الفصل 10

10 0 00

قويت أواصر العلاقة بين عصام وجذوره في الصعيد بعد الثورة التي رفعت من شأن كل مصري سواء داخل مصر أو خارجها، هاهو بسطامي الابن الأكبر للخال أمين يقوم بالاتصال بعصام أكثر من ثلاث مرات بعد عودة عصام وأسرته من رحلة أسوان، المحرض الأول هو هشهش ابن بسطامي الذي في سن أحمد تقريباً، اتصل أبو هشهش بعصام ليعرف إن كان موافقاً على زيارة ابنه هشهش لهم في القاهرة، وافق عصام لكن بشرط موافقة روعة لأنها هي المسؤولة عن شؤون أحمد، وصل هشهش إلى القاهرة وكان في استقباله في محطة القطار عصام وأحمد.

أحضر هشهش مجموعة من الحمام والأرانب والبط وقال:

هدية بسيطة من جدي أمين، من إنتاج المزرعة، وقد حملني جدي السلام الكثير لك ولروعة وأحمد.

لجدك في قلبي مكانة كبيرة لأنه رجل لا ينسى المعروف، ويظل مديناً لمن يعمل معه عملاً حسناً.

أوصاني جدي أن أسألك عن رأيك لو درست هنا مع أحمد، فهل ترى ذلك جيداً؟ لقد قال لي لن يفيدك أحد أكثر من عمك عصام.

فكرة جميلة لكنها تحتاج إلى دراسة من كل الأوجه.

طلبت روعة من عصام أن يأخذ ما أحضره هشهش إلى مكان الطيور ليتم ذبحها وتنظيفها، وفعلاً تم ذلك ولم يستغرق ساعة واحدة، في هذه الأثناء رن جرس الهاتف وإذا بالمتصلة منال الزغرودة:

مساء الخير روعة.

أهلا منال، كيف حالك.

اشتقت لك كثيراً وفكرت أن أزورك هذا المساء.

لم لا حياكما الله أنت وبيومي، ولنتناول العشاء والخير في مقدمكما.

يعيش بيومي أجمل أيام حياته، يخرج من الجامعة كل يوم، ويمر على ميدان التحرير وهو مشتاق لمقابلة عصام.

وعصام كذلك، ننتظركم هذه الليلة.

كان أحمد سعيداً بقدوم هشهش وكان مبسوطاً من اسمه الفريد من نوعه، تحدث هشهش عن العشاء الجميل الذي قدمه أحمد لوالده بسطامي وأعمامه بدوي ومحمود، وطلب منه أن يذهب الليلة إلى نفس المطعم، لكن أحمد اشترط موافقة والدته روعة، ورث أحمد بعض الصفات من أبيه مثل العاطفة الجياشة التي تفوح عطراً وبلسماً على من حوله، فكانت هذه الصفات التي اصطادت هشهش للمجيء والسكن معه، انسجام كبير بين أحمد وهشهش جعل عشرة أيام تنقضي وكأنها يوم واحد.

قابل الدكتور عنّا في ميدان التحرير عصام وأخبره بأنه يقدم في قناة الميدان الجديدة برنامجاً أسبوعياً يستضيف ضيوفه من الميدان، يتحدث فيه عن شؤون البلد السياسية، القناة الجديدة تابعة لإحدى الشركات المملوكة لرجل الأعمال أحمد عمار لتكون نقطة تحول ووصال مع الوضع الجديد، وافق عصام على اللقاء الذي حدده عنّا مطلع الأسبوع الأول من الشهر المقبل، أي بعد أسبوعين تقريباً.

أحس عصام بنوع من الحسرة والمرارة بتولي عينات كانت محسوبة على النظام السابق لمقاليد الإعلام، وكأن شيئاً لم يكن، كان يتمنى أن تكون وزارة الثقافة منوطة برجل مثل صنع الله إبراهيم الروائي الذي رفض جائزة مبارك للثقافة والعالية القيمة المادية على الرغم من احتياجه لهذا المبلغ الذي يسيل له لعاب مرتزقة الثقافة من النخب التي تسبح بحمد مبارك.

لم يكحل عصام عينيه برؤية صنع الله في أي قناة تابعها خلال أيام الثورة أو بعدها، لكن لا توجد لديه أي معلومة أكيدة عن الروائي العظيم الذي تذوق فنون التعذيب في السجون المصرية تفيد أنه تحدث أو لم يتحدث لقناة فضائية.

يخطط عصام لمقابلة صنع الله من أجل الحديث عن الميدان وترابه وإمكانية كتابة عمل روائي يجمعهما، القاسم المشترك بينهما إذن واحد، والنتيجة ستكون مبهرة، لكن عصام سأل نفسه: هل صنع الله سيقبل بي أن أشاركه كتابة العمل؟ كاتب من الطراز الأول يقبل بكاتب غير معروف حتى لو كانت نيته سليمة.

أنصت عصام لتقرير من البنك الدولي يعلن فيه تراجع النمو في الاقتصاد المصري والتونسي بنسبة تصل إلى ثلاثة في المائة وبقية الدول العربية الأخرى بنسبة تصل إلى اثنين في المائة وذلك عن عام 2011 مقارنة بعام 2010، لكن الأمر العظيم الذي لم يرصده البنك عن نسبة نمو الشخصية العربية في هذه الفترة التي تم فيها وضع رموز الفساد في السجون، الرموز التي لعبت بأرواح شعب كامل طيلة عدة عقود، أن الحالة النفسية كما يراها عصام للشعب المصري أو حتى بقية الشعوب العربية لا يقابلها ترليونات العالم أجمع، فلو وضعت الصحة النفسية للشعوب العربية بكفة، وأرزاق العالم كله في كفة أخرى، لرجح التحسن الأولي للصحة بكل ما هو ملموس، إنه ينتظر الآن نظاماً ثالثاً يصطف مع تونس ومصر، إما أن تكون ليبيا أو اليمن أو سوريا.

لا يستطيع أحد أن يصف الشعور الذي انتاب عصام حينما يلملم وريقاته التي يكتبها عن الأحداث العربية الجارية، فهو في صدد اختيار عنوان شامل لروايته التي يجهزها الآن، إذ دفعته مشاعر الفرح إلى تسجيل انطباعاته، اختار عدة عناوين سيستقر على واحد منها:

تراب الميدان، ويقصد به تراب ميدان التحرير الذي أخذه ساخناً حينها، وما زالت درجة حرارته عالية، لكن هناك أكثر من ميدان في الوطن العربي.

تراب الفلسفة، عنوان شامل وجامع لقضية الحرية والعقل والجمال.

"ربيع الأشواك"، واستمد هذا العنوان من شوكة الجد عطية، وهي الشوكة التي كان يستخدمها الجد عطية عندما يركب حماره، عنوان شامل للوضع الحالي، فالشوكة التي جعلت زين العابدين يقول "فهمتكم" عندما وجهت إلى خاصرته وخاصرة نظامه، لكن نوعية الحمير تختلف، فمنهم من تكفيه شوكة الجد عطية ومنهم من يحتاج إلى شوكة أكبر، مثل شوكة حلف النيتو أو أكثر قوة من الحلف كشوكة الولايات المتحدة.

أخبر بدوي عصاماً بأنه بدأ الكتابة عن قصة حمار جده عطية، كانطلاقة للدخول والحديث عن حكومة سجن طرة في المزرعة، وأطلعه أيضاً على مشروع يتماهى مع مشروع عصام في تونس يكون هذه المرة في القاهرة من أجل تحسين الوضع الاقتصادي لمصر، لكن بدوي لم يكشف عنه في انتظار الانتهاء من دراسة جدواه الاقتصادية.