الفصل 4

12 0 00

كان فندق مدام هورانتس عبارة عن صف من أكواخ الحمام القديمة جمعت مع بعضها البعض . أما الأولى فكانت دكانا لبيع الحلويات , و السكاير , والفستق عبيد , والشموع , والعلكة , وأربع غرف – أو أكواخ – متلاصقة تألفت منها غرف النوم . وفي الخلف كان المطبخ , وغرف الغسيل , و قن الدجاج والأرانب . وكان عيدان القصب الكثيفة مغروسة حول المكان في الرمل الناعم . وكانت رائحة البحر تعبق بالمكان بالإضافة إلى روائح ( البراز و البول ) . لكن الرائحة تتغير حين تمر مدام هورانتس بين وقت وآخر , وكأن احدهم افرغ طشتا للحلاق تحت أنفك .

وما إن جهزت لنا الغرف والسرائر حتى انطرحنا عليها دون حراك ولم نستيقظ إلا في صباح اليوم التالي .

كان اليوم الأحد والعمال سيصلون في الغد من القرى المجاورة ليبدأوا العمل في تمام التاسعة لذلك فقد ترك لي بعض الوقت لأقوم بجولة على الشاطئ الذي ساقتني إليه الأقدار . كان الفجر يكاد يلوح حين خرجت . فذهبت في سبيلي مارا , بالبساتين , متتبعا حافة البحر , متعرفا إلى الأرض والهواء .

وصعدت إلى تله مجاورة , وأجلت نظري إلى منظر الصخور الغرانيتية والكلسية القاسية , وأشجار الخروب القاتمة , وأشجار الزيتون الفضية وأشجار التين والدوالي . د

كان هذا المنظر , كما بدا لي , شبيها بالنثر الجيد , المصوغ بعناية فائقة , بسيطا , خاليا من الزخارف المصطنعة , قويا , صارما . لقد كان معبرا عن كل ماهو ضروري بطريقة سهلة . انه لم يكن متباهيا ولم يكن متصنعا , فهو ينطق بكل شيء بطريقة قاسية صارمة . لكن الليونة كانت متبدية من خلال أشجار البرتقال والليمون التي كانت تعطر الهواء برائحتها الذكية . ومن بعيد كان البحر الخالد يبدو كالشعر الذي لا ينفذ .

- كريت . كريت

قلت متمتما لنفسي وقلبي ينبض بالبهجة !!!

ونزلت من التل الصغير , ورحت امشي قريبا من ماء البحر . فرأيت صبايا صغار يسرن في طريقهن إلى الدير لسماع القداس عند شاطئ البحر .

وما إن ظهرت لهن حتى توقفن عن المسير , وأصبن برعب شديد , وتشبثن ببعضهن البعض , وعلمت فيما بعد أن رؤية رجل غريب كانت تخيفهن , فعلى طول الساحل الكريتي كان القراصنة في القرون الغابرة يقمن بغزوات مفاجئة , ويخطفون النساء والأطفال , ويربطونهن بأحزمتهم الزرقاء الغليظة ويلقون بهن في السفينة ويبيعوهن في الجزائر , والإسكندرية , وبيروت .

ورحت انظر إليهن مبتسما بعد أن تكاتفن مع بعضهن البعض وسرن كالطود المرصوص , واقتربن مني وأضاءت وجوههن بالاطمئنان وتابعن مسيرهن بعد أن ألقيت عليهن تحية الصباح .

وأشرقت الشمس عن سماء صافية , وجلست بين الصخور أتأمل البحر أمامي . وشعرت بالقوة تدب في جسدي . ورحت أجول بمخيلتي كالموج الهادر أمامي مطاوعا خاضعا دون مقاومة لنغمات البحر .

وشعرت بالانقباض , وانطلقت من أعماقي أصوات متضرعة . وعلمت الذي يدعوني . فأينما أكون بمفردي كنت اشعر بثمة نداءات تطلبني , والمخاوف تنتابني ... وفجأة سمعت صوت رفيقي زوربا يناديني من الخلف , فاستدرت لأجده منتصبا وهو يضحك ويقول :

- لقد بحثت عنك منذ ساعات , ولكن كيف أستطيع مشاهدتك في هذا المخبأ ؟

ولم اجبه على تساؤله , استطرد قائلا :

- لقد مضى نصف اليوم , والدجاجة المطبوخة قد نضجت , وستذوب المسكينة بعد قليل .

- نعم اعرف ذلك , ولكني لا اشعر بالجوع .

- لا تشعر بالجوع !! ولكنك لم تأكل شيء منذ الصباح , إن في جسدا روحا , ويجب أن تشفق عليها , أعطها شيئا لتأكله , أيها الرئيس , أعطها شيء فإذا لم تطعمها تركتك في نصف الطريق .

لقد احتقرت ملذات الجسد منذ سنين , ولو كان ذلك ممكنا لأكلت في الخفاء , كأني أقوم بعمل مخجل , وقلت لزوربا كي لا يثرثر .

- حسنا , سآت .

وذهبا إلى القرية بعد أن مرت الساعات الطوال بين الصخور وكما تمر الساعات بين العشاق كالبرق الخاطف . وسألني زوربا مترددا :

- هل كنت تفكر بالمنجم ؟

- وهل تعتقد أني كنت أفكر بسواه ؟ ففي الغد سنبدأ العمل , لذلك يجب أن أقوم ببعض الحسابات .

- وما هي نتيجة الحسابات ؟

- بعد ثلاثة اشهر يجب أن نستخرج عشرة أطنان من الفحم لنغطي مصاريفنا .

ونظر إلي زوربا بشوق وقال :

- وما أخذك إلى الشاطئ لتقوم بتلك الحسابات , بحق الشيطان ؟ أرجو المعذرة أيها الرئيس لسؤالي هذا , ولكني لا افهم , فعندما اضطر إلى مقارعة الأرقام , اشعر باني بحاجة إلى أن احشر نفس في جوف الأرض كي لا أستطيع مشاهدة احد , فإذا رفعت نظري ورأيت البحر , أو شجرة , أو امرأة , حتى لو كانت عجوز عند ذلك تطير جميع هذه الأرقام وسأضطر إلى مطاردتها .

- ولكنها غلطتك أنت يا زوربا , فأنت لا تستطيع التذكير .

- ربما تكون على حق , أيها الرئيس , فهذا يتوقف على نظرتك للأمور . فهناك حالات لا يتمكن حتى سليمان الحكيم .... اسمع , ففي ذات يوم بينما كنت مارا في قرية صغيرة , رأيت رجلا عجوزا يبلغ التسعين من العمر يزرع شجر اللوز فقلت له : " هل تزرع أشجرة لوز يا جدي ؟ " والتفت إلي وقال : " يا بني , أنا اعمل كأني لن أموت أبدا , واعمل كأني سأموت في أي لحظة . " والآن من كان منا على صواب , أيها الرئيس ؟

ونظر إلي نظرة المنتصر وقال :

- والآن , لقد أحرجتك !!

وبقيت ملتزما الصمت , فهناك ممران متساويان قد يؤديا إلى القمة نفسها , أن تعمل كأن الموت غير موجود , و أن تعمل متوقعا الموت في أية لحظة , هما أمران ربما كانا متشابهين , ولكن عندما سأني زوربا هذا السؤال لم استطع الإجابة عليه على التو . وقال لي زوربا هازئا :

- حسنا ! لا بأس . لا تغضب أيها الرئيس فلن تستطيع المجادلة ولنتكلم عن أشياء أخرى . فانا الآن أفكر بالدجاجة و الأرز . لنأكل الآن . ومن ثم نر , فلكل شيء وقته المحدد . الآن أمامنا الأرز , فلنفكر به , وغدا سيكون المنجم أمامنا وسنفكر بأمره أيضا .

وعند المقهى المجاور رأينا شيخا يبدو عليه الأسى يقف بانتظارنا . انه مافراندوني كبير رجال القرية الذي أجرنا المنجم , لقد جاء في الليلة الماضية إلى مدام هورانتس ليأخذنا إلى بيته وقال لنا :

- انه من العار أن تظلا في الفندق , كأنه لا يوجد رجال في القرية !

لقد كان متأثرا , وكلماته كانت متزنة متناسقة مع مركزه المحترم في القرية . وعندما رفضنا طلبه شعر بالاستياء لكنه لم يلح . وقال لنا وهو يغادر الفندق :

- لقد قمت بواجبي وانتم أحرار .

وبعد قليل أرسل لنا شيئا من الجبن , وسله فواكه , وجرة من العرق , وقد قال لنا الخادم الذي احضرها :

- مع تمنيات الكابتن مافراندوني . إنها ليست كثيرة , كذلك أوصاني أن أخبركما , لكن القد منها حسن !

واقتربنا منه والقينا عليه التحية , وأجابنا واضعا يده على صدره :

- أتمنى لكما حياة طويلة .

وتمتم زوربا معلقا :

- انه لا يحب كثرة الكلام , ويبدو بوقفته كالقضيب العجوز .

- لكنه فخور بنفسه , انه يعجبني .

وما إن رأتنا مدام هورانتس , حتى صاحت مرتبكة وهرولت إلى المطبخ , وأسرع زوربا إلى وضع الطاولة على الشرفة تحت ظل الدالية , وجاء بالخبز وقطعه قطعا صغيرة , واحضر النبيذ , ثم نظر إلي بعد أن انتهى من إعداد الطاولة لثلاثة أشخاص وقال :

- هل رأيت أيها الرئيس ؟

- نعم رأيت أيها الفاسق !

- إن الطيور العجائز التي تصلح للشواء ! وخذها نصيحة مني !!

وراح يدمدم بأغاني الحب القديمة وهو يهرع متمما تجهيز المائدة .

- هكذا يجب أن نعيش أيها الرئيس , يجب أن نستمتع بكل دقيقة نعيشها , إني اعمل أشياء كأني سأموت بعد دقيقة . وأنا أسرع بذلك كي لا يدركني الموت قبل أن احصل على العصفور .

وسمع صوت مدام هورانتس : " إلى المائدة " .

وقدمت إلينا القدر , ثم وقفت مشدوهة , فقد رأت الصحون ثلاثة , ورمقها زوربا وقد علا وجهها الاحمرار الشديد ولمعت عيناها الصغيرتان .

وهمس زوربا قائلا :

- لقد بدأت تشعر بالحرارة تدب فيها .

ثم نظر إليها وقال لها بكثير من اللياقة والأدب :

- يا جنية الأمواج الجميلة , لقد غرقت سفينتنا وألقى بنا البحر في مملكتك . أرجو أن تشرفينا , يا عروسة البحر الجميلة , وتشاركينا الطعام .

وفتحت الغانية العجوز ذراعيها وضمتهما إلى صدرها , كأنها تريد أن تضمنا نحن الاثنين إليها , ثم تمايلت بعظمة ولامست زوربا ولامستني وأسرعت عائدة إلى غرفتها , وظهرت بعد قليل ترتدي أجمل ما لديها من ثياب : فستانا مفتوحا عند الصدر , وضعت عند الصدر وردة متألقة !! وأحضرت معها قفص الببغاء الذي علقته على غصن الدالية أمامنا . وبعد أن أجلسناها بيننا , رحنا نلتهم الطعام التهاما , دون أن ننبس بكلمة واحدة . فقد كان الحيوان داخلنا يأكل ويتغدى ويشرب الخمر , والطعام الذي نزوده يتحول بسرعة إلى دم , والعالم من حولنا يبدو أجمل , والسيدة التي تتوسطنا بدأت تبدو اصغر في كل لحظة والتجاعيد في وجهها بدأت تزول وتمحى .... وكان الببغاء المعلق على الشجرة , ينظر إلينا كأنه رجل غريب قد سحره هذا المنظر ...

وكانت عينا زوربا تدور في محجريهما , ثم فتح ذراعيه كأنه يريد أن يعانق العالم كله ثم صاح بي مدهوشا .

- ماذا جرى , أيها الرئيس ؟ فما إن نشرب كأسا من النبيذ حتى يبدو العالم وقد فقد صوابه . ومع ذلك فالحياة كلها خمر ونبيذ . قل لي , بشرفك , هل هذه عناقيد متدلية فوق رؤوسنا ؟ أو هي ملائكة ؟ لا اعلم . أم ترى ليست شيئا على الإطلاق , ولا شيء موجود , لا الدجاجة , ولا عروسة البحر , ولا كريت ! قل لي أيها الرئيس , تكلم كي لا أفقد عقلي ....

ولاحظت أن زوربا بدأ يشعر بالفرح . لقد شبع من الدجاجة , و راح ينظر إلى مدام هورانتس . كانت نظراته تغتصبها , وتصعدان إلى جسدها وتدخلان إلى صدرها المنتفخ وتتحسسانه وكأنهما يدان . وكانت عينا السيدة الصغيرة تلمعان من السرور , فقد بدأت تستمتع بعد أن أفرغت عدة كؤوس من النبيذ . وبدا كأن شيطان الخمر قد رجع بها إلى الوراء إلى أيام الصبا الجميلة . ونهضت وقد عاد إليها لطفها وبشاشتها ورغبتها , ثم أغلقت باب الحديقة الخارجي كي تمنع الأعين الفضولية من رؤيتنا وأشعلت سيجارة وراحت تنفث دخانها بهدوء واستمتاع .

في أوقات كهذه تنفتح أبواب المرأة جميعها . ويستريح حراسها , والكلمة الطيبة تصبح قوية كقوة الذهب أو الحب . وهكذا أشعلت غليوني وقلت تلك الكلمة الطيبة :

- مدام هورانتس , أنت تذكريني بسارة برنهارت .... عندما كانت صغيرة , لم أكن للحقيقة انتظر رؤية أناقة , كهذه عظمة , كهذه , لياقة كهذه , وجمالا كهذا الجمال . ما هذا ( الشكسبير ) .

- شكسبير ؟ أي شكسبير ؟

- الذي أرسلك إلى هنا بين المتوحشين .

وطارت بتفكيرها إلى أيام الغناء والمسرح , وجالت به في المقاهي والمسارح من باريس إلى بيروت , وعلى طول شواطئ الأناضول , وكأنها تذكرت فجأة : لقد كان ذلك في الإسكندرية , وفي مسرح كبير عامر بالثريات , والمقاعد الفخمة , والرجال والنساء , والظهور عارية , والعطور , والأزهار , وفجأة ارتفعت الستارة , وظهر رجل اسود مخيف .....

- أي شكسبير ؟

وسألتني مرة أخرى بكبرياء , فقد تذكرت .

- هل هذا الذي يدعونه أيضا عطيل ؟

- هذا هو . أي شكسبير إذن ألقى بك على هذه الصخور الوحشية , أيتها الزهرة البيضاء ؟

ونظرت حولها , وكانت الأبواب مغلقة , والببغاء نائمة , والأرانب تتبادل الحب , وكنا لوحدنا , وراحت تفتح لنا قلبها , وكأنها تفتح أمامنا صندوقا عتيقا , مملوءا بالطيب , وأوراق الرسائل الصفراء والثياب القديمة .

وكانت تلفظ بعض الكلمات باليونانية , وراحت تخلط بينهما , ولكننا تمكنا من فهمها بوضوح . وفي بعض الأحيان كنا نجد صعوبة في إخفاء ضحكاتنا , وفي بعض الأحيان كنا ننفجر بالبكاء , علما أننا قد شربنا كثيرا من النبيذ .

- حسنا إن السيدة التي تنظرون إليها الآن , لم تكن مغنية بسيطة في الحانات , كلا , فقد كانت فنانة شهيرة وكنت ارتدي ثيابا داخلية من الحرير الخالص . ولكن الحب ....

وتنهدت تنهيدة عميقة , وأشعلت سيجارة ثانية من زوربا وقالت :

- لقد أحببت أميرالا . فقد أصبحت كريت مرة أخرى ولاية ثائرة وأساطيل الدول العظمى بدأت ترسو في مرفأ ( سورا ) . وبعد أيام قليلة رسوت أنا الأخرى هناك . آه , يا للحظ ! لو رأيتم هؤلاء الاميرالة الأربعة ... الإنكليزي , الفرنسي , الطلياني , الروسي , جميعهم متلفحين بالذهب , والأحذية اللماعة , والقبعات المريشة , كالديوك تماما , ويا لتلك اللحى , المجعدة الحريرية , الداكنة , الشقراء , الرمادية , والحمراء , وما أطيب رائحتهم ! فكل واحد منهم كانت له رائحته المميزة , فهكذا كنت أميز بينهم في الظلام , فإنكلترا كانت تتميز برائحة الكولونيا , وفرنسا برائحة البنفسج , وروسيا برائحة المسك , وايطاليا , آه ! ايطاليا المشغوفة بالعطر . يا الهي , يا لهذه اللحى ! وكنا نلتقي عدة مرات على ظهر سفينة العلم , ونتحدث عن الثورة . وكانت بزاتهم مفتوحة وكان ثوبي الحريري يلتصق بجسدي , فقد كانوا يصبون عليه الشمبانيا , وكان ذلك كله في الصيف , كما تعلم . وكنا نتحدث عن الثورة بجدية , وكنت ارجوهم وأتضرع إليهم ألا يطلقوا مدافعهم على الكريتيين المساكين . وكنا نشاهدهم بالمنظار على الصخور قرب ( كايني ) ضئيلين كالنمل , يرتدون قمصانا زرقاء وأحذية صفراء , وهم يصرخون ويصيحون . وكان معهم علم ...

وفجأة سمعنا صوتا خلف قضبان القصب , وتوقفت المجاهدة العجوز عن الكلام , مذعورة . ورأينا بين القضبان عيون الأطفال الخبيثة تراقبنا ....

وحاولت المغنية القيام عن الكرسي , ولكنها لم تتمكن , فقد أكلت وشربت كثيرا . فعادت إلى الجلوس وهي تتصبب بالعرق , وأخذ زوربا حجرا فتفرق الأولاد وهم يصرخون .

- استمري , يا جميلتي , استمري يا كنزي !

كذلك قال زوربا , واقترب بكرسيه منها .

- وقلت للأميرال الطلياني , فقد كنت قد ألفته أكثر من الأخرين , وأمسكت بلحيته وقلت له ! " كانافارو أرجوك , يا كانافارو العزيز , لا تفعل بوم ,بوم ! أرجوك ! " كم من المرات كانت هذه المرأة الجالسة أمامكم تنقذ حيات الكريتيين من موت محتم ! كم من المرات كانت المدافع جاهزة للإطلاق , وكنت اهرع لامسك بلحيته وارجوه ألا يفعل بوم ! بوم ! ولكن من الذي شكرني على ما فعلته من اجلهم ؟ وبدلا من الوسام انظروا ما حصلت عليه ...

لقد كانت مدام هورانتس غاضبة اشد الغضب لجمود الرجال , وضربت على الطاولة بقبضتها الطرية . ومد زوربا يده إلى ركبتيها المنفرجتين وامسك بهما , بعطف مصطنع وصاح :

- يا بوبولينتي , بحق السماء لا تفعلي بوم ! بوم !

- ارفع يدك .

كذلك صاحت به السيدة الطيبة , وأضافت بعد قليل :

- من تظنني ؟

وجحدته بنظرة غاضبة ....

- إن الله موجود في السماء لا تزعجي نفسك , يا بوبولينتي , فنحن هنا يا حبيبة , لا تخافي ..

ورفعت عروسة البحر العجوز ,عينيها إلى السماء ورأت ببغائها الأخضر يغط في النوم , وقالت بصوت حنون :

- كانافارو , كانافارو .

وما إن سمع الببغاء صوت سيدته حتى فتح عينيه وامسك بقضبان القفص وردد قولها : كانافارو , كانافارو .

- موجود !

صاح زوربا وهو يضع يده من جديد على تلك الركبتين التين خدمتا كثيرا , كأنه يريد امتلاكهما . واستدارت المغنية العجوز على كرسيها وفتحت فيها لتقول :

- وأنا أيضا حاربت ببسالة , لقد حاربت صدرا بصدر , لكن الأيام العصيبة جاءت وتحررت كريت بعد أن تلقت الأساطيل الأوامر بالانسحاب . ( ولكن ماذا سأصير إليه ؟ ) كذلك قلت وأنا امسك باللحى الأربعة . ( أين ستتركونني ؟ لقد تعودت على العظمة وعلى الشمبانيا , والدجاج ! لقد اعتدت على البحارة الصغار وهم يؤدون لي التحية العسكرية حين أمر أمامهم , سأصبح أرملة أربعة مرات , يا سادتي الأعزاء )

ولكنهم سخروا مني .... ! هكذا هم الرجال . لقد أشبعوني بالليرات الإنكليزية والإيطالية , والروبلات والفرنكات التي وضعوها في جواربي , وقميصي وحذائي . وفي الليلة الأخيرة بكيت كثيرا حتى إن القواد الأربعة أشفقوا علي , فملأوا المغطس بالشمبانيا , ووضعوني به , ثم شربوا على شرفي وسكروا , وبعد ذلك اطفأوا النور ...

وفي الصباح استيقظت على رائحة العطور الممزوجة تفوح في الغرفة , رائحة البنفسج و الكولونيا وغيرها ... لقد كنت ممسكة بالدول الأربعة , إنكلترا , فرنسا , روسيا , وايطاليا , وعلى ركبيتي , هنا على ركبيتي , وذهبت هكذا معهم ....

ثم راحت مدام هورانتس تهز بيديها كأنها تلاعب طفلا صغيرا على ركبتيها , ثم قالت

- هكذا , هكذا . وعند انبلاج الصباح راحت المدافع تطلق في الهواء . واقسم أن ذلك كان على شرفي , نعم أطلقوا المدافع , وجاء زورق صغير ابيض ليقلني إلى الشاطئ .

ثم تناولت منديلها وراحت تمسح بدموعها وتبكي .... و هتف زوربا :

- أغمضي عينيك يا بوبولينتي الصغيرة , أغمضي عينيك يا كنزي . فأنا هو كانافارو !

وصرخت السيدة الفاضلة :

- ارفع يدك , لقد قلت لك ذلك , وانظر إلى نفسك , أين شاراتك الذهبية ؟ والقبعة واللحية المعطرة ! آه ! آه !

لقد بدأ الطقس يبرد , وساد صمت حولنا , وكان البحر من وراء القصب يتنهد . لقد سادت الطمأنينة والهدوء أخيرا . فالريح سكنت والشمس غرقت عند الأفق لتنام . ومر من فوقنا غرابان يصفقان بأجنحتهما كأن قصر من الحرير تمزق , ربما كان قميص مغنية !!

وهمهم زوربا بعطف وهو يضغط بركبته على ركبتها :

- يا بوبولينا , لا تضطربي , ليس هناك من اله أو شيطان , ارفعي رأسك الصغير , واسندي خدك على يدي وانشدي لنا أغنية , وليذهب الموت إلى الجحيم .

لقد كان زوربا يشتعل بالحب . وكانت يده اليسرى تفتل شاربه , بينما يده اليمنى تنساب على المغنية المنتشية ... وكانت كلماته تنطلق متقطعة وعيناه واهنتان . ولم تكن هذه العجوز المطلية بالمساحيق هي التي تثيره , بل انه كان يرى آفاق متمثلا , الجنس الأنثوي بأجمعه , كما كان يدعو المرأة . لقد اختفى القرد , وانمحى الوجه سواء أكان فتيا أم هرما , جميلا أم بشعا , فهذه كانت اختلافات لا أهمية . إن خلف كل امرأة يقف وجه أفروديت المقدس الغامض .

هذا هو الوجه الذي كان يراه زوربا , ويحدثه ويشتهيه . أما مدام هورانتس فلم تكن سوى قناعا شفافا سريع الزوال يمزقه زوربا ليقبل الشفاه الخالدة .

وردد في صوت متضرع هامس :

- ارفعي عنقك الناصع , يا كنزي , ارفعي العنق الأبيض وأنشدينا بأغنية جميلة ؟

ووضعت المغنية العجوز يدها على خدها , وراحت تنشد أغنية من أغنياتها القديمة , وقفز زوربا واحضر السانتوري , جلس متربعا على الأرض ثم صاح بأعلى صوته :

- آوه , آوه , خذي سكينا واقطعي به عنقي , يا بوبولينتي ....

وعندما بدأ الليل يقترب , وبدأت النجوم تتألق بالسماء , وبعد أن ملأت النشوة نفوسهما , ابتدأت مدام هورانتس تتقلب وتلتصق بزوربا برفق ودلال , ونظر إلي مشيرا ثم همس بقوله :

- لقد بدأت تنسجم , كن لطيفا واتركنا لوحدنا ....