جلسنا صامتين أمام الموقد حتى ساعة متأخرة من الليل.. وأحسست مرة أخرى بأن السعادة لا تكلف الا القليل: قدح نبيذ وكستناء مشوية، وموقد حقير، وصوت تلاطم الأمواج.. هذه هي العناصر التي يمكن أن تتألق منها السعادة ولا شيء غيرها.. وكل ما ينبغي لكي تشعر بأن هذه هي السعادة، هو أن يكون لك قلب راض ونفس قانعة.
سألت زوربا:
- كم مرة تزوجت يا زوربا؟
ولكنه لم يسمع سؤالي، ولعله كان في واد آخر لا يصل إليه صوتي، فمددت يدي إليهن ولمسته بأطراف أصابعي وكررت سؤالي:
- كم مرة تزوجت يا زوربا؟
وسمعني هذه المرة وأفاق من ذهوله وأجاب:
- عم تبحث الآن؟ أو تظن أنني لست رجلاً؟ لقد فعلت ما يفعله غيري من الرجال وارتكبت (الحماقة الكبرى) .. انني أسأل المتزوجين المعذرة.. ولكني هكذا اسمي الزواج.. نعم، لقد ارتكبت الحماقة الكبرى وتزوجت.
- وكم مرة تزوجت؟
فحك زوربا رأسه بقوة وقال:
- كم مرة؟ انني تزوجت زواجا شريفا مرة واحدة، وزواجا نصف شريف مرتين، وزواجا غير شريف الفين أو ثلاثة آلاف مرة.
- حدثني عن زيجاتك يا زوربا.. ان غدا الاحد وسوف نحلق ذقوننا ونرتدي خير ثيابنا ونذهب إلى بوبوليتا لنقضي وقتا طيبا.. والآن خبرني..
- ماذا أقول لك؟ هذه امور لا تصلح موضوعا للحديث.. ان الزيجات الشريفة لا طعم لها .. انها طبق خلو من التوابل، والناس في قريتنا يقولون: "ان اللحم الشهي، هو اللحم المسروق" وزوجة الانسان ليست لحما مسروقا.
أما الزيجات غير الشريفة، فكيف يمكن ان يذكرها الانسان، هل يمسك الديك سجلا؟ ولماذا؟ انني كنت في شبابي احتفظ بخصلة من شعر كل امرأة أتصل بها.. كنت أحمل مقصا لهذا الغرض، وكنت أذهب إلى الكنيسة والمقص في جيبي.. فنحن رجال على كل حال، ومن يدري ماذا يمكن ان يحدث في أية لحظة!
وهكذا اجتمعت لدي مجموعة كبيرة من خصلات الشعر، منها الأسود والأشقر والأحمر، وبعض خصلات بيضاء. فماذا أصنع بها؟ لقد حشوتها في وسادتي وكنت أنام على الوسادة شتاء، وأهملها صيفا بسبب الحر، إلى أن انبعث منها رائحة كريهة فاحرقتها.
وضحك واستطرد قائلا:
- هذه الوسادة كانت سجل مغامراتي، وقد ضقت بها ذرعا فاحرقتها.. ولم أكن أتوقع ان تجتمع لي كل هذه الخصلات.. ووجدت أنها تزداد بسرعة مدهشة، فتخلصت من المقص.
- وماذا عن زيجاتك نصف الشريفة يا زوربا؟
فتنهد وأجاب:
- آه.. ان لها سحرا خاصا.. وأولئك النساء السلافيات! أية متعة! وأية حرية! انهن لا يسألنك: أين كنت؟ أو لماذا تأخرت؟ أو أين قضيت ليلتك؟ انهن لا يلقين عليك أسئلة.. وأنت لا تسألهن.. تلك هي الحرية!!
واحتسى قدح نبيذ، وراح يمضغ كستناءة ويتكلم قال:
- كانت احداهما تدعى صوفنكا، والثانية تدعى نوسا.. وقد قابلت صوفنكا في قرية صغيرة بالقرب من (نوفوروسيسك).
كان الوقت شتاءا، والثلوج تغطي الأرض، وكنت في طريقي إلى المنجم الذي أعمل ففيه، فتوقفت في القرية، لأن اليوم كان يوم السوق، والرجال والنساء يتوافدون من القرى للبيع والشراء، وكان هناك قحط، والناس يبيعون كل ما يملكون ليبتاعوا خبزا.
وفيما أنا أطوف بالسوق اذ وقع بصري على فلاحة شابة تثب من عربتها.
كان طولها ستة أقدام، ولها عينان زرقاوان كالبحر. وفخذان مليئتان كفخذي الفرس الولود.
وما أن رأيتها حتى جمدت في مكاني وقلت لنفسي "مسكين أنت يا زوربا.. كيف سيغمض لك جفن بعد أن رأيت فاتنة الفاتنات".
وسرت في أثرها، دون أن أقوى على تحويل بصري عنها..
وقلت لنفسي: لماذا تذهب إلى المنجم أيها الأحمق المسكين! هذا هو المنجم الذي يجب أن تعمل في سراديبه!
وتوقفت الفتاة، وبدأت تساوم، وابتاعت كومة من الخشب حملتها إلى عربتها.. وعندئذ رأيت ذراعيها.. وأي ذراعين
ثم ابتاعت بعض الخبز وخمس سمكات أو ست وسألت: بكم هذا؟ وذكر لها البائع الثمن، ولم يكن معها نقود فمدت يدها إلى قرطها الذهبي لتقدمه ثمنا للخبز والسمكات.
ووثب قلبي بين ضلوعي.
هل أدع امرأة تتخلى عن قرطها.. عن حليها.. عن عطرها؟ اذا فعلت المرأة ذلك فقل على الدنيا السلام! ومن يدعها تفعل ذلك يكون كمن يجرد الطاووس من ريشه.. هل يطاوعك قلبك على نتف ريش الطاووس؟.
قلت لنفسي: كلا.. ذلك لن يحدث أبدا طالما زوربا على قيد الحياة!!
وفتحت كيس نقودي، ودفعت.
ولم يكن للنقد الروسي في ذلك الوقت أية قيمة، وكان في استطاعتك أن تشتري الفرس بمائة دراخمة يونانية والمرأة بعشرة دراخمات.
دفعت ثمن الخبز والسمك. فتحولت الفتاة، وصعدتني بنظرة من ركن عينها. ثم تناولت يدي لتقبلها ولكن جذبت يدي، فهتفت بالروسية:
- سباسيبا.. سباسيبا.. أي شكرا.. شكرا.
ووثبت إلى العربة، وتناولت عنان الجواد ورفعت سوطها فقلت لنفسي:
- حذار يا زوربا.. انها ستفلت من بيد أصابعك.
وبوثبة واحدة ، كنت بجانبها في العربة، فلم تقل شيئا، بل ولم تنظر حولها.
واهوت بسوطها على ظهر الجواد، وانطلقت بنا العربة.
وفي الطريق، أدركت انني أريدها.. وكنت أعرف من اللغة الروسية ثلاث كلمات.. ولكن هذه الأمور لا تحتاج إلى كلام كثير.. فقد تفاهمنا بالعيون، والايدي والسيقان.
ووصلنا إلى القرية وتوقفنا أمام دارها، ففتحت الفتاة الباب بدفعة من كتفها ودخلت.
وعاونتها في نقل الخشب إلى فناء الدار، وحملنا الخبز والسمك إلى غرفتها.
وكانت بالغرفة امراة عجوز تجلس أمام الموقد الخامد وترتجف من البرد، وكان البرد من القسوة بحيث أحسست أن أظافري ستسقط.
ونظرت إلى العجوز وابتسمت، وقالت لها الفتاة كلاما لم أفهمه..
أما أنا فقد أشعلت النار، بينما كانت الفتاة تعد المائدة.
وأحضرت الفتاة بعض الفودكا وشربنا، وأعدت الشاي، وجلسنا نتناول الطعام ، وأعطينا العجوز نصيبها منه.
وأخيرا. نهضت الفتاة إلى الفراش فأبدلت أغطيته، ثم أشعلت مصباحا زيتيا أمام تمثال السيدة العذراء، ورسمت علامة الصليب على صدرها ثلاث مرات، وأومأت إلي، فجثونا أما العجوز، التي وضعت يديها على رأسينا وغمغمت ببضع كلمات، ولعلها كانت تباركنا فهتفت بالروسية:
- سباسيا .. سباسيا.
وأحطت الفتاة بساعدي، وحملتها إلى الفراش.
وهنا صمت زوربا.. وأرسل بصره بعيدا.. إلى البحر، وقال بعد قليل:
- كان اسمها صوفنكا.
ولاذ بالصمت. فسألته:
- وماذا حدث بعد ذلك.
- ماذا تعني يا أستاذي؟ وهل ما حدث بعد ذلك يمكن الخوض فيه؟
ان المرأة ينبوع متجدد، تنحني فوقه فترى ظلك في مائه، وتشرب حتى تبلى عظامك، ومن ثم يأتي رجل آخر ظمآن فينحني ويرى ظله، ويشرب.. ثم يأتي ثالث...
- هل هجرتها بعد ذلك..
- ماذا تتوقع؟ قلت لك انها ينبوع متجدد، وما أنا الا عابر سبيل.
لقد مكثت معها ثلاثة شهور.. ثم تذكرت المنجم فقلت لها ذات يوم:
- ان لدي عملا لا بد من انجازه.. ويجب أن أذهب.
- اذهب اذن، وسأنتظرك شهرا، فاذا لم تعد، أصبح حرة.. وكذلك أنت.. فاذهب على بركة الله.
- وهل عدت بعد شهر؟
- معذرة اذا قلت لك انك غبي، كيف كان يمكن ان أعود؟ هل تدعك النساء وشأنك؟ لم تمض عشرة أيام على رحيلي حتى قابلت (نوسا).
- حدثني عنها اذن.
- سأحدثك عنها في مناسبة أخرى.. يجب ألا نخلط بينهما.. والان، دعنا نشرب نخب صوفنكا.
وجرع قدح النبيذ ثم استند إلى الجدار وقال:
- حسنا ، سأحدثك عنها.
ومسح شاربه، وبدأ قصته عن نوسا، قال:
- انني قابلتها أيضاً في احدى القرى الروسية.. كان الوقت صيفا، والحقول مليئة بالبطيخ.. وفي استطاعتك أن تأخذ منه ما تشاء دون أن يتعرض لك أحد.
ان كل شيء موجود بوفرة في روسيا.. كل شيء في أكوام، البطيخ والسمك والزبد والنساء.. وبحسبك ان تمد يدك وتأخذ ما تريد، على خلاف الحال هنا في اليونان فانك اذا لمست بطيخة، اخذوك إلى الشرطة ثم الى المحكمة واذا لمست امرأة هجم عليك اخوها وبيده سكين.. قبح الله هذا البلد اذهب إلى روسيا يا سيدي وستجد انك تستطيع ان تعيش هناك كالامراء.
وقد حدث أنني مررت بمدينة (كوبان) فرأيت امرأة في مطبخ أحد البيوت وأعجبتني.
والمرأة السلافية، ليست كالمرأة اليونانية النحيلة الجشعة التي تعطيك الحب قطرة فقطرة. وتأخذ منك أكثر مما تعطيك، وتحاول جاهدة أن تخدعك وتسرقك.. ان المرأة السلافية توفي الكيل والميزان وتعطيك أكثر من حقك في النوم والحب والطعام.. انها كحيوان الحقل، وكالأرض نفسها.. تعطي عن طيب خاطر.. وتعطي بسخاء.
سألتها: ما اسمك؟
فأجابت: نوسا.. وأنت؟
فقلت: اليكسيس..
ثم قلت لها على الفور:
- انني معجب بك يا نوسا.
فنظرت إلي بامعان، كما ينظر الانسان إلى الحصان قبل أن يشتريه وقالت:
- وأنت لا بأس بك. فأسنانك سليمة . ولك شارب كبير، وكتفان عريضتان، وساعدان قويان، انك تعجبني.
ولم نقل أكثر من ذلك.. فقد تفاهمنا في غمضة عين وطلبت إلي أن أزورها في المساء..
سألتني:
- هل لديك معطف من الفراء؟
- نعم.. ولكن في هذا الحر..
- لا بأس.. يحسن بك أن ترتديه، لكي تبدو أنيقا.
وفي المساء، ارتديت أفضل ثيابي، وحملت عصاي ذات المقبض الفضي، وانطلقت في طريقي إلى بيت نوسا.
كان بيتا ريفيا كبيرا به حظائر للابقار وقاعات للتقطير ورأيت في فنائه قدرين كبيرين فوق موقدين فسألت ما هذا؟ فقالوا انه عصير البطيخ وانهم يصنعون منه خمرا. فقلت لنفسي أرأيت يا زوربا..
انهم يصنعون خمرا من عصير البطيخ! حقا ان هذه هي الأرض الموعودة، فوداعا أيها الفقر، انك وقعت واقفا هذه المرة كما يقع الفأر على قرص من الجبن.
وارتقيت سلما خشبيا كبير، وفي الطابق الأول، التقيت بوالدي نوسا.
كانت ثيابهما تدل على الثراء وسعة العيش فاستقبلوني بالأحضان والقبلات، وقالا لي كلاما كثيرا لم أفهم منه حرفا واحدا ولكن ما أهمية ذلك، طالما انه كان واضحا من ملامحهما انهما لا يضمران لي شرا!
ودخلت قاعة فسيحة فماذا رأيت؟ موائد تئن تحت ثقل الطعام والشراب، موائد كانها السفن الشراعية.
وكان الجميع وقوفا، الاقارب والاصدقاء، نساء ورجالا، تتصدرهم (نوسا) في ثوب سهرة يكشف عن صدر بارز كأنه مقدم السفينة، وتضع على رأسها منديلا أحمر، وقد طرز فوق قلبها شعار المنجلة والمطرقة.
كانت تتألق شبابا وجمالا. فقلت لنفسي:
- زوربا ، أيها الخاطئ الكبير، هل هذا هو الجسد الذي ستضمه إلى صدرك الليلة! عفا الله عن ابويك اللذين جاءا بك إلى هذه الدنيا!
وانقضضنا جميعا على الطعام ، وأكلنا كالخنازير وشربنا كالسمك وكان والد نوسا يجلس إلى جواري ويتكلم دون أن يحول عينيه عن عيني، وكانه يوجه الحديث إلي، أما ماذا قال، فهذا ما يعلمه الله.. كل ما أعلمه أنني تعبت من الوقوف، خاصا وقد كنت ثملا، فجلست. والصقت ركبتي بركبة نوسا، وكانت تجلس إلى يمين.
وخيل إلي أن أباها لن يكف عن الكلام.. إلى أن تصبب العرق على جبينه فهجم عليه المدعوون ليسكتوه، ونجحوا أخيرا في اسكاته ، وحينئذ اومأت إلي وقالت:
- الآن جاء دورك.. يجب أن تتكلم.
فنهضت واقفا، والقيت خطابا نصفه بالروسية، ونصفه اليونانية، ولا أدري ماذا قلت ، ولكني اذكر فقط انني ختمت خطابي باحدى الاغنيات اليونانية الشائعة وما ان فرغت منها حتى ألقيت بنفسي بين ساعدي نوسا وقبلتها.
وصمت زوربا لحظة وتنهد واستطرد:
- وقضينا معا ستة شهور، وكل ما أرجوه الا يمحو الله ذكرى هذه الشهور الستة من مخيلتي..
وأغمض عينيه، وظهر عليه التأثر، وكانت هذه أول مرة أراه فيها وقد هزته احدى الذكريات البعيدة..
فسألته بعد لحظة:
- هل أحببتها إلى هذا الحد..
ففتح عينيه وقال:
- انك ما زلت شابا، ولن تفهم، وعندما يشتعل رأسك شيبا مثلي، حينئذ نستطيع أن نتحدث في هذا الموضوع الخالد.
- أي موضوع خالد؟
- موضوع النساء طبعا، كم مرة يجب أن أقول لك ان المرأة لغز خالد.
- وماذا كان من أمر نوسا؟
فأجاب وهو يرسل بصره إلى البحر:
- عدت إلى البيت ذات مساء فلم أجدها، وبحثت عنها في كل مكان دون جدوى. ثم علمت ان جنديا وسيما قدم أخيرا إلى القرية وانها هربت معه.. وخيل إلي أن الدنيا قد انتهت وان قلبي قد انسحق، ولكن هذا القلب الشقي ما لبث أن التأم، ولعلك رأيت أشرعة السفن وما فيها من رقع حمراء وصفراء وسوداء لا تمزقها العواصف والاعاصير، ان قلبي كهذه الاشرعة، مليء بالثقوب والرقع.. وليس هناك ما يخشى عليه منه..
- ألم تنقم على نوسا يا زوربا؟
- ولماذا؟ ان المرأة مخلوق غير مفهوم، وقد اساءت إليها الشرائع الدينية والدنيوية، ولو كان الأمر بيدي، لما اخضعت الرجال والنساء لنفس القوانين، ان الرجل يستطيع مواجهة ما يفرض عليه من قيود، أما المرأة فمخلوق ضعيف لا حول له ولا قوة..
دعنا نشرب نخب نوسا، ونخب المرأة.. ولنسأل الله أن يهبنا نحن الرجال مزيدا من العقل.