الفصل 13

10 0 00

عصفت الثورة بكل شيء حول عصام، قلبت حزم الانكسارات والآهات إلى حزم من الآمال غير المرئية الآن، ويضع يده على قلبه عند سماع أي خبر عن الاقتصاد في تونس، فحالة السياحة في تراجع عما كانت عليه من أوروبا وليبيا والمغرب، يريد أن يطمئن عليها أولاً، وثانياً على مصر، فمصر أيضاً بحاجة إلى خطط إنقاذية، وهذا ما دفع بدوي إلى التفكير بعمل شيء من أجل "الغلابة"، كي لا تحدث ثورة مضادة.

تغيرت الأحداث وتغيرت أجندة لقاءات عصام مع من حوله، عندما كان وهج النقاش الفلسفي والمعرفي في دائرة الضوء كان منذر في الصدارة وأعضاء قسم الفلسفة في جامعة القاهرة، يجتمع معهم ويقدم محاضرات يبين فيها اهتماماته الفلسفية، كل تفصيلات اهتماماته ذكرها في روايته السابقة، ورحلته إلى بريطانيا التي أعد فيها بحثاً عن المفاهيم الفلسفية في وقتنا الحاضر والتعليق على مفاهيم الفيلسوف الأمريكي ريتشارد رورتي، وتحليل كتابه "الفلسفة ومرآة الطبيعة"، الآن حوله بدوي وحكومة سجن طرة وشوكة جده عطية، والرجل الكبير صفوت حسين الذي تجاوز الستين من عمره، تعرف عليه عصام في ميدان التحرير وكان يحضره عنده ويعطف عليه، شرح صفوت الظروف الصعبة التي واجهها، قائلاً:

إني أكمل دور ابني الشاب مدحت الذي سقط في الميدان في الأيام الأولى من الاعتصام، وأحس دفء روحه حولي، كنت أغرق في البكاء، وأتمنى أن أموت في هذا الميدان كما مات ابني من قبل.

اسمح لي بتقبيل رأسك يا عم صفوت على ما تقوم به من أجل الثورة وأجل مصر وأجل ابنك، إن التخاذل استغرق منهم لحظات، لكن ثمن الثورة كان مرتفعاً، وتحتاج إلى وقت طويل كي تنضج.

اغرورقت عينا عصام، وقدم ما عنده من أكل بسيط، لقد خلقت الثورة علاقة قوية بين المعتصمين لمدة 18 يوماً لم يشهدوها من قبل، وهذا دليل على أن الحرية تجمع ولا تفرق أبداً، فيها الاصطفاف مع الخير ورسم لوحة جمالية خالية من الأهواء والرغبات الخاصة في زمن الحدث، فالحدث وحدّ الجميع، لكن يظل السؤال قائماً، ما المدة المتوقعة لاستمرار التوحد؟

عرف عصام مكان سكن العم صفوت، وقام بزيارته أكثر من مرة بعد سقوط النظام.

قويت العلاقة بين عصام وأبناء خاله الذين تضامنوا معه في الميدان وسكنوا عنده قرابة أسبوع وزيارته لهم، وسكن هشهش عنده، وأصبحت العلاقة الجديدة على حساب منذر، وريم، وسعاد، وبرهان، فأصبح كل يغني على ليلاه.

ذكر أمين قصة كفاح والده عطية الذي كان يسكن في قريته بنبان قبلي ويذهب كل صباح على حماره كي يعمل في القرية المجاورة كأستاذ بناء طين وأيضاً في موسم النخيل يقوم بتلقيح النخل، خصوصاً الطويل الذي يتخوف البعض من صعوده، ومن ثم يقوم بصرمه عندما يستوي تمراً، الحمار صديقه طول الطريق، يطعمه من التمر وقت جمع المحصول، لكنه بعض الأحيان يرفض المسير، فيضطر عطية إلى استخدام الشوكة التي أخذها من النخل، فيبدأ الحمار بالمسير وبشكل أسرع، وتظل الشوكة في جيب عطية في أغلب الوقت، ويضع شوكة أخرى في البردعة خوفاً من سقوط الأولى في حالة قلع ثوبه، عمل عطية في شغلة البناء والنخل أكثر من أربعين عاماً، استطاع خلالها شراء المزرعة التي يسكن فيها أمين والعائدة ملكيتها لعصام من ورثته من أبيه وأمه، فقد اشتراها أحمد والد عصام من عطية بعد زواجه من صبحية ابنة عطية، بمبلغ عشرة آلاف جنيه قبل حوالي ثمانين عاماً، والآن سعرها يساوي الكثير الكثير من قيمتها الأولى، لكن عصام لا يرغب في بيعها طالما خاله أمين محتاجاً لها هو وأبناؤه، وقد عرض عليه أكثر من مرة شراءها من قبل عمدة البلدة هنيدي لكنه رفض، كل شيء في نظر عصام الآن أفضل من قبل ، عدا موضوع "السلفية الجهادية" التي أتتها فرصة من ذهب بعد سقوط النظام ولم يكن لهم مساهمة في البداية في الاعتصام في ميدان التحرير لأنهم لا يؤيدون مبدأ الخروج على الحاكم من موقف ديني.

يدرك عصام عملية توظيف نظام السادات للإخوان في مواجهة حركة التكفير والهجرة والشيوعيين، ومن ثم عمل مبارك على توظيف السلفيين في مواجهة الأخوان، موضوع السلفية الجهادية مقلق لعصام لأنهم لا يؤمنون بفكرة الدولة المدنية، هذا حال الذين لا يبنون لهم مشروعاً حضارياً يستطيع أن يقف في وجه الدكتاتورية والظلم أياً كان نوعه.

اتصلت إحدى القنوات الفضائية الإخبارية العربية المشهورة بعصام للتعليق على بعض الأحداث العربية، لكنه اعتذر، من أجل التركيز على كتابة روايته الأخيرة، وينتظر أن يقوم بكسر جميع الأقلام التي كتب بها في حالة الانتهاء من الرواية، يملك من الأقلام الأسود والأزرق والأخضر والأحمر وقلم الرصاص، ولا يعرف أحد من الذين حوله عن قراره هذا، فقد تكون هناك احتمالات أخرى من خلالها يضطر إلى كتابة عمل ما كما فعل في السابق، وهو قد أخذ على نفسه وعوداً بأنه قد اكتفى من كتابة الرواية، الرواية عنده همّ ومعاناة وألم وانعكاس لبواعث تمرّ من حوله، كتابة الرواية عنده شيء ضروري وليس كمالياً.

جلست روعة تفكر كثيراً في حوار ذاتي، في السنوات الماضية أخذت الفلسفة والقراءة عصام مني، والآن تأخذه الثورة أيضاً، أما في السنوات التي كانت قبل زواجنا كان أشبه بالرجل الحر، قالت وهي تبتسم:

أتمنى أن أكون سبب خير عليك، ففي مقدمي أتت لك الفلسفة، وهذه السنة أتت الثورة وكلاهما شغلاك عني.

مقدمك الخير كله، وآمل أن يكون هناك حدثاً مفرحاً العام المقبل.

مصر وتحررت من الاستعباد، وماذا تريد إذاً؟ متى ستخرج من جحيم التفكير؟

العام المقبل سيكون من أصعب السنوات على العالم العربي وهذا لا يعني أن مشاكلنا قد حلت، أغرب شيء أن نستخف بأعداء الحرية، فالحرية لها أعداء كثر في الداخل وأعداء آخرون في الخارج، والاقتصاد يحتاج إلى جهد منّا جميعاً، ومن الصناديق الدولية.

أتمنى أن تحدثني من دون خوف، فأغلب أحاديثك يكمن الخوف فيها.

الخوف هو من يحرك الحرص والتوخي والحذر، هذا جميل إن لم يتعد حدوده، فالخوف هو من يقلل من التهور ويحوله إلى شجاعة مدروسة.

لم أستطع إفحامك.

أعرف، لأنك تنطلقين من حرص وخوف عليّ يا عزيزتي، هذا ما أحس أنا فيه تجاه ثورتنا العظيمة، فأنا أخاف عليها كما تخافين علي وعلى أحمد، إني أراقب مصر وهي تطلي وجهها باللون الأبيض بعد سنين مظلمة.

في وقت متقارب بين غضب الإنسان المصري وغضب الطبيعة في اليابان، يشعر الإنسان أنه في جوف مصيدة الحياة، الإنسان العربي يغضب كما تغضب الطبيعة، أمور صعبة جداً وكأن الموت هو بطل المسرحية، لا يعرف عصام كم من الزمن تحتاج إليه الثورات العربية كي يتوقف الغضب وتبدأ مرحلة جديدة، غضبت الطبيعة في اليابان، وغضب القذافي على شعبه، وبدأت النار تشتعل، وكأن عصام بدأ بتعليق ثيابه على شماعة القدر، إذن كل شيء في هذه الحياة يغضب وكأن الغضب ديدن الحياة، يسأل عصام نفسه:

هل الذين لا يغضبون محظوظون؟ أم أنهم أناس لا يعرفون شيئاً ولا يريدون أن يعرفوا كي لا يصدموا.

غضب عصام من ذلك المقدم المصري الذي يعمل في إحدى القنوات الفضائية العربية الذي حضر إلى ميدان التحرير، وأصبح يأمر في بعض الأحيان، وهو من الذين يهتمون بدخلهم الشهري ولا يقل راتبه عن عشرين ألف دولار، لا يمكن أن يحسب على شباب الثورة ولا على كبارها الذين تجرعوا مرارة النظامين السابقين، وجد ثورة جاهزة واعتلى صهوة جوادها، كان عصام في السابق لا يحب طريقة هذا المقدم لأنه يملك ابتسامة صفراء مؤدلجة جداً، وشخصية غير مقبولة أيضاً، لكنه يضرب بقوة بسيف القناة التي يعمل بها، لا بشخصيته المؤثرة.

انتشر خبر طلاق فريدة فهيم بين صديقاتها في مصنع النسيج الذي تعمل به، لكن لا أحد يعرف شيئاً عن سبب طلاقها، حاصلة على درجة الماجستير في الإدارة من جامعة القاهرة، صادف موضوع طلاقها ترقيتها إلى مدير الشؤون الإدارية في المصنع، لديها ولد تجاوز سنه الثانية عشر واسمه علام على اسم جده من أبيه، سعت فريدة إلى عمل حفلة بسبب ترقيتها وحجزت صالة المصنع الكبيرة للمناسبات، وقامت بتوزيع كروت الدعوة على أغلب العاملين في المصنع، ذهبت مساء إلى مكتب المحامية ريم وأعطتها عشر دعوات لها ولمن ترغب دعوته، فهي تكن الود الكبير للمحامية ريم لإنهاء قضيتها دون اللجوء للمحكمة، وهذا يعني أن القضية لم تكلفها إلا القليل جداً.

حجزت ريم بطاقتين لوالدها منذر ووالدتها الهام، وثالثة لمدير المكتب النابلسي ورابعة لها، ست بطاقات أرسلتها ريم إلى عصام، وبنفس الطريقة حجز عصام بطاقة له وثلاث بطاقات لروعة وأحمد وهشهش، وأرسل بطاقتين لأب الشهيد صفوت حسين واحدة له والأخرى ترك له خيار منحها لمن يحب، تعهد عصام لصفوت في حال رغبته الحضور أن يمر عليه في شقته ويصحبه معه للحفلة نهاية الأسبوع المقبل.

ذهبت فريدة إلى زوجها السابق وأعطته بطاقة دعوة له وثلاث بطاقات أخرى لمن يرغب دعوتهم، فهي ما زالت تكن له كل الاحترام والتقدير، ترى فريدة أن الشراكة الزوجية قريبة جداً من مفهوم الشراكة التجارية، ففي حالة عدم التوافق وظهور صعوبات يجب أن يكون الحل ودياً وتنهى الشراكة في أسرع وقت، لا أن يتم الطعن والضرب تحت الحزام، لكن المجتمع يعقد قضية الطلاق أكثر من اللازم، والسعي في الاستمرار في الحياة الزوجية حتى لو أن النار تشتعل في الداخل.

ترى فريدة أن الثقافة كرست مفهوم الصبر بين الزوجين كما كرست عدم الخروج على الحاكم الظالم، الحب في نظرها العطاء المتواصل بين الزوجين، فإذا توقف أحدهما عن العطاء، وأصبح طماعاً يريد الحصول على ما يريد هو دون الاكتراث بحقوق من حوله، أصبحت الحياة تقاد بطريقة الأنظمة العربية التي تأخذ ولا تعطي.

اتصل ياسين بالمحامية ريم ليخبرها أنه في الطريق إليها ومعه محرر التحقيقات بالمجلة لعمل تحقيق مفصل عن المكتب وعن من يقوم بإدارته، رحبت بذلك لكنها أخبرته أن شريكها في المكتب غير موجود، استمر اللقاء أكثر من ساعة ونصف وسجل المحرر اللقاء كاملاً وذهب إلى المجلة لإنهاء كتابة الموضوع، أما ريم وياسين ذهبا إلى أقرب مطعم لتناول وجبة العشاء.