البحر ، و طراوة الخريف ، و الجزر السابحة في النور ، و المطر الناعم الذي أضفى حجابا شفافا على العري الأبدي لجزر اليونان ، كم هو سعيد الرجل الذي يمخر عباب بحر إيجه قبل وفاته .
كم هي عديدة مسرات هذا العالم ، نساء ، و فواكه ، و آراء ، و لكن أن تشق عباب هذا البحر الهادئ و في فصل الخريف لهي السعادة التي تملأ قلب الإنسان في نعيم الفردوس ، فهذا هو المكان الوحيد الذي يمكن للإنسان أن ينتقل فيه من مكان إلى مكان بهدوء و سهولة ، من الواقع إلى الخيال .. إنها المعجزة بالذات !
و عند الظهر انقطع المطر ، و بددت الشمس حجب الغيوم ، و أطلت علينا ناعمة لتداعب بأشعتها صفحات الماء الحبيبة ، و تركت نفسي تستوعب هذه المعجزة الخالدة التي انقشعت على مدى الأفق البعيد .
و على ظهر المركب ، كاليونانيين ، الشياطين الأذكياء ، ذوو العيون المشعة و العقول التي تتقن فن المساومة الطويل على البضائع التافهة ، و في بعض الأحيان تأخذ بك الرغبة في أن تمسك بهذا المركب من طرفيه و تغرقه في البحر ، ثم تهزه جيدا لتغسل عنه كل هذه الحيوانات التي أوسخته ، رجال ، فئران ، و قمل . ثم تعومه من جديد بعد أن يصبح نظيفاً فارغاً .
و لكن في بعض الأحيان كانت العاطفة تمنعني ، عاطفة بوذية ، باردة كالاستنتاجات الميتافيزيقية ، عاطفة ليست نحو الرجال فقط ، بل نحو الحياة كلها بجهادها ، و صراخها ، و نواحها ، و آمالها التي لا ترى أن كل شيء ليس إلا محاولة لإظهار الأشباح من العدم ، عاطفة نحو اليونانيين ، و نحو المنجم الفحمي ، و نحو مخطوطتي الناقصة عن بوذا ، و عن ذلك الخليط من النور و الظلال الذي يزعج صفاء الجو .
و كنت أختلس النظر إلى زوربا المنهك ، الشاحب الوجه ، و قد قبع في مجلسه على ظهر المركب على كومة من الحبال عند مقدمة المركب ، كان يشم ليمونة و يصغي إلى صراخ الركاب و شجارهم بأذنيه الكبيرتين ثم يهز برأسه الضخم و يبصق و يتمتم قائلا :
- هؤلاء الحطام ، ألا يخجلون من أنفسهم ؟
- ماذا تعني بكلمة ( حطام ) يا زوربا ؟
- كل هؤلاء الملوك ، الديموقراطيات ، النواب ، المرائين !
إن الحوادث لم تكون لزوربا سوى أمور قديمة ، فهو بنفسه قد ابتعد عنها ، و بالتأكيد كان التلغراف ، و البواخر ، و المراكب ، الأخلاق السائدة ، و الدين ، لا بد أن تكون كالبنادق القديمة الصدئة ، فتفكيره قد تقدم بسرعة تجاوزت تقدم العالم .
كانت الحبال تتشقق على الصواري ، و الشواطئ كانت تتراقص ، و النساء المسافرات أصبحت وجوههن أكثر اصفرارا من الليمونة ، لقد ألقين بأسلحتهن ، المساحيق و المشدات و دبابيس الشعر و الأمشاط ، و شحبت شفاههن و أظافرهن بدأت تتحول ألوانها إلى الأزرق ، و بدأت تتساقط الريش المستعار و الشرائط الحريرية و الجفون الاصطناعية ، فقد كان الناظر إليهن بالإجمال يشعر بالقرف و الرغبة بالتقيؤ .
و شحب وجه زوربا بدوره و اصفر لونه ثم اخضر ، و خفتت عيناه المتقدتان و لم يعد إلى تألقه الأول إلا في المساء ، حين أشار إليّ ليريني درفيلين كانا يتقافزان و يسابقان المركب ، و صاح :
- درافيل !
و لاحظت لأول مرة أن نصف إبهام يده اليسرى مقطوع ، فارتعدتُ و سألته :
- ماذا جرى لإصبعك يا زوربا ؟
و أجابني و قد بدا عليه الاستياء لأنني لم أنظر إلى الدرافيل :
- لا شيء !
- هل قطعته بآلة حادة ؟
- و ما شأن الآلة بالموضوع ؟ كلا فقد قطعته بنفسي .
- بنفسك ، و لماذا ؟
- أنت لا يمكنك الفهم ، أيها الرئيس ، لقد سبق و أخبرتك أنني قمت بأعمال عديدة ، و في إحدى المرات عملت في صناعة الفخار ، و قد أحببت هذا العمل لدرجة الجنون ، هل يمكنك أن تتصور ماذا يعني أن تأخذ حفنة من الطين و تعمل منها ما تريد ؟ قرر! ثم تدوّر الدولاب و يدور الطين معه بينما تقول بنفسك " سأصنع جرة ، أصنع صحنا ، سأصنع قنديلا ، و الشيطان يعلم ماذا أيضاً " هذا ما تقوله عن كونك رجلاً : الحرية !
لقد نسي البحر ، و لم يعد يقضم الليمونة ، و عاد الصفاء إلى عيونه ..
- حسنا ، و لكن إصبعك ؟
- لقد كانت تزعجني ، و تقف في طريق عملي ، و تفسد علي مشاريعي ، و في ذات مرة أمسكت بفأس صغيرة ..
- ألم تشعر بالألم ؟
- كيف لم أشعر بألم ؟ هل تعتقد أني جذع شجرة ؟ إنني إنسان ، لقد تألمت و لكن كما قلت لك كانت تقف في طريقي فقطعتها !
و هدأ البحر قليلا عند غياب الشمس و انقشاع الغيوم ، فدبت نجمة المساء لامعة براقة ، و ألقيت نظرة على البحر و رحت أفكر .. كيف نحب إلى هذا الحد ؟ ثم نأخذ فأسا و نقطع ثم نتألم ، لكني أخفيت اضطرابي و أردفت قائلا محاولا الابتسام :
- إنها لطريقة سيئة يا زوربا ! إنها تذكرني بالأسطورة الذهبية التي تقول عن ناسك رأى امرأة قد أزعجته جسديا ، فتناول فأساً ..
و صاح زوربا مقاطعاً :
- كم هو أحمق ، يقطع هذا ! و لكن هذا المسكين لا يعتبر عقبة !
- كيف ؟ بل هو عقبة كبيرة .
- أمام ماذا ؟
- أمام ولوجك أبواب السماء !
و حدجني زوربا بنظرة ساخرة و هو يقول :
- إنه هو الذي يمكنك اعتباره مفتاح السماء !
ثم رفع رأسه و حدق بي كأنه يريد معرفة رأيي بالحياة التالية ، و بملكوت السماء ، و النساء و النساك ، لكنه لم يتمكن من الوصول إلى شيء فهز رأسه الضخم و استطرد :
- إن الخصيان لا يدخلون السماء .
ولاذ بالصمت ، فذهبت إلى مقصورتي و أخذت كتاباً و أخذت أقرأ ..
و في صباح اليوم التالي استيقظتُ مبكراً ، و كانت الجزيرة قد أصبحت عن يميننا ، تلك الجزيرة الكبيرة المزهوة المتوحشة ، و الجبال الوردية الشاحبة تبدو كأنها تبتسم من خلال ضباب شمس الخريف ، و من حول المركب كان البحر الأزرق ما يزال ثائرا مهتاجاً .
و كان زوربا الملتحف بغطائه الرمادي ينظر محدقا إلى جزيرة كريت ، و عيونه تنتقل من الجبل إلى السهل و تتبع الشاطئ و تتفحصه ، كأنه قد شاهد جميع هذه الأراضي و البحار مرات سابقة و هو يتمتع برؤيتها ثانية ، و دنوت منه واضعا يدي على كتفيه قائلاً :
- زوربا ، أعتد أنها ليست المرة الأولى التي تأتي فيها إلى كريت ، فأنت تحدق بها كأنك صديق قديم .
و تثاءب زوربا ، كأنه ضجر ، و شعرت أنه لا يميل إلى الحديث الآن ، فابتسمتُ و قلت له :
- إن الحديث يضجرك ، أليس كذلك يا زوربا ؟
- ليس هذا بالضبط ، أيها الرئيس ، لكن الكلام صعب .
- صعب ؟ و لماذا ؟!
و لم يجبني على الفور ، و أجال بنظره إلى الشاطئ مرة أخرى ، لقد نام ليلته على ظهر المركب و كان شعره الرمادي المجعد يقطر بالندى ، و كانت الشمس المشرقة تضيء التجاعيد في وجهه و رقبته ، و حرك شفتيه أخيرا و هو يقول :
- في الصباح أجد صعوبة في فتح فمي ، صعوبة كبيرة ، اعذرني .
و مرة أخرى راح في صمتٍ عميق و عاد ينظر إلى كريت . و رن جرس طعام الإفطار ، و ظهرت الوجوه من المقصورات ، نساء مترنحات و شعورهن متدلية تفوح منهن روائح القيء الممزوج برائحة الكولونيا ، و أعينهن مذعورة بلهاء . و كان زوربا يجلس أمامي و هو يشرب فنجان القهوة و يغمس قطعة الخبز التي مسحها بالزبدة و العسل ، ثم يأكلها ، و أشرق وجهه بعد ذلك و اطمأن قليلا و بدا فمه كأنه أصبح مرنا ، ثم أشعل سيجارة و راح يستنشق أنفاسا و هو على أشد ما يكون من التلذذ ، و لاحظت أنه أصبح مستعدا للحديث و من ثم راح يقول :
- هل هذه هي المرة الأولى التي آتي بها إلى كريت ؟
ثم أغمض عينيه قليلا ، ثم راح ينظر إلى جبل ابرا الذي كان ممتدا وراءنا ، و استطرد قائلاً :
- كلا إنها ليست المرة الأولى ففي عام 1896 أصبحت رجلا ناضجا تماما و كان شاربي و شعري لا يزالان بلونيهما الحقيقيين و كنت لا أزال في مقتبل العمر ، و كنت حين أسكر ألتهم المقبلات أولا ثم الطعام ، نعم ، فقد استمتعت إلى أقصى حدود الاستمتاع ، لكن الشيطان تدخل أيضا فقد نشبت الثورة في كريت . في تلك الأيام كنت بائعا جوالا ، و كنت أبيع الخضراوات متنقلا من قرية إلى قرية في مقدونيا و عوضا عن المال كنت أستبدل ما أبيعه بالجبنة و الصوف و الزبدة و الأرانب و الذرة ، ثم أعود و أبيع هذه الأشياء و أكسب ربحا مضاعفاً ، ففي كل قرية أحلها ليلا ، أعلم أين أنام ، ففي كل قرية كنت أجد قلب أرملة رحيمة عطوف ، و كنت أقدم لها مشطا أو مكبا من الخيطان أو وشاحاً ، أسود اللون بسبب المرحوم ! و أنام معها بعد ذلك ! و لم يكن ذلك يكلفني كثيراً .. كلا ، لم تكن تكلفني كثيرا ، أيها الرئيس ، و لكن كما قلت سابقا لقد تدخل الشيطان و هبت كريت لتحمل السلاح ، و قلت لنفسي لتذهب بمصيرها إلى الجحيم ! ألا تقدر هذه الكريت اللعينة أن تتركنا بسلام ؟ ثم وضعت جانبا أمشاطي و حملت بندقيتي و توجهت للانضمام للثوار في كريت .
و صمت زوربا ، فقد بدأنا نسير إلى خليج مستدير رملي ، و كانت الأمواج تنتشر بهدوء دون أن تتكسر ، تاركة خيطا رفيعا من الزبد على طول الشاطئ ، و انقشعت الغيوم و تألقت الشمس و لاحت أطراف الجزيرة بوضوح ، و التفت زوربا نحوي و حدجني بنظرة ساخرة :
- و الآن ، أعتقد أيها الرئيس أنك تتصور بأني سأخبرك كم رأسا تركيا قطعت و كم أذنا قد وضعت في الكحول ، فهذه هي العادة في كريت ، حسنا .. و لكني لن أفعل ، فأنا لا أحب أن أفعل ذلك لأني أخجل منه ، ما هذا الجنون ؟ و اليوم بعد أن أصبح عقلي راجحا صرت أسائل نفسي قائلا : ما هذا الجنون الذي تملكنا لكي نلقي بأنفسنا على رجل آخر لم يؤذنا بشيء ثم نعضه و نقطع أنفقه و نمزق أذنيه ، و في الوقت نفسه نطلب من الله العظيم أن يساعدنا ! فهل هذا يعني أننا نطلب من الله أن يذهب معنا ليقطع آذان البشر و أنوفهم ؟ و لكن في ذلك الوقت ، كان دمي لا يزال حارا في عروقي ، و ما كان باستطاعتي الوقوف و التساؤل و التفحص ، إذ يجب على المرء لكي يفكر بدقة و عدل أن يكون هادئا مسناً دون أسنان ! فعندما يكون المرء عجوزا لا أسنان له ، فباستطاعته القول بسهولة تامة " لعنكم الله أيها الأولاد ، فمن العيب أن تعضوا " و لكن حين تكون له أسناني الاثنين و الثلاثين .. يكون الإنسان متوحشا كالحيوان .. نعم ، أيها الرئيس ، كالحيوان المفترس آكل لحوم البشر .
و هز رأسه ثم قال :
- و هو يأكل الخراف أيضاً ، و الدجاج و الخنازير ، و لكنه إذا لم يأكل لحم البشر تبقى معدته خاوية ، كلا .. إن معدته لا تكتفي ، و الآن ما لديك من أقوال ؟!
و لكنه لم ينتظر الجواب ، بل أكمل قوله و هو يحدق بي :
- ماذا يمكنك أن تقول ، فكما أرى ، إن سيادتك لم تشعر بالجوع مطلقاً ، و لم تقتل أبدا ، و لم تسرق و لم تزنِ ، ماذا تعرف من هذا العالم ؟ إن عقلك بريء ، و جلدك لم ير أشعة الشمس .
قال جملته الأخيرة بكثير من الاحتقار ، مما جعلني أشعر بالخجل من يدي الناعمتين و وجهي الشاحب و حياتي الخالية من لطخات الدم و الوحل ، ثم قال و هو يمسح بيده الخشنة على الطاولة :
- حسنا ، حسنا ، فهناك ما أود أن أسألك إياه فلا بد أنك قرأت مئات الكتب ، فربما تعرف الجواب .
- هيا ، قل لي يا زوربا ، ما هو ؟
- إن هنا ثمة معجزة تحدث ، أيها الرئيس ، معجزة مضحكة تحيرني ، إن كل هذه الأعمال ، هذه الخدع القذرة و السرقات و المذابح التي نقوم بها – نحن الثوار – كل هذه جاءت بالأمير جورج إلى كريت ، الحرية !
ثم نظر إلي بعينين ملؤهما الدهشة :
- إنها أحجية عظيمة ، فإذا أردنا الحصول على الحرية في هذا العالم القذر يجب أن نقوم بهذه الجرائم ، و هذه الخدع القذرة ، أليس كذلك ؟ أقول ، إذا أخبرتك عن كل هذه الجرائم المريعة
لوقف شعر رأسك ! و لكن ما هي نتيجة كل ذلك ؟ الحرية ! فبدلا أن يزيلنا الله تعالى بصاعقة من عنده يمنحنا الحرية ! إني لا أفهم حقاً ..
و نظر إلي كأنه يطلب العون مني ، و قد لاحظت أن هذه المعضلة قد شغلته و آلمته و لم يتمكن من كشف سرها ، ثم سألني بقلق :
- هل فهمت ؟!
ماذا أفهم ! و ماذا أقول له ؟ فإما هذا الذي ندعوه إلها غير موجود ، أو أن تكون هذه التي ندعوها جرائم و اغتيالات ضرورية للكفاح من أجل حرية العالم ، و حاولت أن أجد له طريقة أسهل لأشرح له الأمر .
- كيف تستطيع الزهرة أن تنمو و تعيش وسط السماد و القذارة ؟ افترض يا زوربا لنفسك أن هذه الأقذار هي الإنسان و أن الزهرة هي الحرية .
- و لكن البذرة ؟
صاح زوربا و هو يضرب الطاولة بقبضة يده و يقول :
- لكي تنبت الزهرة يجب أن يكون هناك بذرة ، من هو الذي وضع بذرة كهذه في جوفنا ؟ و لماذا لا تنبت البذرة هذه زهور لطيفة شريفة ؟ لماذا تحتاج إلى الدم و الأوساخ ؟
فهززت رأسي قائلا :
- لا أعلم
- و من يعلم ؟
- لا أحد .
و صاح زوربا في يأس :
- إذا ماذا تنتظر مني أن أفعل بالقوارب و المحركات و ربطات العنق ؟!
و تململ اثنان من المسافرين الذين كانوا يحتسون القهوة على مائدة مجاورة و رهفوا آذانهم لسماع ما نقوله ، و اشمأز صديقي منهم و قال لي بصوتٍ خفيض :
- لنغير الموضوع ، فعندما أفكر في ذلك أشعر برغبة في تحطيم كل ما تقع عليه يدي من كراسي أو قناديل أو حتى ضرب رأسي بالحائط ، و لكن ما الفائدة من كل هذا ؟ فسأضطر إلى دفع ثمن ما حطمته ، ثم أضطر للذهاب إلى الطبيب ليربط لي رأسي ، فهذا أسوأ بكثير ، فسينظر إلي من أعالي السماء و ينفجر بالضحك .
و حرك يده فجأة كأنه يريد أن يتخلص من ذبابة مزعجة ، ثم قال :
- لا بأس ، فكل ما أردت أن أقوله لك هو : عندما جاءت المركبة الملكية و هي مزدانة بالأعلام و ابتدأ إطلاق المدافع ، و حين وضع الأمير رجله على أرض كريت .. هل سبق لك أن رأيت شعبا بأسره يصبح مجنونا لأنه رأى حريته ؟ كلا ؟ آه ، أيها الرئيس ، إذن فقد خلقت أعمى ، و ستموت أعمى ، فإذا قدر لي أن أعيش ألف سنة حتى لو أن كل ما تبقى مني عبارة عن قطعة لحم حية ، فلن أنسى ما رأيته ذلك اليوم ! و إذا كل واحد منا قدر له أن يختار جنته في السماء حسب ذوقه – و هذا ما يجب أن نكونه ، فهذا ما أدعوه جنة – سأقول للإله العظيم " يا إلهي ، لتكن جنتي جزيرة كريت المملوءة بالأعلام و الزينات ، و دع هذه اللحظة التي وطأت بها أقدام الأمير جورج أرض كريت تستمر قرونا طويلة ! فهذا يكفي "
و عاد زوربا إلى الصمت مرة أخرى ، و رفع شاربه ، ثم ملأ كأسا من الماء البارد و شربها دفعة واحدة :
- ماذا جرى في كريت يا زوربا ، أخبرني !
و قال لي منزعجاً :
- هل سنعود إلى العبارات الطويلة ؟ أنظر ، أقول و أكرر لك أن هذا العالم غامض جدا و الإنسان ليس إلا وحش كاسر .
وحشٌ عظيمٌ و إله ، حارس أسود ثائر ، جاء معي من مقدونيا ، اسمه يورغا و كان يدعونه " المجرم " خنزير شرس ، و هل تعلم .. لقد بكى ، و قلت له و عيوني تترقرق بالدمع " لماذا تبكي أيها الكلب ؟ لماذا تبكي أيها الخنزير ؟ " و لكنه لم يجب ، لم يكب ، بل ألقى بيديه حول عنقي و راح يبكي كالأطفال ، ثم تناول محفظته و وضعها على حجره بعد أن أفرغ منها القطع الذهبية التي نهبها من الأتراك ثم ملأ قبضته بالقطع و ألقى بها في الهواء ، أرأيت .. أيها الرئيس ، هذه هي الحرية !
و نهضت إلى ظهر المركب لأستنشق هواء البحر .. " هذه هي الحرية " فكرت بنفسي ، تهوى ثم تجمع قطعا من الذهب ، و فجأة تتغلب على تلك العاطفة فتتمسك بكنزك و تلقي به أدراج الرياح لتحرر نفسك من عاطفة معينة و تأخذ بعاطفة أسمى ، أليست هذه هي نوعا آخر من العبودية ؟ لتضحي بنفسك من أجل فكرة معينة ، من أجل عرق ما ، لله ؟ أم أن كلما ارتفع الرمز طال حبل العبودية ؟ عندئذ يمكننا الاستمتاع و اللهو في أرجاء أوسع و نموت دون أن نصل إلى نهاية الحبل ، هل هذا ما ندعوه الحرية ؟!
و عند المغيب شارفنا الشاطئ الرملي و رأينا أخيرا الرمال البيضاء الصافية و أشجار الخرنوب و التين ، و التل الصغير الأجرد الذي يشبه وجه امرأة تستريح ، و تحت ذقنها و حول رقبتها تمر عروق الفحم الرمادية .
كانت نسمات الريح الخريفية تهب ، و الغيوم المتقطعة تمر في السماء لتغلق الأرض بالظلال ، و غيوم أخرى كانت تنظر و تهدد الشمس التي احتجبت وراءها ، و وجه الأرض يضيء و يظلم كوجه حي منزعج .
و توقفت للحظة على الرمل و نظرت ، كانت الوحدة مجسمة أمامي ، وحدة مميتة و لكنها مدهشة ، كالصحراء ، و برزت أغنية البوذيين من الأرض و تلمست طريقها إلى أعماق نفسي " متى سأنزوي في الوحدة أخيرا ، لوحدي ، دون رفاق ، و بدون فرح أو بدون حزن ، و بالتأكيد مقدس أن كل شيء ليس إلا حلما ؟ متى ، و في أسمالي البالية – دون رغبات – سأنزوي مكتفيا في الجبال ؟ و متى ، و أنا متبين أن جسدي ليس إلا مرضا و جريمة ، و حياة و موت ، حرا دون خوف و بسعادة ، سأعتزل إلى الغابات ؟ متى ؟ متى ؟ آآه .. متى ؟ "
و تقدم زوربا نحوي و هو يحمل السانتوري تحت ذراعيه ، بخطى قلقة ، فقلت له محاولا إخفاء قلقي :
- هناك مناجم للفحم !
و دون أن ينظر إلى حيث أشرت أجابني بهزة من رأسه ..
- فيما بعد ، فهذا ليس الوقت لذلك أيها الرئيس ، يجب أن ننتظر حين تقف الأرض ، إنها لا تزال تموج و ليأخذها الشيطان ، كظهر المركب ، تعال .. لنذهب إلى القرية .
و بهذه الكلمات تقدم بخطى طويلة محاولا إنقاذ وجهه ، و تراكض اثنان من الصبية الأشقياء ليحملا الحقائب ، و في الكوخ ، حيث نقطة الجمرك ، جلس أحد الموظفين يدخن ( الحُقة ) و حدجنا بطرف عينه بنظرات ثاقبة ، ثم ألقى نظرة سريعة على الحقائب و تحرك قليلا كأنه يريد الوقوف لكنه وجد أن ذلك سيأخذ منه كثيرا من المشقة ، و اكتفى بأن أشار إلينا قائلاً " أهلا بكم " ، و تقدم أحد الصبية و قال لي بلهجة ساخرة :
- إنه ليس كريتيا ، إنه شيطان بليد .
- أليس الكريتيين شياطين بلداء ؟
فقال الكريتي الصغير :
- إنهم كذلك ، نعم ، إنهم كذلك .. و لكن بطريقة مختلفة .
- هل القرية بعيدة ؟
- على بعد طلقة بندقية من هنا ، أنظر ، وراء البساتين في الوادي ، إنها قرية جميلة ، يا سيدي تحوي الكثير من كل شيء ، شجر خرنوب ، لوبياء ، زيت ، نبيذ ، و هناك على الرمال نبت الخيار مبكرا كذلك البطيخ ، إن هواء أفريقيا هو الذي ينضجها باكراً ، فإذا ما نمت بأحد البساتين فإنك تسمع صوت طقطقتها و هي تنضج و تكبر .
كان زوربا يتقدمنا و رأسه ما يزال مترنحا ، فصحت به قائلاً :
- ارفع رأسك يا زوربا ، لقد اجتزنا المخاطر الآن ، و لم يعد هناك من داعٍ للخوف .
و تقدمنا مسرعين ، و كانت الأرض مملوءة بالرمال و الصدف ، و هنا و هناك نجد بعض أشجار التين ، كان الجو ثقيلا ، و الغيوم تتجمع و تقترب و الريح تهدأ ، و اقتربنا من شجرة تين ضخمة ، فتوقف أحد الولدين و أشار إلى الشجرة و هو يقول :
- هذه شجرة التين خاصة سيدتنا الصغيرة .
و فوجئت بكلمته ، فقد كانت لكل شجرة أو صخرة في أرض كريت قصة محزنة :
- و لماذا تدعى كذلك ؟
- في الأيام الماضية ، أيام أجدادنا ، وقعت إحدى البنات من الأعيان في غرام أحد الرعاة الشباب ، لكن والدها لم يكن موافقا ، و راحت الابنة تبكي و تصرخ و ترجو والدها الذي لم يلين ، و في أحد الأيام اختفى الشابان و ظلوا يبحثون عنها يوما ، و يومين ، و ثلاثة ، و أسبوعا ، و لكن دون جدوى ، و أخيرا فاحت رائحة العفونة فتتبعوها فوجدوا العاشقين تحت شجرة التين ، متعانقين متعفنين ، هل تفهم ؟ لقد عثروا عليهما بسبب رائحة العفونة .
و انفجر الصبي بضحكة مجلجلة ، و تناهت إلى أسماعنا ضوضاء القرية البعيدة ، و سمعنا أصوات نباح الكلاب و صياح النسوة و الديوك ، و شممنا رائحة العنب من القدور الذي كان العرق يقطر منها ..
- هذه هي القرية .
و ما إن اقتربنا من التلة الصغيرة حتى لاحت لنا القرية الصغيرة و بنات لنا كأنها تتسلق سفح الوادي ، كانت البيوت الصغيرة متجملة ، متلاصقة ، نوافذها كأنها بقع سودا ، فالبيوت كانت مبنية من الكلس الأبيض الناصح و الحجارة ، و لحقت بزوربا وقلت له :
- لا تنس ، يا زوربا ، أن تتصرف بلياقة فقد دخلنا إلى القرية الآن ، و لنتصرف كرجال الأعمال ، فأنا المدير و أنت ناظر العمال ، إن الكريتيين لا يأخذون الأمور بسهولة فما أن تقع أعينهم عليك حتى يبحثوا عن شيء ظاهر بك و يطلقوا عليك لقبا معينا ، حيث لا يمكنك بعد ذلك التخلص من هذا اللقب ، و ستجري كالكلب الذي لحقت بذيله مقلاة .
و أمسك زوربا بشاربه و غاب في التأملات ، و أخيرا قال :
- اسمع ، أيها الرئيس ، إذا كانت هناك أرملة في القرية فلا لزوم للخوف ، و إذا لم يكن ..
و في هذه اللحظة و ما إن دخلنا إلى القرية تقدمت منا امرأة فقيرة بأسمال بالية و مدت يدها نحونا ، و لاحظت أن لها شاربا أسود ، و صاحت بزوربا كأنها تعرفه :
- مرحى يا أخ ، هل لك روح أيها الأخ ؟
و توقف زوربا و أجابها :
- نعم لدي .
- إذاً أعطني خمس درخمات .
و نفحها بشيء من المال قائلا " خذي " ، افترت شفتاها عن ابتسامة حريرية ، و أضاف زوربا قائلا :
- إن الحياة هنا ليست غالية على ما أظن ، أن الروح تساوي خمسة درخمات .
و اقتربنا نحو ساحة القرية فرأينا مقهى كتب على مدخله " مقهى الحشمة ، و دكان اللحام " .
- و لماذا تضحك ؟!
سألني زوربا ، لكنني لم أجد وقتاً لأجيبه ، فقد خرج من باب الدكان هذا خمسة أو ستة عمالقة
يرتدون سراويل زرق لها أحزمة حمراء و صاحوا بنا :
- أهلا بالأصدقاء ! تفضلوا بالدخول و خذوا كأسا من العرق ، إنه لا يزال حارا من القدور .
و لعق زوربا لسانه و قال :
- ما رأيك أيها الرئيس ؟ هل نشرب كأسا ؟
و شربنا كأسا أحرق أمعاءنا ، و قدم إلينا صاحب المقهى / اللحام ، و هو رجل عجوز جليل ، كرسيين ، فسألته عن مكان نأوي إليه و صاح أحدهم :
- اذهبا إلى مدام هورتنس .
و تساءلت بدهشة :
- هل هي فرنسة ؟
لقد جاءت من مكان لا يعلم إلا الشيطان ما هو ، لقد طافت في جميع الأرجاء ثم استقرت هنا و أسست فندقا صغيرا .
و قال أحد الأولاد :
- و هي تبيع الحلوى أيضاً !
ثم أضاف أحدهم :
- و هي تتزين و تصبغ وجهها أيضا ، و تضع شريطة حول عنقها ، و لديها ببغاء .
و هتف زوربا :
- و هل هي أرملة ؟
و قال له صاحب المقهى :
- كم هو عدد السكارى هنا أيها الصديق ؟ إنها أرملة لعدد كبير من الأزواج ، هل فهمت ما أقصد ؟
- نعم فهمت .
أجاب زوربا و هو يلعق شفتيه .
- و يمكنها أن تجعل منك أرملا
- انتبه أيها الصديق !
صاح أحد الرجال و ضحك الآخرون ، و تقدم صاحب المقهى حاملا صينية عليها الخبز و الجبن و هتف قائلا :
- هيا ، دعوهما و شأنهما ، و سوف أستضيفهما عندي .
- كلا ، أنا سأستضيفهما ، فأنا ليس عندي أطفال و بيتي كبير .
و أجاب صاحب المقهى و هو ينحني فوق الرجل و يقول :
- أرجو المعذرة ، أيها العم انانيوستي ، فأنا سبقتك بالكلام .
- إذن خذ الآخر ، و سآخذ أنا العجوز .
و صاح زوربا غاضباً :
- أي عجوز ؟!!
و قلت له و أنا أهدئ من روعه
- لن نفترق ، و سنذهب لعند مدام هورتنس .
كانت امرأة بدينة قصيرة القامة ، شعرها باهت اللون ، تتلوى في مشيتها ، مادة ذراعيها ، و على ذقنها خال تتدلى منه شعيرات طويلة ، و كانت تربط حول عنقها شريطة حمراء ، و خدودها المجعدة مصبوغة بلون بنفسجي ، و قالت لنا مرحبة :
- أهلا ، أهلا و سهلا .
و أجبتها ببشاشة و أنا أقبل يدها :
- كم أنا سعيد بمعرفتك يا مدام هورتنس ، إنا نريد سريرين يا سيدتي .. دون قمل .
- أوه ، بدون قمل ؟ لا أعتقد ذلك ، ليس هنا من قمل على الإطلاق .
و تقدمتنا و هي ترفس الحجارة بقدمها القصيرة المكتنزة ، و كانت تلبس جواربا زرقاء و ضخمة و تنتعل حذاءين مشقوقين عليها عقدة صغيرة من الحرير و لحق بها زوربا و عينيه تكاد تأكلانها !
- أنظر ، أنظر أيها الرئيس ، كيف تتلوى في مشيتها كالنعجة ذات الإلية المشحمة .
و عض زوربا على شاربه بعصبية و عيناه مسمرتان على أرداف السيدة و قال :
- همم ، إن هذه الحياة ملأى بالعهر ..