الفصل 17

11 0 00

ارتدى زوربا ثيابه وخرج إلى الشاطئ ليرقب مقدم مدام هورتنس.

كنا قد أعددنا لها – على سبيل الجد والفكاهة- مأدبة عشاء في الهواء الطلق لمناسبة عيد الفصح، وأقمنا من غصون الاشجار قوس نصر لتمر تحته، وزينا القوس بأعلام الدول الاربع الكبرى، انجلترا وفرنسا وايطاليا وروسيا.

ولما لم يكن لدينا مدافع كمدافع البوارج، فقد استعرنا بندقتين من بعض القرويين، واتفقنا على أن نستقبلها، عند قدومها – بوابل من الطلقات وكان الهدف من هذا كله – أن نجعلها تعيش على هذا الشاطئ الموحش المهجور لمحة من مجدها القديم.

أما الطعام ، فكان يتألف من حلم مشوي، وعدد لا يحصى من البيض الملون.

قال زوربا متبرماً:

- لماذا تأخرت هذه البقرة العجوز.

فأجبته:

- انها ستأتي حتما.. دعنا ندخن لفافة تبغ ريثما تحضر.

فقال وهو يلقي على الطريق إلى القرية نظرة أخيرة:

- أرى صبياً قادما نحونا.

قال ذلك وخف لمقابلة الصبي في منتصف الطريق، ونهض الصبي على أصابع قدميه وهمس في أذنه كلاماً فصاح زوربا في غضب:

- مريضة!! تقول أنها مريضة؟ اذن فاغرب عن وجهي قبل أن أضربك.

والتفت إلي وقال:

- سأذهب إلى القرية لأرى ماذا أصاب البقرة العجوز. لن أغيب أكثر من بضع دقائق.. أعطني بيضتين لأقدمهما إليها.

ووضع البيضتين في جيبه.. وانطلق في الطريق إلى القرية.

وكان النسيم عليلاً، والبحر مضطربا.. فاستلقيت على الرمال انتظاراً لعودة زوربا..

وبعد ساعة، رأيته مقبلاً وهو يفتل شاربيه، وعلى وجهه دلائل الرضى.

قال:

- لقد أصيبت المسكينة ببرد قد يلزمها الفراش بضعة أيام، قالت انها كانت تتردد على الكنيسة طيلة الاسبوع الأخير لتصلي من أجلي، ويبدو انها أصيبت بالبرد خلال ذلك، بيد أنني دلكت جسدها جيدا بالكيروسين وجرعتها كأساً من الروم.

وجلسنا لتناول الطعام، ورفع زوربا قدحه قائلاً:

لنشرب نخب صحتها.. ولنسأل الشيطان الا يقبض روحها قبل فترة طويلة أخرى.

وأكلنا وشربنا في صمت، وحمل إلينا النسيم صوت قرع الطبول فصاح زوربا:

- انهم يرقصون في القرية فهلم بنا نرقص معهم..

- ليست لي رغبة في الرقص.. اذهب انت وارقص نيابة عني.

- ليت لي شبابك يا صديقي.. اذن لالقيت بنفسي رأسا على عقب في كل شيء.. في الخمر والعمل والحب.

وتناول عصاه وقبعته ونظر إلي مشفقاً وتحركت شفتاه كما لو كان يريد أن يضيف شيئا إلى ما قاله، ولكنه لم يتكلم، وسار مرفوع الرأس في الطريق إلى القرية.

وشيعته ببصري حتى توارى، وما كدت أجد نفسي وحيداً حتى نهضت واقفاً.

لماذا؟

ولكي أذهب إلى أين؟

لا أعلم..

ان عقلي لم يتخذ قراراً ، وقد تحرك جسدي تلقائيا، دون أن يستطلع رأيي.

وسرت في الطريق إلى القرية بخطى سريعة حازمة.. وتوقفت مرة أو مرتين لاملأ رئتي من نسيم الربيع. ومررت بموجة من عبير زهور الليمون والبرتقال ثم وجدتني اتوقف فجأة.. كما لو كنت قد بلغت المكان الذي أقصده.

ونظرت حولي، فاذا أنا واقف أمام حديقة الارملة.

وخيل إلي أنني أسمع صوتاً نسائيا خافتاً يترنم، فنظرت من فوق سور الحديقة، ورأيت تحت احدى أشجار البرتقال امرأة ذات صدر كبير بارز تقطع الاغصان وتغني بصوت خافت.

واستطعت أن أرى في الغسق استدارة نهديها العاريين المطلين من ثوبها الاسود.

قلت لنفسي،

- انها حيوان مفترس، وهي تعلم ذلك جيدا.. ولا ترى في الرجال الا مخلوقات تافهة مغرورة لا حول لها ولا قوة.

ترى هل أحست الارملة بنظراتي؟

ذلك انها كفت فجأة عن الغناء وأجالت البصر حولها.

والتقت عيوننا، وشعرت بانهيار، كما لو كنت قد رأيت نمرة مفترسة بين الاشجار.

وأرخت المرأة منديلها على صدرها، وأكفهر وجهها وصاحب بصوت مختنق:

- من هنا؟

وكدت ألوذ بالفرار.. ولكني تذكرت كل ما قاله لي زوربا وكل ما عيرني به وأجبت:

- أنا دعيني أدخل.

وما كدت أنطق بهذه الكلمات حتى تملكني الذهر وهممت مرة أخرى بالفرار.. ولكني تماسكت رغم شعوري بالحرج والخجل.

- من تكون؟

وخطت خطوة إلى الامام في حذر، وحملقت في الظلام، ثم خطت خطوة ثانية.

وفجأة أشرق وجهها، وبللت شفتيها بلسانها وقالت بصوت رقيق:

- صاحب المنجم!

وتقدمت في حذر تقدم المتحفز للوثوب وسألت مرة أخرى:

- انت صاحب المنجم؟

- نعم.

- تعال.

كان الوقت فجراً، وقد جلس زوربا على الشاطئ أمام الكوخ وراح يدخن وينظر إلى البحر.

كان ينتظرني، وما أن رآني حتى صعدني بعينيه وأخذ نفساً طويلا من أنفه وانبسطت أسارير وجهه.

لقد شم رائحة الارملة.

ونهض واقفا ببطء، وبسط ساعديه ومني إلى صدره وهو يقول:

- دعني أباركك.

وأويت إلى فراشي وأمضت عيني، وسمعت حركة الامواج المنتظمة في الخارج.. وخيل لي أنني أعلو وأهبط معها.. إلى أن غلبني النعاس فنمت نوماً عميقاً هادئاً.

واستيقظت حول الظهر وأنا أشعر بالراحة والرضى، كالحيوان حين يتمدد في الشمس بعد أن يكون قد طارد فريسته والتهمها.

وأخذت أستعرض أحداث الليلة الماضية، وأحاول أن اعيشها في الخيال مرة ثانية، حين أحسست بجسم يحجب الشمس عني، ففتحت عيني، ورأيت زوربا واقفا بالباب ينظر إلي ويبتسم.

قال في رفق، وبحنان الام على ولدها:

- لا تنهض.. فاليوم يوم عطلة وفي استطاعتك أن تنام كما تشتهي.

فاعتدلت جالساً في الفراش وأجبت:

- لقد نمت بما فيه الكفاية.

- حسناً، سأعد لك لبضة ترد عليك بعض القوة.

فلم أجب وأسرعت إلى البحر، والقيت بنفسي بين أمواجه، ثم جلست على الشاطئ لأجف تحت الشمس.

كان عطر زهر البرتقال الذي تضمخ به نساء كريت شعرهن لا يزال عالقاً بأناملي.

وكانت الارملة قد جمعت كمية من هذا الزهر لتحمله إلى الكنيسة في مساء اليوم عندما يكون القرويون في شغل بالرقص في الميدان..

ولحق بي زوربا على الشاطئ وحمل إلي البيضة وبعض الخبز والبرتقال.

كان يشعر بالسعادة وهو يرعاني بحدب الأم على وحيدها العائد من الحرب.

قال وهو ينظر إلي بحنان.

- سأذهب الآن لاقامة بعض أبراج السلك الهوائي.

فتناولت طعامي تحت الشمس وشعرت بسعادة لا عهد لي بمثلها، ثم عدت إلى الكوخ، حيث حزمت كتابي عن (بوذا)، وكنت قد فرغت من كتابته.

وفجأة، دخلت الكوخ فتاة صغيرة عارية القدمين ترتدي ثوبا أصفر وتحمل في يدها بيضة حمراء. ونظرت إلي الفتاة في هلع، ولكني ابتسمت لها مشجعا وسألتها:

- هل تريدين شيئاً؟

فأجابت وهي تلهث:

- لقد أرسلتني السيدة لأطلب اليك أن تذهب إليها هل أنت الشخص الذي يسمونه زوربا؟

- حسنا، سأذهب إليها.

ووضعت في يدها بيضة أخرى.. فأخذتها وانطلقت تعدو. وخرجت على الأثر، وقصدت إلى القرية.. وكانت الضوضاء والصخب يزدادان وضوحاً كلما اقتربت، فاختلطت نغمات القيثارة بقرع الطبول ودوي الرصاص وصيحات المرح، ولما وصلت إلى الميدان رأيت فتيان القرية وفتياتها قد اجتمعوا تحت اشجار الحور وأخذوا يرقصون الرقصات الشعبية، بينما جلس الشيوخ على المقاعد الخشبية المحيطة بالاشجار، واسندوا ذقونهم إلى مقابض عصيهم. ووقفت عجائز النساء ورائهم وراح الجميع يرقبون الراقصين والراقصات.

ووقف فانوريو، عازف القيثارة البارع، وسط حلقة الرقص، وخلف أذنه وردة حمراء، وراح يحرك المرقص ويشجي الراقصين بما يرسل من نغمات قيثارته.

وعندما مررت بحلقة الرقص، تحول إلي بعض الشباب وهتفوا:

- ألا تشترك معنا في الرقص.

ولكني ابتسمت لهم، ومضيت في طريقي إلى بيت مدام هورتنس، ووجدت المرأة ممدة في فراشها الكبير، وهو آخر قطعة من الاثاث الثمين استطاعت الاحتفاظ بها على مر السنين.. وكانت تسعل بشدة ، وقد احمرت وجنتاها من تأثير الحمى.

وما أن وقع بصرها علي، حتى جعلت تئن وتتوجع.

وقالت:

- زوربا! أين زوربا:

انه أصيب بوعكة منذ رآك طريحة الفراش.. ان صورتك أمام عينيه دائما.. وهو ينظر إليها ولا يكف عن التأوه.

فأغمضت الغانية المسكينة عينيها في سعادة وغمغمت قائلة.

- زدني حديثا عنه.

- لقد أرسلني إليك لأسألك عما اذا كنت بحاجة إلى شيء..

ولكي أقول لك أنه سيأتي لزيارتك هذا المساء رغم توعكه.. ويبدو أنه لم يعد يطيق فراقك.

- تكلم.. تكلم.. أرجوك.

- وقد تسلم برقية من أثينا تقول أن ثوب الزفاف قد تم اعداده، وكثير من زهور البرتقال. وقد أرسلت جميعا بطريق البحر، وستصل قريبا.. ومعها الشموع البيضاء الكبيرة والشرائط الحريرية الحمراء..

- تكلم.. امض في حديثك..

وقهرتها الحمى، فاضطربت أنفاسها، وراحت تهذي..

وكانت رائحة النشادر والعرق وماء الكولونيا تنبعث من الغرفة مختلطة برائحة مخلفات الدجاج والارانب في فناء الفندق، فنهضت وتسللت الى الخارج.. والتقيت عند خروجي بميميكو، وكان يرتدي قميصا جديدا وحذاء ويضع خلف أذنه فقلت له:

- ميميكو .. أسرع إلى قرية كالو واستدع طبيباً.

وقبل أن أكمل عبارتي، كان الفتى قد خلع حذاءه ووضعه تحت ابطه حتى لا يتلف في الطريق.

قلت له:

- ابحث عن الطبيب وأبلغه تحيتي وقل له ان يمتطي فرسه ويحضر فورا.. قل له ان السيدة مريضة بالحمى وان حياتها في خطر لا تنس أن تقول له ذلك والآن، اذهب..

- فورا..

وبصق في كفيه،، وصفق بهما، ولكنه لم يتحرك من مكانه فصحت به

- اذهب..

ولكنه لزم مكانه، وغمز بعينه وقال وعلى شفتيه ابتسامة ماكرة:

- سيدي .. لقد أهداك بعضهم زجاجة من عطر البرتقال فحملتها إلى كوخك.

فتريث لحظة منتظراً أن أسأله عمن أرسل الهدية ولكني لم أفعل، فقال:

- ألا تريد أن تعرف من أرسلها؟ قالت السيدة انها أرسلتها اليك لتجعل رائحة شعرك طيبة.

- اذهب.. واسرع.. واقفل فمك.

فضحك وبصق في يده مرة أخرى، وأطلق ساقيه للريح.