الفصل 7

11 0 00

كان المطر يتساقط في هدوء وسكون عندما اشعل زوربا النار في الموقد قبل أن ينطلق إلى المنجم. وقد قضيت النهار كله قابعا أمام النار، فلم أتناول طعاما ولم أبرح مكاني وانصرفت بكل حواسي إلى الاصغاء إلى أول أمطار الموسم.

كان عقلي في خمول وراحة، ولكن أذني المرهقتين كانتا تسمعان أبسط حركة للأرض وهي تتفتح وللأمطار وهي تسقط وللبذور وهي تنمو وتتضخم.. بل لقد كنت أشعر بالأرض والسماء تتلاقحان كما في دبي الخليقة وكما يتلاقح الرجل والمرأة وينجبان أطفالا.. واسمع البحر يزأر على الشاطئ زئير الوحوش ويخرج لسانه ليطفئ ظمأه.

كنت سعيدا وأعرف ذلك..

ان الانسان قلما يحس بالسعادة وهو يمارسها، فاذا ما انتهت سعادته ورجع ببصره إليها، أحس فجأة، وبشيء من الدهشة في بعض الأحيان.. بروعة السعادة التي كان ينعم بها.

وتوقفت الامطار قبيل المساء وصفا الجو وشعرت بالجوع وسعدت بهذا الشعور، وأخذت ارتقب عودة زوربا لكي يشعل النار ويطهو الطعام كما اعتاد أن يفعل كل يوم.

وكثيرا ما قال زوربا وهو يضع الوعاء على النار:

- هذا شيء آخر لاغناء للرجل عنه، لا غناء للرجل عن المرأة لعنها الله، ولا عن الطعام..

كان تناول الطعام على هذا الشاطئ المقفر متعة لم يسبق لي أن شعرت بها. وكان زوربا يوقد النار بين حجرين كل مساء ويطهو الطعام، فاذا فرغ من طهوه أكلنا وشربنا وتجاذبنا أطراف الحديث، وقد أدركت أخيرا أن تناول الطعام عمل روحي وان اللحم والخبز والنبيذ هي الخامات التي تصنع العقل.

وكان زوربا حين يعود من عمله الشاق، وقبل أن يتناول طعامه، وشرابه، يبدو متبلدا زاهدا في الكلام، ولكن ما أن يملأ معدته، حتى تدب الحياة في جسده، حتى تتألق عيناه، وتتجلى ذاكرته، ويرقص كأنما قد نبتت لقدميه أجنحة.

كان يقول:

- قل لي ماذا تصنع بالطعام الذي تأكله؟ أقل لك من أنت، ان بعض الناس يحولون الطعام إلى دهن وسماد، وبعضهم يحولونه إلى عمل ومرح، وطائفة أخرى تحوله إلى عبادة.. ومعنى ذلك أن الرجال ثلاثة أنواع، وأنا لست من أسوأ الأنواع، ولست كذلك من أفضلها، ان ما آكله يتحول إلى عمل ومرح، فأنا اذن وسط بين النوعين الاخرين.

ثم ينظر إلي في خبث ويضحك ويستطرد قائلا:

- أما أنت، فانني أعتقد انك تبذل قصارى جهدك لتحويل ما تأكله إلى عبادة، ولكنك لا تستطيع ، وذلك ما يعذبك ويؤرقك، ان ما يحدث لك قد حدث للغراب قبلك.

- وماذا حدث للغراب يا زوربا؟

- كان يمشي مشية محترمة سليمة كما يمشي سائر الغربان، وكلن خطر له ذات يوم أن يجرب مشية الحمامة ومنذ ذلك اليوم استحال عليه أن يذكر مشيته الأولى، واختلط عليه الأمر.. فأصبح يقفز كما ترى..

ورفعت رأسي، فقد سمعت وقع خطى زوربا وهو قادم من المنجم، ولم ألبث أن رأيته مقبلا، وهو مغبر الوجه، وساعداه يتأرجحان إلى جانبيه.

قال بصوت لا حياة فيه:

- طاب مساؤك يا سيدي.

- كيف كان العمل اليوم يا زوربا؟

فلم يجب . وقال:

- سأوقد النار وأعد الطعام.

وتناول بعض قطع الخشب من ركن الكوخ وخرج بها، ورتبها بين الحجرين بطريقة خاصة وأشعل فيها، ثم وضع الاناء في الموقد، ووضع فيه ماء وبصلا وبعض الطماطم والارز، أما أنا فقد بسطت الغطاء فوق المائدة. وقطعت بضع شرائح من الخبز، وملأت قدحين بالنبيذ.

وجثا زوربا أمام الاناء وراح يحملق في النار ولا يقول شيئا.

سألته فجأة:

- هل لك أولاد يا زوربا..

- لماذا تسأل؟ لي ابنة.

- متزوجة؟

فضحك.

- لماذا تضحك يا زوربا؟

- يا له من سؤال!! طبعا متزوجة. انها ليست بلهاء.. كنت أعمل في منجم للنحاس بالقرب من (برتفيشتا) حين جائتني ذات يوم رسالة من أخي (يني).. آه.. نسيت أن أقول لك أن لي أخا عاقلا يقرض الناس بالربا ويتردد على الكنيسة كغيره من المنافقين.. انه يقال في (سالونيك) ويعد من أعمدة المجتمع هناك.. كتب في رسالته يقول: (أخي العزيز اليكسيس.. ان ابنتك (فروسو) قد ضلت سواء السبيل.. ولطخت اسم الاسرة بالاوحال.. فقد اتخذت لنفسها عشيقا ورزقت منه بطفل، لقد ضاعت سمعتنا، سأذهب إلى القرية لأقطع رقبتها).

- وماذا فعلت يا زوربا؟

فهز كتفيه وأجاب:

- قلت : "هكذا النساء" ومزقت الرسالة.

وحرك الأرز في القدر، وأضاف إليه قليلا من الملح، واستطرد قائلا:

- ولكن صبرا حتى تسمع الجانب المضحك من القصة.. بعد شهرين أو ثلاثة، تسلمت رسالة أخرى من أخي الأبله، قال فيها، "أتمنى لك الصحة والسعادة يا أخي العزيز، لقد نجا شرف الاسرة. وفي استطاعتك الان أن ترفع رأسك عاليا، فقد تزوجت (فروسو) من عشيقها".

ونظر زوربا إلي من فوق كتفه، ورأيت على ضوء سيجارته ان عينيه تتألقان...

ثم هز كتفيه وقال باحتقار شديد:

- هكذا الرجال!!

ثم استطرد قائلا بعد صمت قصير:

- ماذا تنتظر من النساء غير أن يحملن من أول عابر سبيل. وماذا تنتظر من الرجال غير أن يقعوا في الفخ!!

ورفع القدر عن النار. وبدأنا نتناول عشاءنا، ولاحظت أن زوربا مستغرق في التفكير.

كان واضحا ان هناك ما يهمه ويشغله، فقد نظر إلي، وفتح فمه ليقول شيئا، ثم عاد إلى صمته..

ورأيت على ضوء المصباح الزيتي، نظرة القلق التي ترتسم في عيينه، ولم أطق أن أراه على هذه الحال فقلت:

- انت تريد أن تقول لي شيئا يا زوربا.. فتكلم .. أن الكلام سيرفه عنك.

ولكنه لزم الصمت، وتناول حصاة صغيرة وقذف بها من النافذة بقوة.

- دع الحصى يا زوربا وتكلم.

فمط رقبته المغضنة، وسألني وهو ينظر في عيني في قلق.

- هل تثق بي؟

- نعم، انني أثق بك.. واعتقد أنك مهما فعلت فلن تخطئ.. حتى لو أردت أنك كالاسد، او كالذئب، فكلاهما لا يتصرف تصرف الخروف أو الحمار.. وكلاهما لا يتنكر لطبيعته.. وانت زوربا من قمة رأسك إلى أخمص قدميك.. ولن تكون الا زوربا، فأطرق برأسه وقال:

- ولكني لم أعد أدري في أي طريق نحن نسير.

- أنا أدري، فلا تنزعج.. بحسبك أن تمضي قدما.

فصاح:

- قل ذلك مرة أخرى لتشجعني.

- امض قدما.

فلمعت عينا زوربا وقال:

- الآن أستطيع أن أنبئك..

- لقد كانت تراودني في الأيام الأخيرة فكرة مجنونة..

- اذن فأنفذها .

فاشرأب بعنقه، ونظر إلي بمزيج من الفرح والحزن.

قال:

- حدثني بصراحة يا سيدي.. ألم يكن الغرض من قدومنا هو البحث عن الفحم؟

- كان الفحم مجرد ذريعة يا زوربا لكي نسكت ألسنة الفضوليين من أهل القرية.. لقد أردت أن ينظر إلينا كرجال أعمال فلا يقذفوننا بالطماطم.. هل فهمت؟

فذهل، وحاول جاهدا أن يفهم، ثم ألجمته الدهشة والشعور بالسعادة المفاجئة، فهم علي، وأمسك بكتفي وصاح:

- هل ترقص؟ هل تجيد الرقص؟

- كلا.

- كلا؟

وأحس بخيبة الأمل، وتدلى ساعداه على جنبيه...

قال بعد لحظة:

- حسنا اذن ، سارقص وحدي.. أرجو أن تبتعد قليلا حتى لا اصطدم بك.

ووثب إلى خارج الكوخ، وخلع حذاءه ورداءه وصداره، وطوى سرواله حتى ركبتيه، وشرع يرقص.

كان وجهه لا يزال مغبرا من تراب الفحم ، ولكن بياض عيينه كان يتألق...

راح يرقص، ويصفق بيديه، ويثبت في الهواء، ويسقط على ركبتيه، ثم يثب مرة أخرى رافعا ساقيه في الفضاء، كما لو كان جسده من المطاط..

وفجأة، راح يثب في الهواء وثبات هائلة، كما لو كان يريد التغلب على نواميس الطبيعة ويطير..

وخيل إلي أن في جسده المتهالك روحا قوية تحاول أن تجعل منه شهبا في الفضاء وأن الجسد يهتز بعنف ويهوي على الأرض لانه لا يستطيع البقاء طويلا في الفضاء.

وارتسمت في وجهه صرامة مزعجة. وكف عن الصياح وأطبق اسنانه وهو يحاول القيام بالمستحيل فصحت به:

- كفى يا زوربا . كفى.

وخشيت أن ينهار جسده، ويتبدد في الهواء بفعل الجهد العنيف الذي يبذله.. ولكن كيف تصل إليه صيحاتي وهو يحملق في الهواء كالطير؟؟

وراقبته في قلق وهو يرقص هذه الرقصة الهمجية.

كنت وأنا صبي أطلق العنان لخيالي وأسرد على أصدقائي حكايات غير معقولة.. انتهى بي الأمر إلى تصديقها والاقتناع بها. فلقد سألني أحد أصدقائي الصغار ذات يوم:

- كيف مات جدك؟

فتفتق ذهني على الفور، عن أسطورة عجيبة، ما لبثت أنا نفسي أن صدقتها.

قلت له:

- كان جدي رجلا متقدما في السن ذا لحية بيضاء، وقد تعود أن ينتعل حذاء من المطاط، وحدث ذات يوم أن وثب من فوق سطح بيتنا. ولكن ما أن مست قدماه الأرض حتى ارتفع مرة أخرى كالكرة ، وتجاوز ارتفاعه سطح البيت، وما زال يهبط ويرتفع، ويزداد ارتفاعه كل مرة حتى اختفى بين السحب.. هكذا مات جدي.

وكنت كلما ذهبت إلى الكنيسة بعد أن اخترعت هذه الاسطورة أشير إلى صورة السيد المسيح وأقول لأصدقائي:

- انظروا .. هو ذا جدي بحذائه المصنوع من المطاط.

تذكرت هذه القصة وأنا أرى زوربا يثب في الهواء، فاشفقت أن يختفي في السحب وصرخت، مرة أخرى:

- كفى يا زوربا!! كفى!!

واستقر أخيرا على الأرض وهو لاهث الأنفاس، ووجهه يتألق بالعرق والسعادة وقد التصقت خصلة من شعره بجبينه، بينما سال العرق على خديه مختلطا بتراب الفحم..

وانحنيت فوقه، فقال بعد لحظة:

- انني الآن أحسن حالا.. وأستطيع الكلام..

وعاد إلى الكوخ ، وجلس أمام الموقد وقد أشرق وجهه.

سألته:

- ماذا دهاك حتى ترقص كما رقصت؟

- وماذا أستطيع أن أفعل غير ذلك، كاد الفرح أن يخنقني، وكان يجب أن أجد له متنفساً..

- عن أي فرح تتكلم؟

فاكفهر وجهه مرة أخرى وبدأت شفتاه ترتجفان.

قال:

- أي فرح؟ هل ما قلته لي منذ لحظة كان مجرد دخان في الهواء؟ لعلك تفهم معنى ما قلت. ألم تقل أننا ما جئنا للبحث عن الفحم، وانما لقضاء الوقت، وتضليل أهل القرية حتى لا يحسبوننا مجانين ويقذفوننا بالطماطم؟ واننا نستطيع أن نضحك ونلهو كما نشتهي حين لا يكون هناك من يرانا؟ أقسم لك ان هذا ما كانت أنا نفسي أريده دون أن أعرف.. لقد كنت طول الوقت نهبا موزعا بين المنجم وبين بوبولينا وبينك.. فاذا تناولت الفأس وأهويت به على حجارة المنجم قلت لنفسي: ان الفحم هو ما أريد..

فاذا انتهى العمل وخلوت إلى بوبولينا قلت لنفسي: ليذهب المنجم وصاحب المنجم إلى الشيطان.. وأنا معهما.

ولكني لا أكاد أخلو إلى نفسي بعد العمل حتى أفكر فيك فيذوب قلبي وأحس بوخز الضمير وأصيح عار عليك يا زوربا أن تخدع هذا الرجل وتأكل أمواله.

الحق انني لم أكن أعرف أين أنا أو ماذا أريد.. كان الشيطان يدفعني إلى ناحية، والله يدفعني إلى ناحية أخرى وأنا أكاد أن أنشطر بينهما.. ولكنك نطقت الان بالحكمة بارك الله فيك..

لقد أصبحت أرى بوضوح، ونحن متفقان كم بقي معك من المال؟ أعطنيه.. ودعنا نأتي عليه.

وراح يجفف عرقه، ويجيل البصر حوله.

وكانت بقايا الطعام لا تزال على المائدة الصغيرة فقال:

- معذرة.. لقد جعت وسآكل مرة أخرى.

وتناول كسرة خبز وبصلة وحفنة من الزيتون، وأكل في نهم ورفع قدح النبيذ فوق فمه، وأفرغ الشراب في حلقه دون أن يمس القدح شفتيه ثم غمز بعينه وقال:

- لماذا لا تضحك؟ لماذا تنظر إلي هكذا؟ ان في أعماقي شيطانا يوسوس لي فأطيعه، وكلما غلبني التأثر والانفعال قال لي: ارقص فارقص، وأبح أحسن حالا.. وعندما مات ولدي الصغير ديمتري، رقصت أمام الجثة فهجموا علي ليمنعوني وصاحوا لقد جن زوربا..

ولكن لولا انني رقصت، لجننت حزنا وأسى، فقد كان أول أولادي وكان في الثالثة من عمره، فعز علي أن أفقده.. أتسمعني يا سيدي؟.. أم تراني أتحدث إلى نفسي..

- انني أسمعك يا زوربا.

- وحدث مرة أخرى.. وكنت وقتئذ في روسيا.. نعم.. انني ذهبت أيضا إلى روسيا لأعمل في مناجم النحاس هناك بالقرب من (نفوروسيسك) . وتعلمت من اللغة الروسية خمس أو ست كلمات.. أي القدر الذي يكفيني في عملي، مثل نعم، لا، خبز، ماء، أحبك، تعال، بكم..

وهناك توثقت أواصر الصداقة بيني وبين رجل روسي أصيل، فكنا نذهب في المساء إلى حانة على الشاطئ حيث نشرب عددا كبيرا من زجاجات (الفودكا) .. وحدث ذات ليلة اننا شربنا حتى ثملنا، وأحسسنا برغبة في الحديث. وأراد الروسي أن يحدثني عن قصة حياته، وما حدث له خلال الثورة الروسية، وأردت بدوري أن أحدثه عن نفسي وعن قصة حياتي.. فلقد شربنا معا وثملنا، وقربت الخمر بين قلبينا فأصبحنا كأخوين.

وتم الاتفاق بيننا بالاشارة على أن يبدأ هو الكلام، حتى اذا عجزت عن فهمه صحت به (قف) فينهض واقفا ويرقص، ويعبر بالرقص عما يريد أن يقوله..

فعلت مثله، وعبرنا بأقدامنا وأيدينا وبطوننا، عما عجزنا عن قوله بأفواهنا وكان الروسي هو البادئ بالكلام فحدثني كيف حمل بندقيته وكيف امتدت الحرب، وكيف وصل العدو إلى (نوفوروسيسك) ، ولما عجزت عن متابعة حديثه صحت به (قف) فكف عن الكلام ووثب واقفا وراح يرقص كالمجنون. وراقبت يديه وقدميه وصدره وعينيه وفهمت كل شيء.. فهمت كيف دخل الاعداء (نوفوروسيسك) واعملوا فيها السلب وكيف أنشب النساء أظافرهن في وجوههن ثم في وجوه الرجال.. وأخيرا كيف استسلمن وأغمضن عيونهم لذة واستمتاعا .. كما هو شأن النساء جميعا..

ثم جاء دوري، ويبدو أن صديقي كان على جانب كبير من الغباء، لأنني ما كدت أنطق ببضع كلمات حتى صاح: (قف)، وذلك ما كنت أنتظره بفروغ صبر، وعلى الفور، نهضت من مكاني وأبعدت المقاعد والمواقد وأشرعت ارقص.. أواه يا صديقي.. ماذا أصاب الناس وهوى بمستواهم !! لقد أصيبت أجسامهم بالبكم فأصبحوا لا يتحدثون الا بأفواههم.. ولكن ماذا تستطيع الافواه أن تقول؟ ليتك رأيت كيف كان الروسي يصغي إلى من رأسي إلى قدمي. وكيف تابع قصتي من بدايتها إلى النهاية!! لقد رقصت له متاعبي ورحلاتي وعدد زيجاتي والاعمال التي مارستها ، وكيف عملت تاجرا، وبائعا جائلا، وخزافا وعازفا على السانتوري وحدادا ومهربا، وعاملا في المناجم، وكيف سجنت ثم هربت ووصلت الى روسيا.

وعلى الرغم من بلادته وغبائه فقد فهم كل شيء.. فقد تكلمت يداي وقدماي بوضوح، كذلك تكلم شعر رأسي وثيابي، والخنجر الذي يتدلى من حزامي. وعندما فرغت من قصتي، أقبل صديقي يعانقني ثم ملأنا كؤوسنا بالفودكا وشربنا وبكينا وضحكنا، وفي المساء تقابلنا مرة أخرى.

أتضحك يا سيدي؟ ألا تصدقني؟ لعلك تقول لنفسك الان: ما هذه الخزعبلات التي يرويها هذا السندباد؟ وهل يمكن لانسان أن يتكلم بالرقص، ولكني أقسم لك أن الالهة والشياطين هكذا يتكلمون..

أراك تغالب النعاس، انك انسان رقيق تفتقر إلى النشاط والحيوية، فاذهب إلى فراشك وغدا نستأنف حديثنا، ان لدي خطة.. خطة رائعة سأحدثك عنها غدا.. أما الآن فانني سأدخن لفافة تبغ أخرى، وربما ألقيت بنفسي في ماء البحر.. ان جسمي يتلظى ويجب أن أطفئه.. طابت ليلتك.

وقضيت في فراشي وقتا طويلا أعالج النوم ولا أظفر به؟ ووجدتني على الرغم مني استعرض ما انقضى من أيامي.. وقلت لنفسي: ان حياتي قد ذهبت سدى ، فليتني أستطيع أن أمحو بقطعة من القماش كل ما تعلمته وكل ما رأيته وسمعته، وان أذهب إلى مدرسة زوربا لأتعلم من جدد الحروف الابجدية الحقيقة، لو انني فعلت لتغير مجرى حياتي، ولتعلمت الجري والوثب والمصارعة والسباحة وركوب الخيل واطلاق النار، ولجمعت بين النقيضين الخالدين.. متعة الروح ومتعة الجسد.

وحانت مني التفاتة، فرأيت زوربا قابعا فوق صخرة على الشاطئ كطائر من طيور الليل، وحسدته..

انه هو الذي اكتشف الحقيقة وسلك اقوم السيل!

لو أنه عاش في العصور البدائية لأصبح زعيم احدى القبائل .. الرجل الذي يتقدم الصفوف ويشق الطريق بفأسه..أما في هذا العصر الجاحد الذي نعيش فيه، فانه يتضور حول المزارع كالذئب الجائع..

ورأيته ينهض فجأة، ويخلع ثيابه، ويقذف بها على الرمال، ثم يلقي بنفسه في البحر..

وفي ضوء القمر الشاحب، رأيت رأسه الضخم يظهر ويختفي وسمعته ينبح كالكلب تارة ويصيح كالديك تارة أخرى..

وفي هدوء ، ودون أن أشعر، غلبني النعاس، فاستغرقت في نوم عميق.. وعندما استيقظت في الصباح، رأيت زوربا واقفا أمامي يبتسم ويهم بأن يجذب قدمي ليوقظني.

قال:

- استيقظ ودعين أعترف لك بخطتي.. هل أنت مصغ إلي؟

- نعم.

فجلس القرفصاء على الأرض، وراح يوضح لي كيف انه سيقيم سلكا هوائيا يل ما بين قمة الجبل والشاطئ، وبهذه الطريقة يمكن نقل الاخشاب التي نحتاج إليها في دعم جدران السراديب حتى لا تنهار على العمال. وما زاد عن حاجتنا نستطيع بيعه لاعمال البناء. وكنا قد قررنا استئجار غابة من اشجار الصنوبر يملكها المدير، ولكننا عجزنا عن استغلالها لقلة البغال وفداحة نفقات النقل، ولهذا فكر زوربا في مد سلك هوائي، واقامة سقالات من الخشب تنهض على أعمدة خشبية وتنحدر من قمة الجبل إلى الشاطئ.

قال بعد أن فرغ من شرح مشروعه:

- هل توافق؟

- أوافق يا زوربا.

فأشعل الموقد واعد القهوة والقى غطاء على قدمي حتى لا أصاب بالبرد، وقال قبل أن ينصرف:

- سنشق سردابا جديدة اليوم، فلقد عثرت على عرق فحم جديد.

وتناولت مسودات كتابي عن (بوذا)، وأخذت أشق السراديب بدوري، وقضيت النهار كله في الكتابة، وكلما فرغت من تدبيج صفحة، أحسست بمزيد من الحرية.

وشعرت بالجوع فتناولت بعض الزبيب والخبز، وانتظرت ان يعود زوربا فيعود معه كل ما يبهج القلب.. الضحكات البريئة، والكلمات الطيبة والطعام الشهي.

وجاء زوربا في المساء وأعد الطعام، وأكلنا.. ولكنه كان مشغول البال، وما لبث أن جثا على ركبته، وراح يغرس قطعا من الخشب في الأرض، ثم شد خيطا فوقها، وحاول أن يجد الانحدار المناسب حتى لا ينهار التصميم كله.

قال موضحا:

- اذا كان الانحدار شديدا، ضاع كل شيء.. يجب أن نجد الانحدار المناسب، وهذا يتطلب مخا ونبيذا.

فقلت ضاحكا:

- لدينا الكثير من النبيذ، أما المخ..

فجلس ليستريح، وأشعل لفافة تبغ وقال: الحق انك ذكي.. ثم استطرد بعد قليل قائلا:

- اذا نجح هذا المشروع، استطعنا ان ننقل الغابة كلها.. وان ننشئ مصنعا لتحويل خشب الاشجار إلى أعمدة والواح وسقالات وغيرها، وحينئذ تمتلئ جيوبنا بالمال. فنبتاع سفينة ندور بها حول العالم.

وانطلق يتحدث عن النساء في الموانئ البعيدة وعن المدن والاضواء والعمائر الضخمة.

قال:

- لقد شاب رأسي، وسقطت أسناني، ولم تبق أمامي فسحة من العمر، أما أنت فانك ما زلت في ريعان شبابك ولن يضرك ان تصبر، ويخطئ من يقول ان الشيخوخة تزيد الانسان اتزانا. وكيف تتسم تصرفات الانسان بالاتزان وهو يرى الموت مقبلا عليه؟! أتراه يمد له عنقا ويقول له: أرجوا أن تقطع عنقي لكي أذهب إلى الجنة!! انني كلما امتد بي العمر، ازددت تمردا.

وتناول (السانتوري) من مكانه على الجدار وراح يحدثه بقوله:

- تعال إيها الشيطان... لماذا تتدلى فوق الجدار ولا تقول شيئا؟ دعنا نسمع غناءك.

ولم أكن أضيق قط باسرافه في العناية بالآلة الموسيقية وبما يبدي من رقة ورفق حين يخرجها من غلافها. كما لو كان يزيل قشور ثمرة ناضجة من ثمار التين، أو غلالة رقيقة عن جسد امرأة فاتنة.

ووضع السانتوري على ركبتيه وانحنى فوقه، ولمس أوتاره في رفق، كما لو كان يسألها عن نوع النغمة التي تريد ان ترسلها، أو كما لو كان يرجوها أن تستيقظ لتؤنس وحشته، وعالج احدى الأغنيات ، ولكن الاوتار لم تخرد النغم المنشود، فانتقل إلى أغنية أخرى، ولكن الاوتار أخرجت صوتا أشبه بالحشرجة، كأنها لا تريد أن تغني.

وجفف زوربا العرق الذي تصبب فجأة على جبينه، وقال وهو ينظر إلى السانتوري في جزع:

- انه لا يريد أن يغني.

ووضعه في غطائه بعناية، وأعاده إلى مكانه على الجدار، ثم ألقى ببعض حبات الكستناء في النار، وملأ قدحينا بالنبيذ وقال:

- ثمة أشياء لا أفهمها يا سيدي، فهل تستطيع أن تجد لها تفسيرا؟ يخيل إلي في بعض الاحيان أن كل شيء في العالم له روح: الخشب والحجارة، والنبيذ الذي نشربه والأرض التي نسير عليها – أعني كل شيء بلا استثناء.

ورفع قدحه وقال:

- نخب صحتك .

وأفرغ النبيذ في جوفه وقال:

- هذه الدنيا بغي عجوز، أشبه ما تكون ببوبولينا. فلما أتمالك نفسي من الضحك.

قال:

- اصغ إلي. ولا تضحك.. نعم، ان الدنيا بغي مثل بوبولينا.. وبوبولينا عجوز، ولكن لها مفاتنها.. انها تعرف طريقة أو طريقتين لكي تشدك إليها.. ولو انك أطفأت النور واحتويتها بين ساعديك لخيل إليك أنها صبية في العشرين.

- ولا ضرورة لأن تقول لي أنها تجاوزت مراحل النضج، انها استمتعت بالحياة بطريقتها، وعاشرت الاميرالات والبحارة والجنود والفلاحين والممثلين والقسس والرهبان ورجال البوليس والقضاة والاساتذة والتلاميذ.. ولكن ماذا في ذلك؟ انها تنسى بسرعة، ولا يمكن ان تذكر أحدا من عشاقها القدامى. وحين تكون معها يحمر وجهها خجلا وتضطرب كما لو كانت ترى رجلا لأول مرة في حياتها.. ان المرأة لغز غامض، وحتى لو سقطت ألف مرة، فانها تنهض ألف مرة عذراء.. ولعلها تسأل: ولكن كيف يحدث ذلك؟ والجواب هو: لأنها لا تذكر.

فقلت لأضايقه:

- ولكن الببغاء تذكر.. انها تردد دائما اسما غير اسمك.. أفلا يزعجك كلما حلقت في السماء السابعة أن تسمع الببغاء تصرخ في كانافارو.. كانافارو؟؟ ألا تشعر وقتئذ برغبة في أن تمسك بها وتدق عنقها؟ لقد آن لك أن تعلمها أن تصيح زوربا.. زوربا.

فصاح وهو يضع يديه على أذنيه:

- كلام فارغ!! ولماذا أدق عنقها؟ انني أحب أن أسمعها تردد هذا الاسم .. ان المرأة تضعها فوق فراشها كل ليلة.. وللببغاء الخبيثة عينان تبصران في الظلام، فلا اكاد أشرع في مغازلة المرأة حتى تصيح الببغاء.. كانافارو.. كانافارو..

وأقسم لك انني أشعر عندئذ كأن في قدمي حذاء طويلا، وكأن على رأسي قبعة مثلثة الاركان تزينها ريشة بيضاء، وكأن لها لحية حريرية تنبعث منها رائحة العطر.. ويخيل إلي أن مدافع بارجتي ترسل آلاف القذائف من حولي.

وضحك زوربا من كل قلبه، واغمض عينه اليسرى، ونظر إلي باليمنى وقال:

- معذرة يا سيدي.. فانني على شاكلة جدي اليكسيس رحمه الله، فقد كان بعد أن بلغ المائة من عمره يجلس في المساء أمام باب البيت ليرقب الفتيات وهو في طريقهن إلى البئر. وكان نظره قد ضعف وأصبح لا يرى بوضوح.. فاذا مرت به الفتيات دعاهن إليه، وسأل احداهن من أنت يا بنية؟ فتجيبه بقولها: انا كسيينو، ابنة مستر اندوني، فيقول لها: أحقا تقولين؟ اقتربي مني اذن ودعيني المسك.. تعالي ولا تخافي.

وتقترب منه الفتاة، فيتحسس وجهها ببط ولذة ، وتطفر الدموع من عينيه.

وقد سألته ذات مساء: لماذا تبكي يا جدي؟

فأجاب:

- وكيف لا أبكي يا بني وأنا على أبواب القبر، وسأترك ورائي كل هؤلاء الفتيات الفاتنات.

وتنهد زوربا واستطرد قائلا:

- كلما تذكرت حديث جدي تمنيت لو ان جميع النساء الفاتنات يمتن معي في ذات اللحظة.

ولكن الفاجرات سيعشن بعدي، وسينعمن بالحياة بين أحضان رجال آخرين، بينما أكون قد تحولت إلى تراب تحت أقدامهن.