الفصل 17

11 0 00

كتب بدوي فصول عدة من روايته "حكومة سجن طرة"، ورسم صورة إيجابية عن هذه الحكومة التي تدر مالاً عظيماً من السياح العرب والأجانب والمصريين أنفسهم، تنازل القاضي الذي وضعه بدوي في الرواية عن أحكام الإعدام والسجن المؤبد إلى سجنهم جميعاً لمدة عشر سنوات شريطة قبولهم بالزيارات الجماعية لهم من قبل الذين يرغبون في ذلك، كأنهم في متحف "مدام توسو" للشمع في لندن.

اختار بدوي مكاناً يسهل على الجميع الوصول إليه، وتحت حراسة أمنية مشددة، إنهم في هذا الوضع أغلى ثمناً من قطع الألماس بأحجامهم، حدد بدوي سعر التذكرة ألف جنيه للمواطن المصري وألف دولار للعربي والأجنبي، وضع بدوي فتوى يجيز فيها شراء التذكرة من مال الزكاة، وذلك كي تذهب قيمة التذاكر إلى خزينة الدولة لتقيم المشاريع من أجل الناس الغلابة، إن ما يفكر فيه بدوي ليس فيه أي قدرٍ من الشماتة في القطط السمان التي سقطت، إنما كيف يتحول عقابهم إلى منفعة وتخفيف القسوة عليهم، ويدر ذلك ربحاً على الشعب المصري، فقد تكون المكونات الداخلية لديهم قابلة لما يفكر فيه بدوي، إذن نفهم بسهولة لماذا فكر بدوي بذلك؟، كما هو الشأن بما فكر فيه عصام بالنسبة للمشروع التونسي، ليس من أجل الربح المادي له، إنما من أجل فعل شيء يصب في خانة إنجاح الثورة التي تحتاج إلى دعم كل شخص فرح بقيامها في مشارق الأرض ومغاربها.

اهتمت إدارة المستشفى بالدكتور عصام، بعد التوصية القوية من الشخص الذي تسبب في الحادث ويدعى كمال رأفت، وهو مدير شركة الفضاء الخاصة بالأعمال الإنشائية، وقد غطى التأمين كامل النفقة لعلاج عصام، حيث تبين أن عنده شعر بسيط في الساق يحتاج إلى المكوث في المستشفى لمدة يومين، تفاجأت ميرفت وهي في طريقها إلى صلاح بوجود عصام في مدخل قسم العظام، قالت لعصام:

يا سبحان الله، قبل حوالي ساعتين تقريباً كنت عندنا سليماً، ماذا حدث لك؟

بمجرد ذهابي إلى سيارتي في الشارع المقابل لمنزلكم صدمتني سيارة مسرعة، لقد كنت سارحاً قليلاً ولم أنتبه.

حمداً لله على سلامتك.

طمأنني الطبيب.

صدم صفوت بحادث عصام، لكنه كان متماسكاً، ولم يرد أن يزعجه، وقال:

كتب الله لك أن تتعرف على صلاح.

أين هو؟

في الغرفة المقابلة لك.

سأطلب من الممرضة أن تأخذني إلى الأستاذ صلاح.

ليس من السهل أن يرصد الواحد منا قدره، أو أن يقرأ شيئاً منه، لم يخبر عصام روعة حتى الآن، يريد أن ينقل إليها الخبر شيئاً فشيئاً، وحتى يستقر في غرفة خاصة، طلب عصام من روعة أن تحضر له مجموعة من روايته "شوكة عطية" إلى المستشفى، وأخبرها أنه في زيارة لصديق له هناك من شباب ميدان التحرير، وقد طلب منه مجموعة من الرواية لتوزيعها على أصدقائه الذين يزورونه، أعطاها رقم غرفته، وبعد ساعة تقريباً وصلت روعة إلى المستشفى، واتضح لها ما كان خافياً عليها، وحمدت الله على سلامته.

طلب عصام من الممرضة أن تحضر له كرسياً متحركاً كي يقوم بزيارة صلاح في الغرفة المجاورة، أوصلت الممرضة عصام إلى غرفة صلاح، وروعة تحمل مجموعة النسخ لإهدائها لصلاح وضيوفه، تجاوز عددها الخمسة عشر نسخة، يريد عصام أن يوصل رسالة مفادها أن مصابي الثورة أعزاء وقريبون من قلوبنا.

قامت ميرفت بتقديم عصام وروعة لزوجها صلاح على أنهما أصدقاء والدها تعرفا في الميدان، وشكرتهم على تواصلهم الدائم مع والدها سواء كان ذلك من خلال الزيارة أو الهاتف، وشكرتهم على علو درجة الوطنية لديهم، تحدثت ميرفت عن تحسن الحالة الصحية لصلاح، وأنه سيتم نقله إلى المنزل خلال أسبوع، وسيستمر على عمل التمارين الرياضية والعلاج الطبيعي من أجل استعادة وضعه الصحي كاملاً، أما بالنسبة لفقدان البصر، فالصورة لم تتضح بعد إن كان سيستمر على هذه الحالة أم سيعود إليه بصره.

اتصل عصام بالمحامية ريم، وطلب منها أن تحدث ياسين عن عمل لقاء صحفي مع الثائر صلاح الشوبكي الذي سقط مصاباً في ميدان التحرير، وأخبرها عن ما حدث له وهو في طريقه إلى توصيل نسخة من روايته للسفير التونسي، فرحت كثيراً بصدور الرواية وتألمت لما حدث له، وقالت:

الآن سأكلم ياسين لإرسال الصحفي، وأنا في طريقي إليك.

هل أنت مشغولة؟

لا يوجد عندي شيء، لقد وصلنا البارحة من اليونان، هل روعة عندك؟

نعم.

جميل أريد أن أتحدث معها عندما أصل.

وصلت ريم ووصل بعدها الصحفي إسحاق معلوف، واستمرت الأحاديث لمدة ساعتين في غرفة صلاح، كان محور الحديث عن الثورة، وعن رواية الشوكة، استعرض لهم عصام مجمل أحداث الرواية، والصحفي يسجل ما يقول عصام.

عبَّر صلاح عن إعجابه الكبير بالرواية وأنه بحاجة إلى قرائتها، لكنه لا يستطيع الآن، تعهد له عصام بأنه من صباح الغد سيقرأ عليه الرواية، ورحب صلاح بذلك، لأنه يريد أن يسمع ذلك من خلال صوت الكاتب الرجولي الذي يعكس طبيعة نغمة الرواية التي تميل إلى القسوة أكثر من ميلها تجاه الرومانسية والنعومة، وإلا لطلب من ميرفت أن تقرأها له.

زادت درجة الحساسية لدى مطلقة ياسين فريدة بعد تنامي تفاصيل حياتهما الزوجية من خلال صديقتها المحررة في المجلة سوزان أحمد، التي كانت تحاول من قبل نسج علاقة عاطفية مع ياسين بعد أن أصبح عازباً، لكنه لم يعطها أي نوع من الاهتمام، فانقلبت عليه وأصبحت تزود فريدة بالأخبار الداخلية في المجلة، سوزان قريبة من فريدة، ولم تنس فضل مساعدة فريدة لها بتوظيفها في المجلة من خلال توسط ياسين، فسوزان خريجة قسم الإعلام قبل سبع سنوات ولم ترتبط بأحد بعد، لكنها نشيطة في مجال اللقاءات الصحفية وتملك شخصية قيادية، وتفكر في الانتقال للعمل في قناة فضائية وهي على وشك توقيع العقد.

تسارعت خطوات بدوي الكتابية في محاولة منه إنهاء الرواية في وقت غير بعيد عن رواية شوكة جده، خصص بدوي فصلاً كاملاً لعملية إحصائية لدخل العملية الاستثمارية لحكومة السجن، فقد تجاوز الدخل المفترض في العشر سنوات أحد عشر مليار جنيه، وصفها منذ البداية في مشاريع اقتصادية تدر ريعاً على مصابي الثورة وشهدائها، وعلى تطويرات تحتية في الصعيد والقرى الفقيرة، أحس بدوي بنوع من الحسد تجاه عصام الذي أنهى قبله كتابة الرواية وطبعها، كان يريد أن تكون روايته "حكومة سجن طرة" أول رواية تطبع في مصر تتحدث عن الثورة ، وتدعمها معنوياً، يريد بدوي أن يحصل على نوع من النجومية من خلال كتابته للرواية، رجل مغمور لا يعرفه غير العاملين في الفندق وأسلاك الكهرباء، لقد حلت الغيرة والحسد في قلب بدوي، وبدأ يقلل من اتصاله بعصام، يريد أن يقدم عملاً من أجل تخليد اسمه والانعتاق من جلباب عصام الروائي.

لا يستغني العمدة هنيدي في اجتماعاته الليلية عن وجود بسطامي الذي بوجوده يقتل أي نوع من الملل والكآبة، حيث رزقه الله وجهاً طفولياً مدعوماً بمجموعة من الاندهاشات البسيطة والقوية منها، يملك كنزاً هائلاً من القصص والمواقف التي حدثت له وأخرى سمعها من آخرين، ولكن طريقة عرضه مختلفة جداً عن الطريقة التي وصلت إليه، يظل على اتصال شبه يومي بابنه هشهش في القاهرة، وأيضاً بعد سفره إلى بريطانيا، عندما يسأله هنيدي عن علاقاته ومشاكله مع زوجاته لا يخبئ عنه شيئاً، ولكن يضيف عليها نوعاً من الدعابة والمرح.

حل بسطامي ضيفاً خفيف الظل على عصام لدفع تكاليف رحلة ابنه هشهش ومصاريف الدراسة هناك، لكن روعة رفضت ما أراد أن يفعله بسطامي وقالت:

دفعت عن ابني الثاني، ولن آخذ تعويضاً عن ذلك مهما أصريت أو حاولت،اعتبر ما فعلته حلاوة انتصار الثورة.

لقد أفرحتيني عندما قلت أنه ابنك الثاني، ولذلك لن أجبرك، وسأرجع الآن.

لن ترحل قبل أن تمضي عندنا أياماً، وتلطف الجو برحابة صدرك وطيبتك.

أتعبتني طيبتي مع العمدة وأصبحت بالبلدي مسخرة، ففي جلساته يدعوني دائماً، أما في الاستشارات وأخذ الرأي يتركني، ويميل إلى الصامتين في مجلسه دائماً لأخذ المشورة.

لكنك تملك قلباً كبيراً، فما عليك إلا الصمت وتقليل المشاركة ثم انتظر النتيجة.

إني لا أستطيع الصمت، أحب زرع الابتسامة والضحك، الصمت يرفع ضغطي، لقد حاولت من قبل وتعبت.

إذن اصبر على ما أنت فيه واحتسب.

إن علاقة بدوي بأخيه بسطامي ليست قوية، والسر وراء ذلك أن والده أمين يميل إلى الابن الأكبر بسطامي، ويحمله مسؤولية إدارة المزرعة، وزوجة بسطامي أيضاً تحن على أمين وتهتم به، وتعتبره أباً لها.