وأمطرت السماء مرة أخرى في اليوم التالي.

11 0 00

وكنت جالسا بباب الكوخ، أرى السماء تظلم، والبحر يتألق بلون فسفوري أخضر، وكان الشاطئ مقفرا تماما، ولا أثر لشراع أو لطيرن فنهضت واقفا، ومددت يدي إلى المطر، كما يمد السائل يده مستجديا، وشعرت فجأة برغبة في البكاء..

كان ينبعث من الأرض الرطبة نوع من الحزن، أشد عمقا وغموضا من أحزان نفسي، وأردت أن أصرخ، فقد أحسست بأن ذلك سيرفه عني، ولكني خجلت..

وكانت السحب تتكاثف وتدنو من الأرض، فنظرت من النافذة، وشعرت بقلبي ينبض في رفق.

ما أمتع الحزن الذي يملأ النفس من مرأى المطر الهادئ المتصل! ان جميع الذكريات المريرة الراسبة في أعماق النفس تطفو حينئذ فوق السطح، ذكرى الأصدقاء الذين هبوا، والابتسامات الحلوة التي ذبلت، والآمال العزيزة التي فقدت أجنحتها.

وتراءت لي وسط خيوط المطر، صورة صديقي الذي رحل إلى القوقاز، فتناولت قلما وورقة وشرعت أتحدث إلى صديقي لكي أفرق ستار المطر وأتمكن من التنفس:

- صديقي العزيز..

- انني أكتب إليك من شاطئ مقفر في كريت، حيث اتفقت مع القدر على قضاء بضعة شهور ألعب خلالها دور الرأسمالي، فاذا نجحت لعبتي قلت انها لم تكن لعبة، وانما هي قرار خطير غير مجرى حياتي.

ولا شك انك تذكر كيف وصفتني يوم رحلت بأنني (عث كتب)، لقد بلغ من شيقي بهذا الوصف انني قررت تحطيم قلمي وهجر الكتابة بعض الوقت – وربما إلى الأبد – لأمارس حياة أكثر واستخدمت بعض العمال، واعددت الفئوس والمعاول والمصابيح والسلال وعربات النقل، وحفرت السراديب وسرت فيها ، كل ذلك لكي أضايقك وأغيظك.

ان سعادتي هنا لا حد لها، لأنها تنبع من العناصر الخالدة، الهواء النقي والشمس والبحر ورغيف الخبز، وفي المساء ، يجلس القرفصاء أمامي سندباد عجيب غريب الأطوار ويتحدث إلي، فأشعر كأن الدنيا تزداد اتساعا. وفي بعض الأحيان عندما لا تسعفه الألفاظ، يثب من مكانه ويرقص، وحين تعجز رقصاته عن التعبير، يضع السانتوري على ركبتيه ويعزف، وكثيرا ما يعزف مقطوعات همجية تحس حين تسمعها بانك تختنق، لأنها تشعرك بأنك تعيش حياة لا لون لها ولا طعم ، حياة بائسة لا تخلق بانسان.. واذا عزف مقطوعة حزينة، أحسست بأن حياتك تمضي وتنساب كما تنساب الرمل بين اصابعك..

ان قلبي يتحرك بين ضلوعي جيئة وذهابا كالمنسج، انه ينسج هذه الشهور التي أقضيها في كريت، وأعتقد غفر الله لي – انني سعيد..

هل تذكر يوم عبرنا ايطاليا في طريقنا إلى اليونان للدفاع عن اقليم (بونتاس) الذي كان وقتئذ معرضا لخطر الغزو؟ لقد غادرنا القطار لقضاء بعض الوقت في المدينة حتى يحين موعد سفرنا بالقطار التالي.. وسرنا في حديقة واسعة على مقربة من المحطة.. وكانت أحواض الزهور حولنا من الجمال وحسن التنسيق بحيث خيل الينا أننا في حلم.. وما كدنا ننحرف في واحد مسالك الحديقة حتى وجدنا أنفسنا أمام فتاتين تسيران جنبا إلى جنب وتقرآن كتابا واحدا..

انني لا أذكر الآن مبلغ حظهما من الجمال ولكني أذكر أن احداهما كانت شقراء والأخرى سمراء، وانهما كانتا ترتديان ثياب الربيع.

وبمثل الجرأة التي نترف بها في الأحلام، اقتربنا منهما، وقلت انت تحدثهما: مهما يكن موضوع الكتاب الذي تقرآنه، فاننا على استعداد لمناقشته معكما.

وكان الكتاب من تأليف (جوركي) ولم يكن لدينا متسع من الوقت، فدار الحديث بيننا بسرعة عن الحياة والفقر، وثورة العقل والحب..

ولن أنسى ما احسسنا به وقتئذ من سرور وأسى.. فقد خيل إلينا والفتاتين المجهولتين أصدقاء قدامى، بل وعشاق قدامى..

وأقبل القطار، فأخرجنا من حلمنا الممتع وشددنا على ايدي الفتاتين، فامتقع وجه احداهما، بينما راحت الاخرى تضحك وترتجف.

واذكر انني قلت لك في تلك اللحظة، ما معنى اليونان؟.. وما معنى الوطن؟؟ وما معنى الواجب ؟ ان الحقيقة هنا..

فكان جوابك : ان اليونان والوطن والواجب لا تعني شيئا..

... انها لا شيء... ولكن هذا اللاشيء اذا دعانا، لبينا دعوته بلا تردد، وبذلنا حياتنا في سبيله عن طيب خاطر.

وعلك تسأل: لماذا اكتب اليك كل هذا؟

انني أريدك أن تعلم انني لم أنسى لحظة واحدة من اللحظات التي عشناها معا.

وما ان فرغت من الرسالة التي تحدثت فيها إلى صديقي حتى سرى عني وشعرت بالارتياح..

ودعوت زوربا.

كان قابعا تحت احدى الصخور حتى لا يبتل بماء المطر، وبين يديه انموذج صغير للسلك الهوائي يقوم باختباره.

قلت له: هلم بنا نذهب إلى القرية.

- ان المطر ينهمر.. الا تستطيع الذهاب وحدك؟

- لا أريد أن أشعر بالملل، هلم بنا فضحك وقال:

- يسرني ان تكون بحاجة إلي.

وارتدى معطفا من الصوف كنت قد أعطيته له. وخرجنا إلى الطريق.

وكان الهواء ساكنا، والضباب يحجب الجبل.

وانحنى زوربا والتقط زهرة نرجس، ونظر إليها طويلا، وكأنه يرى النرجس للمرة الأولى في حياته.

وقال وهو يتأملها بعد أن شمها:

- ليتنا نعلم ماذا تقول الصخور والامطار والزهور؟! لعلها تدعونا ونحن لا نسمعها..

ترى متى يفتح الناس عيونهم وآذانهم ليروا ويسمعوا؟ ومتى نفتح سواعدنا لنحتضن كل شيء: الصخور والامطار والزهور والناس؟ ما قولك في ذلك يا استاذ؟ وماذا تقول كتبك في هذا الموضوع؟

- لتذهب الصخور والامطار والزهور إلى الشيطان.. هذا ما تقوله الكتب..

فأمسك بساعدي وقال:

- خطرت لي فكرة أرجو ألا تغضبك.. ضع كل كتبك في كومة واحدة وأشعل النار فيها، فلعلنا نستطيع أن نصنع منك شيئا بعد ذلك.

وقلت لنفسي: انه على حق، ولكني لا أستطيع أن أفعل ذلك..

ووصلنا إلى القرية.

ورأينا الفتيات يعدن بالخراف من المراعي، والرجال يطلقون الثيران من نير المحاريث ويتركون الحقول بغير حرث.. والنساء يعدون وراء أطفالهن في الشوارع الضيقة.

كان يسود القرية منذ بدأت الامطار نوع من الذعر المرح، فالنساء يصرخن وعيونهن تضحك، والرجال يصطنعون الجد والرزانة، وقطرات المطر تتساقط من لحاهم وشواربهم، ورائحة البلل تفوح من الارض والحجارة والعشب.

ودخلنا مقهى (التواضع) والماء يقطر من ثيابنا، وكان المقهى مزدحما بالرجال، وبعضهم يلعبون الورق وبعضهم يتحدثون بأعلى اصواتهم كما لو كانوا يتصايحون عبر الجبال، بينما دار شيوخ القرية حول مائدة في ركن قصي من أركان المقهى وراحوا يتداولون: العم اناجنوستي بقميصه الأبيض ذي الاكمام الفضفاضة، ومفراندوني وهو يدخن غليونه الطويل وعيناه تنظران إلى موقع قدميه، وناظر المدرسة وقد استند إلى عصاه وأخذ ينصت إلى شاب ضخم الجسم عاد لتوه من (كانديا) وراح يصف عجائب هذه المدينة الكبيرة. وصاحب المقهى وهو يصغي من مكانه ويضحك ويرقب اواني القهوة المرصوصة أمامه.

وما أن رآنا العم اناجنوستي حتى نهض واقفا ودعانا للجلوس إلى مائدته وقال وهو يشير إلى الشباب:

- ان سكافيانو نيكولي يحدثنا عن مشاهداته في (كانديا).. وحديثه لا يخلو من الطرافة.

ثم التفت إلى صاحب المقهى وقال:

- قدحان من العرق يا مانولاكي.

وجلسنا، وما ان وجد الشاب نفسه في حضرة أجنبيين حتى انطوى على نفسه ولزم الصمت. فقال له ناظر المدرسة ليحثه على الكلام:

- وهل ذهبت إلى المسرح كذلك يا نيكولي؟

فمد الشاب يده الغليظة وتناول قدحه، واحتسى النبيذ وجمع أطراف شجاعته وقال:

- نعم، لقد ذهبت إلى المسرح.. كانوا يتكلمون في كل مكان عن ممثلة معروفة.. وفي احدى الامسيات ، رسمت علامة الصليب على صدري وقلت لنفسي، حسنا، لماذا لا أرى بنفسي تلك التي تثير كل هذه الضجة.

فقال العم اناجنوستي:

- وماذا رأيت يا فتى!! حدثنا بحق السماء.

- الحق انني لم أر شيئا يستحق الذكر، انك تسمعهم يتحدثون عن المسرح فتظن انك ستشهد شيا.. ثم تدرك بعد قليل انك أضعت نقودك سدى.. فالمكان عبارة عن حانة كبيرة مستديرة كالجرن، مليئة بالمقاعد والانوار والناس.. ولم أدر في الواقع أين انا، وبهرتني الأضواء فلم أتبين شيئا، وخشيت أن يسحروني فهممت بالخروج فامسكت بيدي فهتفت بها:

- إلى أين تذهبين بي؟؟

ولكنها جذبتني خلفها، ومرت بي بين الصفوف واجلستني في أحد المقاعد..

ولم أر الا أناسا حولي وأمامي وخلفي وفي كل مكان حتى السقف. وشعرت بالاختناق، اذ لم يكن هناك هوا على الاطلاق.. وأخيرا التفت إلى جاري وسألته:

- هل لك أن تدلني ايها الصديق من أين تخرج الممثلات؟

فأجابني:

- انهن يخرجن من هناك.

وأشار إلى الستار.

وكان على حق، اذ لم تمض لحظة حتى دق جرس، وتحركت الستار، وظهرت الممثلة التي عنها يتحدثون.. ظهرت أمامنا على المسرح بدمها ولحمها.. وأخذت تروح وتغدو وتحرك ذيلها، وتدور حول نفسها، حتى صفق الناس فتوارت عن الأبصار..

وهنا أغرق القرويون في الضحك، فبدا الخجل على وجه نيكولي ونظر إلى الباب وقال ليغير مجرى الحديث:

- لا تزال الامطار تهطل..

فاتجهت الابصار إلى حيث كان ينظر.

وفي هذه اللحظة مرت بالمقهى امرأة تعدو.. وقد رفعت ذيل ثوبها الاسود إلى ما فوق ركبتها.. وانسدل شعرها على كتفيها.

كانت رشيقة القوام، وقد التصق ثوبها بجسدها.. فأبرز مفاتنه وأهلني جمال تكوينها.. وقلت لنفسي: يا لها من وحش مفترس!! وخيل إلي أنها امرأة خطرة.. من الطراز الذي يلتهم الرجال.

وحولت المرأة رأسها بفترة يسيرة.. وألقت على داخل المقهى نظرة ساحرة خاطفة..

وهتف شاب كان يجلس بجوار النافذة قائلا:

يا اله السموات.

وصاح مانولاكاس ، شرطي القرية:

- قبحها الله من فاجرة تشعل النار في قلوب الرجال وتدعهم يحترقون.

وراح الشاب الجالس بجوار النافذة يترنم باحدى الاغنيات في تردد وبصوت خافت اولا، ثم أخذ صوته في الارتفاع:

"وسادة الأرملة لها رائحة السفرجل..

" أنا أيضا عرفت هذه الرائحة

"ومن وقتها لم يغمض لي جفن".

فصاح مافراندوني:

- صه.

فصمت الشاب على الفور.

وهمس أحد الشيوخ في أذن مانولاكاس قائلا:

- ان عمك حانق على الأرملة، واذا وقعت المسكينة بين يديه فسوف يمزقها اربا.

فقال مانولاكاس:

- وأنت أيها العجوز اندروليو، اعتقد أنك أيضا مفتون بها.. ألا تخجل من نفسك؟

- اصغ إلي.. لا تشك أنك لم تدقق النظر في أطفال القرية الذين ولدوا أخيرا، بارك الله في الأرملة.. في استطاعتك أن تقول انها عشيقة رجال القرية جميعا..

وبعد لحظة صمت، غمغم اندروليو العجوز قائلا:

- ما أسعد الرجل الذي يحتويها بين ساعديه!!! وليتني كنت في العشرين من عمري، مثل بافيل، ابن مافراندوني!!

فقال أحد الحاضرين ضاحكا:

- ستراها الان حين تعود إلى بيتها.

فتعلقت عيون الجميع بالباب. وكان المطر قد كف، وبدأ وميض البرق يشق صفحة السماء بين الفينة والفينة.. وتقطعت أنفاس زوربا وفقد سيطرته على نفسه منذ أبصر بالارملة. قال يحدثني:

- لقد كف المطر فهلم بنا.

وظهر بالباب صبي عاري القدمين اشعث الشعر زائغ البصر فصاح به البعض ضاحكين:

- اهذا أنت يا ميميكو؟

ان لكل قرية انسانها الابله، فاذا لم يوجد الابله خلقوه خلقا ليسخروا منه، وقد كان ميميكو ابله تلك القرية.

وقال ميميكو بصوت رقيق كأصوات النساء:

- أيها الاصدقاء، لقد فقدت الارملة سورمالينا نعجتها، وستعطي جالونا من النبيذ جائزة لمن يجدها.

فصاح مافراندوني في غضب:

- اخرج من هنا.. اخرج.

فذعر ميميكو وانكمش بجانب الباب. فقال له العم اناجنوستي مشفقا:

- اجلس يا ميميكو وتناول قدحا من العرق حتى لا تصاب بالبرد.. ماذا تصبح قرييتنا اذا لم يبق فيها مغفل؟

وأقبل على المقهى شاب لاهث الانفاس، تتساقط قطرات المطر من شعر رأسه فصاح به مانولاكاس:

- تعال يا بافلي واجلس معنا.

فنظر مافراندوني إلى ولده وقطب حاجبيه وتمتم قائلا:

اهذا ولدي! من أين هذه الخنوثة، بودي أن أمسك بخناقه واصفع به الأرض!

وكان زوربا يجلس متململا، فقد الهبت الارملة حواسه، وشق عليه البقاء بين الجدران الاربعة..

كان يهمس في أذني كل دقيقة:

- هلم بنا .. انني أختنق هنا.

ثم تحول إلى صاحب المقهى، وساله، متظاهرا بقلة الاكتراث:

- من تكون هذه الأرملة؟

فقال المدعو كوندومانوليو:

- انها فرس ولود.

ووضع اصبعه على شفتيه، ونظر إلى مافراندوني من ركن عينيه نظرة ذات معنى، واستطرد قائلا:

- نعم.. انها فرس ولود.. ولكن دعنا لا نتحدث عنها حتى لا تحل علينا اللعنة.

ونهض مافراندوني واقفا وقال:

- ومعذرة.. انني سأعود إلى بيتي.. اتبعني يا بافلي وخرج وتبعه ابنه، وما لبثا ان غابا عن الأبصار.

وانتقل اندومانوليو إلى مقعد مافراندوني وقال بصوت خافت لا يكاد يسمع:

- مسكين مافراندوني .. انه سيموت كمدا.. لقد نزلت باسرته كارثة كبرى، وأمس فقط، سمعت بافلي يقول لأبيه:

سأقتل نفسي اذا لم تقبلني زوجا لها..

بينما الفاجرة تسخر منه، ولا تريد ان تكون لها أية صلة.

وهمس زوربا وقد اثارته كل كلمة قيلت عن الارملة:

- دعنا نذهب.

فقلت وأنا أنهض واقفا:

- هلم بنا اذن.

وخرج ميميكو من الركن الذي توارى فيه، وسار في أعقابنا.

وبعد لحظة أحسست به يلمس كتفي وسمعته يقول:

- أعطني سيجارة أيها السيد.

فأعطيته سيجارة فاشعلها وراح يدخنها بلذة فسألته:

- إلى أين أنت ذاهب؟

- إلى حديقة الارملة.. لقد وعدتني بطعام اذا أنا أذعت الخبر عن نعجتها.

وأسرعنا الخطى، وبدت القرية نظيفة باسمة بعد أن غسلها المطر وتنهد زوربا وسأل الصبي:

- هل تحب الارملة؟

- ولماذا لا أحبها أيها الصديق؟ ألم أخرج من المجاري ككل انسان آخر..

فذهلت ، وسألته:

- من المجاري؟ ماذا تعني يا ميميكو؟

- ألم أخرج من احشاء أمي؟

ودهشت وفكرت.

ان شكسبير هو وحده الذي يستطيع في أفضل لحظاته الخلاقة أن يصف سر الولادة بمثل هذا التعبير الواقعي.

سألته:

كيف تقضي أيامك يا ميميكو؟

- كأي أمير من الأمراء، استيقظ صباحا وأكل كسرة من الخبز، وأؤدي جميع الأعمال التي يطلبها الناس مني، واجمع القمامة والروث، ثم اصطاد السمك.. انني أعيش مع عمتي، ندابة القرية.. وسوف تعرفها يوما ما.. الجميع يعرفونها.. وفي المساء أعود إلى البيت وأتناول بعض الحساء، وقطرة من النبيذ ان وجد، فاذا لم أجد شربت ماء حتى تمتلئ أمعائي..

- ألا تنوي الزواج يا ميميكو؟

- أنا؟ انني لست مجنونا لكي أبحث عن المتاعب.. المرأة تحتاج إلى أحذية.. فأين أجدها؟ انني أسير عاري القدمين كما ترى.

- أليس لديك حذاء؟

- من تظنني؟ عندي حذاء طبعا، فقد مات رجل في العام الماضي فنزعت عمتي حذاءه من قدميه.. ولكني لا أنتعلهما الا في عيد الفصح، او عندما أذهب إلى الكنيسة، ومتى غادرت الكنيسة خلعتهما، ووضعتهما على كتفي، وعدت بهما إلى البيت.

- وأي شيء تحبه أكثر من سواه يا ميميكو؟

- الخبز أولاً، وخاصة اذا كان ساخنا ومن القمح..

ثم النبيذ ثم النوم.

- والمساء؟

- لا يهمني غير الطعام والشراب والنوم.. أما ما عدا ذلك فمتاعب.

- والأرملة؟

- اذا أردت السلامة فابتعد عنها، وتنكب طريقها.

- قال ذلك ورسم علامة الصليب على صدره.

- هل تعرف القراءة؟

- انني لست غبيا إلى هذا الحد، عندما كنت صغيرا حملوني إلى المدرسة، ولكني كنت حسن الحظ، فأحسست بالتيفوس، وأصبحت أبلها.. وهكذا نجوت من المدرسة.

وضاق زوربا بأسئلتي.. لم يكن يفكر في شيء آخر غير الارملة، فأمسك بساعدي، وتحول إلى ميميكو وامره ان يسبقنا ، ثم التفت إلي وقال:

- أريد أن أحدثك في امر هام.. انني أعتمد عليك فلا تخذلني، ولا تخذل عنصر الرجال جميعا لقد بعث اليك الله بهذه القطعة المختارة من اللحم. وما دامت لك اسنان فانهش قطعة اللحم باسنانك. امدد يدك وخذها.. لماذا اعطانا الخالق هذه الأيدي؟ انه أعطانا اياها لكي نأخذ بها ما نريد.. فخذ هذه المرأة.. لقد رأيت في حياتي نساء كثيرات ولكني لم أرد أشد فتة من هذه الأرملة.

فأجبته في غضب:

- انني لا أريد المتاعب .

وشعرت بالضيق، اذ كنت في قرارة نفسي قد اشتهيت ذلك الجسد القوي الذي مر بي كما تمر انثى الحيوان البري حين تبحث عن أليف..

وصاح زوربا في ذهول:

- لا تريد المتاعب؟ ماذا تريد اذن؟

فلم أجبه.

قال:

- ان الحياة هي المتاعب، ولا متاعب في الموت.. هل تعرف ما معنى ان يعيش الانسان؟ معناه ان يشمر عن ساعديه ويبحث عن المتاعب.

فلزمت الصمت.

كنت أعلم ان زوربا على حق، ولكني لم أجرؤ على مصارحته بذلك.

لقد سارت حياتي في اتجاه خاطئ، وكانت صلتي بالناس اشبه بحديث من جانب واحد.. وبلغ بي الأمر انني لو خيرت بين الوقوع في حب امرأة، وقراءة كتاب عن الحب، لاخترت الكتاب.

واستطرد زوربا قائلا:

- لا تحسب حساب شيء يا سيدي، دع الارقام وحطم الموازين، فهذا هو الوقت الذي ستنقذ فيه نفسك او تدمرها..

اصغ الي، خذ منديلا واطوه على جنيهين او ثلاثة، ولتكن جنيهات ذهبية، لأن أوراق النقد لا تبهر الابصار، وارسل ميميكو بالمنديل إلى الأرملة، وعلمه ان يقول لها: ان صاحب المنجم ويبعث اليك بتحيته، ويرجوك قبول هذا المنديل ولكن حبه أكبر من هديته، وانها اذا كانت قد فقدت نعجتها، فانه موجود وسيعوضك عنها.. لقد رآك عندما مررت بالمقهى فطار لبه، ولن يبرئه سواك.

وعليك ان تضرب الحديد قبل ان يبرد، فتذهب إليها في المساء، وتدق بابها، وتقول لها انك ضللت الطريق في الظلام، وتسألها أن تعيرك مصباحا.. او تقول انك احسست بدورا فجائين وتطلب منها قدح ماء.. وأفضل من هذا وذاك، ان تبتاع نعجة تذهب بها اليها وتقول لها: ها هي نعجتك التي فقدتها يا سيدي.. لقد وجدتها لك".

فتدعوك الارملة للدخول، لتعطيك الجائزة التي وعدت بها من بجد النعجة.

فتدخل .. يا الهي!! انك ستدخل الجنة راكبا فرسا! اذا كنت تبحث عن الجنة فهذه هي.. لا تصدق ما يقوله رجال الكنيسة، فليست هناك جنة اخرى:

ولا بد اننا اقتربنا من تلك اللحظة من حديقة الارملة، فقد تنهد ميميكو وراح يعبر عن شجونه بالاغنية الصبيانية التالية:

النبيذ للكستناء، والعسل للجوز

والفتاة للفتى ، والفتى للفتاة

وتوقف زوربا عن السير فجأة، وتنهد، وسألني وهو ينظر في عيني:

- ما قولك؟

وانتظر بفروغ صبر فأجبته في خشونة:

- كفى.

وأسرعت الخطى، فهز زوربا رأسه، وقال شيا لم أسمعه.

وعندما بلغنا الكوخ جلس القرفصاء ووضع السانتوري على ركبتيه واحنى رأسه فوق دره، واستغرق في التفكير والتأمل.

بدا عليه كأنه ينصت إلى أغنيات عديدة ليختار أجملها، وأخيرا حزم أمره، وبدأ يعزف أغنية رقيقة مؤثرة، وكان ينظر الى من ركن عينه بين وقت وآخر حتى شعرت انه يحاول ان يقول بالسانتوري ما لا يجرؤ على التعبير عنه بالكلام، وهو انني أبدد حياتي وأضيعها هباء. واني والارملة حشرتان تعيشان بضع ثواني تحت الشمس ثم تموتان ويتقلص ظلهما الى الابد.

واخيرا، نهض زوربا واقفا ولعله أدرك فجأة انه يتعب نفسه بلا فائدة.. فاستند إلى الجدار وأشعل لفافة تبغ وقال:

- سأذكر لك الان شيا قاله لي رجل من أهل سالونيك.. سأقوله حتى ولو لم يسفر عن نتيجة.

كنت في وقت ما بائعا جائعا في مقدونيا، وكنت أزور القرى لأبيع الابر والخيط والتوابل.. وكان لي صوت عذب كصوت البلبل، ولعلك تعلم ان بعض النساء يفتنهن الصوت الجميل.. وأي شيء لا يفتن أولئك الفاجرات.. الله وحده يعلم ما في صدورهن.. انك قد تكون دميما كالاثم، وقد تكون اعرجا او احدبا.. فاذا كان صوتك جميلا رغم ذلك، وكان في استطاعتك ان تغني.. فان النساء يتهالكن عليك. حتى لتحار ايهن تختار.

وكنت أنادي على بضاعتي في سالونيك! وأطوف بها في الحي التركي. ويبدو ان ابنه أحد الباشوات فتنها صوتي، فهجر النوم جفونها، ولما لم تطق صبرا، ارسلت خادمها العجوز في طلبي.

ولحق بي الشيخ وقال لي: تعال معي ايها الرومي.

فسألته:

- إلى أين تريد أن تأخذني.

- ان فتاة كالنبع العذب هي ابنة أحد الباشوات تنتظرك في غرفتها فتعال معي ايها الرومي الشاب.

ولكني كنت اعلم انهم يذبحون المسيحيين ليلا في الحي التركي فقلت له:

- كلا.. لن أذهب معك.

- ألا تخاف الله؟

- لماذا؟

- لأن من يستطيع النوم مع امرأة ولا يفعل، يرتكب اثما عظيما يعاقبه الله عليه يوم القيامة وتكون جهنم مصيرة.

وتنهد زوربا واردف قائلا:

- اذا كانت هناك جهنم فسأذهب إليها لهذا السبب.. ليس لأنني سرقت وقتلت وارتكبت المنكر، وانما لأنني ذات ليلة في سالونيك رفضت الذهاب إلى امرأة تنتظرني في فراشها.

وأشعل زوربا الموقد، وبدأ يطهو الطعام وهو ينظر إلي من ركن عينه ويبتسم في سخرية:

وأخيرا هز كتفيه وتمتم قائلا:

- انني كمن يدق باب رجل أصم.