الفصل 7

9 0 00

مازالت سحابة الحب واقفة ترسل رذاذها الخفيف على جبيني العشيقين اللذين أمضيا ما يقارب ستة عشر عاماً وهما في ود والتصاق، لأن الأقدار ساعدتهما في التوافق في نسب الرغبة في العطاء سواء كان حسياً أو معنوياُ، فالتوافق في درجة الرغبة الجنسية منعت الطرفين من أن يشكو أحدهما من الآخر، وأغلقت باب النقص أو الزيادة عند أي منهما، فحبال المودة ستظل حاضرة إلى الأبد، ولم يكن للنضج المعرفي دور قوي في إنجاح العلاقة، لأن عصام أدرك ذلك منذ فترة طويلة، ودعمت أخيراً من خلال الكتاب الذي أطلع عليه للمؤلف الأمريكي "اندرو شافير" الذي بين أن "العقول الكبيرة والقلوب المحطمة مترافقان على الدوام، وكلما زاد العقل لمعاناً أصبح الفشل أكثر صعوبة... ولا يمكن أن تملك الحب والحكمة بذات الوقت"، حيث سرد المؤلف الكثير من القصص المحزنة التي أوصلت الكثير من الفلاسفة العظماء من مختلف العصور إلى الجنون والانتحار، عندما أحبوا وتزوجوا، ووقف عصام عند بعض الأسماء مثل: جون كالفن، وديدرو، ولوس الوستير، واوغست كونت، و ألبير كامو، وبرتراند راسل وآخرون، وقد كانت نصيب الخيانة والشك من أبرز مكونات المشاكل التي حطمت زواجات الفلاسفة الذين لم تقيهم اتساع مداركهم، حيث ذكر عصام على غلاف روايته "جاب الذيب من ذيله" أن "الظروف القاسية التي مر بها بعض الفلاسفة والمفكرين ليست نتيجة قطعية بسبب عجزهم عن الإجابة على تساؤلاتهم الفكرية التي طرحتهم أرضاً، إنما نتيجة لطبيعة التكوين البشري الذي ينزع إلى الجنون أو الانتحار أو الإدمان أو الإجرام أو الجنس، حتى لو لم يعمل الإنسان عقله".

يظل الإنسان ضعيفاً بعض الأحيان حتى أمام أبسط القضايا، فقد تؤرقه بعض الكلمات من أقرب المقربين إليه إن كان له حس مرهف تجاه ما يقوله الآخرون، وهؤلاء المرهفون من ينتمي إليهم عصام، لأنه قد بنى توجهاته مع الآخرين على المكاشفة وعدم المراوغة، إنه كتاب مقروء استطاعت روعة أن تقرأه مرات عدة في الشهر الأول من زواجهما.

عاد عصام وأسرته في ساعة متأخرة من الليل من مدينة أسوان بعد أسبوعين أمضوها هناك بالقرب من أمين وأولاده، استهلك منها أمين وضيوفه أجوازاً من الحمام والأرانب وذكور البط، وبعضاً من السمك أحضره أمين من أسوان، حيث إن القرية لا تبعد كثيراً، حوالي نصف ساعة في السيارة، فحصت روعة عند عودتها موجودات المنزل، ووجدت أنه لم ينقص منها شيئ، ونام الجميع، لكن المفاجئة حدثت عندما وجد عصام كل شيء في مكانه عدا قارورتي التراب.

تذكر عصام أنه في اليوم الذي سبق السفر هاتف مؤسسة لديها خدم يتم تأجيرهم بنظام الساعة، هناك احتمال كبير جداً ظهر في الصورة أن العاملة قد مدت يدها وأخذتها اعتقاداً منها بأنها ذات قيمة ثمينة، يمكن الاستفادة منها كعلاج أو ما شابه ذلك، تذكر عصام أنه فعلاً لم يلحظ القارورتين يوم السفر، هذه المرة الأولى منذ عدة سنوات يتم فيها سرقة أشياء تعود لعصام.

هاتف رجل منزل عصام:

هل هذا منزل الدكتور عصام؟

نعم أنا هو، ماذا تريد؟

باعت لي امرأة قبل عدة أيام قارورتين تعتبرهما مهمتين وترغبون في شرائهما.

كيف عرفت أنهما مهمتان بالنسبة لي؟

المرأة تقول إن هذه التربة توزن بالذهب، وإلا لما وضعتها في زجاجتين جميلتين، وقد اشتريتهما منها بألفي جنيه، فبكم تشتريهما مني؟ إني صاحب محل آثار وتحف.

شيء جميل أن تكون الزجاجتان في متحفك، لا أريد شرائهما بعد أن تم اختطاف التراب، وأنت تتستر على السارقة.

لكن قل لي ما هذا التراب؟

إنه تراب الفلسفة يا عزيزي.

وهل للفلسفة تراب، أم أنك تستخف بي؟

التراب أعظم شيء في الوجود، ولا يستكثر عليه أن يكون له فلسفة يا غبي.

أنا لست غبياً، أنت مجنون ومجنون من يتحدث معك.

صرخ بعدها عصام صرخة قوية استيقظت على أثرها روعة من نومها، إنه كان يحلم ذهب بسرعة إلى مكتبه للإطلاع على التراب، فوجده في مكانه لم يتعرض للسرقة.

يسيطر القلق والشك على عصام خوفاً من سرقة الثورة، فتحولت الثورة عنده إلى قارورتين من التراب العظيم، قارورة سيحتفظ بها، وأخرى سيهديها إلى شخص قريب من قلبه، لقد زاد عنده الخوف من اختطاف الثورة، ويبدو أن الخوف ترسب في أقاصي وجدان عصام، منذ أن كان صغيراً، بسبب وراثي من أمه، أو أن ذلك نتيجة لطبيعة الظروف المحيطة به، لكن والدته صبحية كانت ضحية الخوف الذي كان ينهش في جسدها، حتى آخر لحظة من حياتها.

انقطعت الرؤى التي كان يشاهدها عصام لفترة تجاوزت الستة أشهر تقريباً، لكنها هذه المرة عادت بشكل آخر ليس كما تعود عليه في السابق من خلال الرؤى التنبؤية، التي تقدم له شيئاً من أسرار الحاضر القريب. إن القراءات المعرفية التي اطلع عليها سابقاً جعلته يدرك أنه من العبث البحث في دهاليز الحقيقة، متأرجحاً بين مقولة رورتي الخاصة "بتساقط أجزاء الحقيقة شيئاً فشيئاً من خلال العلم"، والزمن مفتوحة أبوابه، وبين الرجل الآخر مصطفى محمود، الذي كان يتصور أن العلم يمكن أن يجيب على تساؤلات الإنسان، وأصيب بخيبة أمل عندها بحث في الأديان السماوية والأرضية واستقر به المطاف عند القرآن الكريم.

زار عصام وروعة ريم المحامية بعد أن رجعت إلى عملها في مكتبها للمحاماة مع شريكها النابلسي، حمل عصام معه هدية مغلفة تفاجأت بها ريم وكانت عبارة عن الزجاجة الثانية من تراب الميدان كهدية يقول من خلالها عليك العمل من خلال وجود هذه الزجاجة المباركة، شارك في اللقاء المحامي النابلسي وشكر عصام على ذوقه الرفيع.

تنفس القضاء في مصر الصعداء بعد أن داست أقدام المتظاهرين على الظلم والفساد المستشري في كل زاوية من زوايا النظام السابق.

رجع محمود ابن أمين إلى السعودية بعد أن قضى شهرين في مصر، هو سائق خاص لدى إحدى الأسر منذ ما يقارب العشرين عاماً، قضى من إجازته عشرة أيام في القاهرة، وبقية الأيام قضاها في بنبان، اشترك مع بسطامي في مشروع شراء بعض الإبل من السودان، ومن ثم ذبحها وبيعها على سكان القرية وما جاورها، إن لحم الجمال أرخص بكثير من الضأن والبقر، باعا حوالي اثنان وعشرين جملاً مذبوحاً كان ربحهما تجاوز عشرة آلاف جنيه، تقاسماها بالتساوي، وضع بسطامي المبلغ الذي كسبه أخيراً مع محمود في حساب ابنه هشهش.