الفصل 16

9 0 00

استلم عصام مجموعة من روايته "شوكة عطية" وذهب مباشرة إلى ميدان التحرير، كان هذا حوالي الساعة التاسعة والنصف ليلاً من يوم الجمعة، بعد مرور مئة يوم على الثورة، ولم يخبر أحداً بذلك، واختار منتصف الميدان وتوسد نسخ روايته على أمل أن ينام قرير العين في هذا الميدان بعد انتصار الثورة، تلفونه المحمول مقفل، وروعة تتصل عليه كل ربع ساعة تقريباً، وبدوي أيضاً أحد المتصلين ولكن لا مجيب، يريد لقلبه وفكره وكل جزء من جسده أن ينام حتى لو كان الموت يعزف نايه، وضع أنفه بأقرب نقطة ملامسة لتراب الحرية وصور ملايين الأشواك التي نغزت النظام في الميدان أمام عينيه، والأمة تمر أمام ناظريه، يحاول أن يقول شيئاً للأشواك التي رحلت، وبرحيلها سقط النظام البائس، إن ثورتكم قد نجحت وها أنا أنام قرير العين وغيري الملايين تحس هذا الإحساس، لكني أحس أني أكثرهم شعوراً بالفرحة، لم يستسلم للنوم وبدأ يستعرض نتائج بحث أعده عن الحرية قبل وقوع أحداث 11 سبتمبر بعدة أشهر وكانت عينة البحث من لبنان كان البعض يرى أن العشرين سنة المقبلة:

"ستكون أكثر ارتهاناً للسلطة إذا استمر تناسل الأنظمة القائمة رغم أن عينها ستكون دائماً على الحرية في أي مكان آخر".

"أعتقد أن الصحافة العربية ستكون أقل حرية في العشرين سنة المقبلة، وذلك حسب تكريس التوارث السياسي".

يبحث عصام في العوامل التي أثرت في عدم وجود صحافة حرة في الوطن العربي، حول بحثه الطويل إلى كتاب عن الحرية الإعلامية والعولمة في الوطن العربي، ونظرة استشرافية للعشرين سنة المقبلة من خلال مرئيات الصحفيين اللبنانيين، وكانت إجاباتهم للسؤال المفتوح أكثر تشاؤماً للسنوات العشرين المقبلة، وقد يتوافق هذا مع قصيدة للشاعر العراقي أحمد مطر عن تغلغل اليأس داخله حيث تقول قصيدته عن الأمل، كما عبر عن ذلك الصحفيين اللبنانيون من قبل.

أمس اتصلت بالأمل!

قلت له:

هل ممكن

أن يخرج العطر من الفسيخ والبصل؟

قال: أجل

وهل يمكن أن تشعّل النار بالبلل؟

قال: أجل

قلت:

وهل يمكن وضع الأرض في جيب زحل؟

قال: نعم، بلى، أجل...

فكل شيء محتمل

قلت: إذن حكام العرب سيشعرون يوماً بالخجل؟

قال: ابصق على وجهي إذ ا هذا حصل...

أحد الصحفيين كتب في ورقته "من المؤكد أن تغييراً ما سيحصل، ولكن بأي اتجاه؟"، إحساسه صدق، وهذا عصام يتوسد روايته في قلب ميدان التحرير، حدث التغيير وفي اتجاه لا أحد يعرف أو يخمن حتى الذي أعد الدراسة لم يتوقع ذلك.

أنتج عصام فيلماً تلفزيونياً عن الخطاب الإعلامي الحر بطولة الفنان السوري القدير جمال سليمان وبسام كوسا، تفاجأ عصام بالطريقة التي تعامل معها الفنان جمال سليمان بكل أريحية وانفعال، لأن القضية مهمة بالنسبة للمنتج والكاتب والممثل، وهنا اعتبر عصام العمل كأجمل فيلم تلفازي قدمه البطل، يذكر عصام أن العمل قد تأثر بوجود الرقابة السورية التي طالبت بتغيير العنوان، الذي اختاره عصام "لحظة ميلاد" وتحول إلى اسم آخر حسب اختيار كاتب السيناريو، وأجزاء أخرى من النص تم حذفها، وأضاف بدلاً منها البطل قصة أخرى، لقد كان عصام راضياً عن العمل على الرغم من التعديلات التي جرت عليه، لكن أي درجة تتجاوز الخمسين بالمائة في قضية الحرية تستحق التعب من أجلها، لم يكن عصام يفقه شيئاً في الإنتاج، لكنه نجح في أول مرة من ناحية قيمة العمل، وفشل في التوزيع.

نام عصام رغم قسوة الأرض، لأنه لم يحضر معه أي شيء يقيه ذلك، لكن قسوة الأرض كانت أرحم بكثير من قسوة النظام السابق الذي يقسو على البشر أكثر من قسوة الأرض التي قد تعالج قسوتها بفرشة بسيطة، لكن قسوة النظام قبيحة جداً، ولا يمكن معالجتها إلا من خلال الكذب والاستدجان والنفاق والفساد.

نام عصام نومة هنيئة لا يشبهها نومة أخرى، رواية "شوكة عطية" جعلته يحلق في سماء لا يشبهه سماء، كأنه تعاطى جميع ما يوجد في الأرض من "كوكايين"، "وحشيش"، "وهروين"، في روايته "جاب الذيب من ذيله" التي صدرت مع نجاح الثورة التونسية، قال فيها: "أما عصام فلسان حاله يقول كما قال الشاعر السوري نزار قباني:

عشرون عاماً يا كتاب الهوى

ولم أزل في الصفحة الأولى

فحقيقة قصة حب عصام أقوى وأصدق ألف مرة من غزل الشاعر نزار وافتنانه بالنساء، فلم يصدق نزار في ادعائه لنفسه بأنه مازال في الصفحة الأولى، وعشيقاته كثيرات جداً، فقد ختم الدرس عدة مرات، لكن عصام وكحقيقة مع معشوقته الحرية له أكثر من ثلاثين عاماً واقفاً عند كتابة الصفحة الأولى التي يعلن فيها إمساكه بجدائلها واقتطاع بعضاً من خصلات شعرها..."، إنه الآن في الصفحة الأولى، يرشف الرشفة الأولى من كأس الحرية، التي يرقد فيها على ترابها الطاهر، ويمسك ببعض من خصلات شعرها، كأنه يسمع من يقول له "من قدك يابيه"، حلت الحرية على بلدك وعلى قومك.

بعد مرور ساعتين صحا عصام من نومه، ووزع ما معه من نسخ من روايته على من حوله في الميدان واحتفظ بواحدة، ثم فتح تلفونه المحمول وغادر الميدان متوجهاً إلى المنزل وهو يحدث نفسه: سأسلم هشهش ما وعدته به الليلة.

هشهش وأحمد يستعدان للسفر يوم غد السبت إلى بريطانيا لقضاء الإجازة الصيفية في أحد المعاهد البريطانية لتعلم اللغة الانجليزية، فقد وافق بسطامي على سفره بعد أن أقنعه عصام وروعة بذلك، استلم هشهش أقلام رواية جده ووضعها في حقيبة كبيرة أحضرها معه من القرية، وبدأت الآن مرحلة جديدة لهشهش مع رحلته الأولى خارج مصر، أتى من الصعيد وسيسافر إلى بريطانيا العظمى سابقاً

عرف بدوي عن صدور رواية عصام وكان بوده لو أتى مسرعاً للاطلاع عليها، وعلى ما كتب فيها عن حمار جده العظيم "هدبان"، شرح له من خلال الهاتف أنه الآن في معمعة كتابة أجزاء من روايته الجديدة التي تناول فيها شخصية جده عطية وحكومة سجن طرة، طلب بدوي من عصام مجموعة نسخ من الرواية ليوزعها على زملائه العاملين في الفندق، في اليوم الرابع بعد صدور الرواية حمل عصام معه نسختين واحدة لصديقه الجديد صفوت والد شهيد الميدان، وذهب إلى منزله البعيد عن منزل عصام، ولكن عصام كان متحمس لأن يسلمه نسخة من شوكته التي تعتبر القاسم المشترك بينه وبين صفوت، جلس عنده قرابة الساعة، أحضر له كوباً من القهوة وقطعة من الشوكولاته، شرب عصام القهوة واعتذر بلطف عن الشوكولاته لأسباب صحية تمنعه من أكلها، يعيش صفوت مع ابنته ميرفت التي تعيش بمفردها بعد إصابة زوجها في أحداث ميدان التحرير وفقدانه لبصره، فهو يرقد في المستشفى في حاجة إلى إعادة تأهيل ليده اليمنى، يصاب المرء في بعض الأحيان بتتابع المصائب، حيث رحل الأخ وبقي الزوج مصاباً وأبٌ يسدد من بقايا جسده وذاكرته فاتورة الثورة، طلبت ميرفت من عصام نسخة أخرى من الرواية لتقرأها على زوجها صلاح ، فأعطاها النسخة الأخرى التي كانت بحوزته وقال لها:

واجب علي أن أهدي نسخاً من الرواية لمصابي الثورة، إنهم يستحقون.

لكن قل لي لمن كنت ستهديها؟

كنت سأذهب إلى السفارة التونسية، لإعطائها للسفير كي يطلع على المشروع الذي داخلها، إنها محاولة بسيطة مني لعمل شيء عظيم.

إذن، تعطيني نسخة فيما بعد، أو أستعير نسخة والدي وأنت اذهب بالأخرى إلى السفارة.

خرج عصام مسرعاً حاملاً نسخة السفير متوجهاً إلى سيارته، دون أن يركز في طريق، وإذا بسيارة مسرعة تصدمه ويقع أرضاً، حُمل عصام إلى أقرب مستشفى في الحي، لقد تسبب الحادث بكسر في ساقه، لم يعرف صفوت أو ميرفت شيئاً عن ما حدث لعصام في الشارع القريب من منزلهما، بعد ساعتين تقريباً نزل صفوت وابنته ميرفت لزيارة صلاح في المستشفى القريب من منزلهما.