الفصل 19

9 0 00

رجع عصام إلى مناقشة قضية حمار عطية الذي كان يهتم به صاحبه ويطعمه بعضاً من التمور التي يحصل عليها مقابل أتعابه، فهو لا ينسى رفيق دربه ومشواره اليومي الذي يعتلي فوقه في ذهابه وإيابه من إعطائه شيئاً كرد اعتبار على الخدمة الجليلة التي يقدمها له هدبان كوسيلة مواصلات لا تحتاج إلى وقود ترتفع أسعاره حسب المناخات السياسية، يعطيه التمر في بداية مشواره والعودة أي قبل تناوله لعلفه في الصباح والمساء، في أيام الصيف يرشق عليه عطية كمية من المياه لتنظيفه، وأيضاً للتبريد عليه، وفي كل عيد يغسله بالصابون الذي يغسل فيه ملابسه، لهدبان مكانة كبيرة في قلب عطية، لا يفرقه عن أبنائه في شيء، رفض أن يبيعه لجاره بعد أن استقر في مزرعته، وظل عنده حتى مات ودفنه في حفرة كبيرة تقديراً لمكانته، ولا يريد لحيوانات الجيف أن تنهش منه حتى لو كان ميتاً، في روايته شوكة عطية كان يصف القادة بالحمير التي بدأت تفهم معنى الشوك الذي بدأ يلامس جسدها بقوة، ولكن في الحقيقة حدث نوع من تبادل الأدوار في السنوات الماضية، أو بالأصح في القرون الماضية كانت هناك أشواك تلامس أجساد المواطنين بقسوة من خلال الأجهزة الأمنية، يا للروعة ما أحلى تبادل الأدوار، قالها عصام، وأصبح كل من يرشح نفسه لتولي منصب قيادة الشعب يفكر ألف مرة بأن الشعوب تملك سلاحها وقوتها، وتستطيع أن ترمي حمارها أرضاً، وتسير هي في طريق الحرية، لقد خرجت الشعوب من دائرة الانقياد إلى دائرة قيادة أنفسها من خلال من يمثلها.

في بال عصام سؤال يود لو عرف إجابته من أسرة آل مبارك، عن ماذا لو عرفوا مصيرهم الذي هم فيه الآن يقبعون؟ وهل يقبلون فيه مقابل ثلاثين عاماً مضت من الحكم؟، سؤال عصام يرقد على عنصر الزمن، والزمن شيء يصعب قياسه، زمن إجابتهم على السؤال هو عامل الحسم في الموضوع، إذن زمن العالم العربي بدأ الآن، وبدأ يشتغل عداده، كان في السابق عداد الزمن لا يعمل لأن العقل العربي مقصى، والإقصاء كارثة تحل على الفرد والمجتمع والدول.

أرسلت سوزان نسخة من روايتها لياسين وكتبت معها رسالة تفيد بأن الرواية في طريقها إلى عمل سينمائي، تصفح ياسين الرواية وقرأ الرسالة وبدأ يتحدث مع ريم:

كارثة حلت بي، أريد أن أرفع قضية على الكاتبة وإيقاف عمل الفيلم.

تتحدث عن ماذا؟

عن قصتي مع فريدة ومعك.

لكنها لم تذكر الاسم، وهذا مربط الفرس، التشهير له ثلاث مرتكزات، تحديد الهوية والتشويه والنشر، فهويتك لم تحدد.

لكن من حولي يعرفون أني المقصود بذلك، ارفعي القضية في أسرع وقت ممكن.

لن تكسب القضية حتى لو قدر القاضي وضعك، لأنها ستقول إنها نشرت قصة الرواية في مجلتك أولاً ولم تعترض، وهذا الخطأ الفادح الذي كلفك الكثير.

إذن ما المطلوب فعله؟

لا تفعل شيئاً، اكتب لها رسالة وبين فيها أننا سنكون أول المشاهدين للفيلم في حالة عرضه، كن كالصخرة التي تتحطم عليها المشاكل.

فعلاً، سأكتب لها رسالة الآن.

قرر معهد اللغة الذي يدرس فيه أحمد وهشهش في لندن أن يعمل في آخر يوم رحلة خارج لندن إلى مدينة "ألتون تورز" الترفيهية وتعاقد المعهد مع شركة سياحية يملكها رجل مصري يسير حافلات إلى المدن الترفيهية والأماكن السياحية.

يشرح المسؤول عن الرحلة ويدعى محمد، طالب في السنة الرابعة هندسة الالكترونيات في جامعة الإسكندرية، جاء في الإجازة الصيفية إلى لندن للعمل وتحسين وضعه المالي، قص قصته على أحمد وهشهش وجلس معهما في أحد المطاعم في المدينة، إنه على أخلاق عالية وعصامي، قام محمد بسؤال أحمد وهشهش عن نيتهم في العام بعد المقبل في اختيار التخصص في الجامعة، تحدث أحمد:

أريد أن أدرس في كلية الطب، وأصبح طبيباً أعالج أبي من أمراض الشيخوخة.

أما هشهش فقال:

قرأت رواية عصام التي هي مدخل إلى عالم الفلسفة، وأحب أن أدرس شيئاً عن المعرفة والفلسفة.

ثم علَّق محمد:

تخصصات جميلة، الطب والفلسفة، ولكن كيف يكون وضع وتفكير والديكما حيال تخصصاتكما.

رد عليه هشهش:

فكرت في التخصص أثناء وجودي في لندن مع إدراكي الكامل أن والدي سيرفض ذلك ويريدني أن أصبح طبيباً.

أحمد:

حاول والدي أن يحبب ويقرب الفلسفة والفكر من نفسي، لكنها لم تستهوني على الإطلاق.

أمضى أحمد وهشهش يوماً جميلاً في المدينة الترفيهية بصحبة محمد الذي أعجب بعقلية وأدب كل منهما.

توقف هشهش عند إرادة وطموح محمد الذي أتى من بلده كي يجمع قليلاً من النقود لتعينه على تكملة دراسته الجامعية، ذكر لهم محمد أن أستاذه يشجعه على مواصلة دراساته العليا في نفس التخصص في كندا أو اليابان، وذلك نتيجة للتقدم الكبير في مجال هندسة الاتصال.

يشكر عصام الله كثيراً على وضع ابنه عندما يشاهد أوضاع أطفال الشوارع، وأنهم حتى الآن بعيدون من يد المساعدة على الرغم من قيام الثورة، وقد يكونون صيداً سهلاً لصقور الفساد والجريمة.

تابع عصام خطاب الرئيس الأمريكي أوباما، ولم يجد فيه شيئاً قيماً عن الصراع العربي الإسرائيلي، وبارك في خطابه الثورة التونسية والمصرية وأن هناك الكثير من الدول العربية في الطريق إلى السقوط في جوف الديمقراطية، قال عصام بينه وبين نفسه:

يا سبحان الله هذه الدولة دعمت أسرة آل مبارك أكثر من ثلاثين عاماً ودول دكتاتورية أخرى تدرك الآن أهمية الديمقراطية بعد أن تحركت شعوب المنطقة وشاءت الأقدار.

عقد في دبي منتدى الإعلام العربي وشارك فيه أعداد كبيرة من الإعلاميين العرب، وبدأت بعض القنوات العربية بعمل اللقاءات معهم، وهم من جنسيات مختلفة، وكان جل حديثهم عن ربيع الثورات العربية، استطاعوا أن يخرجوا شيئاً من أعماق أعماقهم حول الحرية كان مخبأً في داخلهم طيلة سنوات عملهم السابقة، وتناسوا أنهم كانوا يعملون فيها قنوات لا تؤمن بالحرية أصلاً، ولم يتفوهوا ببنت شفة حيال فلسفة القنوات التي يعملون بها، لقد خضعوا لرقابة ذاتية طيلة السنوات الماضية من أجل لقمة العيش.

هنا تذكر عصام صديقه إبراهيم عنّا مستشار الوزير الذي تحول بقدرة قادر إلى أحد المنافحين عن الحرية، الثورات الحديثة في نظر عصام لم تقم بإعطاء الذين وقفوا في وجه الأنظمة السابقة فرصاً كبيرة بتولي المناصب القيادية في الإعلام وغيره، همَّش أبطال التحرير السابقين والذين تعودت جوانبهم على السجون.

لاحظ عصام هدوء الإعلانات الفنية التي كانت في السابق الشغل الشاغل للعاملين في المجال الفني، كانت الدراما والكوميديا سكك للهروب من حالة الاكتئاب التي يمر بها المواطن المصري، أما الآن فإنه أصبح مبتسماً والابتسامة تخفف عليه كثيراً من ضغوط الحياة، وبدأ يستخف بأفلام "الهشك بشك"، يبدو أن سياسات القنوات الفضائية التي كانت تنتج الأفلام والمسلسلات العربية جرى عليها ما جرى من التغير، وأن ربيع الثورات قد جرف معه الضحالة في الطرح وسياسة "الجمهور عاوز كده"، وهذا السبب الذي كان وراء مساندة أغلب الفنانين للنظام السابق كي تروج أعمالهم ويظل في قصورهم العاجية.