الفصل 9

10 0 00

بدأ عصام يسترجع قراءاته الفلسفية من واقع ميدان التحرير ليدرك أنَّ الفكر العربي بدأ يثبت خيمته في عالم التطور، معتمداً على الجانب العقلاني الذي استلهمه من الرفع من قيمة العقل، حتى في أمور العلاقات الاجتماعية من أجل إيقاظ النهضة من سباتها طيلة العقود الماضية، وتحريك الوعي باتجاه التغيير، ومحاولة فهم العالم الخارجي فهماً صحيحاً لا يقوم على العنف ولا يقبل الإكراه ويتمترس خلف الحجة والمنطق.

كانت الثورات ترمي بثقلها على الأرض العربية والغرب بين المصدق والمكذب، كيف حدث ذلك لشعوب كانت مقموعة طيلة العقود الماضية، والغرب يقطف خيراتها بصمت، ويتعامل مع قادتها بكل أدب واحترام دون الاكتراث بما يفعلونه القادة من قتل وتنكيل بشعوبهم الخانعة والخاضعة لهيمنتهم، حتى أتت عبارة الرئيس التونسي "فهمتكم" التي كتبها تاريخ الحرية العربي بماء الذهب، ثم أتت كلمات ذلك الصحفي في الشارع العام وهو يصرخ بأعلى صوته "هرب ابن علي"، يرى عصام أن العالم العربي يعيش صدفة تحرر منها الناعم كما في تونس ومصر ومنها الخشن كما في ليبيا وعلامات الاستفهام على البقية.

كان عصام يرغب لو أن هذه الثورات أتت في الفترات السابقة من القرن العشرين، لكانت كفتنا حروباً اندلعت في المنطقة أكلت الأخضر واليابس، كان يتمنى لو أن ثورة مصر أتت في عهد عبد الناصر أو العهد الذي قبله عندما كان سعر الجنيه المصري في العلالي، أما الآن فالجنيه السوداني أرفع قيمة من الجنيه المصري، فدخل الفرد عامل مهم في إنجاح الثورات السياسية والثقافية، يتمنى عصام لو أن هناك تلاقحاً في اقتصاد مصر مع اقتصاديات دول الخليج والدول الأخرى المنتجة للنفط، ومع حلول العهد الجديد في مصر حل عليهم بؤس العاملين في ليبيا والذين يشكلون دخلاً جيداً حوالي مليون ونصف عامل، وقد لا يرجعون ثانية بسبب تغير الظروف للمرحلة المقبلة.

عصام مقتنع تماماً أن تراب الميدان هو المضاد الحيوي لخلق الشخصية المصرية الحديثة، التي لا تسقط بسهولة في دائرة التخلف والانحطاط، لكن هذا التراب بحاجة إلى تحريكه بين الفينة والأخرى من خلال أقدام شكّل وعيها مفردات جميلة مثل الحرية والجمال والمنطق، ويمكن أن يلاحظها المشاهد من خلال الندوات التي تقام وتحصل على تغطية إعلامية، فتجد كل فريق يدافع عن فكرته وآرائه بطريقة يحترم فيها الخصم أو الجماعات الأخرى دون أن يقوم بتسفيه آرائها كما كان يفعل النظام السابق.

عاد عصام الآن ولم يعد، عاد إلى معشوقته الحرية التي أفنى سنوات من عمره ينشدها، وفي الوقت نفسه ظل موجوداً في معجبته الفلسفة، وكحقيقة واضحة لا يوجد أي بذرة خلاف أو شقاق بين المحبوبتين ، إنهما وجهان لعملة واحدة تصدر من بنوك المنطق، والعقل والجمال والصدق والموضوعية، أحست روعة بشيء من التغير طرأ على شخصية عصام بعد أن داوم على الذهاب لميدان التحرير، أمّا ابنها أحمد فقد بدأ يلتصق بأبيه أكثر وأكثر ودخل في سن أكبر من سنه.

بدأت ريم تراجع نفسها بعد تكليف الدكتور عصام شرف بترأس الحكومة، وهو الذي عمل من قبل وزيراً للنقل في حكومة سابقة لدى الرئيس السابق مبارك، فترة قريبة من طول الفترة التي قضتها في مجلس الشعب، وقد تم اختيار عصام من قبل الثوار :

ألا يحق لي أن أعمل مع ثوار الميدان في التظاهرة المقبلة من أجل إنقاذ الثورة.

لكنها قررت أن تعرض فكرتها على عصام عله يجد لها مخرجاً من الحالة السيئة التي تعيشها الآن.

يعيش منذر مرحلة ضبابية، خارج نطاق السيطرة عليها، لم يكن من المنتمين للنظام السابق، وأيضاً لم يحضر إلى ميدان التحرير، وبعبارة أخرى لم يكن أحد خريجي ميدان التحرير لعام 2011، عينات كثيرة هم من على شاكلة منذر، مواقفهم وتوجهاتهم غير واضحة حتى الآن، وقد تتبلور توجهاته عندما يجد الحزب الذي يحقق له رغباته لاحقاً، عطل منذر بوصلة عقله المعرفية منذ بداية الثورة في 25 يناير، لقد أصيب بدهشة قوية جعلته لا يحرك ساكناً، أحجم عن لقاءاته الأسبوعية الثقافية التي يعقدها مع طلابه والمعجبين بطرحه الفكري في قهوة الأنس، والتي قد حضرها عصام لمرات قليلة ثم انسحب.

المرحلة الحالية التي يعيشها عصام أخف بكثير من مرحلة سابقة عندما كان غارقاً إلى أذنيه في المفاهيم والمصطلحات الفلسفية في جو سياسي لا يعرف نسمة الحرية، يحاول أن يتلمس الحقيقة التي عصت على من قبله من فطاحلة الفلسفة طيلة العقود الماضية، الآن هو بين ميدان التحرير وانعقاداته المفتوحة، ومدنية الحرية التي يطمح أن يشاهدها على أرض الواقع.

فرح الخال أمين بما آلت إليه الأحداث في مصر، لأنه كان من العاشقين والمعجبين بخطابات الرئيس الراحل عبد الناصر، وأنه كان يعتقد أن قيمة المصريين في زمن عبد الناصر لا يساويها قيمة في الوطن العربي، لكن عصام يرى أن نظام عبد الناصر كما اعترف به بنفسه" بأن نظامه كان دولة مخابرات"، ولم يبن نظام ديمقراطي على الرغم من أن الظروف كانت مناسبة لذلك، والاقتصاد المصري حينها كان في وضع ممتاز، لكن قضية القومية العربية دغدت مشاعره، وأصبح لسان حاله يردد:

بلاد العرب أوطان من الشام لبغدانِ ومن نجد إلى يمن إلى مصر فتطوانِ كان الشعور القومي عنده متقداً دون الاتكاء على مؤسسات المجتمع المدني، فمات وسقطت الشعارات والمجتمع في مستنقع العسكر، وأتت رياح التغيير في الألفية الثالثة، وتم سحقها والدوس على كرامتها بالأقدام من قبل آل مبارك.

تكلم عصام مع بدوي في مشروع الرواية التي ينوي بدوي كتابتها قائلاً:

آمل أن تنتظر قليلاً حتى يصبح عندك أكثر من ذيل رئيس.

الرؤساء كثر يا عزيزي ولا أستطيع تجميع أذيالهم، دعني مع ذيل واحداً، والآخرون هم من يكتبون رواياتهم عن الأذيال الأخرى.

أغرت الثورات الكثير من الشباب والكبار الانخراط فيها، فهي تحمل سحراً لا شبيه له، إنها لذة لا يفوقها لذة في وقتنا الحاضر، فمن كان يتصور أن شعباً تجتاحه القبلية والطوائف والأمية، وينهشه الفقر ويستمر معتصماً في الميادين والشوارع لأكثر من ثلاثة أشهر، وأكثر من نصف سكانه مسلحون، ويلتزموا الهدوء، إن الفلسفة التي فيها منطق وعقلانية وجمال تنتصر في الآخر، كان عصام يتوقع أي شعب عربي آخر يفعل ذلك عدا اليمن، ولم يمل المتظاهرون طيلة الأشهر الماضية وهم يستخدمون بعض الأحيان أغاني تقوي عزيمتهم وتجعلهم لا يغفلون عن ثورتهم الملتهبة في وجدانهم وأحاسيسهم، لا يشغلهم أي شيء عن المطالبة برحيل النظام.

مع كل قضية تطلع عليها ريم يختلس نظرها وبسرعة هدية عصام التي يفوح منها نسمات كلمات الحرية والعدالة التي كان يرددها المعتصمون، إنها الآن مخلوقة عزمت على فتح صفحة جديدة مع الحالة الانتقالية التي تعيشها مصر.

يبدو من المستحيل إيقاف ربيع الثورات العربية، الخريف حلَّ على الأنظمة العربية فبدأت تتساقط أوراقها، وبدأ الاستبداد يحمل حقائبه معلناً رحيله دون رجعة إلى عوالم أخرى قد لا نعرفها، جلس عصام يحدق في أمتعة التخلف والمؤامرات وهي تنسكب في جوف التحدي والإرادة القوية التي يحملها شباب الثورة.

يتمنى عصام لو أنه يستطيع كشف ما سيحدث في السنوات الخمس المقبلة، يريد أن يعرف شيئاً يطمئنه ويزيل الخوف المتكلس عنده منذ سنوات طويلة، أشكال وأنواع للخوف موجود داخله، بعض منها اكتسبه بالوراثة، وبعض آخر بسبب طبيعة النظام السابق، والجديد منها يعكس الخوف من المجهول المحدق بالثورة، يريد أن يفرح كثيراً لو أن الصورة للخمس سنوات المقبلة مشرقة لتزدهر أحلامه التي هي أحلام الملايين من البشر الذين تم التلاعب بهم طيلة العقود الماضية ، قد أوشك في السابق أن يموت عطشاً، لكن الثورة قد بللت حلق التحرر، وأمسكت زمام الموقف، ولملمت شتات المشاعر العربية المتفرقة، ونسجت أحلاماً جديدة يتغنى بها الشباب والجيل القادم، لقد تجاوزوا إسقاط النظام، ودفعوا قيمة ذلك من الشهداء، أكثر من 800 شهيد، أما الجرحى فعددهم أكبر بكثير.