وغلبني النعاس فنمت، وعندما استيقظت في الصباح كان زوربا قد انصرف وكان البرد شديدا، ولم تكن بي رغبة إلى مغادرة الفراش فقررت أن أقضي وقتي مع الكتب.
ولم يعد زوربا إلا في المساء، وكان مشرق الوجه، وخيل إلي أنه وجد حلا لاحدى المشكلات.. فانتظرت لاعرف ما عنده..
وكنت قد بدأت أضيق به، ومنذ بضعة أيام دعوته إلي وقلت له في غضب:
- لقد فرغت نقودنا يا زوربا أو كادت، فإذا كان هناك ما يمكن عمله، فعجل به. انشئ ذلك السلك الهوائي، فاذا فشلنا في المنجم، أمكننا أن نفيد من الخشب. إنما يجب أن تعجل والا أفلسنا.
فحك رأسه وقال:
- تقول ان نقودنا فرغت؟ هذا لن يؤسف له.
- نعم يا زوربا لقد ابتلع المنجم بعضها، وأكلنا البعض الآخر، فافعل شياً، كيف انتهت تجاربك؟ ألم توفق بعد؟.
فأطرق برأسه ولم يجب، وبدا علي الخجل، وما لبث أن صاح في غضب:
- ذلك المنحدر اللعين!! سوف أظفر به مهما كلفني الأمر.
وها هو قد أقبل الآن بوجه مشرق، وعلى شفتيه ابتسامة عريضة.. صاح:
- لقد نجحت ونجحت في معرفة الزاوية الصحيحة التي حيرتني كل هذا الوقت.
- اذن فعجل بالعمل يا زوربا لماذا تنتظر؟
- يجب أن أذهب إلى المدينة غدا صباحا لشراء أسلاك الصلب والطنابير والمسامير والادوات الضرورية وسأعود على وجه السرعة.
وأشعل الموقد بعد ذلك وأعد طعاما وأكلنا بشهية جيدة.
وفي صباح اليوم التالي، رافقت زوربا إلى القرية ودار بيننا في الطريق حديث جرى عن العمل في المنجم.
وفيما كنا نهبط منحدرا، ضرب زوربا بقدمه حجرا، فتدحرج الحجر في المنحدر، ووقف زوربا مبهوتا، وكأنه يرى هذا المنظر لأول مرة في حياته والتفت إلي وقال:
- هل رأيت؟ ان الحياة تعود إلى الحجارة في المنحدرات..
فلم أجبه، ولكني شعرت بسرور وبهجة، وقلت لنفسي:
- هكذا ينظر كبار الشعراء والمفكرين إلى الأشياء كأنهم يرونها لأول مرة.. والواقع أنهم لا يرونه وإنما يخلقونه.
وقد كانت الدنيا في نظر زوربا كما كانت في نظر الانسان الأول، مجرد مشهد كبير رائع، فالنجوم تتألق فوق رأسه، وأمواج البحر تنكسر تحت قدميه، وهو يعيش مع الأرض والماء والحيوان والله.. دون أن يفسد عليه التفكير العقيم متعة الحياة.
وعلمت مدام هورتنس بامر سفر زوربا، ووجدناها في انتظارنا بباب بيتها، وكذلك كان البغل الذي سيمتطيه زوربا في رحلته.
ووثب زوربا إلى ظهر البغل وأمسك بقيادة، واقتربت الغانية العجوز في حياء ووضعت يدها على صدر البغل، وكأنها تريد أن تمنع صاحبها من الرحيل.
ووقفت المرأة على أصابع قدميها وهمست:
- زوربا.. زوربا.
ولكن زوربا أشاح عنها بوجهه. كان يكره سماع سخف العشاق على قارعة الطريق.
ورأت المرأة النظرة الرهيبة التي ارتسمت في عينيه، فذعرت.. ولكنها ظلت ممسكة بصدر البغل، وعيناها تتطلعان إلى زوربا في ضراعة.
وصاح زوربا في غضب:
- ماذا تريدين؟
فقالت متوسلة:
- زوربا.. لا تنسني يا زوربا. وكن كريما.
فهز عنان البغل ولم يجب.. وانطلق به البغل فصحت:
- أرجو لك التوفيق يا زوربا. عد بعد ثلاثة أيام لا أكثر.. هل سمعتني؟
فتحول إلى الوراء ولوح لنا بيده، فبكت المرأة، ورسمت الدموع خطوطا وسط المساحيق والأصباغ التي تغطي وجهها.
وبعد لحظات، توارى زوربا بين أشجار الزيتون، فنظرت مدام هورتنس حولها كمن ينظر إلى فراغ.
لقد اقفرت دنياها بعد رحيل زوربا.
ولم أعد إلى الشاطئ فقد كنت أشعر بحزن ووحشة وانما سرت في الطريق إلى الجبل.
وقبل أن أخطو بضع خطوات، سمعت دقات الطبلة التي يعلن بها موزع البريد وصوله إلى القرية.. ورأيت الرجل يلوح لي بيده، فقابلته في منتصف الطريق، وأعطاني حزمة من الصحف والمجلات ورسالتين، وعلى الفور أودعت احدى الرسالتين جيبي لأقرأها في هدأة الليل، فقد كنت أعرف كاتبها، وأردت أن يطول شوقي إلى مضمونها قبل أن أفضها.
وكذلك عرفت صاحب الرسالة الثانية من خطه على غلافها، ومن طابع البريد العجيب الذي تحمله.
كان من زملائي القدامى في المدرسة، ويدعى كرايانيس وكان يقيم في ذلك الوقت في بلد جبلي بالقرب من (طنجانيقا).
وقد عرفته شابا أسود البشرة عصبي المزاج، يصيح أكثر مما يتكلم ، ويتشاجر أكثر مما يناقش.
كان أستاذاً في علم اللاهوت وراهبا، وقد فوجئ ذات يوم وهو يقبل احدى تلميذاته في أحد الحقول، فخلع مسوح الرهبنة ورحل في اليوم التالي إلى افريقيا حيث أنشأ مصنعا للحبال، وجمع ثروة طائلة.
وكان يكتب إلي بين وقت وآخر، ليدعوني إلى قضاء بضعة شهور معه في افريقيا.
جلست فوق حجر على جانب الطريق، وفضضت الرسالة، وقرأت فيها ما يلي:
" متى ستحزم أمرك وتأتي لزيارتك أيها الرجل الذي استعبدته جبال اليونان وشواطئها؟ أكبر الظن أنك أصبحت من عشاق الحانات والمقاهي كسائر المواطنين اليونانيين!!
" هذا يوم الأحد ، ولا عمل عندي، وأنا أكتب إليك من ضيعتي والشمس كالاتون، والامطار لم تهطل منذ بضعة شهور، ولكنها عندما تهطل في ابريل ومايو ويونية، تصبح كالطوفان.
يوجد هنا كثير من اليونانيين، انهم في كل مكان كالحشرات، ولكني لا أختلط بهم فهم يثيرون اشمئزازي وقد جلبوا معهم الجذام والقمار والجهل وسائر الخطايا.
انني أكره الاوروبيين، ولذلك لجأت إلى هذه الجبال، ولكني أكره اليونانيين أكثر من أي شعب آخر، ولن أعود إلى اليونان ما حييت وقد شيدت قبري هنا أمام بيتي ونقشت عليه هذه الكلمات بحروف كبيرة (هنا يرقد يوناني يكره اليونانيين).
أنا لا أعرف ملهاة غير العمل فأنا أكد وأكدح وأناضل الأرض والريح والمطر والعمال وانفق أموالي كما أريد، لأنني أستعبد المال والمال لا يستعبدني، ولكني عبد للعمل وأفخر بذلك، انني أشتغل بتجارة الأخشاب، وقد أنشأت مصنعا للحبال وسأشرع في زراعة القطن.
متى ستأتين ، لنتسلق معا هذه الجبال النقية العذراء؟
لقد رزقت بابنة من امرأة سوداء ولكن الأم أهدرت شرفي في وضح النهار وتحت كل شجرة في المنطقة فطردتها.
والطفلة الآن في الثانية من عمرها وقد علمتها من اللغة اليونانية القدر الذي يساعدها على سب اليونان وأهلها.
وهي تشبهني ولكن أنفها مفرطح كأنف أمها، وأنا أحبها كما تحب كلبا أو قطا.
تعال وتزوج من امرأة زنجية لترزق منها ولدا نزوجه من ابنتي.. لمجرد اللهو..
وتملكتني رغبة في الرحيل إلى افريقيا لا لأنني أفتقد السعادة والجدية في كريت، وانما لأنني كنت أصبو دائما إلى زيارة أكبر عدد من بلاد العالم قبل أن أموت.
وعدلت عن تسلق الجبل، وسرت في طريقي إلى الكوخ لكي أنعم بقراءة الرسالة الثانية.
وهناك أشعلت نارا وأعددت قدحا من الشاي وتناولت بعض الخبز والعسل ثم خلعت ثيابي وتمددت على فراشي وفضضت الرسالة وقرأت فيها ما يلي:
استاذي وصديقي...
انني أضطلع هنا بمهمة على جانب عظيم من الصعوبة والخطورة ، هي محاولة انقاذ نصف مليون يوناني في جنوب روسيا والقوقاز! وأكثرهم يتحدثون بالتركية أو الروسية، ولكن قلوبهم جميعا تتحدث باليونانية.
انهم جزء من شعبنا، وبحسبك ان ترى عيونهم اللامعة وبسماتهم الماكرة، ورؤوسهم المرفوعة في كبرياء وصلف وان تعرف كيف كافحوا وناضلوا حتى سادوا المنطقة وصار لهم عيد وخدم، لكي تدرك انهم حقا أحفاد بطلنا العظيم (اوديسيوس) وان من واجبنا أن نحبهم ونقاتل من اجلهم ولا ندعم يهلكون..
لقد فقدوا كل ما يملكون، وهم اليوم جياع عراة، يطاردهم الروس من ناحية، والاكراد من ناحية أخرى، وآلاف اللاجئين يفدون من شتى المناطق للاقامة في بعض مدن جورجيا وارمينيا. وليس ثمة طعام او دواء أو غطاء.. وآلاف آخرون يقفون بالموانئ وينظرون إلى الأفق في قلق، لعلهم يرون سفينة يونانية تعود بهم إلى أرض الوطن.
إن هذا الجزء العزيز من شعبنا يعيش في ذعر وهلع، واذا تركناه لمصيره فسوف يهلك، ولكنا بحاجة إلى كثير من الحب والفهم والحماسة والبذل والتفكير السليم لكي ننقذه ونعيده سالما إلى بلدنا الحر الذي هو بحاجة إلى كل ابن من أبنائه.
انني أذهب إلى القرى والمدن لأجمع اليونانيين معاً، كما أكتب التقريرات وأرسل البرقيات إلى المسؤولين في أثينا لكي يبعثوا إلينا بالسفن والطعام والثياب والأدوية، واذا كان النضال في حماسة واصرار يجلب لصاحبه السعادة، فأنا اذن جد سعيد.
انت الآن قابع على شاطئ (كريت) تنصت إلى أمواج البحر وتصغي إلى نغمات (السانتوري) لأن لديك متسعا من الوقت، أما أنا فانني في دوامة من العمل والنشاط وأنا سعيد بذلك.
ان العمل، والعمل المتواصل، يا أستاذي الخامل، هو صخرة النجاة لمن كان مثلنا.
انا الآن بمدينة (كارس) ، وقد جئت إليها أجمع اليونانيين من القرى المجاورة وحدث في يوم وصولي أن أختطف الاكراد معلما وقسا من اليونانيين ودقوا حدوة حصان في قدم كل منهما، وكانت النتيجة ان دب الذعر في قلوب رؤساء الجالية اليونانية فلجئوا إلى البيت الذي أقيم فيه..
ان دوي مدافع الاكراد يزداد اقترابا كل ساعة وعيون اليونانيين جميعاً تتعلق بي، كما لو كنت الانسان الوحيد الذي يستطيع انقاذهم.
لقد كان في نيتي الرحيل إلى (تفليس) غدا، ولكني وجدت ان من العار ان أرجل بينما الخطر يدنو من مواطني.
ولا أقول لك انني لست خائفا، الواقع اني خائف ولكني أشعر بالخجل.
ترى ماذا يفعل محارب (رمبران) لو أنه وجد نفسه في مثل مركزي؟
أعتقد أنه يبقى ، ولذلك سأبقى واذا دخل الاكراد المدينة فمن المحقق انني سأكون أول انسان يدق حدوة حصان في قدمه.. فهل خطر ببالك يوما يا أستاذي ان هذا سيكون مصير تلميذك؟
لقد قررنا.. بعد مناقشة حادة من تلك المناقشات اليونانية التي لا تنتهي ، ان يجتمع اليونانيون الليلة، وأن يجمعوا نساءهم وأطفالهم وبغالهم وجيادهم استعدادا للرحيل عند الفجر..
وسوف أكون انا الكبش الذي يتقدم القطيع عبر سلسلة من الجبال والوديان.
ستكون هجرة جماعية أشبه بهجرة بني اسرائيل وسأكون أنا (موسى) هؤلاء المهاجرين ودليلهم إلى الأرض الموعودة.
أرجو أيها الصديق والأستاذ أن تصلك هذه الرسالة، لانها قد تكون الأخيرة.
انني لا أؤمن بالقوى الخفية التي تحرس الناس، وانما أؤمن بالقوى الغاشمة التي تضرب يمينا ويسارا بلا حقد وبغير قصد، لتقتل من يوقعه سوء حظه في طريقها.
على انني اذا وجدت نفسي في خطر الموت، فسوف أتصل بك أينما كنت، لكي انذرك كما اتفقنا.