الفصل 2

13 0 00

يرى الدكتور عصام أحمد ابن الصعيد المصري أن عداد القومية العربية بدأ بالعمل، منذ أن تلاحقت الأحداث العربية بشكل سريع جعل المشاهدين العرب في الداخل والخارج يضعون رؤوسهم بين الأخبار في القنوات الفضائية، يتابعون بشغف ما يحصل في أوطانهم، والمتابعون لا يفرقون بين بلد عربي وآخر، أو بين بلد متحرك وبلد ساكن، إنهم يتابعون نسمات الحرية وكل يطلب أن يكون نصيبه كبيراً من نسمات الحرية.


في الحقيقة رياح الفلسفة هي من تغشاهم، وتكشف لهم حقيقة أبشع أنواع الفساد الذي كان مغطى بوسائل إعلامية تقدم القادة وتصورهم ملائكة عظام، يعملون ليل نهار، من أجل روح الجمال الذي يتغذى على رحيق الخير وطرد الشر.

الشعوب كانت تعي حقيقتهم، لكن مغلوبة على أمرها، كان الزعماء يغتصبون المفردات اللغوية، ولكن الآن ستظهر لنا ممارسات فلسفية جميلة تأخذ من المنطق مقراً لها، ومن الجمال سماءً، ومن الصدق غذاءً، ومن اللغة وجبة.

كانت معضلة الحرية في الوطن العربي القاسم المشترك في الروايات التي كتبها عصام، لإثبات أن هناك علاقة قوية بين الرواية والحرية، إذ يركز على وجود علاقة عضوية بين الرواية والحرية، ويتضح من خلال رواياته ألم معايشة مرحلة الانكسار واعتلال الصحة النفسية للمواطن العربي نتيجة لغياب الديمقراطية السياسية، سواء كانت في الشأن الداخلي أو الشأن العام.

انطلقت رواياته كشغف عارم بالحرية، ولم تكن انعكاساً لمجتمع يتنفس أكسجين الحرية، إنما استعاض عنه بمجتمع ديمقراطي صغير يقوده ويحركه طبقاً لانفعالاته وإحساساته الخاصة به، فكانت رواياته دعوة إلى دخول الحرية غير الموجود أصلاً على أرض الواقع، حتى أنه تجنب في الحوار داخل رواياته قمع أبطالها، لأنه يكره القمع بشكل كبير.

بعد أن انتهى من روايته "روعة" قرر ألا يكتب بعدها ، ولكن شاءت الأقدار بل أرغمته على كتابة رواية "جاب الذيب من ذيله" تماشياً مع حلم رآه وتطابق مع طلب زميله الدكتور منذر صالح كتفسير لحلمه، فكُتبت الرواية، وقرر للمرة الثانية ألا يكتب شيئاً بعدها، اعتبر روايته الأخيرة مدخلاً بسيطاً إلى عالم الفلسفة أتته من السماء بقوة الرؤيا، داخله إحساس قوي يلح عليه دائماً أنت لم تخلق لتصبح كاتباً روائياً، وهذا يتماشى حقيقةً مع وضعه ويقربه، إلا أنه يعاند من مبدأ أن يكتب ويظل يكتب عن الحرية حتى تتحقق وتلوح في الأفق ثم يتوقف عن الكتابة دون رجعة، إنه لم يمتهن الكتابة الروائية من أجل النجومية أو لتحقيق رغبة داخله، إنما لمرارة الوضع العربي الذي أشد مرارة من الحنظل.

بعد أقل من أسبوع من توزيع الدكتور عصام أحمد لروايته "جاب الذيب من ذيله" حدثت تطورات سريعة في المشهد السياسي المصري، قلبت حالة الشعب المصري رأساً على عقب، وفي الحقيقة العالم العربي كله انقلب رأساً على عقب أيضاً.

نهضت الوطنية تقف على قدميها في مصر، ووقف معها عصام الذي كان يقف بالمقلوب، رأسه إلى أسفل وقدماه إلى السماء، طيلة العقود الأربعة الماضية، في ظل الوضع الجديد للوطنية ووقوفها العظيم في ميدان التحرير، بدأ الفرد العربي يتذوق الحق، ويستشعر العدالة، ويصطف بجانب الخير، ويشعر بطعم اللذة لأول مرة في حياته، هنا الجمال أصبح "المظهر الحسي" للخير، وعندها أصيبت الشجرة الشيطانية بحالة هيجان لا تعرف ماذا تفعل، وبدأ المرء يعمل عقلة في كيفية التعامل مع الواقع، ميدان التحرير في نظر عصام أعظم من جميع اللوحات الفنية التي رآها طيلة حياته، وقريبة بجمالها من لوحة المجرات وسديمها التي عشقها منذ الصغر، بدأ ينقشع القحط والتصحر السياسي من أمام ناظري عصام والشعب المصري.

تحرك قطار الحرية في 14 جانفي 2011 من تونس التي قال أحد مواطنيها أمام كاميرا إحدى القنوات الفضائية "هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية"، كلمات قوية جداً ومؤثرة تعكس خيبة الشعوب العربية طيلة العقود الماضية، التي كشف تقرير "ويكليكس" شيئاً من الحقيقة المغيبة عن الشعوب أمام عدسات الكاميرات ليبرهن على خيانة وسوء الساسة العرب، حلت على الأنظمة العربية لعنة "محمد بو عزيزي" فخر ساقطاً أولاً زين العابدين، وتلاه في السقوط مبارك، والحبل على الجرار، وتكشفت مساوئهم وعوراتهم في الوقت نفسه، يرى عصام أن عام 2011 عام التحرر من فساد الأنظمة وأن هذه السنة تحتاج إلى كتابة أحداثها وتفاصيلها بماء الذهب، وهنا تبادرت إلى ذهنه فكرة تحويل عربة الشاب الراحل "بوعزيزي" إلى نصب تذكاري تطلى بماء الذهب.

أصبح عصام يصطحب ابنه أحمد كل يوم إلى ميدان التحرير، والمكوث إلى ساعات متأخرة من الليل، وفي بعض الأحيان يبيتان في الميدان، بدأت تظهر حقيقة عصام القديمة والتي تقوم على مبدأ إسقاط القمع من أجل اعتماد حرية الشعب، خاف الخال أمين على عصام المعتصم في ميدان التحرير من "بلطجية" النظام المترنح، فأرسل ثلاثة من أبنائه لحمايته ، قدموا من بنبان قبلي في أسوان لنجدة القريب من قلبه دائماً، ثلاثة من أقوى أبنائه بنية جسمانية هم بدوي، وبسطامي، ومحمود.

رجعت إلى عصام الحالة القديمة التي أتته مع بداية قراءاته الفلسفية المتمثلة في التأمل أثناء دورانه داخل منزله، هذه المرة يتأمل وهو يدور في ميدان التحرير، يستعرض أمام ناظريه حالته النفسية في السابق، التي أوشكت أن تقوده إلى مراحل متقدمة وخطيرة في عالم الأمراض النفسية، شرب جرعة كبيرة من إناء المعاناة الشاملة التي لا تنحصر في جزئية خاصة، إنها معاناة الوطن، ومعاناة الوطن فيها مواطنون يطمحون إلى الأفضل في المأكل والمشرب والمسكن، ولكن في ظل غياب مؤسسات المجتمع المدني، يظل الأفضل والأحسن والأجمل والأكمل، هو القائد من خلال توزيع صورة في الأماكن العامة، والإطراءات المستمرة على مدار الساعة من المثقفين والإعلاميين والنخب المستفيدة من النظام.

في الأسبوع الثاني من الاعتصام أحضر عصام خيمة صغيرة لينام فيها هو وابنه، اطلع عصام على قصص ومعلومات من أفواه بعض المعتصمين الذين استلطفوه كثيراً فكشفوا ما في جعبتهم من إحباطات ولواعج الحرمان التي حلت بهم في ظل حكم عائلة "آل مبارك"، وكذلك قصص أخرى من أبناء خاله أمين عن بعض المشاكل التي واجهتهم من قبل.

ظل المعتصمون ينتظرون سماع خبر رحيل الرئيس، ولكن الرئيس يمانع، وظل يمانع وعين نائباً له، ولكن الممانعة لم تطل مع إصرار المتظاهرين على رحيله.

أطلقت منال بيومي زغرودة طويلة وشديدة لم تفعلها من قبل، دوت بها هذه المرة بعد سماعها خبر تنحي الرئيس مبارك في الشاشة الكبيرة في ميدان التحرير، أثناء ذلك كان متواجد بجانبها زوجها بيومي بالإضافة إلى عصام وروعة وأحمد وأبناء أمين، دموع الفرح في عيني عصام، احتضن عصام روعة من شدة الفرحة، كاد أن يحطم أضلاعها بالرغم من كبر سنه، وكأن قوة خفية نزلت عليه من السماء، تقول له سقط مركز الفساد والقمع والتعذيب، تركزت نظرات عصام على أرض الميدان وغباره وقال:

سأحمل معي هذا المساء بعضاً من تراب هذا الميدان العظيم وأضعه في زجاجة أستطيع أن أشاهده كل يوم كشاهد على روح الثورة.

ما إن سمع أحمد ما قاله والده حتى أحضر قنينة ماء فارغة في الخيمة وبدأ يملأها بالتراب، لم تخطر هذه الفكرة ببال أحد من العاملين في التجارة، وإلا لأحضر قواريره وبدأ يبيعها على الموجودين، وعلى بعض العرب المتواجدين في الميدان، تراب الميدان المعطر برذاذ حناجر الملايين التي تردد بأعلى صوت "الشعب يريد إسقاط النظام" هذه العبارة المباركة التي بدأ يرددها من أراد أن يوجه رسالة للنظام والتي جاءت طائرة من تونس.

ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي في تنظيم قيام الثورة من خلال "الفيس بوك والتويتر" على تحريك المياه الراكدة، أي أن هذه الجرعة التنظيمية السريعة أضافت إلى المشهد السياسي الفعل الحر وأدت دور النقد بالنسبة للعقل العربي الذي ظل مختطفاً طيلة العقود الماضية، وأتت الآن الفرصة المناسبة للظهور والتعبير عن الشعوب العربية التي من حقها أن تحصل على ما حصلت عليه الشعوب الأوروبية والأمريكية وبقية شعوب العالم في قضية تصريف أمورها بطريقة ديمقراطية وعقلانية.

يرى عصام أنه إذا منحنا أنفسنا درجات عالية في سلم الحرية وأوقفنا الوصاية على جسد الإنسان وفكره عندها يصبح المرء مدركاً لذاته، حيث إن هذه الوسائل الحديثة لم تحرك ساكناً، ولم يكن لها آثار سلبية في المجتمعات المنفتحة والمتقدمة في وقتنا الحاضر، إنما نحن بحاجة إلى توظيف العقل في التعامل مع الواقع، فزمن العسكر والنخب التي تفكر عن الشعوب قد ولى، وما زال عصام يرى أن المستقبل يخبئ لنا الكثير، خصوصاً عن طريق النانو تكنولوجي وهو أكثر تعقيداً من الوسائل التي بين أيدينا، فالعلم والمعرفة يسيران بسرعات عالية، ويصبح ما لدينا الآن أشياء بسيطة جداً في السنوات القريبة المقبلة "وما أوتيتم من العلم إلا قليلا"، فالإنسان بشكل عام يكون الضحية سواء كان في المجتمع المتقدم أو المتخلف ضحية للتطور التكنولوجي الذي يقضي على روح الإبداع والجمال عند الإنسان، ويصبح الإنسان ترساً في دولاب الحياة، ولا يمكن اعتبار حرية التعبير والديمقراطية علاجاً للمشاكل الاقتصادية مثلاً، إنما علاج أكيد لمنع إصابة المرء بالاكتئاب والأمراض الأخرى التي تعيق سلامة الصحة النفسية للإنسان العربي المتأزم، الذي يعيش الانكسار.

تابع عصام الأعداد الكبيرة من التونسيين الذين سببوا مشكلة للايطاليين نتيجة لرغبتهم المكوث في ايطاليا، وعدم العودة إلى تونس على الرغم من تحسن الوضع السياسي وزيادة هامش الحرية، لكن المهاجرين غير الشرعيين الذين تجاوز عددهم الواحد والعشرين ألف مهاجر يركزون على أهمية لقمة العيش، هذه الحالة أثرت كثيراً على نفسية عصام الذي كاد يبكي عندما ذكر أحد المهاجرين أنه لا يملك المبلغ الذي يستطيع أن يشتري به حذاء بدلاً من حذائه المهترىء الذي رفعه أمام الكاميرا.

أصبح عصام جشعاً وطماعاً وليس هناك حداً لطمعه وجشعه المبرر من وجهة نظره في قضية مشاغبات الشعوب العربية في وجه أنظمتها، تحركت في داخله القومية العربية الصحيحة التي تقوم على مبدأ الحرية وتوظيف العقل، غير القومية القديمة التي تقوم على شعارات زائفة وقمعية، كان دائماً يكرر في نقاشاته وأبحاثه أن القومية فاشلة إذا كان من يخطط لها ويوجهها قمعيون ودكتاتوريون، ويرى أن القومية العربية جميلة ورائعة إذا تغذت من ثدي الحرية، حيث يتواجد أشياء كثيرة من بينها العدل، والحرية تستبدل قبح الفساد والجور بالمكاشفة والمعاقبة، فثقافة الحرية شيء جديد بدأ يحل في سماء الدول العربية لمواجهة القبح والغش، أصبح هناك مدار أوسع للعقل العربي الآن وهو قدرته على الفعل الحر، وهذه خاصية مهمة للعقل ظلت مغيبة طيلة العقود الماضية.

لم يمض على جلوس المحامية ريم صالح سنة وعدة أشهر على كرسي مجلس الشعب، إلا وحدثت ثورة مصر، الثورة المحبوبة عند أغلب من تابعها في الوطن العربي، لكن ريم أحست بالغبن بعد زوال حلمها الذي كانت تطمح من ورائه إلى تبوء مناصب قيادية في البلد، جلست في منزلها ما يقارب الشهر لم تخرج إلا ما ندر لشراء بعض الحاجيات الضرورية، بناتها الثلاث خلال فترة الثورة كن عند والدهن، أما هي في منزلها الجديد الذي اشترته بعدما أصبحت عضواً في مجلس الشعب، لقد خلقت الثورة عندها كابوساً ألزمها الصمت، ولكن هذا الصمت انكسر عند مكالمة عصام التي ردت عليه:

مرحباً دكتور عصام آسفة على عدم الرد على مكالماتك السابقة.

قلقت عليك، أو بالأصح خفت عليك، أعرف إنك صدمت بما حدث وكل الشعب المصري صدم، ولكن هناك من كانت صدمته ألم وهناك من تحولت إلى فرحة وأنا واحد من الذين فرحوا.

أعرف نوعية صدمتك من قبل أن تذكرها لي، لكن قل لي هل تعرف شيئاً عن أبي؟

إنه بخير، كان بالأمس عندي في المنزل، ما رأيك لو تناولت معنا طعام العشاء، سنكون الليلة بانتظارك الساعة السابعة مساءً

على بركة الله.

ساد توتر بين ريم ووالدها منذر بسبب بناتها الثلاث، فلم يعد منذر كالسابق يتحملهن، فطلب منها ألا تتركهن في منزله، على الرغم من قيام والدتها إلهام بالاهتمام بهن، أصبح منذر في الأشهر الأخيرة لا يحب أي إزعاج داخل المنزل، تغيرت نفسيته وأصبح أكثر قلقاً من قبل، يغضب بسرعة ولا يتحمل النقاش الطويل، إنه بحاجة إلى عرض نفسه على طبيب نفسي.