مرت ثلاثة أيام وأربعة وخمسة ولما يعد زوربا، وفي اليوم السادس تلقيت رسالة من مدينة (كانديا) تتألف من بضع صفحات من ورق عادي معطر وفي ركن كل ورقة صورة قلب يخترقه سهم.
ويبدو أن زوربا تعود أن يمسك بالقلم كما يمسك بالفأس، فقد كانت الصفحات مليئة بالثقوب وبقع الحبر.
وفيما يلي مضمون الرسالة بعد تصحيح أخطائها الهجائية واللغوية:
"عزيزي الرأسمالي،
يسرني أن أتناول القلم لأكتب إليك مستفسراً عن صحتك، أما أنا ففي خير حال والحمد لله.
لقد أدركت من بعض الوقت أنني لم أجيء إلى هذه الدنيا لأكون حصانا أو ثورا، فالحيوانات وحدها هي التي تأكل لتعيش، ولكي تنسحب على هذه الصفة، فإنني أخلق لنفسي عملاً ليلا نهارا، وكثيرا ما أضحي بمصدر رزقي من أجل فكرة، لأني أعمل بالمثل القائل "عصفور نحيل على الجسر، أفضل من ببغاء سمينة في القفص".
ان كثيرا من الناس يفخرون بوطنيتهم دون أن تكلفهم الوطنية شياً، أما أنا فلست وطنيا، ولن أكون، مهما كانت تكاليف الوطنية.
وكثير من الناس يفكرون طويلاً، ويعصرون أذهانهم أما أنا فلا حاجة بي إلى التفكير ، فالخبر الطيب لا يسرني، والخبر السيء لا يحزنني، وسيان عندي ان يستولي اليونانيون على القسطنطينية، أو يستولي الاتراك على أثينا.
الشيء الوحيد الذي يهمني، هو هل أنا حي أو ميت؟
وعلى ذكر الحياة والموت، أود أن أحدثك عن أمر يزعجني ويقض مضجعي، وأعني به الشيخوخة.
ان الموت لا يهمني، فالحياة شمعة تطفئها لفحة هواء.. أما الشيخوخة فانها عار وفضيحة ولهذا أبذل قصارى جهدي لأمنع الناس من الاعتقاد بأنني كبرت.
انني أرقص ، فيؤلمني ظهري، ولكني أواصل الرقص وأشرب، فتدور الدنيا بي ولكي أستمر في تناول الشراب كما يفعل الآخرون.. وأنا ألقي بنفسي في ماء البحر وأصاب بالبرد، ولكني أغالب السعال، حتى لا أتهم بالضعف والشيخوخة.. هل تذكر انك سمعتني مرة أسعل؟.. أبدا..
وأنا لا أخجل من الضعف والشيخوخة أمام الناس فحسب، وإنما أخجل منهما أمام نفسي كذلك.. أخجل منهما أمام زوربا ، فما قولك في ذلك يا أستاذي؟
ان في أعماقي شيطانا اسميه زوربا ، وزوربا الداخلي لا يحب الشيخوخة، ولم تتقدم به السن، ولن تتقدم.. أما زوربا الخارجي فقد ضمر جسده وشاب شعر رأسه وسقطت أسنانه وأحدثت الأيام شقوقا عميقة في وجهه.
ولكن إلى متى سيستمر الصراع بين هذين الزربيين؟ وأيهما سيظفر بصاحبه؟ اذا مت عاجلا كان ذلك الخير كله، أما اذا امتد بي الأجل طويلا فسيأتي يوم أخسر فيه الحرية والكرامة..
ستطلب إلى ابنتي وابني أن أحمل ذراريهما ، أولئك الشياطين الصغار، وأن أسهر على سلامتهم.. وأنظف قذارتهم..
ومن المحقق انك ستمر كذلك بمثل هذا العار يوما ما ولذلك أرجو أن تصغي إلي.. وأن تعمل بنصيحتي.. دعنا نذهب إلى الجبال لنخرج من مناجمها الفحم والحديد والنحاس فاذا نجحنا وأبحنا من ذوي الثراء احترمنا الاقارب ولعق الاصدقاء أحذيتنا ورفع الجميع قبعاتهم لنا.. أما اذا لم ننجح، فهناك ذئاب ووحوش يمكنها أن تتكفل بنا، فما خلق الله الوحوش الا لتأكل أمثالنا، وتجنبهم مذلة الفقر وضياع الكرامة.
وهنا رسم زوربا صورة لرجل طويل نحيل يلوذ باحدى الاشجار، بينما سبعة ذئاب تطارده وتجد في اثره وكتب تحت الصورة بحروف كبيرة: (زوربا والخطايا السبع).
ثم مضى في رسالته يقول:
سأقص عليم الآن ما حدث لي في (كانديا) لأنني بحاجة إلى نصائحك انك أصغر مني سنا بطبيعة الحال، ولكنك قرأت كتب الحكمة القديمة، وأصبحت إلى حد ما – ومعذرة من هذا التعبير – من الطراز القديم..
"أنا أعتقد أن لكل انسان رائحة خاصة.. واننا لا نلاحظ ذلك لأن روائحنا جميعا يمتزج بعضها ببعض، فيتعذر علينا تمييزها ورد كل رائحة إلى صاحبها..
كل ما نعلمه هو ان هذه الروائح في مجموعها تؤلف رائحة واحدة خبيثة هي التي نسميها (البشرية) وبعض الناس يحبون هذه الرائحة ويشمونها كما لو كانت عطرا، أما انا فانها تثير اشمئزازي.
بيد ان للنساء انوفا كأنوف الكلاب، يميزون بها رائحة الرجل الذي يرغب فيهن.. ولعل ذلك هو السبب في انني ما أكاد أضع قدمي في مدينة، وعلى الرغم من شيخوختي ودمامتي، ورثاثة ثيابي، حتى أجد امرأة أو امرأتين تطاردانني وتقطعان علي السبيل.
صفوة القول: انني عندما وصلت إلى (كانديا) في الغسق، كانت الحوانيت كلها مغلقة، فقصدت إلى إحدى الحانات، حيث تناولت بعض الطعام وعلفت البغل، ثم خطر لي أن أتجول قليلا في شوارع المدينة، لم أكن أعرف أحدا فيها، ولا أحد فيها يعرفني ، كنت حرا أصفر في الطريق واضحك وأتحدث إلى نفسي.. وكانت مصابيح الشوارع قد اضيئت.. والطرق حافلة بالنساء.. ورائحة العطور والمساحيق تختلط في الجو برائحة الشواء، فقلت لنفسي: كم بقي لك من العمر يا زوربا.. لماذا لا تستمتع بأيامك القليلة الباقية؟
وكنت في هذه اللحظة أجتاز الميدان الكبير، ولا شك أنك تعرفه فسمعت صيحات ونغمات موسيقى راقصة، فأرهفت اذني جيدا لأتبين مصدرها فاذا المصدر أحد الكباريهات الغربية.. وهذا ما كنت أنشده، فدخلت الكباريه وجلست أمام احدى الموائد.. ورأيت امرأة بدينه ترقص على المسرح، وترفع ذيلها، ولكني لم ألق لها بالا وطلبت قدحا من الجعة، وما هي الا لحظة حتى أقبلت مخلوقة سمراء صغيرة خفيفة الظل فجلست بجانبي وقالت وهي تضحك:
- أتسمح لي بالجلوس يا جدي؟
فصعد الدم إلى رأسي، ووددت لو ادق عنقها، ولكني تمالكت نفسي ودعوت الخادم وطلبت إليه أن يحضر زجاجتين من الشمبانيا.
ومعذرة يا سيدي اذا كنت قد انفقت بعض مالك، ولكن الاهانة كانت شديدة، وكان لا بد لي أن أنقذ شرفنا، شرفك وشرفي، وان أرغم هذه الصغيرة المستهترة على الركوع تحت أقدامنا، وأنا واثق أنك ما كنت لتتخلى عني في مثل هذا الموقف الدقيق.
وأحضر الخادم الشمبانيا، ومزيدا من الشمبانيا، ثم مر رجل يبيع الياسمين، فاشتريت السلة كلها، وافرغتها في حجر التافهة العابثة التي تجرأت على اهانتنا..
وشربنا، وأسرفنا في الشراب، وأقسم لك انني لم أحاول مغازلتها.. عندما كنت شابا، كانت المغازلة هي الخطوة الأولى ، أما الآن بعد أن كبرت ، فان أول شي أفعله هو أن أنفق، وأنفق ببذخ وسخاء.. والنساء يعجبهن ذلك، قد تكون مقوس الظهر وقذرا، وحطاما، ولكنهن يتناسين كل هذا.. ولا يرين الا اليد التي تخرج النقود وتبعثرها بغير حساب.
وهكذا انفقت في تلك الجلسة ثروة – بارك الله فيك ورد عليك اموالك اضعافا مضاعفة – وكانت النتيجة، ان ازدادت الفتاة قربا مني، وألصقت ركبتها بعظامي النخرة، ولكني تظاهرت بالبرود وقلة الاكتراث، رغم انني كنت في الواقع أتلظى..
وهذه هي الطريقة للعب بعقول النساء، ان تتظاهر بالاعراض عنهن، بينما انت تتحرق شوقا اليهن.. من الخير لك ان تعرف ذلك فقد تفيدك المعرفة اذا وجدت في مثل هذا الموقف.
وانتصف الليل، وشرع الخدم في اطفاء الانوار وغلق الابواب، فاخرجت من جيبي حزمة من اوراق النقد ذات الالف دراخمة ودفعت الحساب وأعطيت الخدم منحة سخية، وحينذ تعلقت الفتاة بساعدي وسألتني وهي ترمقني بنظرة اغراء:
- ما اسمك؟
- الجد.
فقرصتني الفاجرة قرصة آلمتني وهمست قائلة:
- تعال معي.
فضغطت يدها الصغيرة بين يدي وقلت لها:
- أهذا ما تريدينه؟ هلمي اذن.
وعندما استيقظت في اليوم التالي كان الوقت ظهرا.
وأجلت البصر حولي، فاذا بي في غرفة صغيرة أنيقة، بها مقاعد وثيرة، وزجاجات عطر متعددة الالوان، ومرايا من جميع الاحجام، وملابس أنيقة معلقة بالجدران، وحشد من الصور لبحارة وضباط، ونساء عاريات.
ووجدت إلى جانبي في الفراش الوثير، صاحبتنا السمراء اللعوب، فأغمضت عيني وقلت لنفسي:
- لقد دخلت الجنة وأنت على قيد الحياة يا زوربا.. هذا مكان جميل ويجب ألا تبرحه.
وأحسب انني قلت لك ذات مرة يا استاذي ان لكل انسان جنته المفضلة، فالجنة بالنسبة اليك خزانة زاخرة بالكتب وعدد لا يحصى من زجاجات الحبر، وبالنسبة إلى البعض براميل من نبيذ وعرق وروم، وبالنسبة للآخرين صناديق مليئة بالنقود.. اما بالنسبة الي فهذه جنتي: غرفة صغيرة معطرة، وملابس ذات الوان مرحة معلقة بالجدران، وفراش كبير وثير.. وامرأة إلى جانبي.
ان الاعتراف بالخطيئة هو نصف التوبة، واعترف لك بأنني لم أبرح الفراش في ذلك اليوم.. إلى أين أذهب؟ لقد كنت مرتاحا حيث أنا.
وأرسلت إلى أحد المطاعم الكبرى في طلب طعام من الكافيار والسمك وعصير الليمون والقطائف.
وفي المساء ، ارتديت ثيابي، وخرجت متأبطا ذراع صاحبتي في الطريق إلى الكباريه.
ولا أطيل عليك الحديث.. انني مازلت اتبع هذا البرنامج، ولكن لا تنزعج.. فانني لم أنس المهمة التي اوفدتني فيها، ولسوف أشتري الاسلاك والادوات الاخرى.. ان تأخير يوم أو أسبوع أو شهر لن يؤثر كثيرا، ومن مصلحتك ان أنتظر حتى يصفو ذهني فلا أخدع في البضائع أو الأسعار.. فصبرا وثق بي ولا ينبغي أن تقلق على صحتي.. فالمغامرات تفيدني، وقد ردتني الأيام الأخيرة إلى شبابي، حتى لاتوقع أن تنبت لي أسنان جديدة وفي كل مرة انظر إلى المرآة وأعجب كيف لم يسترد شعر رأسي لونه الطبيعي، ويصبح أسود كطلاء الأحذية.
ولعلك تسأل لماذا أكتب اليك كل هذا؟ والواقع.. انك لي بمثابة القس الذي يتلقى الاعتراف.. وأنا لا أستحي من الاعتراف لك بذنوبي وآثامي.. هل تعرف لماذا؟ لأني عهدتك حتى الآن لا تحفل بما أفعل ، سواء أكان خطأ أم صوابا.. وهذا ما يحفزني لأن أقول لك كل شيء.. فاصغ الي.
كان أمس عيد أحد القديسين في قرية قريبة من (كانديا) فقالت لي لولا، وهذا اسم صديقتي الصغيرة السمراء:
- هلم بنا يا جدي.. دعنا نشهد حفلات العيد.
فأجبتها:
- اذهبي أنت أيتها الجدة الصغيرة.
- ولكني أريد الذهاب معك.
- وأنا لا أريد الذهاب، لأني لا أحب القديسين.. اذهبي وحدك.
- حسنا.. لن أذهب اذن.
فنظرت إليها مبهوتا.
- ولماذا لا تذهبين؟
- اذا جئت معي ذهبت والا فلا..
- ولكن لماذا.. أليست لك كل الحرية؟
- كلا.
- ألا تريدين أن تكوني حرة؟
- كلا.. لا أريد..
وخيل إلي أنني لم أسمع جيدا وصحت بها:
- ألا تريدين أن تكوني حرة؟
- كلا.. لا أريد أن أكون حرة.
سيدي، انني أكتب إليك هذا من غرفة (لولا) على ورق (لولا) .. وأنا أعتقد أن الادميين وحدهم هم الذين يريدون الحرية.. ولكن النساء لا يرونها.. فترى هل هن ادميات؟
أرجو أن تكتب إلي على وجه السرعة.
(اليكسيس زوربا)
ما أن فرغت من تلاوة رسالة زوربا حتى تجاذبتني ثلاثة عوامل، فلم أدر هل أغضب ، أم أضحك ، أم أعجب بهذا الرجل البدائي الذي حطم غلاف الحياة بعناصره الثلاثة، المنطق والأخلاق والأمانة، ووصل مباشرة إلى اللباب.
كان يفتقر إلى جميع الفضائل الصغيرة التي لا غناء عنها، ولم تكن له الا فضيلة واحدة قلقة خطرة تلح عليه باستمرار وتدفعه ، دائما إلى آخر الحدود وإلى الهوة.
غمغمت أقول:
- بارك الله في زوربا لقد كان يجسد جميع الآراء والخواطر المجردة التي تعتمل في داخلي.. فيمنحها هيكلا حيا دافئا.. وعندما لا يكون هنا، تضطرب آرائي وخواطري من جديد..
وتناولت ورقة وقلما، وكتبت هذه البرقية التي بعثت بها إليه:
- "عد فورا".