التقيته بها في مرفأ " بيريه " عندما كنت متوجها لأخذ القارب إلى " كريت " ، كانت أول مرة كان الصباح على وشك أن ينبلج ، و السماء تمطر ، و كان رذاذ الموج يصل إلى زجاج المقهى الصغير الذي كانت أبوابه الزجاجية مغلقة ، و كان الطقس باردا في الخارج ، و قد عبق الجو داخل المقهى بأنفاس رواده .
و كان هناك خمسة أو ستة يجلسون في المقهى منذ الليل الفائت ، و قد التفوا لباسهم القاتم المصنوع من وبر الماعز يشربون القهوة و يدخنون و ينظرون إلى زجاج المقهى العابق و إلى البحر الهائج الهادر في الخارج ، و كانت الأسماك في البحر قد التجأت إلى الأعماق بانتظار هدوء العاصفة عند سطح الماء ، كما كان البحارة و الصيادون ينتظرون بدورهم أيضا هدوء العاصفة ، حتى تصعد
الأسماك إلى سطح الماء لتأكل الطعم .
و فتح باب المقهى الزجاجي و ولد منه عامل قصير القامة ، أسمر اللون ، عاري الرأس ، حافي القدمين و قد صبغ بالأوساخ من قمة رأسه إلى أخمص قدميه .
- هاي ! كوستاندي ! كيف هي الأمور معك ؟
هتف بحار عجوز يرتدي سترة زرقاء ، و أجابه المدعو كوستاندي بعد أن بصق على الأرض :
- ماذا تعتقد ؟ في الصباح إلى البار و في المساء إلى البيت ، صباح الخير أيها البار و مساء الخير أيها المنزل ! هذه هي حياتي التي أعيشها الآن ، فليس لدي من عمل أعمله .
و ضحك بعض الحضور بينما شتم البعض الآخر ، و هم يهزون برؤوسهم :
- هذا العالم هو سجنٌ مؤبد ، نعم إنه سجنٌ مؤبد ، عليه اللعنة .
و دلف عبر زجاج المقهى الوسخ شعاعٌ أزرق ، و تعلق بالأيدي و الأنوف و جباه الحاضرين ، ثم تسلل إلى البار و أضاء الزجاجات الفارغة ، و خفت الضوء الكهربائي ، و تمطأ صاحب المقهى الذي كان نصف نائم ، و مسد يديه بحركة متكاسلة كأنه يستقبل ضوء النهار الجديد ، و بعد فترة من الصمت قال البحار العجوز متنهداً :
- ترى ماذا جرى للكابتن ليموني ؟ كان الله في عونه !
و نظر بغضب إلى البحر ثم صاح :
- لعنك الله من بحر أثيم مخرب للبيوت !
ثم عض على شاربه الرمادي .
كنت جالسا في زاوية المقهى من شدة البرد ، و طلبت كأسا ثانيا من الشراب ، و شعرت بالنعاس لكني قاومت الرغبة في النوم و التعب ، و جلست أنظر من خلال الزجاج إلى المرفأ الذي بدأ يضج بالحركة و بصفارات البواخر ، و بصياح سائقي العربات .
كانت عيناي عالقتين في مقدمة باخرة سوداء كبيرة ، كانت لا تزال مغمورة بظلام الليل القاتم ، و كانت السماء تمطر ، و باستطاعتي مشاهدة خيوط الماء المنهمر تربط السماء بالوحل .
نظرت إلى الباخرة السوداء ، و تجسدت كآبة الذكريات الماضية ، و دفعت الأمطار بصورة وجه صديقي الكبير ، هل كانت السنة الماضية ؟ في عالم آخر ؟ البارحة ؟ متى كانت حين نزلت إلى هذا المرفأ بالذات لأقول له وداعاً ؟ لقد كانت السماء ممطرة ذلك الصباح ، أيضا ، و في تلك المرة كان قلبي مثقلا تماما شأنه اليوم .
كم هي مؤلمة ساعة الفراق البطيئة ، خاصة فراق الأصدقاء العظام ! ، فالأفضل الانقطاع دفعة واحدة ، و العودة إلى الوحدة – الجو الطبيعي للرجل ، و لكن ، في ذلك الصباح الممطر لم يكن باستطاعتي ترك صديقي ( و قد علمت لماذا ، فيما بعد ، و لكن للأسف كان ذلك بعد فوات الأوان ) ، لقد صعدت معه إلى ظهر المركب و دخلتُ إلى مقصورته الملأى بالحقائب المبعثرة ، كأنني كنت راغبا في أن أدون ملامحه في مخيلتي ، عينيه المضيئتين بالأزرق ، وجهه الفني ، و ملامحه الذكية ، و فوق كل ذلك يديه الارتسقراطيتين و أصابعهما الطويلة النحيلة .
و حين فاجأني و أنا أحدق به بشوق ، و نظر إلي و قد ارتسمت على وجهه تلك الابتسامة الساخرة التي يلجأ إليها حين يريد أن يخفي انفعاله ، و فهم ! ، سألني مبتسما ساخراً :
- إلى متى ؟
- ماذا تعني بإلى متى ؟
- إلى متى ستبقى على عادة مضغ الورق و التلوث بالحبر ؟ لماذا لا تأتِ معي بعيدا في القوقاز هناك الألوف من أبناء جلدتنا في خطر عظيم ، تعال لننقذهم .
ثم راح يضحك كأنه يهزأ من نبله ، قال :
- ربما ، لن نقدر على مساعدتهم ، و لكن ألم تكن تعظ " إن الطريقة الوحيدة في تخليص نفسك هي في مساعدة الآخرين " ؟ حسنا ، أيها المعلم ، إلى الأمام ، و أنت ممتاز إلقاء المواعظ ، لماذا لا تأتِ معي ؟!
و لم أجبه ، و فكرت بأراضي الشرق الساحرة ، و أم الآلهة العجوز ، و صراخ بروميثيوس المسمر إلى الصخور ، و هناك على هذه الصخور نفسها كان عِرقنا مسمراً ، لقد كان ينادي و يصرخ !! لقد كان ينادي طالبا المعونة من أبنائه ، و كنت أسمع النداء كأن الألم هو حلم و الحياة هي مأساة محيقة ، يثبت فيها من يأخذ حصته من العمل في مسرح الحياة .
و بدون أن ينتظر جوابا مني ، نهض صديقي ، و صفرت الباخرة معلنة عن الإقلاع للمرة الثالثة و مدّ يده إليّ ، محاولا إخفاء انفعاله بابتسامته الساخرة ، ثم قال :
- إلى الملتقى ، يا عثّ الكتب !
و ارتجف صوته ، و قد شعر بالخجل لأنه لم يتمكن من السيطرة على عواطفه ، فقد كانت الكلمات الرقيقة ، و الحركات المضطربة ، تبدو له ضعفا لا يجوز للرجل أن يأخذ بها ، نحن ، الذين كنا مولعين ببعضنا أشد الولع ، لم نتبادل أية كلمة من كلمات العطف و المحبة ، لقد مثلنا و خدشنا بعضنا بعضا كأننا قطط متوحشة .
هو : الذكي ، الساخر ، المتمدن ، و أنا : الهمجي ! ، لقد تمرن على ضبط النفس و إخفاء كل العواطف تحت ستار السخرية ، بينما كنت أنا أنفجر بضحكتي الوحشية البلهاء .
لقد كنت أحاول دوما أن أخفي انفعالي و عواطفي بكلمة قاسية ، لكني شعرت بالخجل ، لا ، ليس الخجل بالذات ، و لكن سوء التصرف ، و أمسكت بيده و لم أقو على تركها ، فنظر إليّ مندهشا :
- هل أنت منفعلٌ لهذا الحد ؟!
و أجبته بهدوء :
- نعم .
لماذا ؟ و لكن ماذا قلنا الآن ؟ ألم نتفق على ذلك منذ سنين ؟ ماذا يقول الأحباء اليابانيون " فودوشين " ! ، الوجه قناعٌ يبتسم ، و لكن ما يدور هذا القناع ليس من شأننا !
- نعم .
أجبته محاولا جاهدا أن لا أورط نفسي بعبارات طويلة ، و لم أكن واثقا من أنني قادر على ضبط صوتي .
و دوى صوت صفارة الباخرة ، معلنا طرد الزوار من غرف المسافرين ، كان المطر ينهمر خفيفا ، و كان الهواء عابقا بكلمات الوداع الرقيقة ، القبلات الطويلة ، التأوهات و التوصيات اللاهثة الخاطفة ، و تهافت الأمهات على الأبناء ، و الزوجات على الأزواج ، و الأصدقاء على الأصدقاء ، كأنهم سيفارقونهم إلى الأبد ، كأن هذا الفرق يعني " الفراق الكبير " ، و انطلقت الصفارة من جديد كأنها أجراس الجنائز ، فارتعدت !
- اسمع ، هل أنت متشائم ؟
- نعم .
- هل تؤمن بهذه الهواجس ؟
و أجبته بالتأكيد :
- كلا .
- إذن ؟
و لم يكن هناك من " إذن " فلم أكن أؤمن بها ، و لكن كنت خائفا ..
و رمش صديقي بجفونه مرتين أو ثلاثاً ، و حدّق بي مرة أخرى ، لقد فهم أني منفعل و حزين ، فتردد في إخفاء اضطرابه بالسخرية و الضحك ، و قال :
- حسناً ! أعطني يدك ، إذا قدر لأحدنا أن يجد نفسه في خطر الموت .. و توقف ، كأنه شعر بالخجل ، نحن الذين كنا نهزأ من هذه النزوات الميتافيزيقية لسنواتٍ خلت !! ، و سألته محاولا أن أحذر :
- حسنا ؟!
- لننظر إليها كأنها لعبة ، إذا قدر لأحدنا خطر الموت ، فليفكر في الآخر بشدة لدرجة أن ينبهه حيثما كان .. هل اتفقنا ؟!
قال ذلك محاولا أن يضحك لكن الابتسامة جمدت على شفتيه .
- اتفقنا .
و أضاف صديقي مسرعا ، خوفا من أن يكون قد أفصح عن عواطفه :
- مع العلم ، أني لا أؤمن إطلاقا بعلم قراءة الأفكار ، و ما شابه ..
طمأنته متمتماً :
- لا بأس ، و ليكن ..
- حسنٌ جداً ، و الآن لندع الموضوع عند هذا الحد ، اتفقنا ؟
- اتفقنا .
كانت هذه كلماتنا الأخيرة ، و تصافحنا بحرارة ، و مشيت مسرعا دون أن أنظر إلى الخلف ، كأنني كنتُ مطارداً ، و شعرتُ برغبة في إلقاء نظرةٍ أخيرةٍ على صديقي ، لكني تمالكتُ نفسي و قلت " لا تنظر إلى الخلف ! تقدّم ! " .
* * *
كان الضوء ينتشر رويدا رويداً ، و الصباحان يبدوان متداخلان ، و ظهر لي وجه صديقي واضحا الآن ، الذي بقي لمدة طويلة تحت المطر ، و يبدو حزينا ساكناً .. و انفتح الباب و دخل رجلٌ قصير القامة ، مقوّس الساقين ، ذو شاربٍ متدلٍ ، و تعالت أصواتٌ فرِحة :
- أهلاً ، كابتن ليموني !
و انتشر الضوء ، و أخذ الكابت مسبحته و راح يطقطق بها بعصبية ، بينما انزويتُ أنا في مقعدي محاولا أن أستعيد تلك الصورة التي كانت تذوب مبتعدةً عني ، لو أتمكن من أن أعيش مرة أخرى هذه اللحظة من الغضب الذي تملكني حين قال صديقي " عث الكتب " ! ، و تذكرت أن كل القرف من الحياة التي كنت أحياها قد تجسد في هذه الكلمات ، كيف تمكّنتُ أنا ، الذي كنت أحب الحياة ، أن أدفن رأسي بين أكداس الكتب و الأوراق الملطخة بالحبر ! لقد ساعدني صديقي في ذلك اليوم ، يوم الفراق ، على الرؤيا بوضوحٍ أكبر ، و شعرت بالاطمئنان ، و الآن بعد أن علمت اسم حزني مصدر شقائي فباستطاعتي التغلب عليه بسهولة ، و لم تعد أحزاني متفرقة ، فقد تجسدت و أصبحت تحمل اسما ، لذلك أصبح بإمكاني مقارعتها بسهولةٍ أكبر .
لقد أثر هذا التعبير علي و دخل في أعماق نفسي ، و قد حاولتُ البحث عن حجة لأترك الورق و الكتابة و أحيا حياة أكثر مغامرة و حركة ، لقد أصبحت مستاءً من حمل هذه الحشرة البائسة مضافة إلى اسمي ، و قد سنحت لي الفرصة منذ شهر ، فقد استأجرت منجما في جزيرة كريت مواجها لبحر ليبيا ، و سأذهب اليوم إلى هذا المنجم القديم لأعيش مع رجال بسطاء ، عمال ، فلاحين ، بعيدا عن جنس " عث الكتب " .
و أعددتُ العدة للسفر ، كأن هذه الرحلة تخفي وراءها معانٍ كثيرة ، فقد عزمت على تغيير منهجي في الحياة ، و قلت لنفسي " لغاية اليوم ، لقد شاهدت الظل و كنت مكتفية به ، و الآن سأقودك إلى الجسم " .
و عندما انتهيت أخيرا ، و في ليلة سفري بينما كنت أقلب أوراقي ، عثرت على مخطوطة لم تنته بعد ، و أخذتها بيدٍ مشدودة ، منذ سنتين كانت الرغبة كامنة في أعماق نفسي ، رغبة قوية جامحة ، رغبة أشعر بها تتآكل في أحشائي كل لحظة ، لقد كانت تنمو و تنضج و ترفسني في صدري تطلب أن تخرج إلى الوجود ، و الآن لم يعد بإمكاني أن أطرحها ، لم أعد أجرؤ على ذلك ، لقد فات الوقت لهذا الإجهاض النفسي .
و بينما كنت ممسكا بالمخطوطات تلك ، ظهر أمامي وجه صديقي الساخر فقلت بصوتٍ مرتفع بعد أن شعرت بألم السخرية : " سآخذها معي ، سآخذها ، لا تضحك !! " ، و لففتُ المخطوطة بعناية و حملتها .
و عاد إلى مسمعي صوت الكابتن ليموني ، وقورا قاسيا ، و أصغيت إلى حديثه الذي كان عن العفاريت التي تسلقت صاري مركبه أثناء العاصفة و راحت تلحسه :
- لقد كانت لزجة ، و كان الإنسان حين يلمسها يشعر بالنار تحرق يديه ، لقد ملست شاربي و نظرت إليها في الظلام و أنا أشع كالعفريت ، و كما قلت ، لقد طغى البحر على مركبي و أغرق شحنتي من الفحم و بدأ مركبي يميل في هذه اللحظة ، ترفق الله العظيم و رأف بي و أرسل صاعقة حطمت أخشاب الأبواب و انزلق الفحم إلى البحر ، و خف وزن المركب من حمولته و عاد إلى وضعه السابق ، و بذلك أنقذتُ نفسي .
و بينما كنت أصغي باهتمام لما كان يقوله البحار العجوز ، شعرتُ بالانزعاج فجأة فرفعتُ رأسي ، لست أعلم كيف ، لكني شعرت أن عينين اثنتين تحدقان بجمجمة رأسي من الخلف ، و التفتّ مسرعاً باتجاه الباب الزجاجي ، و قد ومضت في رأسي فكرة مجنونة : سأرى صديقي مرة ثانية ! لقد كنتُ مهيأ لاستقبال المعجزة ، لكنها لم تحصل ، فقد رأيتُ رجلا غريبا يبلغ من العمر ستين عاما ، طويل القامة ، نحيف الجسم ، عيناه جاحظتان ، و قد ألصق بأنفه على زجاج الباب و هو ينظر إليّ ، و كان يحمل صرّة صغيرة تحت ذراعه .
و قد أثارني فيه نظرته المتشوقة ، و عيناه الحادتان المتوقدتان ، أو هكذا بدتا لي على كل حال ، و ما إن تقابلت نظراتنا ، و تأكد أنني الشخص الذي يبحث عنه ، حتى فتح الباب بقوة و اندفع إلى الداخل ماراً بين الطاولات بخطى سريعة ، و تقدم نحوي ووقف قرب طاولتي ثم قال :
- هل أنت مسافر ؟ و إلى أين ؟
- مسافر إلى كريت ، و لكن لماذا تسأل ؟
- هل تأخذني معك ؟
و نظرت إليه باهتمام ، كانت خدوده مجوفة ، و فكه صلبٌ قاسٍ ، و وجنتاه ناتئتان ، و شعره الرمادي مجعد و عيناه متوقدتان .
- لماذا ؟ و ماذا أفعل بك ؟
و هز بكتفيه و قال :
- لماذا ، لماذا ؟ ألا يستطيع المرء أن يفعل شيئا دون لماذا ؟ للاشيء ، لأن المرء يريد ذلك ! خذني معك كطباخ مثلا ، إن باستطاعتي أن أطبخ حساءً لم تذق مثله في حياتك .
و رحتُ أحدق به و أنا أضحك ، فقد أعجبني هذا المخلوق كما أعجبني الحساء ، فقلت في نفسي إنه ليس ثمة ضرر في أن آخذه معي ، فيبدو أنه قد جاب البحار طويلاً ، فهو أشبه بالسندباد البحري .. و قد أعجبني !
قال لي و هو يهز برأسه الضخم :
- و بماذا تفكر ؟ هل توازي الأمر بنفسك ؟ هيا أيها الصديق اعتمد و قرر لنفسك ..
- اجلس الآن و خذ قدحا من الشراب .
- حسناً ، و لكن كأسا من " الروم " ينفعني أكثر .
و سألته بعد أن تناول كأس الروم و راح يتذوقه بهدوء :
- ما نوع العمل الذي تتقنه ؟
- كل الأنواع ، بالأرجل و الأيدي و الرأس ، جميعهم !
- أين كنت تعمل في السابق ؟
- في منجم ، فأنا خبيرٌ في عمل المناجم ، كما أنني خبير في المعادن ، أنا أعرف كيف أجد العروق ، أحفر الأنفاق ، و أهبط إلى الحفر العميقة دون أن أخاف ، لقد كنت أعمل جيدا فقد كنت رئيسا على العمال ، و كنت لا أشكو من شيء ، و لكن الشيطان تدخل في عملي ، فيوم السبت الماضي جاء صاحب المنجم ليفتش بين العمال ، فأمسكت به و أوسعته ضربا .. هكذا ، دون أن أكون سكراناً .
- و لكن لماذا ؟ و ماذا فعل لك ؟
- لي ؟ لا شيء على الإطلاق ، فقد كانت المرة الأولى التي أراه فيها ، فالمسكين قد وزع علينا السجائر أيضاً .
- حسنا ؟
- أوه ، مالك تجلس هكذا و تطرح الأسئلة ؟ لقد خطر لي ذلك ، هذا كل ما في الأمر ، تعلم قصة زوجة الطحان ؟ حسنا ، فلا يمكنك تعلم الإملاء من مؤخرتها ، مؤخرة زوجة الطحان ، فهذا هو المنطق الإنساني .
فنظرتُ إلى رفيقي الجديد بمزيد من الاهتمام ، فقد أعجبني تحليله للأمور للمنطق ، ثم سألته :
- و ماذا تحمل في صرتك هذه ؟ طعام ؟ ملابس ؟ أم معدات ؟
و رفع صديقي بكتفيه و ضحك :
- إنك تبدو كثير التعلق ، أرجو المعذرة لهذا .
و ضرب على صرته بأصابعه الطويلة القاسية و قال :
- كلا ، إنها السانتوري .
- السانتوري ؟ و هل تعزف عليها ؟
- نعم ، عندما أكون مفلساً أذهب إلى الحانات ثم أعزف عليها و أنشد بعض الأغاني المقدونية القديمة ، ثم أبدأ بجمع النقود من الزبائن في قبعتي ، فتمتلئ بعد قليل بالدراهم .
- ما اسمك ؟
- الكسيس زوربا ، و في بعض الأحيان يدعونني " مجرفة الفئران " لأنني طويل القامة وجمجمتي مسطحة و تشبه الكعكة ، كما أنني أدعى " مضيّع الوقت " لأنني كنت أبيع البزر المحمص في وقتٍ من الأوقات ، و هم يدعونني أيضا " المعفن " لأنني أسبب المشاكل أينما حللت ، كل شيء يذهب للكلاب ، و لي أيضا أسماء أخرى ، و لكني سأدعها لفرصة ثانية .
- و كيف تعلمت العزف على السانتوري ؟
- كنت في العشرين ، فسمعت السانتوري لأول مرة في إحدى الاحتفالات القروية ، هناك عند قدم جبل أوليمب ، فبهرت لتوي حين سمعت النغم ، و بقيت ثلاثة أيام دون طعام ، و سألني والدي رحمه الله " ماذا جرى لك ؟ " ، فقلتُ له أنني أريد أن أتعلم العزف على السانتوري ، فقال لي " ألا تخجل من نفسك ؟ هل أنت غجري ؟ هل تريد أن تتحول إلى عازف ؟ " فأجبته " نعم ، أنا أريد أن أتعلم العزف على السانتوري " و كنت قد ادخرتُ بعض القروش لكي أتزوج حين يحين الوقت ، فقد كنت لا أزال فتيا و دم الشباب لا يزال يجري حارا في عروقي ، و أريد الزواج ، أنا الغبي المسكين ! و هكذا دفعت كل ما ادخرته نم مال ثمنا لشراء السانتوري ، و هربت إلى سالونيك حيث قابلت رجلاً تركيا يدعى رستب أفندي ، و هو معلمٌ ماهر للعزف على السانتوري ، فقلتُ له " إنني أريد أن أتعلم العزف على السانتوري " فقال " حسنا ، و لكن لماذا ألقيت بنفسك على أقدامي هكذا ؟ "
- لأني لا أملك مالاً لأدفعه لك .
- و أنت مغرم بالسانتوري إلى هذا الحد ؟
- نعم .
- حسنا ، يمكنك البقاء يا ولدي ، فأنا لستُ بحاجةٍ إلى مالك .
و بقيتُ عنده سنة أتعلم العزف ، و هو لا بد أن يكون قد مات الآن ، رحمه الله ، و إذا كان الله تعالى يسمح بدخول الكلاب إلى جناته ، فلعله يفتح أبواب الجنة لرستب أفندي ، و منذ أن تعلمت العزف على السانتوري حتى أصبحت رجلا آخر ، فعندما أشعر بالحزن ، أو حين أكون مفلسا ، أعزف على السانتوري فأشعر بالسعادة و الانشراح ، و عندما أعزف لا أسمع شيئا مما يقولونه لي ، و إذا سمعت فلا يمكنني الكلام ، ولا فائدة من المحاولة فأنا لا أستطيع ... "
- و لكن لماذا ، زوربا ؟
- أوه ، ألا ترى ؟ إنه الهوس المحموم ، نعم إنه الهوس .
و فتح باب المقهى من جديد و سمعت هدير البحر ، و كانت أيدينا و أرجلنا متجمدة من شدة الصقيع ، فانزويت أكثر إلى الركن الدافئ و تلفعت بالمعطف و نعمت بدفء المكان ، و قلت في نفسي " إلى أين سأذهب ، فأنا في أحسن حالٍ هنا ، ليت هذه اللحظة تدوم سنين طويلة " ، و نظرت إلى الرجل الغريب أمامي ، الذي كان يحدق بي و قلت له :
- حسنا ؟ استمر .
و هز زوربا بكتفيه و قال :
- دعك من ذلك ، هل تعطيني سيجارة ؟
و قدمت له سيجارة ، تناولها و أخرج من جيبه قداحة و فتيلة و أشعل السيجارة ثم أغمض عينيه بسرور و ارتياح ، و سألته :
- متزوج ؟
و أجابني غاضباً :
- ألستُ رجلاً ؟ ألستُ رجلاً ؟ أعني أعمى ، شأني شأن الجميع ، لقد سقطت على رأسي في الفخ و تزوجت ، و أصبحت رب عائلة ، و بنيت بيتا ، و أصبح عندي أطفال و مشاكل ، و لكن شكرا للرب على السانتوري ..
- و هل كنت تعزف لتنسى همومك ؟
- اسمع ، إني أرى أنك لا تستطيع العزف على أية آلة موسيقية ، في البيت تكمن كل مشاكلك ، الزوجة ، الأولاد ، ما الذي ستأكله ؟ كيف ندبر أمر الملبس ؟ ما الذي سيحل بنا ؟ يا للجحيم ، كلا ، لكي تعزف السانتوري يجب أن تكون في حالة جيدة ، يجب أن تكون صافياً ، فإذا ما رددت زوجتي كلماتها فكيف يمكنني العزف ؟ و إذا كان أولادك جائعين يصرخون ، حاول عند ذلك أن تعزف على السانتوري ، فعقلك يجب أن يكون عند السانتوري ، لا عند أشياء أخرى ، هل فهمت ؟!
نعم ، فهمت ، إن زوربا هو الرجل الذي كنت أنشده منذ مدة طويلة دون أن أجده ، قلب حي ، و فمٌ ضخم شره ، و نفس كبيرة قاسية لم تعركها الأيام .
إن معنى كلمات الفن و الحب و الطهارة و العاطفة ، كل هذه المعاني أظهرتها لي تلك الكلمات البسيطة التي تفوه بها هذا الرجل العامل .
و نظرت إلى يديه التين تستطيعان الإمساك بالمعول و السانتوري ، يدان متحجرتان ، مشققتان ، مشوهتان ، و باعتناءٍ بالغ ، كأنهما تخلعان ثياب امرأة ، فتحت الصرة و سحبت منها السانتوري الذي صقلته السنون ، مع حزمة من الأوتار ، مضربا بالنحاس و العاج مع شرابة حمراء من الحرير ، ثم راحت تلك الأصابع الطويلة تداعبه بعطف كأنه أيدٍ تداعب وجه امرأة ، ثم أعادت وضعه و لفته باعتناء بالغ كأنه جسدٌ محبوب خافت عليه من البرد .
- هذا هو السانتوري العزيز .
تمتم ذلك و هو يضع الصرة باعتناءٍ على الكرسي ، و كان البحارة يقرعون الكؤوس و يضحكون ، و ربت البحار العجوز على كتف الكابتن ليموني و هو يقول :
- قل الحقيقة يا كابتن ، ألست خائفا ؟ إن الله أعلم بعدد الشموع التي نذرتها للقديس نيقولا .
و قطّب الكابتن حاجبيه الضخمين :
- أقسم لكم ، إنني عندما رأيت الموت يقترب مني لم أفكر بالقديسة العذراء ، ولا بالقديس نيقولا ، بل التفت نحو سالاميس ، و فكرت بزوجتي و صحت " آه ، كاترين ! لو أنني الآن معكِ في الفراش "
و انفجر البحارة في الضحك ، و شاركهم الكابت ليموني الضحك هذه المرة .
- يا للإنسان ، إن الرجل حيوان ، فقد كان شبح الموت مخيما فوق رأسه بينما كانت أفكاره منشغلة هناك ، لا في أي مكان آخر ، تباً له من حيوان !
و صفق الكابتن و طلب دورا آخر من الشراب لرفاقه ، كان زوربا يستمع إلى الحوار بأذنين كبيرتين ، و التفت إليهم ثم قال لي :
- ما هذا ؟ ماذا يقول هذا الرجل ؟
و لكنه فهم فجأة ، و هتف بإعجاب :
- برافو ، يا صديقي ، إن هؤلاء البحارة يعرفون السر ، و أغلب الظن لأنهم معرضين ليلا نهارا للموت .
و أشار بقبضتيه في الهواء و قال :
- حسناً ، إن هذه مسألة أخرى ، و لنعد الآن إلى عملنا ، هل سأبقى أم لا ؟ قرر بسرعة .
- أنا موافق يا زوربا ، تعال معي إلى كريت ، فلدي فحما هناك ، و باستطاعتك مراقبة العمال ، و في المساء ستتمدد على الرمال ، في هذا العالم ليس عندي لا زوجة ولا أطفال ولا كلاب ، سنأكل و نشرب معا ، و ستعزف أنت على السانتوري .
- هذا إذا كنت في مزاج خاص للعزف ، هل تسمح ؟ سأعمل لك أي شيء تريده ، فأنا رجلك المطيع هناك ، و لكن السانتوري .. فهذا شيءٌ آخر ، إنه حيوان وحشي ، و هو بحاجة إلى الحرية ، فإذا كنت مستعدا للعزف فسأعزف ، و ربما أنحني أيضا ، و سأرقص " الزيباكيكو " و " الهاسابيكو " و " البنتوزالي " و لكن دعني أخبرك منذ الآن ، يجب أن أكون مستعدا لذلك ، لنفهم ذلك بوضوح ، و إذا أرغمتني على ذلك فسينتهي كل شيء الآن ، فأنا بما يتعلق بهذه الأمور .. رجل .
- رجل ؟ ماذا تعني بذلك ؟
- أعني .. حراً .
و طلبت كأسا من الروم فأضاف زوربا طالبا كأسا آخر أيضاً ، و قرعنا الكؤوس ، و كان الصباح قد أشرق ، و سمعنا صفارة المركب , و أشار الحمال الذي نقل حقائبي إلى المركب ، و قلت و أنا أنهض :
- تعال ، لنذهب .. و ليكن الله معنا .
- الله و الشيطان معاً .
أضاف زوربا ، ثم انحنى و التقط صرته و وضعها تحت ذراعه و فتح الباب و سبقني بالخروج.