عالم جديد دخله صلاح من أوسع أبوابه، إنه عالم فاقدي البصر أو بالأصح المكفوفين، والمشكلة أنها حلت عليه مع حلول عام جديد على الشعب المصري، عام بدأت تتحرك فيه شفاه المواطنين وفتح أفواههم التي كانت مقفلة طيلة العقود السابقة، التي لا تفتح إلا أمام طبيب الأسنان.
صلاح الذي شارك في الميدان وعاجلته الغازات السامة التي أفقدته بصره، يريد أن يرى كيف يحرك الشعب المصري شفاهه، إنه في معزل تام عن عالم الحرية يدفع ضريبة مواجهة الفساد والطغاة، صرخ صرخة غضب في وجه ميرفت قائلاً:
أريد أن أفقأ أعين من تسببوا في فقدان بصري، وغيري الكثير من الذين يعانون مشكلة العمى.
سيرجع بصرك، لكن استمر على العلاج.
أريدك أن تأخذيني إلى الميدان اليوم، وأيضاً اشتقت إلى سماع صوت عصام الذي يبعث داخلي الأمل.
ارس لك على بر، تريد الميدان أو تذهب الى عصام.
أريد الاثنين.
كيف؟
اسأليه إن كان يريد الذهاب إلى الميدان، أقول لك أعطيني موبايلي سأتصل عليه.
كاد صلاح يبكي وهو يتحدث مع عصام، قدر عصام مكالمته ووافق على الذهاب معه مساءً إلى الميدان عندما تخف الحرارة قليلاً، يعرف عصام صعوبة الموقف الذي يمر به صلاح هذه الأيام، فمشكلة فقدان البصر المفاجئ تحتاج إلى وقت طويل حتى يسلم الفرد لمشيئة القدر، ويتكيف مع العالم من حوله، إنها مأساة وهناك آخرون ضحايا الثورة في تونس سببت لهم إعاقة كاملة، شاهدهم من خلال الشاشة الفضائية.
طلب صلاح الحرية لعقله، لكنه فقد حرية النظر، إنه يعيش مرحلة الصدمة أكثر من الآخرين الذين يعيشون المعاناة نفسها، بدأ ينغلق على ذاته، وهذا ما يخيف ميرفت التي بدأت تعاني من وضع صلاح، يجب على الدولة أن تهتم به وتعالجه حتى لو في الخارج، تحدث معها بصراحة وقال:
أتألم كثيراً لأني فقدت رؤية وجهك الجميل، أنسيت قصة حبنا خلال سنوات الجامعة؟ أعيد تلك المشاهد أمامي في اليوم ألف مرة.
عملك في الميدان أعظم ألف مرة من قصة حبنا، فقصة حبنا واحدة، وما فعلت قصة حب أخرى لملايين المصريين، كل آهة تقولها أو تفعلها أتألم أنا أضعاف مضاعفة.
أنت عظيمة يا ميرفت.
وأنت زوجي المناضل منذ أن كنت طالباً في الجامعة.
يتابع عصام الوضع في اليمن والفرصة الأخيرة هذه الليلة ويده على قلبه خوفاً من أن يرفض الرئيس علي عبد الله صالح التوقيع على المبادرة الخليجية، التي بموجبها يتنازل الرئيس بعد مرور ثلاثين يوماً، وتكون هناك حكومة وطنية، إذن عين على اليمن وعين يتابع بها الأحداث في سوريا وليبيا، في هذه الليلة أيضاً وصل أحمد وهشهش من لندن بعد غياب دام شهرين تحملا فيه جهد الغربة والدراسة، تجربة جديدة لصغيرين وثقا فيهما أبويهما، طلب هشهش من عصام أن يأخذ معه أحمد إلى القرية لمدة أسبوع ويعودا بعد ذلك لبدء عام دراسي جديد يودعا في نهايته مرحلة ويدخلا مرحلة جديدة، وافق عصام بعد أن أخذ موافقة روعة، التي وافقت شريطة أن يظل عندها ثلاثة أيام، ومن ثم السفر إلى القرية، لكن عصام استدرك وقال لروعة:
لماذا لا نذهب جميعاً هناك لمدة أسبوع نريح أعصابنا في جو القرية الجميل؟ ويكون الرئيس اليمني وقَّع على أقل من مهله.
لا يوجد لدي أي مانع، وأيضاً تريح أعصابك من متابعة الأحداث العربية طوال اليوم.
وهل تتوقعين أني لن أتابع الأخبار هناك؟ هذا غير صحيح سأقلل وأكتفي بمتابعة الأخبار قبل النوم، تعودت ألا أنام قبل أن أتابع أكثر من نشرة أخبار.
لكن قل لي، ماذا تريد أن نأخذ معنا؟
نشتري الأشياء فيما بعد من أسوان.
فرح الشابان بمعرفة ذهاب الجميع، والسفر بالسيارة أريح بكثير من القطار المزدحم والبطيء، سأل عصام هشهش وأحمد عن أهم شيء استفاداه من الرحلة، فأجاب هشهش:
مقولة جميلة قرأتها في كتاب القراءة لرئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل تقول"never, never, never give up" ترمز إلى عدم الاستسلام.
أما أحمد فقال:
استفدت لغوياً، لكن في الحقيقة جل من شاهتهم في الشوارع والمواصلات والمطار من الأجانب المتجنسين.
علَّق عصام على كلمة رئيس الوزراء بأنها مقولة مهمة ينجح من يطبقها، أما ملاحظة أحمد فهي مهمة أيضاً تبين تحول العالم إلى دولة عالمية واحدة.
علم بدوي بقدوم عصام وروعة، لكنه لم يحرك ساكناً، واعتذر عن القدوم إلى القرية لتناول طعام العشاء الذي أعده أمين، متحججاً بوجود موعد عنده في المساء مع إدارة الفندق.
أصبح الميدان نقطة وصل بين العرب من خلال تواجدهم فيه، وأيضاً من خلال متابعة أحداث الوقفات، رجل عربي تجاوز الأربعين من عمره يفترش فرشة صغيرة وسط الميدان ويستلقي على ظهره ويطالع السماء، هذا الرجل قطع مسافات طويلة من أجل أن ينام هناك، أصبح الميدان الآن رمزاً ومزاراً للسائحين العرب التواقين إلى شم رائحة الحرية.
في الستينات كانت شخصية عبد الناصر القومية تلعب دوراً مهماً لدى الإخوان العرب، أما الآن فميدان التحرير أصبح يدغدغ مشاعر العرب، ومن لم يزره يفكر بزيارة هذا المعلم الحضاري الذي لا يقل أهمية عن تمثال الحرية في الولايات المتحدة.
لم يوقع صالح على المبادرة، وفي ضوء ذلك انقبض قلب عصام، كما أن بدوي لم يأت إلى القرية، الوحيد الذي يشارك عصام اهتماماته الكتابية، عندها قرر عصام أن يذهب إلى بدوي في عقر فندقه الذي يعمل فيه، مع زقزقة العصافير في القرية، حرك عصام مقود سيارته متوجهاً إلى أسوان، دون أن يخبر بدوي بقدومه، وصل إلى الفندق في أقل من ساعة، وسأل عن بدوي وذهب إلى غرفته ووجده نائماً، استيقظ بدوي ورحب بعصام ترحيب المشتاق إليه، وأسمع عصام كلمات ترحيبية، وتأسف عن غيابه عن الحضور ليلة البارحة، أحس عصام ألا يوجد شيء داخل بدوي تجاهه، لكن في الحقيقة ما قال بدوي لا يعكس ما بداخله، إنه ذكي وكتوم يفهم كيف يتعامل مع من حوله، على النقيض من عصام المكشوفة أوراقه، والذي يعزف دائماً على الشفافية والموضوعية والصدق، توسع بدوي في الحديث عن المشاريع والخطط الخاصة بالفندق، ولم يتطرق لأموره الخاصة به والمتعلقة بالكتابة، وأصر على عصام أن يتناول معه وجبة الغداء في الفندق واحتفى به، رجع عصام إلى القرية لتخبره روعة أن صالح لم يوقع المبادرة، وأن الدول الخليجية تفكر بسحب المبادرة، وجهت روعة لعصام سؤالاً:
كيف ترى لنا السنوات الخمس المقبلة؟ من أجل أن ترتاح وأرتاح أنا بعدك ، راحتي من راحتك.
أمهليني مدة بقائنا هنا، أفكر في الموضوع ليلاً على موسيقى صراصير المزارع.
مسك عصام يد روعة، وخرجا إلى ربوع القرية تحت ضوء القمر، يتحدثان عن إمكانية السفر خارج مصر في صيف العام المقبل.