دخل أحمد وهشهش على عصام وهو في مكتبه، لقد كان يكتب أجزاءً من روايته "شوكة عطية"، ومباشرة لاحظ هشهش كثرة الأقلام على طاولة عصام، وسأل:
هل من أراد أن يكتب رواية لا بد أن يكون عنده مجموعة من الأقلام الملونة؟
لا يا عزيزي هشهش، أكتب بالأسود والأزرق أما الأحمر والأخضر للملاحظات والإضافات التي أسجلها، إني قررت أن أتخلص منها جميعاً بعد الانتهاء لأني لا أريد أن أكتب بعد ذلك شيئاً.
وكم بقي لك على الانتهاء؟
لم يتبق سوى القليل.
أريدك أن تمنحني الأقلام لأحتفظ بهم للذكرى، وأقول أن هذه الأقلام التي كتبت بها رواية جدي عطية.
طلبك مجاب.
يرى عصام أن مسؤوليته قد زادت الآن تجاه أحمد وهشهش، في السابق كان مشغولاً في التفكير بأحمد أما الآن فزاد هشهش، لكن راحة البال موجودة الآن، هشهش شخصية ذكية ومرحة جداً، سحبت شخصيته كل لحظات الوحدة السابقة التي كان يعيشها أحمد، يفكر عصام في إرسالهما في الصيف المقبل إلى بريطانيا لتقوية اللغة الانجليزية لديهما من خلال البحث عن معهد أو جامعة تتولى ذلك، أيدت روعة فكرة عصام لكنها طلبت منه ألا يفاتحهما حتى يأخذ موافقة بسطامي أولاً.
يسيطر الهم العام على عصام، إذ تكون المهمة الرئيسة الآن هي تشكيل في خياله حزب عربي يكون مقره في مدينة "سيدي بوزيد" بجانب المدينة السياحية وأحد معالمها، يبنى بشكل جمالي مميز يدل على القواسم المشتركة بين العرب، وتكون أبوابه مفتوحة طول العام للزوار، ويتبع له فندق صغير خاص بالأعضاء المشتركين بالحزب، يمكن للزائر الاطلاع على دستور الحزب والتسجيل في عضويته من أجل عدم التسليم بالظروف المفرقة للأمة العربية، الحرية هي القاسم المشترك الجديد الذي حل على الأمة ضيفاَ في هذا العام على أمل أن تستقر وتستوطن من أجل إقامة دائمة كي يتم طرد القهر الذي شارك الأفراد في حليبهم وقوتهم طيلة السنين الماضية، في روايته "روعة" التي صدرت 2008 أسس عصام لحزب إسلامي في مصر كان اسمه "الحب والحرية" وهنا نحن الآن نسمع عن تأسيس حزب "الحرية والعدالة" التابع لجماعة الإخوان المسلمين، أما الآن يقترح عصام حزباً عربياً غير مربوط بديانة أو طائفة، وبالإمكان أن تكون الشوكة هي شعاره، أما اسمه قد يأخذ وقتاً من التفكير حتى يتوصل عصام إلى ذلك، والهدف من هذا الحزب الارتقاء بالإنسان العربي وغرس بذرة اللحمة التي تقوم على الحرية والحب.
يتابع عصام الوضع المصري خطوة خطوة، ويتابع معه أيضاً الوضع العربي كافة، توقف عند كلمة رئيس الحكومة الدكتور عصام شرف الذي تخرج من ميدان التحرير عندما قابل الجمهور في سينا وفي الصعيد وكان لهم مطالب، وقال بالحرف الواحد "طلباتكم أوامر"، وشرف يدرك حقيقة ما يقول، وهذا نتيجة أن من يرشحه الشارع أقل ما يفعله أن يسمع لهم.
إن تعسر الولادة في ليبيا واليمن وسوريا شكلَّ نوعاً من الألم القوي في الجهاز العصبي لعصام، نتيجة لإراقة الدماء في هذه الدول، ان جهاز الإحساس للمواطن العربي واحد، عدا العينات التي كانت تقبض ثمن صمتها والمصنوعة من صلصال النفاق والذل.
استطاع ياسين بأسلوبه الجميل إقناع ريم بألا حاجة إلى إقامة حفل زواج، فهما قد مرا بهذه المرحلة من قبل، فلا داعي لتكرارها، ودعا إلى اقتصارها على أقرب الأقربين إليه وهي بالمثل، لكنها طلبت تأجيل حفلة أقرب الأقربين حتى يعودا من أسبوع العسل الذي قررا أن يسافرا فيه خارج مصر، اختارا السفر إلى اليونان لأنهما لم يزراه من قبل، ودَّع ياسين العاملين في المجلة جميعاً، ووعدوه بإقامة حفلة له في المجلة عند عودته، وكذلك ودعت ريم المحامي النابلسي ووالديها، وقامت بزيارة عصام وروعة، وتحدثت لهما عن عريسها الجديد الذي قبضته كثمن لأتعابها دون التخطيط لذلك عندما أقنعته كي يطلق فريدة التي أقامت ضده قضية ضعف المعاشرة.
عمل مدير التحقيقات في المجلة تحقيقاً من صفحتين عن زواج ياسين من المحامية ريم، وتحدث عنهما بإسهاب، بأنهما زوجان متقاربان في عقليتهما وعواطفهما، ولم يكن ياسين على دراية بذلك، حتى تم إرسال رسالة إلى هاتفه المحمول تفيد أن هناك موضوعاً مهماً يجب أن تطلع عليه من خلال "الإنترنت" وفعلاً فتح الكمبيوتر وإذا بصورة ريم على الغلاف والتحقيق في الداخل، هناك أشخاص لا تتحقق رغباتهم إلا من خلال المحاولة الثانية، فهل هما من هذه النوعية؟ أم أن أيامهما المقبلة تقول غير ذلك وأن هناك محاولة ثالثة مقبلة.
تحول الاثنان إلى مراهقين وخالفا ما في داخلهما سابقاً، فنسبة المعاشرة زادت عن سابق عهدها في زواجتيهما السابقتين، فهل معاشرات قبل الثورة تختلف عن ما بعدها، على الرغم من أن الاثنين ليسا من رواد ميدان التحرير، إنهما على ضفافه من بعيد، جل وقتهما أمضياه داخل الفندق اليوناني، لأن كل واحد منهما يحمل كلاماً كثيراً في داخله، وجد من يستمع إليه ويتعاطف معه، ظلا حبيسا الفندق لمدة ثلاثة أيام، يتنقلان ما بين معاشرة وقصص جمعاها من خبرتهما الطويلة، قربا من روح فكاهة قالها أحد الحشاشين "لماذا نشتري أجمل الملابس الغالية الثمن ونحن أسعد أوقاتنا نكون بدون ملابس"، في مساء اليوم الثالث خرجا العاشقان الجدد إلى وسط العاصمة أثينا للبحث عن دار سينما لمشاهدة أحدث الأفلام الأمريكية.
يجمع عصام قواه من أجل مشروعه التونسي، وفجأة يسمع خبراً وتحقيقاً في تونس عن السلفية الجهادية، يتراجع عشرات الخطوات إلى الوراء، ويفكر في نحر الموضوع من الوريد إلى الوريد، هزه خبر عن تفجير في مطعم "أركانه" في المغرب، وهو من أقدم معالم ساحة جامع الفناء التي وضعتها اليونسكو على لائحة التراث الإنساني، قتل فيه أكثر من ستة عشر شخصاً، فكيف به إذا تم انجاز مشروع المدينة السياحية في سيدي بوزيد وتعاقب عليها نوعية من فجر مطعم أركانه، إنهم نسخ متكررة لحكومة طالبان التي تم إنشاؤها من قبل المخابرات الأمريكية والباكستانية في أفغانستان لمواجهة المجاهدين بعد خروج الاتحاد السوفييتي، إنهم لا يؤمنون بشيء اسمه سياحة ودخل للدولة بالعملة الصعبة.
بعد تفجير مطعم "أركانة" بخمسة أيام تم قتل زعيم القاعدة أسامة بن لادن على يد القوات الأمريكية في باكستان بعملية عسكرية استغرقت أربعين دقيقة، تم رمي جثته في بحر العرب حسب زعم المصادر الأمريكية، إنه وجه من وجوه السلفية الجهادية وقائد عرفه العالم أجمع من خلال أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، وبدأ عصام يسمع لتعليقات بعض قادة الإخوان المسلمين في مصر للمرحلة الثانية من مراحل زعيم القاعدة الذي توجه إلى استخدام العنف وانتقدوها على الرغم من ترحمهم عليه كرجل مسلم قد يكون أخطأ الطريق في مرحلته الثالثة أيضاً عندما استهدفت القاعدة الدول العربية.
هنا رجع الأمل قليلاً عندما سمع بعض المحللين يتحدثون عن أفول نجم القاعدة، وحل محله ثورات الشعوب العربية التي تبتعد عن العنف في مواجهة الأنظمة، وتونس ومصر خير مثالين على ذلك.
جميل جداً في نظر عصام تصرفه وموقفه من الجهاد الأفغاني وصراع القاعدة مع الولايات المتحدة، فلم يعجب أو يتعاطف مع كليهما، الآن أصبحت نظرته صائبة، عندما اتضحت اللعبة السياسية الأمريكية من الصراع، وأن حرية الشعوب العربية من خلال جماهيرها أفضل من تفجيرات القاعدة أو انتصارات المجاهدين الأفغان على الاتحاد السوفييتي، والتي كانت من تخطيط الولايات المتحدة، حيث قال برجنسكي مستشار الرئيس كارتر للأمن القومي "لقد سحبنا روسيا إلى ذلك الفخ وساعدنا المجاهدين قبل غزو روسيا لأفغانستان بستة أشهر" لقد طورنا جيشاً قوياً من المرتزقة ليسوا بالقليل حوالي مائة ألف رجل من أخطر القتلة ومن المتطرفين الإسلاميين..."، هنا يكمن مربط الفرس حسب ما يراه عصام، إذن الإرهاب صنيعة لمن أحضر مائة ألف مجاهد وأنفق عليهم عدة سنوات حتى تمت هزيمة الاتحاد السوفييتي وتفككه، ومن ثم الحرب بين المجاهدين لمدة عشر سنوات، وأتت بعدها المخابرات الأمريكية والباكستانية بشباب "طالبان" يدرسون الشريعة في جامعات ومعاهد باكستان من الأفغان وإعطائهم الدبابات والأسلحة، وتمت السيطرة على المجاهدين وحكمت طالبان، كل شيء تم بتدبير المخابرات الأمريكية، وهذا قد يقود إلى أن أحداث 11 سبتمبر تمت بمعرفة المخابرات الأمريكية، عندما احترقت ورقة ابن لادن تم تكوين معلومات مهمة خلال شهرين فقط والاستدلال عليه، وتمت تصفيته، وهم يتشدقون طيلة الفترة الماضية بأنهم يبحثون عنه بجدية، شهران كفيلان بمسحه من الوجود وإلقاء جثته في بحر العرب، اشتعلت شمعة المشروع التونسي من جديد بمعية الأحداث الطازجة.