تابع عصام خطاب رئيس الحكومة الإسرائيلية نتنياهو في الكونغرس الأمريكي، وأعضاء المجلس يقومون ويقعدون ويصفقون كأن أمامهم قائداً عظيماً أو رئيساً من الدول الاشتراكية السابقين، نسف في خطابه كل شيء حول حدود عام 1967، وأنكر في خطابه عودة اللاجئين وتقسيم القدس.
بعد مرور خمس ساعات تقريباً يتصل عنّا على عصام للتعليق على خطاب نتنياهو، وافق عصام من أجل إيصال رسالة على الرغم من تهربه من اللقاءات الفضائية، خلال الساعتين بدأ عصام يرتب أوراقه للتعليق على الخطاب التشاؤمي لدى أغلب المحللين العرب.
استهل عصام حديثه عن إشكالية الصراع العربي الإسرائيلي، بالخبرة العربية في الاقتتال فيما بينهم، والكلمات التي كررها بعض العرب في ليبيا وسوريا واليمن بأن هذه الأنظمة تفعل العجب أكثر مما فعلت إسرائيل بغزة، إن ما قالوه العرب ليس دفاعاً عن إسرائيل، إنما انظروا كيف تفعل الأنظمة العربية بمواطنيها، وفي ضوء ذلك طلب عصام أن يؤجل أي تفكير أو حلحلة للقضية الفلسطينية لمدة خمس سنوات، يقوم الفلسطينيون بتدمير ما يملكون من أسلحة بسيطة تملكها حماس لا تسمن ولا تغني من جوع، أسلحة بسيطة أقل من الأسلحة التي يملكها الثوار الليبيون، والتي لم تفعل شيئاً أمام قوة القذافي، ولولا التسخير الإلهي لحلف الناتو لداس العقيد على رقاب وجثث الليبيين في بنغازي وغيرها من المدن الليبية، والحالة الفلسطينية شبيهة بوضع الثوار إن لم تكن أقل بكثير.
لا يقصد عصام هنا ألا يفعل العرب شيئاً إنما عليهم استخدام الثورات السلمية التي تحرك الشارع العالمي أكثر من الصواريخ العبثية، وهذا ليس تقليل من عزيمة المجاهدين الفلسطينيين، إنما لإبعاد الشماعة التي تعلق عليها إسرائيل قتلها للفلسطينيين، مدعية تهديد وجودها وحدودها، خمس سنوات من الهدوء والتركيز من جديد على القضية الفلسطينية من خلال "الفيس بوك" و"التويتر"، لعل ذلك أرحم بكثير من المواجهة العسكرية التي لا فائدة منها لعدم التكافؤ.
ثانياً، بعد اكتمال عقد الثورات العربية يمكن تسخير المصالح العربية من أجل دعم القضية الفلسطينية من خلال البعد الاقتصادي المهم في هذا الوقت، قال عصام أيضاً:
نحن اليوم أحوج ما نكون إلى استخدام العقل والفهم المعاصر الذي يكسبنا أكثر من الخسائر المتتالية لنا بسبب عقدة الحرية التي بدأت تتفكك شيئاً فشيئاً من خلال ربيع الثورات، على الرغم من أن العقدة لم تنحل كاملاً، وفي إنهاء آخر عقدة في الحرية يتم ضرب الإرهاب السياسي والديني الذي أنهك الشعوب العربية طيلة العقود الماضية.
اقتنع عصام بما يشاهده في ميدان التحرير من تظاهرات من وقت لآخر لإثبات استمرارية وجود قوة الميدان من أجل التعجيل بتنفيذ متطلبات الثورة، يريدون تطبيق المفهوم البرغماتي للثورة، الذي يقوم على الصدق في ربط أفكار الثورة مع تصرفات الشعب، وذلك للوصول إلى إيجاد سلوك ناجح في الحياة.
بدأت الثورة في مصر بتفعيل دور نقابات الفلاحين وذلك من خلال وجود الاتصال المفتوح بين الفلاح ونقاباته لحل ما يواجهه من مشاكل، فما عليه إلا إرسال رسائل عبر الموبايل يشرح فيها حقيقة الصعوبات التي يواجهها في مزرعته، وفي ضوء ذلك يتم إرسال المندوب لمتابعة مشكلته.
الحرية لها طعم لذيذ وجميل لا يعكر صفوه إلا سكرات الموت.
أجرى عصام تعديلاً على طريق قطار بو عزيزي، فبدلاً من أن يكون مساره من الشمال إلى الجنوب اقترح أن يكون من الشرق إلى الغرب، ليتحقق المعنى الشامل لقطار تونس العظيم الذي يربط شرقها بليبيا وغربها بالجزائر، وذلك من أجل إيصاله إلى مصر والجزائر والمغرب، وفي ضوء ذلك نكون قد تجاوزنا التنظير ودخلنا إلى عالم الفعل على المستوى المحلي والقومي.
قرر عصام أن يسلم هشهش زجاجة تراب الميدان ليقوم بمتابعة شؤونها، ويسلم نفسه لابنه أحمد الذي بدأ دراسة الطب في جامعة القاهرة، ودخل هشهش الجامعة نفسها مع صديقه أحمد.
وافق بسطامي على توجه هشهش بعد أن أقنعه عصام بألا يعارض تخصص اشتاق وقرر من يريد خوض غمار التحدي، اشترط عصام على ابنه أن يدخل أي تخصص يختاره فيما بعد في الكلية عدا قسم النساء والولادة قائلاً:
أريدك أن تعالجني من أي شيء أشكو منه، لكن لو ذهبت للقسم الذي أنا كإنسان خارجه فلن أستفيد منك شيئاً.
لكن والدتي روعة تستفيد.
مشوار أحمد طويل كطول المشوار المطلوب لربيع الثورات.
اندفع بسطامي في مجلس العمدة هنيدي نحو الحديث عن الثورات العربية تاركاً القصص والكوميديا جانباً، يريد أن يدخل في عالم السياسة وتراجيديا الأنظمة العربية، إنه في حالة هروب من الابتسامة نحو الألم، يبحث عن موقع جديد لدى العمدة.
عرض بسطامي على هنيدي نفس ما يفعله مع أخيه محمود وهي تجارة الماشية وخصوصاً الجمال، وجلبها من السودان بسعر أرخص من مصر، لكن هنيدي لم يستجب لطلب بسطامي، لأنه لا يرى فيه إلا المسلي وصاحب النكتة، لم يدرك بسطامي أن عالم الكوميديا أفضل بكثير من عالم التراجيديا المحزن الذي لا يقوم ولا يقعد إلا على مصائب البشر، فمن ينظر إلى الحياة بعقله يجد إنها عالم مليء بالكوميديا، حتى لو لبست ثياب التراجيديا.
بدأ بسطامي يشتغل وحده في تجارة الإبل، والتعرف على تاجر سوداني يتعامل معه بالأجل حتى تصريف ما عنده، إنه مطالب الآن بتوفير مصاريف ابنه الوحيد هشهش، على الرغم من أن المسكن والمأكل وأحياناً الملابس كفلتها له علاقته الجيدة بأحمد، انقطع بسطامي عن مجلس هنيدي الذي بدأ يبحث عنه ويريد مشاركته الآن في المشروع، بعد أن سمع أن أموره قد تيسرت والأرباح بدأت تحل عليه، ومع كثرة مشاغل بسطامي قلت متابعته لهشهش، التي كانت في السابق شبه يومية.
تتابع روعة أمور ابنيها أحمد وهشهش، وكانت ترغب لو أنهما يدرسان في تخصص واحد، في الصباح تذهب روعة للجامعة وهما بصحبتها أما العودة فتختلف حسب موعد المحاضرات، إنهما في بداية مشوارهما الجامعي الذي يحتاج إلى الصبر والمثابرة، اتفق أحمد وهشهش أن يتقابلا يومياً في الجامعة في وقت الظهيرة لتناول وجبة الغداء، لكن مع مرور الوقت واختلاف التخصص تعرف أحمد على أصدقاء جدداً والأمر نفسه بالنسبة لهشهش، لكنهما يظلان قريبان من بعضهما.
عندما تنتحر الشوكة من أجل وردة، فهذه قمة التضحية والرفع من قيمة الجمال عالياً، فعظمة الشوكة في وخزها وما تسببه من ألم تختلف درجاته، فهناك أشواك تسبب وخزات مؤلمة منها الصالح والطالح، البعض منها لا يعيق الشخص عن الركض والقفز، لكن أعظم الشوكات نفعاً للبشرية عندما تتحول الصحافة إلى شوكة في خاصرة الحكومات، ويعم نفعها على الجميع، فكل شيء له ثمن، فشوكة الخاصرة لها ثمن باهظ من الألم والتضحية كي تصبح ناضجة ومثمرة، وبحاجة إلى رعاية يقوم عليها العقل الذي يتصيد مناحي الجمال. وقد تكون وخزات الشوك في الأقدام والأطراف، وأخطرها وخزات الرأس التي تشل بقية أجزاء الجسم، فبعد سنوات عجاف مرت، ربعت هذه السنة الأشواك، واخضر اليابس فيها، واعتدل المائل واستيقظ النائم، وكأننا أمام فيلم أمريكي فيه إبداع في الصورة لحيوانات صغيرة مثل النحل والنمل تجتاح المدينة، هذه المرة أشواك بدأت تجتاح البلاد العربية، أشواك خضراء ربيعها أتى من السماء دون ماء، لكن ليس بمستغرب أن ما يكون يابساً يصبح أخضر بقدرة الإله.