وصلت ريم في الوقت المحدد وكان في استقبالها عصام وروعة، أما أحمد فهو خارج المنزل بمعية الثلاثي الأسواني بدوي ومحمود وبسطامي، أراد أحمد أن يستضيفهم في أحد المطاعم السريعة، ويطلب لهم دجاج "الكونتاكي" كما يطلقون عليه بلكنتهم الصعيدية، والهمبرجر، أعطته روعة مبلغاً كافياً للصرف على الأكل ويفيض قليلاً، تريد أن تخلق منه رجلاً يحسن التصرف، إنه تجاوز الخامسة عشر بعدة أشهر.
استفاض عصام بعرض ملف كامل عن الفساد الشديد لرئيس مجلس الشعب الذي تؤمر ريم بإمرته، وكذلك رئيس مجلس الشورى، إنهما من الكوارث التي حلت بالشعب المصري:
لقد أخبرني الأستاذ طه أدهم قديماً عن ممارستهما الإجرامية، ولم أشأ أن أخبرك.
ليتك حذرتني من قبل، ولم أتقدم لطلب العضوية.
هل ارتكبت أي خطأ في المجلس؟
صوت على بعض القرارات وأنا غير مقتنعة بها.
فهمت.
أكثر من ساعتين من النقاشات المحتدمة، قالت ريم:
كنت سعيدة قبل المجلس، والآن خسرت كل شيء.
عليك أن تجتازي هذه المرحلة وتعودي إلى مكتب المحاماة، لماذا القلق ويداك لم ترتكبا أي مسؤولية في حق مواطن أو في حق الشعب المصري؟
ارتاحت ريم قليلاً بعد سماعها لكلام عصام وشكرته على العشاء الجميل، وأخذت صورة لتراب الميدان بعد أن استأذنت عصام ورحلت.
بحث عصام في أكثر من محل عن نوعية جيدة من القوارير الممتازة، وفعلاً اشتراها بتسعين جنيهاً من أجل وضع التراب العزيز على قلبه في جوفها، القنينة التي وضع فيها تراب الميدان شفافة جداً كي يستطيع أن يشاهد ما فيها، من ناحية جمال شكل التراب، أشهب اللون أقرب إلى شكل الاسمنت المتعرض للتعرية الطويلة، وبأحجام متفاوتة، منه الناعم جداً ومنه الخشن والمتوسط، لم ينس عصام صورة التراشق بالحجارة، عندما بدأ مناصرو النظام بالهجوم عليهم مما حدى ببعض المعتصمين بأخذ بلاط الرصيف وتكسيره ورجم المعتدين عليهم.
ظل أبناء خاله بدوي ومحمود وبسطامي عنده في المنزل لمدة أسبوع، ينامون في غرفة واحدة على الأرض عدا بدوي الذي فضل النوم على السرير، فهم لا يحبون الأسرة، ظلوا معه في الميدان لمدة ثلاثة أيام كظله، تنفيذاً لوصية والدهم أمين، لكنهم في الحقيقة قدموا من الصعيد وهم مقتنعون بما يفعلون في الميدان، خصوصاً بعد مشاهدتهم "لبلطجية" النظام عندما دخلوا الميدان بجمالهم وخيولهم في معركة "الجمل".
يحتضن عصام عبق تراب الميدان الذي يظل ينظر إليه كل يوم عندما يجلس في صالة المنزل، داعب بدوي بابتسامة عريضة عصام وهو يقول له:
أخاف عليك من أن تقوم في يوم من الأيام بعبادة هذا التراب غير النظيف، عندنا في القرية تراب أنظف وأفضل منه.
لا يا ولد الخال أعرف أنه تراب لا يسمن ولا يغني من جوع، لكنه رمز لشيء عظيم عندي، لا تخاف علي من الناحية الشرعية، لقد قال الشيخ القرضاوي إن "الحرية مقدمة على الشريعة".
هل فعلاً قال ذلك الشيخ الجليل؟
نعم، ونقل في أكثر من قناة فضائية، دعني أفتح على التلفاز لنسمع شيئاً عن تطورات الثورات العربية.
ثورات تشابه أبقارها في الوطن العربي.
لا أسمح لك حتى لو كنت ابن خالي بوصف الشباب الأحرار في الوطن العربي بالأبقار، إنهم يسعون من أجل الحرية.
أنا لا أحتقرهم ولا أستهزئ بهم، بل قصدي من ناحية الطبيعة والشكل، وحقك علي.
أسلوبك جيد يا بدوي، هل درست؟
حاصل على دبلوم صنايع، لكن أحب قراءة الروايات.
عظيم إنك تحب القراءة، التي هجرها الكثير في زمننا الحاضر.
فتح عصام التلفاز، وبدأ يسمع ويشاهد مع أبناء خاله تنازلات بعض الأنظمة العربية واعترافاتهم بحرية التعبير والإعلام والصحافة ووقف قانون الطوارئ وزيادة مخصصات الموظفين وإخراج بعض سجناء الرأي هنا ضحك عصام وتكلم بسطامي:
ما أضحكك يا دكتور؟ لا يوجد في الخبر ما يضحك.
عملية التحسينات والتنازلات ذكرتني بفعل جدي عطية عندما يرفض حماره السير أو المشي يستخدم شوكة من سعف النخل يضعها في جيبه الأمامي ويغرز رأسها في رقبة الحمار يسير بعدها بسرعة عالية، فالتظاهرة أصبحت هي شوكة عطية.
يعني تقول بأن القادة العرب لا ينفع معهم إلا الشوك.
هنا هام عصام بفكره ولم يجب على بسطامي، بل كان يقول في حقيقة نفسه إن الحمير أفضل منهم بكثير بعدما استعرض "البلاوي المتلتلة" التي خلفها نظام مبارك، وأن الفهم لم يأت إلا بعد زحف الجماهير كما قال زين العابدين: "فهمتكم"، كان حاكماً لمدة تجاوزت الثلاثة وعشرين عاماً وكان في غفلة عن مطالبهم وحقوقهم، أما مراقبتهم فمخابراته تعرف الشاردة والواردة .
مفردات قديمة ولكنها جديدة الاستخدام عند عصام فيما يكتب الآن، مثل التراب والبلطجية والشوكة التي كان يستخدمها جده عطية والقادم أكثر، وقد تكون عربة "بو عزيزي" لها نصيب في فصول روايته الأخيرة.
رحل الجد عطية قبل أن يولد بسطامي أول أبناء الخال أمين بسنتين، إنه والد أمين وصبحية أم عصام.
أضاف عصام موجهاً كلامه لبدوي:
التنازلات التي تقدمها الأنظمة قبل السقوط بالتقسيط، وهذا يذكرني بتساقط أجزاء الحقيقة التي تتضح لنا من خلال العلم.
إذن التنازلات تقربنا من الحقيقة.
هي تقربنا من الحرية، والحرية ركيزة أساسية للفلسفة، وممكن يكون كلامك صحيحاً في حالة قيام الحرية بكشف كل أشكال الفساد والتكتم، وإطلاق يد الفعل الحر الذي يقوده العقل.
علق بسطامي:
أنا لم أفهم شيئاً، لكن قل لي يا دكتور لو أخذت من تراب الميدان فهل يفيد التربة والمحاصيل الزراعية؟
سمعت الدكتورة روعة سؤال بسطامي وضحكت من قلبها وقالت:
نعم، سيقضي على حشائش الفساد التي بيعت على المزارعين، وكان سماداً مغشوشاً، أنه تراب طاهر أنصحك أن تأخذ منه وتوزعه على جميع مزارعي القرية حتى لو على شكل قوارير صغيرة.
من الغد سآخذ منه ما أستطيع من أجل توزيعه على المزارعين.
أردف عصام قائلاً:
ما قالته روعة على سبيل الدعابة، يحتفظ به كرمز يخصب العقول ولا يؤثر مباشرة في الحقول.
لم يفهم بسطامي شيئاً مما قاله عصام، وفكر بنسيان الموضوع والتوجه إلى موضوع آخر، لكن بدوي علَّق قائلاً:
أريد أن أفعل كما فعلت يا دكتور، سآخذ معي عينة من التراب وأضعها في قنينة للذكرى ولعرضها على سكان القرية، لكن قل لي يا دكتور إلى متى سنظل محتفظين بالقنينة؟
طالما الثورة متوهجة بشبابها ولم يتم اختطافها، إني أخاف عليها من الذين يفرحون بالحرية ويطالبون بها، لكنهم يقتلوها عندما يمسكوها.
لم أفهم من تقصد.
فئة أحبها، ويشهد الله على حبي لها، لكنهم يموتون من أجل فرض توجههم وطرحهم وإحساسهم الكبير بأنهم هم من يملكون الحقيقة.
الآن فهمت،لكني أخاف من الفوضى الخلاقة ويستمر العنف، أو يكون هناك احتلال لبعض الدول كما حدث في العراق.
إني أخاف فقط من سرقة الثورة وهم أكثر رجعية وتخلف من الحكام أنفسهم.
بدأت تقتل عندي الفرحة بخوفك.
المرحلة المقبلة مرحلة سلام، ولكن بعد الانتهاء من دمقرطة الأنظمة العربية وإيران.
أريد منك أن تعطيني نسخة من روايتك الأخيرة "جاب الذيب من ذيله" كي أقرأها في أسرع وقت.
من عيوني.
تحدث بدوي بصراحة إلى عصام عن علامات الفرح التي شاهدها على محياه، وكذلك على أغلب الوجوه المصرية في ميدان التحرير، مما جعله يسأل عصام قائلاً:
هل لإسقاط النظام دور على نضارة الوجوه؟
الحرية هي من يجلب النضارة للوجوه، إنها البلسم الشافي للتصحر السياسي الذي أصاب الوجوه العربية.
كنت أموت في اليوم ألف موتة عندما أخرج في لقاء تلفازي أو أتحدث مع زملائي، لأني أعجز عن التحدث بصراحة لأني متيم بالبحث عن الحقيقة.
أي حقيقة تتحدث عنها؟
حقيقة الوضع العربي المزري برمته.
إذن هذا هو السبب وراء نضارة الوجوه المصرية الآن.
نعم، الفرحة عمت الجميع، جميع الوجوه المسحوقة، لكن كم هو مؤلم أن ترى هذه الأيام وجوه بعض المتنفذين في النظام السابق مسودة، الوجوه التي كانت تستخدم المساحيق التي أغتصبت ثمنها من عرق الغلابة.
بدأ بدوي يسترجع المنظر الذي ذكره عصام عن جده عطيه وحماره، لكنه لاحظ أنه ليس جميع من ركبوا الحمير يملكون شوكة شبيهة بشوكة عطية، فهل الحمير الأخرى مطيعة عدا الحمار العنيد الذي يملكه عطيه، أو أنهم يستخدمون طرقاً أخرى.
قرر بدوي أن يركب حمار المزرعة عند عودته للقرية، وسوف يستوضح من أبيه كل تفاصيل شوكة الجد عطية، فقد يكون لها استخدامات أخرى غير ما ذكر لهم عصام.
المشهد العام في العالم العربي أن عصام وملايين العرب يعيشون الآن صدمة حقيقة وضعهم، التي هي أغرب من الخيال.