عنها فيما بعد.
فتناول الأمير ملعقة ثانية وثالثة حتى أتى على الحساء ثم لعق شفتيه وقال:
- يا لها من فاصوليا شهية!
قال رئيس الرهبان ضاحكا:
- انها ليست فاصوليا يا صاحب السمو.. لقد خصينا كل ديوك المنطقة..
وقهقه الشيخ ضاحكا، وتناول قطعة مما في الصفحة وقال:
- هذا طبق خليق بالامراء.. افتح فمك..
ففتحت فمي.. فدس فيه القطعة ، ثم ملأ الأقداح ، وشربنا نخب حفيده الذي يحتفل بعيد ميلاده.
سألته:
- ماذا تريد أن يكون عليه حفيدك أيها العم أناجنوستي؟ أنبئنا لكي نبتهل إلى الله أن يحقق تمنياتك له.
- وماذا أتمنى له يا ولدي؟ كل ما أرجوه له ان يسلك الطريق المستقيم ويصبح رجلا طيبا ورب عائلة.. وان يتزوج ويرزق اولادا وأحفادا.. وأن يكون له ولد يشبهني حتى يقول عجائز القرية: ما أشبهه بأناجنوستي العجوز.. رحمه الله.. لقد كان رجلا طيبا!
ثم صاح بامرأته دون أن ينظر إليها:
- علينا بمزيد من النبيذ يا ماروليا..
وقبل أن يتم عبارته، فتح باب الحظيرة بعنف واندفع أحد الخنازير إلى الحديقة وهو يصرخ بصوت منكر..
فنظر زوربا إلى الخنزير مشفقا وقال:
- ان المسكين يتألم..
فضحك الشيخ الكريتي وقال:
- انه يتألم طبعا.. هب انهم فعلوا بك ما فعلوه به.. أما كنت تتألم؟
فتحرك زوربا في مقعده بقلق وغمغم في هلع:
- قطع لسانك أيها العجوز الأصم..
ووثب الخنزير أمامنا، ونظر إلينا في غضب فقال الشيخ:
- لا عجب. فهو يعلم أنا نأكل قطعة منه.
وغادرنا بيت الشيخ حول الغسق، وكان زوربا مرحا راغبا في الكلام.. قال:
- فيم كنا نتحدث بالامس يا سيدي.. كنت تقول أنك تريد أن تفتح عيون الناس، حسنا. اذهب إلى العم اناجنوستي وافتح له عيينه. لعلك رأيت كيف وقفت زوجته بين يديه في انتظار اوامره، كما يقف الكلب في انتظار لقمة تلقى بها اليه.. اذهب اليه وقل له ان للمرأة من الحقوق مثل ما للرجل، وان من القسوة أن يأكل قطعة من الخنزير بينما الخنزير يصرخ أمامه من الألم! قل له ذلك ثم انبئني ماذا يمكن أن يفيد هو أو زوجته من مثل هذا الاسفاف؟ لن تكون النتيجة الا تعكير صفاء الاسرة، واثارة المتاعب، واغراء الدجاجة بأن تصبح ديكا.. كلا يا سيد، دع هؤلاء الناس وشأنهم، ولا تحاول أن تفتح عيونهم.. وهب أنهم فتحوا عيونهم فماذا سيرون؟ البؤس.. ولا شيء غير البؤس.. دع عيونهم مغمضة يا سيدي.. ودعهم يحلمون ويأملون..
وصمت لحظة. وحك رأسه.
كان يفكر.
قال:
- اللهم الا..
- الا ماذا؟ .. تلكم.
- اللهم الا اذا جعلتهم يفتحون عيونهم على عالم أفضل من هذا الظلام الذي يعيشون فيه. فهل تستطيع ذلك؟
- لا أعلم.. كنت اعرف انهم اذا فتحوا عيونهم فسوف تدمر أشياء كثيرة، ولكني لم أكن أعرف ماذا يمكن بناؤه فوق الانقاض، لا أحد يستطيع أن يعرف ذلك على وجه اليقين.
ان العالم القديم قائم وواضح المعالم، ونحن نعيش فيه ونناضل معه. أما عالم المستقبل انه لم يولد بعد، انه عالم شفاف غير منظور كالضوء الذي تنسج منه الأحلام.. انه سحابة تتقاذفها أرياح عنيفة.. من الحب والبغض والخيالات.. ان أعظم الانبياء لا يستطيع أن يهب الناس أكثر من نظام للحياة، وكلما كان النظام غامضا زادت أهمية النبي وعظم شأنه.
ونظر زوربا إلي وعلى شفتيه ابتسامة ساخرة ضايقتني. أجبته قائلا:
- في استطاعتي أن أدلهم على عالم أفضل.
- هل تستطيع ذلك حقا؟ وما هو هذا العالم؟
- لا يمكنني أن أوضح.. انك لن تفهمني.
- معنى ذلك انك لا تعرف عالما أفضل.. انني لست من البلاهة كما تتوهم يا سيد.. واذا كان هناك من قال لك انني رجل ساذج فقد أخطأ.. ربما لا أكون قد تلقيت من التعليم أكثر مما تلقى العم اناجنوستي.. ولكني لست جاهلا مثله.. فاذا كنت لا أفهمك ، وهذا مبلغ ذكائي، فماذا تنتظر ممن هم على شاكلته في العالم أجمع؟ أليس لديك الا المزيد من الظلام لتظهرهم عليه؟ لقد عرفوا حتى الآن كيف يعيشون.. ولديهم أولاد وأحفاد.. وابتلاهم الله بالعمى والصمم فقالوا : الحمد لله. . لقد ألفوا الفقر واطمأنوا إليه، فدعهم وشأنهم، ولا تقل لهم شيئا..
فصمت
ومررنا في هذه اللحظة بحديقة الارملة، فتوقف زوربا قليلا وتنهد ولكنه لم يقل شيئا..
ولا بد أن تكون السماء قد أمطرت، فقد كانت رائحة الأرض تملأ الهواء..
وفكرت..
ان هذا الرجل لم يذهب إلى المدرسة.. ولكنه مر بكل أنواع التجارب.. فتفتح عقله ، وكبر قلبه، دون أن يفقد ذرة واحدة من جرأته البدائية. وجميع المشكلات التي تبدو لنا معقدة مستعصية على الحل، يجسمها هو كأنما بضربة سيف.. ومن العسير أن يخطئ مثل هذا الرجل هدفه، لأن قدميه ثابتتان في الأرض تحت ثقل جسمه، ان بعض القبائل المتخلفة في افريقيا تعبد الثعبان لأنه يلمس الارض بكل جسمه، فهو اذن عليم بكل اسرار الأرض.. انه يعرف هذه الاسرار ببطنه وذيله ورأسه. لأنه على اتصال دائم ووثيق بأمنا الأرض، وكل هذا صحيح بالنسبة إلى زوربا.. أما نحن معشر المتعلمين، فاننا مجرد طيور غبية تعيش في الهواء.