الفصل 11

10 0 00

ارتاح عصام كثيراً لإمكانية بقاء هشهش لديهم، وأدرك جلياً أن أحمد بحاجة إلى شخص في نفس عمره، وأن هشهش هو المناسب له في هذه المرحلة، صفات الرجل الصعيدي متوافرة في شخصية هشهش، ومنها الخشونة واحترام الكبير والكرم.

طلب هشهش من عصام زيارة ميدان التحرير ذائع الصيت هذه الأيام، وافق عصام على طلبه بكل رحابة صدر، ووعده بأول فرصة للتظاهر في الميدان، قال عصام:

الميدان موجود منذ عشرات السنين، لكنه لم يلبس حليته إلا بعد 25 يناير، اكتملت حلاوته بعد رحيل مبارك.

حدثني كثيراً عمي بدوي عن الميدان وقال إنه ميدان الشباب.

إنه ميدان شباب اليوم وميدانكم مستقبلاً.

أريد أن أصبح مهندساً كي أرسم وأخطط ميادين أخرى أفضل من ميدان التحرير، فأنا أحب التصميم.

لن تنتج مصر ميداناً أجمل وأروع من ميدان اسمه يحمل معنى الحياة.

في الليلة التي جمعت بيومي وزوجته بعصام وروعة كانت ليلة تفصيلية، تحدث بيومي عن سلبيات النظام الاقتصادي السابق، أعطاهم تفصيلات النهب والسرقات، كان يحس بها عصام دون معرفة محددة لأرقام المسروقات، ولذلك لم يندهش عصام لأنه احترق بلهيبها طيلة السنوات الماضية التي كان ينشد فيها تحقيق حلم الحرية.

بعد مضي أسبوعين على ذهاب هشهش إلى القاهرة وصل والده بسطامي ليطمئن على التجربة الأولى لابنه بعيداً عنه، وأحضر معه كمية من إنتاج المزرعة كهدية على سكنى ابنه عندهم، تفاجأ أبو هشهش بالتراب الموجود على مكتب عصام، وطلب منه أن يعطيه شيئاً منه كي يعينه ويقويه في تعاملاته الليلية مع زوجاته الثلاث، ثلاث زوجات والحصيلة ولد واحد هو هشهش،كان ينتظر قدوم أي مولود، له أكثر من عشر سنوات ولم يأتِ المولود المنتظر، فأطلق عليه العمدة هنيدي لقب أبو هشهش، وبعد اللقب بشهر واحد حملت زوجته وأنجبت له مولوداً ذكراً، وفرح به فرحاً كبيراً، وحمد الله واستمر يحمل هذا الاسم واعتبره مباركاً، داعبته روعة كما تفعل دائماً، وقالت:

لو أخذت كمية قليلة من هذا التراب مضيفاً إليه كمية من الماء وداومت عليه لمدة شهر لحملن زوجاتك الثلاث مباشرة.

يا سبحان الله، من أين لكم بهذا التراب المبارك العجيب.

عليك أولاً بإقناع عصام كي يعطيك القارورة كاملة.

عصام رجل طيب لن يبخل علي بشيء.

قال عصام:

أنا مستعد أن آخذك للطبيب لعمل الفحوصات أمّا التراب فدعك منه، لن يفيدك في شيء، فلو أصبح له مفعول فسيكون عندك عدد من مشوا عليه في ميدان التحرير.

كم تقريباً؟

حوالي مليونين وأكثر.

أعوذ بالله كيف لي أن أطعمهم؟!

ضحك عصام على سؤال بسطامي حتى كاد أن يغشى عليه، استأذن بعدها عصام من بسطامي وذهب للخلود للراحة، لأن عنده يوم غد لقاء تلفازي.

أعطى مقدم البرنامج نبذة مطولة عن عصام، وأشاد بالأبحاث القيمة والرائعة، إلا أنه اتهمه بالتقصير في قضية حمل لواء المسؤولية والنقد إبان النظام السابق، عندها غضب عصام غضباً شديداً وقال:

عزيزي د.عنّا، صحيح أني لم أرتبط بحزب أو جماعة، وهذا عن طريق قناعتي الأكيدة بأني أكره أن أربط نفسي بتوجه واحد، ولكن ربطت على عنقي جميع المفردات والجمل والمبادئ التي تقود إلى التحرر، هل تعلم أن كل أبحاثي ورواياتي تدور حول هذه المفردة الجميلة والطاهرة.

لم أقصد إثارتك وأعرف أن كل ما ذكرته صحيحاً.

لكن قل لي أنت، ماذا قدمت أيام النظام السابق؟ هل تريدني أن أقول إنك كاتب خطب وزير البترول السابق وبقدرة قادر تحولت الآن إلى شخص يتحدث عن الحرية.

هدأ النقاش قليلاً، وبدأ عنّا يركز على طموحات ومشاريع عصام المقبلة، ومدى نجاح الثورة.

بما أن عصام عاش طيلة أيامه السابقة ينتظر الحرية التي أطلت عليه من خلال أصوات ميدان التحرير، هاهو الآن يرسم بقلمه وفكره، مدينة الحرية في تونس قبل أن يعرضها على المسؤولين التونسيين كي لا يصاب بخيبة أمل لو رفضت الفكرة من البداية قبل أن يعيشها على الورق كما عاش من قبل أقسام الحرية وتعريفاتها على الورق، يريد الآن أن يرسم مزاراً للحرية على الأرض.

تخيل عصام الحوار التالي مع السفير التونسي في القاهرة:

صباح الخير سعادة السفير، أبارك لكم ثورتكم الرائعة.

وأنا أيضاً أبارك لكم ثورة شبابكم المجيدة.

ولكن قل لي كيف أخدم سعادتكم؟

أريد منكم أن تطلعوا على هذه الرواية ومن ثم نتناقش بما فيها.

ليس لي أي اهتمام بقراءة الروايات، وأنا مشغول بأمور مهمة تتجاوز قضية القراءة الحرة.

وهل تتوقع أني حرصت على مقابلتكم وحجزت موعداً قبل أسبوع من أجل أن تقرأ رواية لي.

إذن ماذا وراء ذلك؟

تونس وراء الرواية وميدان التحرير.

اشرح لي من فضلك.

هناك مشروع كبير يهم شباب تونس ويهمني أنا أيضاً، ملامحه العامة موجودة في الرواية.

طلب السفير من سكرتيره إحضار قهوة لعصام، ودار النقاش حول الوضع العربي الراهن الذي لم تشهده الساحة من قبل.

ترك عصام أرقام هواتفه عند السفير ورحل.

استغرب السفير طلب عصام وقرر أن يقرأ الرواية قبل أن يحكم على طبيعة الطلب، وافق ذلك أن يوم غد إجازة نهاية الأسبوع.

حل التفكير الإيجابي على عصام، وأحس أنه قد استلم تأييد السفير، الذي أعجب بالفكرة، وقرر أيضاً المشاركة والوقوف معها، وأنه عرضها على بقية العاملين في السفارة الذين بدورهم أبدوا تعاطفهم مع خيال عصام الرائع الذي قد صبح يوماً من الأيام حقيقة لو حالفه التوفيق.

ستصبح هذه الخطوة لو نفذت كما يراها عصام أول مساهمة اقتصادية من أجل إنشاء مدينة الحرية في مكان فقير لم ينتج أشهر من الراحل "بوعزيزي" تاج الحرية فيما بعد، بين أنه من حق المساهم الذي يدفع عشرة آلاف دولار تخفيض في المرة الأولى يصل إلى عشرين في المائة لو أراد زيارة المدينة وركوب قطار بوعزيزي السريع، وفي المرات التالية يصل التخفيض إلى عشرة في المائة وكل ذلك من أجل تشجيع المساهمين من خارج تونس، يريد أن يفتح باب السياحة إلى تونس على مصراعيه، ويقصد من وراء ذلك خلق علاقة بين الشعوب العربية ومدينة الحرية، ومن أجل أن تستقر الثورة وتبدأ خططها الإصلاحية في التمدد داخل المدن وخارجها، تونس التي تغنى الشعب العربي في أبيات ابنها أبي القاسم الشابي الذي لا يوجد بيتاً شعرياً قريباً من بيته الذي يركز على همة الشعوب وقوتها في تغيير أقدارها ومصائرها فالبيت يقول:

إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر

الغريب في حالة الثورات، أن الثورة الأولى استمدت قوتها من ابنها وكسرت القيد قبل غيرها، فبذلك تكون الثورة الأولى في الوطن العربي، حصلت في البلد الذي سمع ودون أبيات أبي القاسم، واحتضن جسده الطاهر، فكأن التونسيين أرادوا أن يقولوا لبقية الشعوب العربية الأخرى نحن أحق منكم في عزف سيمفونية الحرية قبلكم، لن يكتفي عصام بوجود عربة "بوعزيزي" وتمثاله، إنما جميع صور وأشياء من كان لهم بصمة في مسار الحرية في تونس، وعلى رأسهم أبو القاسم الشابي قصيدة إرادة الشعب التي ستكتب بماء الذهب وفي أغلب اللغات العالمية، فالمبلغ الذي يطمح إليه عصام لإنشاء المدينة لا يتجاوز قيمة الأسلحة التي تشتريها الدول العربية سنوياً، ومن كان يصدق أن الأسلحة التي اشترتها ليبيا سابقاً سيزج بها داخل الأرض الليبية ويموت من يموت ويصاب من يصاب، وكل ذلك في ظل غياب الحرية، ألا يحق لعصام أن يفكر في مشروع يرفع من مفهوم الحرية ويقدسها.

بدأت الأفكار تنهمر على مخيلة عصام في تشكيل المدينة التونسية، مما جعله يفكر بعمل مفتاح المدينة الذهبي يعطى للذين يكون لهم مساهمات إنسانية وإبداعية، وعلى جبين المفتاح صورة بوعزيزي، المدينة لها شرطة خاصة تهتم بمساعدة السياح، والساكنين وتحرص على استتاب الأمن لقطع دابر السرقات وخلق صورة جديدة جميلة لرجل الأمن، في ظل الحرية يختزن داخله الرحمة لمن حوله، ولو أتيحت لعصام فرصة إنشاء حزب في تونس أو غيرها لن يجد في بؤرة اهتمامه وتفكيره أجمل من اسم حزب "الرحمة"، لأن هذه الكلمة تمزج عدة أمشاج من الإيمان الحقيقي بمُثل مهمة ومقدسة فيها "الحب، والتضحية وإنكار الذات، والتسامح، والعطف، والعفو، والكرم".

لم يضع عصام في الحسبان كيفية إحضار المياه إلى الشاطئ الذي يريد تجهيزه في مدينة الحرية التي يريد استزراعها في المدينة الفقيرة سيدي بوزيد، أقسم على نفسه يميناً مغلظة أنه في حالة نجاح فكرته المثالية سيعمل أخرى مشابهة لها، ولكن قد تكون بطريقة أخرى، أي أن عشرة آلاف دولار أخرى قادمة لصرفها في أم الدنيا، ولن يستكثر ذلك على شباب ثورة الميدان، رشح عصام والدة الراحل بوعزيزي كمسؤولة عن حمل مفتاح المدينة.

تمر الساعات بسرعة، والأرض العربية تستعر، أو بالأصح كما قال الشاعر فؤاد حداد:

الأرض بتتكلم عربي

الأرض بتتكلم عربي وقول الله

إن الفجر لمن صلاّه

ما نطول معاك الآه

الأرض..الأرض..الأرض

الأرض بتتكلم عربي

الأرض بتتكلم عربي ومن حطين

بترد على قدس فلسطين

أصلك ميه وأصلك طين

الأرض..الأرض..الأرض

الأرض بتتكلم عربي

فعلاً في هذا الوقت أصبح مفعول هذه الكلمات ينطبق على الواقع العربي، الشوارع والميادين تتحدث عربياً "الشعب يريد إسقاط النظام"، الإدارة والأفعال والمفردات والكلمات في ظل الحرية تصبح ذات دلالات إنسانية وجمالية تقمع الفساد والقهر السياسي، تظهر هنا الرجولة السياسية، التي تتخذ من العقلانية والمنطق منهاجاً لأي خطط ومشاريع تنموية للإنسان العربي.

أخذ عصام يستكمل حلمه السابق بخصوص مشروعه التونسي، ويتخيل أن هناك رجلاً يطرق باب منزله، وإذا به السفير التونسي يريد أن يتحدث معه بخصوص المشروع الجبار، أدخله عصام غرفة الجلوس، وطلب من روعة تجهيز القهوة والعصائر، أخبره السفير بأنه حجز على رحلة بداية الأسبوع المقبل لمقابلة وزير الخارجية ووزير السياحة في تونس لعرض المشروع عليهما لمعرفة إمكانية تنفيذه، ذهب السفير على أمل إطلاع عصام على التفاصيل بعد عودته من رحلته الطارئة الخاصة بالمشروع.

جلس عصام وحده واستعرض مشاريع عربية دفع فيها الكثير في دول غربية، كمتاجر وفرق رياضية وخيول ووسائل إعلامية وفنادق، فهل نستكثر هذه المرة على أنفسنا دفع هذا المبلغ، وسيعمل لهذا المشروع في البداية دراسة جدوى اقتصادية، فعصام مقتنع تمام الاقتناع أن المشروع ليس بحاجة لعمل الدراسة لأن تمثال الحرية لا يوزن بمال الكون أجمع، وهذا يقودنا إلى القول بأن الثورة شبيهة بكتابة رواية أصعب ما فيها نهايتها، لكن عصام يحاول في روايته أن يسهل من نهاية روايته انطلاقاً من أن الحرية أقدس من أي نهاية، وأنها أتت لتسهل على الناس أمورهم وحياتهم وتمتعهم بكسرة الخبز عندما يغمسونها في عرق العدالة والمكاشفة.