الفصل 4

10 0 00

تمنى عصام لو أن الشاعر الكبير الراحل نزار قباني موجوداً كي يكتب قصيدة عصماء عن ميدان التحرير، وما حدث له إبان الاعتصامات التي حدثت أثناء فصل الشتاء الممطر، ومصر لا تخفى على نزار التي عاش فيها فترة طويلة، وعن قصائده في الرئيس عبد الناصر، فبدأ عصام يتخيل أنه أمام قبر نزار يقول له:

ليتك كنت موجوداً، وشهدت ثورة الميدان، لتكتب لنا قصيدة ترفع من هامة الشبان، وأخرى لمن كافحوا منذ الصغر، وهم الآن ثلاثة أضعاف عمر الشبان، قل لي هل عرفت شيئاً عن ثورات 2011، هل السماء أمدتك بمعلومات عما جرى في الميدان؟ أم أن الحوار بيننا حوار طرشان؟عشقت كل أبياتك السياسية لخلوها من النفاق ومطالبتها بالحرية، وابتعدت عن قصائدك عن كل مراهقاتك العشقية، أعرف أنك لست من المطبلين أو ماسحي الأحذية، سأترك عندك مجموعة من الأسماء لتكتب عن كل واحد قصيدة في ديوانك الجديد، شرارتا الحرية محمد بوعزيزي وخالد السيد، ووائل غنيم، من حرك المياه الراكدة والميادين العربية الأخرى، وأسماء أخرى سآتي بها غداً عندما تكون قد انتهيت من القصائد الثلاث، وان كنت مشغولاً فضعهم جميعاً في قصيدة واحدة، لكن دعني أكتب لك هذه المرة فصول ديوانك، وما عليك إلا الإبداع كما عهدتك.

كنت أحلم بهذه اللحظة، انقل على لساني تبريكاتي وتحياتي للشعوب العربية، وقل لهم عليكم في التراحم فيما بينكم، فلا توجد مفردة أجمل من مفردة الرحمة، انتظروا قليلاً بضعة أشهر أو حتى سنة، سيظهر شعراء جدد نبتوا من رحم الثورة والحرية.

يبدو لي أنك لن تكتب لنا شيئاً، فما علينا إلا الانتظار كما رغبت، أو أن أرحل إليك قريباً وأزودك بالأخبار وتفاصيل عن الشخصية المصرية الجديدة التي تحس من خلالها بنهضة فكرية وسياسية جديدة، انتظرني إني قادم بعد عيد الأضحى.

بعد مشاهدة أحوال الشباب التونسيين الذين هاجروا بطريقة غير شرعية إلى ايطاليا، خطرت في بال عصام فكرة مجنونة، عبارة عن هدية ومعها مشروع اقتصادي للشعب التونسي يقول إن الحرية وحدها لا تكفي وكنوع من رد الجميل على ما قدمه الراحل "محمد بوعزيزي"، أراد عصام أن يفعل شيئاً يخلد فيه اسم "بوعزيزي" في ساحة الحرية، وتستفيد منه المدينة الفقيرة التي احتضنت "بوعزيزي" منذ الصغر، مدينة دخلت التاريخ العربي من أوسع أبوابه، إنها مدينة "سيدي بوزيد".

أراد أن يقدم شيئاً يخدم هذه المدينة الصحراوية كما فعل الأمريكان لمدينة "لاس فيجاس"، بأن أوجدوا فيها أكبر مدينة للقمار في العالم، لكن عصام يعرف أن ما عمل في المدينة الأمريكية لا يصلح أبداً لمدينة إسلامية، وأن عقول بعض المواطنين لا تتسع للمسارح ودور السينما والغناء، فكيف بصالات القمار المحرمة شرعاً، إنه مدرك لخطورة مرض القمار الذي يصعب التشافي منه، أراد أن يكون هناك قطار يربط شمال تونس بمدينة "سيدي بوزيد" في المنتصف، أي من بحر تونس الشمالي بساحل صناعي في مدينة "سيدي بوزيد"، يقام من أجل خلق مدينة حديثة عليه، فيها فنادق مطلة على الساحل وصالة كبيرة وبها مدرجات يتوسطها تمثال "بوعزيزي" وعربتة التي تطلى بالذهب، بعد تغليفها بمواد معدنية لجذب السياح وتخليد الذكرى العظيمة.

عرض عصام فكرة المدينة والقطار على المحامية ريم كي يعرف ردة فعلها أولاً، وثانياً أن توظف خبرتها كمحامية في إقناع الآخرين، وأولهم السفير التونسي في القاهرة.

أيدت ريم المشروع الرائع لتخليد اسم مدينة شرارة الحرية العربية، لكنها اعتذرت عن تولي عرض الموضوع على السفير بحجة تجربتها الناقصة في المجلس، حيث خلقت عندها ندوباً في روحها يصعب إقناع الآخرين حتى يتم محو الصورة السيئة عن المجلس:

اعذرني يا دكتور لو قلت لك أني لا أستطيع بسبب سمعة المجلس، وليس بسبب سمعتي، ولا أريد أن تخسر المشروع الجميل، لماذا لا تقوم أنت بالمهمة؟

إني احترقت اشتعالاً طيلة السنوات الماضية من أجل مشاريع كبيرة على رأسها مشروع تطبيق الحرية والدفاع عنها، إني أخاف أن أصدم أو تتوقف الفكرة، ومن ثم أرجع إلى مربعي الأول، دعيني أحلم.

حتى الحلم بحاجة إلى إرادة يا عزيزي، لماذا لا توكل المهمة للدكتورة روعة؟

حاولت لكنها اعتذرت.

من خلال قراءة فكر عصام يتضح أن أهم معضلة واجهته هي الحرية، فهو لا يطمح إلى وجود حرية مطلقة، لأن الحرية المطلقة تكون ضمن الجانب السلبي للحرية، إنما يسعى إلى الحرية التي تقوم على الخطط العقلانية والمشاريع الإنسانية التي تتجاوز النظام ويعود خيرها على جميع فئات المجتمع عندها تتحقق الحرية الموجبة.

أغرب ما سمعه عصام هذه الأيام هو التوجه الجديد عند بعض فئات المجتمع التي ركبت الموجة الجديدة، ومنهم صديقه أو بالأصح زميله في قسم الإعلام الدكتور إبراهيم عنّا الذي تخلى عن القسم وأفكاره ليعمل مستشاراً عند وزير النفط، يكتب للوزير خطاباته الرسمية، ويتقاضى راتباً مغرياً أنساه كل مبادئه القديمة التي كان يعزف عليها قبل أن يحصل على شهادة الدكتوراة، ويعود إلى أرض الوطن قادماً من الولايات المتحدة.

في السنوات الأولى من شبابه كان من الذين استهوتهم القومية العربية، فكان يقرأ لرموزها أمثال ساطع الحصري ومؤسس حزب البعث ميشيل عفلق وبعض المفكرين العرب، لم ينضم إلى أي حزب أو توجه إنما جلس أكثر من عشرين عاماً يدغدق أوراق الوزير وخطاباته وتدغدغه "مصاري" الوزير.

الآن وبعد استلام الثورة مقاليد النظام تغير الدكتور "عنّا" وأصبح ينتقد ولي نعمته السابق ويردد شعارات الثورة، مفرداته الآن هي مفرداته القديمة التي ظلت حبيسة داخله طيلة العقود الماضية، لكنها ظهرت للوجود بعد الثورة، وبدأ يعلق في القنوات الفضائية على بقية الثورات الأخرى في البلدان العربية، يصول ويجول من وازع قومي، لقد حلق فكره الذي كان يكتبه في خطابات الوزير على الصفر.

عصام على النقيض منه انقطع الآن عن الظهور في القنوات الفضائية، واعتذر مرات كثيرة من التعليق على الأحداث الجارية، الكل أصبح يتحدث عن مبادئ الثورة، فسقط عنه الوجوب الآن إذا قام بها البعض، عندما كان الحديث عن الحرية واجباً كان هو من القلائل الذين يتحدثون ويكتبون عن شجرة الحرية العظيمة.

بدأ مشروع المدينة التونسية الحديثة وساحلها الجميل الصناعي يختمر في رأس عصام على غرار ساحل صناعي مقام في اليابان شاهده في إحدى القنوات الفضائية قبل عدة سنوات، يريد أن يدفع عشرة آلاف دولار في هذا المشروع، خمسة منها تبقى كأسهم له، والخمسة الأخرى تبقى أيضاً أسهماً، ولكن لخمسة أفراد من التونسيين المحتاجين وعلى رأسهم سكان مدينة بوزيد وما جاورها، فهو يطمح أن يكون عدد المشتركين يتجاوز الخمسة ملايين مشترك من التونسيين وغيرهم من العرب، فلو صح توقعه لأصبح قيمة المساهمة خمسين مليار دولار تكلفة لقطار بو عزيزي ومدينة سيدي بوزيد الجديدة، إنه يطمح أولاً إلى تشغيل الشباب العاطلين في هذا المشروع السياحي العظيم الذي لا يقل العدد المتوقع للعاملين فيه عن نصف مليون شاب، وثانياً إلى تخليد اسم مدينة سيدي بوزيد وابنها شرارة الخير والحرية، ومن جاهد وقدم نفسه من أجل الحرية على مدار العقود الماضية، حجز مبلغ العشرة آلاف دولار لهذا المشروع ولكن كيف يفاتح به المسؤولين.

إن ما يزعج عصام هو الطرح الديني المتشدد حينما شاهد تقريراً يتحدث عن شابين ملتحيين في أحد شوارع العاصمة التونسية، ومعهما لافتة كتب عليها "لا للديمقراطية والرأسمالية ونعم للخلافة الإسلامية"، ويتحدث أحدهما عن ضرورة حجاب المرأة وتغطية وجهها، هذا التقرير أوشك أن يقتل مشروع عصام الاقتصادي بسبب ضيق الأفق عند هذه الفئة المتزمتة، التي لا تؤمن بغير الخلافة الإسلامية منهجاً سياسياً، والجميع يدرك خطورة الوضع السياسي التوريثي الذي يقتل العدل والقيم الإنسانية في العهد الأموي والعباسي والعثماني، وحتى في الوضع الحالي عندما تحولت الجمهوريات إلى ملكيات مثل سوريا، وهناك دول كانت في الطريق مثل مصر، وليبيا، واليمن، حتى أتت نكبتهم على يد عام القصب 2011 عام السقوط الدكتاتوري، إن السلطة التداولية الديمقراطية تخدم الإسلام أكثر من نظام الخلافة الإسلامية في العهود الماضية، كما بين ذلك من قبل حبر هذه الأمة الشيخ القرضاوي عندما قال "الحرية مقدمة على الشريعة".

يتوق شباب ميدان التحرير إلى محاكمة الرئيس السابق وأعوانه على ما ارتكبوه من مصائب، منها شهداء الثورة وسرقة أموال الشعب، لكن عصام يريد محاكمتهم على تحطيم إرادة الشعب لمدة تجاوزت الثلاثين عاماً، إنه لا يقف عند المحاسبة عن شهداء الثورة والسرقات كنوع من المحاسبة، إنما يركز على محاسبة القادمين أكثر بكثير من المرحلة الماضية، إن التركيبة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية يجب ألا تسمح بارتكاب أخطاء تقتل زمن مقبل يقوده شباب لا يقلوا ذكاءً عن بقية شعوب العالم المتقدم، لأن شباب الثورة يرغبون تسلق الجبال العالية، فزمن السكن في الحفر قد ولىّ.