الفصل 14

11 0 00

عرض بدوي فكرته الفريدة من نوعها على بعض العاملين في الفندق من أجل الحصول على تأييد ودعم لها، لكنه تفاجأ بأنهم يريدون تشتيت أعضاء حكومة طرة وعدم وضعهم في سجن واحد من أجل ألا يكون لهم يد في إعداد خطط يخدمهم فيها من هم في الخارج، ويحدث بعد ذلك ثورة مضادة، لكن بدوي أقسم لهم قسماً غليظاً بأن شعباً تذوق طعم الحرية لن يرجع إلى الوراء، الشعب يستنشق رائحة الحرية لأول مرة، ولذلك لن يفرط أحد فيها، أما فلول النظام السابق فلن يستطيعوا تشكيل ثورة مضادة، قد يكون هناك جماعات جديدة لها مصالح خاصة، لكنها هي أيضاً لن تغلب أنصار الحرية الكثر، حتى الأشخاص الذين عزفوا في جوقة النظام السابق، دخلوا الآن في حالة الوضع الجديد، وأصبحوا يعزفون سيمفونياتهم بمفردات جديدة عليهم، كما كان يفعل صديق عصام الدكتور إبراهيم عنا، فالثورة تجبُّ ما قبلها من الأفكار والمعتقدات وتعطيهم الأمن والأمان.

مضى على طلاق ياسين أكثر من شهرين وهو وحيد في شقته، وهذا بطبيعة الحال مؤلم له، لأنه يكره العيش وحيداً، ابنه علام مع والدته فريدة، فكر في البحث عن زوجة، لكنه خاف من تكرار قضيته السابقة، اختلطت عليه الأوراق، لكنه قرر في الأخير مصارحة المحامية ريم، وعرض مشكلته عليها، علها تجد له مخرجاً سهلاً، صارحها قائلاً:

من الصعوبة علي أن أفاتح المرأة التي سأطلبها للزواج بشرطي أو بالأصح بوضعي.

وجدت لك امرأة بنفس درجة رغبتك، ومطلقة لكنها لا ترغب في الزواج.

من هي دليني عليها، قد أستطيع إقناعها، فأنا رجل طيب.

أعرف أنك رجل طيب، فقد نفذت ما اقترحت عليك سابقاً في قضيتك، فأنت رجل غير صدامي، لكني لا أرغب بالزواج.

أنت؟!! من حسن طالعي لو قبلت، هذا ما لم أحلم به، أن أتزوج من محامية معروفة وعضو سابق في مجلس الشعب.

مشكلتي أني كنت عضواً سابقاً، إني أمزح معك، لكن أحببت أن أقول لك إني من طبيعتك، لكني سأحاول أن أساعدك في البحث عن من ترغب.

بدأت ريم تنسى المرحلة السابقة وتتكيف مع القضايا الجديدة، وبالاتصال مع الدكتورة روعة لإعادة العلاقة السابقة، وفعلاً لها ما أرادت، وأصبحت تزورهم من فترة لأخرى، عرضت ريم على عصام وروعة أن يقوما بزيارة خارج القاهرة لمدة ثلاثة أيام، تريد أن تحتضن بناتها الثلاث، لأنها لم ترهم منذ فترة قاربت الثلاثة أشهر.

اقترحت روعة عليها أن تذهب إلى أسوان، ففيها فندق جميل وهي مدينة سياحية، فيها مناظر جميلة، ويمكن لها أن تحصل على تخفيض في الإقامة نظراً لوجود بدوي الذي يمكن أن يساعدها هناك، لكن روعة اعتذرت عن الذهاب معها، بسبب ارتباطها بمحاضراتها في الجامعة، اتصلت روعة ببدوي وجهز لريم حجزاً في الفندق، ورحلة في البحر، وأخرى في القرى المحيطة بأسوان بأسعار مخفضة.

بدأت ريم تفكر جدياً في موضوع ياسين، وهناك احتمال كبير أن توافق على طلبه، فهو رجل ميسور الحال، ومكانته الاجتماعية جيدة من خلال المجلة التي يرأس تحريرها، قد تكون رحلتها الاستجمامية للتفكير في العودة ثانية للحياة الزوجية من أجل تعويض دور الأب لبناتها الثلاث.

في اليوم الثالث من رحلتها اتصلت ريم بالأستاذ ياسين للاطمئنان على حاله وإعطائه بعض أخبار الرحلة، لقد كشف لها في السابق عن حبه الكبير للأطفال، وهذا مؤشر قد يقرب بينهما، أخبرته أنها وجدت له من يبحث عنها، وأنها بمجرد وصولها إلى مصر ستخبره بكل شيء.

أحس ياسين أنها هي المقصودة، وبدأ فرحاً أكثر من اللازم، ولم يصدق وبدأ يحاور نفسه:

غداً سيتضح كل شيء.

في الصباح الباكر ذهب ياسين إلى المجلة بنفسية منفتحة على غير عادته منذ طلاقه، بدأ يتعامل برقة وطيبة مع كل المتعاملين معه، أحس أن أيامه المقبلة ستكون أفضل بكثير من سابقاتها.

حكى أمين على بدوي قصة ليلة من ليالي الألم عندما كان صغيراً ليلة انغراس الشوكة في صدر عطية، قبل أن يلقح عطية نخل القرية المجاورة، قام بتنظيف النخل من الشوك، فأعجبته واحدة يريد أن يأخذها معه ليستخدمها في تعامله مع حماره "هدبان" عندما لا يسمع كلامه، في هذا اليوم سمع كلامه وأسرع في المشي دون توقف، في تلك الليلة أتى عطية من القرية منهكاً ورمى بنفسه على فراشه لينام، وهنا تحركت الشوكة الجديدة التي لم يستخدمها مع هدبان فانغرست في صدره ولم يتبق إلا رأسها، وبدأ بالصراخ والدماء تسيل، في حينها لم يكن في القرية طبيب، لكني ذهبت وأحضرت الحلاق الذي يقوم مكان الطبيب العام وطبيب الأسنان، ومع كثرة تحرك عطية دخلت الشوكة أكثر فأكثر، لكن الحلاق محمدين استطاع بعد جهد إخراج الشوكة والدماء تسيل، وضع بعض العلاجات الشعبية لتوقف الدماء وفعلاً توقف النزيف، ولكن الإشكالية أن الجرح قد التهب وظل لأكثر من شهر حتى التئم وتعافى، بعدها توقف عطية عن ركوب الحمار والذهاب للقرية، واشترى له مزرعة في بنبان قبلي.

علق بدوي على كلام أمين قائلاً:

غريب أمر الشوكة، يجب ألا نضعها في جيوبنا، فالشوكة حرة لا يجب أن يملكها أحد في جيبه، ضعها في المكان المناسب لحفظها.

بعد مرور ثلاثة أشهر تقريباً عاد عطية لركوب الحمار، لكن داخل القرية، وبدأ يضع الشوكة في البردعة، ولم يضعها في جيبه أبداً بعد تلك الحادثة.

قد تكون الحادثة أتت كعقاب له من عند الله على تعامله الخشن مع الحمار.

هناك من يستخدم العصي أو المحشات، وهي أشد إيلاماً للحمير، ولم يحصل لهم أي عقاب على قسوتهم.

عرفت فريدة مطلقة ياسين ما آلت إليه العلاقة بين زوجها السابق ومحاميتها، وأحست بنوع من الغبن، وأنها لا بد أن تستخدم سلاح المكر والخديعة للإيقاع بينهما، أعلنت فريدة الحرب وبشكل شبه صريح عندما تحدثت مع ريم:

لم أتوقع أن محامية معروفة وبمكانتك تقدم على الزواج من رجل غير قادر على إسعاد زوجته وإشباعها.

كنت أتوقع أنك تباركين لي أولاً، كما فعلت لك عندما حضرت حفل ترقيتك في العمل، كان ياسين يعاني من استنزافك وكثرة طلباتك له، أعدك بأني سأقدم ما أستطيع فعله، لن استخدم معه سلاح التنغيص الذي كنت تستخدميه معه، لقد قضيت على سكينته وأصبح يقضي جل وقته في المجلة.

يبدو أنك من الآن استخدمت الأسلحة الهجومية ضدي، ولن يكون لحديثي معك أي فائدة.

سأرسل لك بطاقة حفل الزفاف إن أردت الحضور.

لن يكون بوسعي حضور زواجكما لأني مشغولة جداً.

أخبرت ريم كلاً من عصام وروعة بتفاصيل زواجها المقبل من ياسين، وأن بطاقات الدعوة في الطريق خلال عشرة أيام، تكن ريم التقدير الكبير لعصام على مواقفه الكثيرة معها في السنوات العشر الماضية وفي وقتها الحاضر.

أعطى أحمد صورة كاملة ومفصلة عن أبيه لهشهش، وعن الحب الكبير الذي في قلبه تجاه عصام، أطلعه على جميع الروايات التي كتبها أبوه من قبل وما يفعل الآن.