أعاد التراب الذي يشاهده عصام كل يوم وأخذه من الميدان حقيقة تكوين الإنسان، فكأنه مطارد بمعرفة الحقيقة التي أرهقته في روايته السابقة "جاب الذيب من ذيله"، لكن درجة اليقين عنده عالية فيما يخص الوجود، حيث أدرك أن "أي مناهج بحث أو معارف يجب بالضرورة أن تفضي إلى الإيمان بالدين ولا تتناقض معه، لأن الدين حاكم العقل البشري بالمعجزة التي تتجاوز عوالم التجريب وسنن المادة، والغرض من البحث في تجليات المعرفة هو التساوق مع أهداف الدين، وليس التصادم معه أو الخروج عنه"، هذا الشعور أو التوجه يحمله معه منذ أن كان شاباً وحتى في توجهاته المعرفية الأخيرة التي سجلها في روايته "الذيب".
عذابات كثيرة ترافق عصام عند كتابة رواياته، يشق بنفسه طرق كتابة رواياته دون متابعة أو الإطلاع على أي رواية أثناء الكتابة، يرفض معالجات ومتابعة طرق الكتَّاب الآخرين، فيظل الألم يعتصره دون اللجوء للمراوغة أثناء رسم أبطال رواياته، الأحداث التي تحيط بشخص عصام جعلته واقفاً يرفض أن يحني ظهره ولو قليلاً أو لسويعات معدودات.
عكف بدوي على قراءة رواية "جاب الذيب من ذيله"، وانتهى منها خلال عدة ساعات متواصلة، كان يريد أن يعرف شيئاً عن عصام ويقترب من فكره الذي لم يسبق له التعرف عليه مباشرة أو عن طريق مؤلفاته العديدة.
سجل بدوي أول ملاحظة له على الرواية، وقال إنها أقرب إلى مدخل إلى عالم الفلسفة منها إلى رواية يتسلى بها، وإنها تصلح أن تكون ضمن مواد السنة الأولى التحضيرية في قسم الفلسفة، الرواية فيها "حشد لمقولات فلسفية وليس هذا مفهوم الرواية الفلسفية... روايات ألبير كامو أو سارتر التي تتحدث بعمق عن الفلسفة الوجودية لا يوجد فيها مقولات بقدر أنها سرد لأحداث تم الاستنتاج من خلالها على الوجودية".
في الصباح قابل عصام وذكر له ملاحظته الأولى، وقال:
أريدك أن تعرفني على أصدقاءك الذين تحدثت عنهم في الرواية وعلى رأسهم منذر.
تقديراً لقوة ملاحظتك الأولى التي تنم عن وعي كبير أقول سيكون لك ما تريد في نهاية هذا الأسبوع، يتم لم الشلة عندي وستتعرف عليهم.
أشكرك سأرحل بعد ساعتين، ولكن في مرات مقبلة أتعرف عليهم، مدير الفندق الذي أعمل فيه يسأل عني باستمرار لأني الفني الوحيد المسؤول عن كهرباء الفندق في مدينة أسوان، والعمل فيه مريح جداً وساعات الطوارئ قليلة جداً، مما جعلني أتجه إلى قراءة الروايات.
رحل أبناء الخال الثلاثة بدوي وبسطامي والثالث الصامت محمود إلى أسوان، وطلبوا من عصام أن يزورهم في أقرب فرصة.
أرسل عصام روايته "جاب الذيب من ذيله" إلى صديقه الناقد (ع .غ) من أجل معرفة انطباعاته النقدية، ولكنه كان شحيحاً في ردة فعله، عدا أنه وافق عصام على أن الطرح المعرفي له يتماهى مع اليقين الذي يمتلكه بطل الرواية، وأن الرواية جادة تختلف عن روايات الإثارة، وهذا دليل على أن مشاريع عصام الثقافية تتحدث عن مشاريع كبيرة يملكها الجميع، ولم يتحدث مطلقاً عن رغبات خاصة به.
يعيش عصام هذه الأيام مرحلة لم يعشها من قبل، إنها مرحلة الكرامة التي بدأ يعيشها معه أبناء الأمة العربية، وكل دقيقة يفرح فيها يخالطه معها خوف من الذين قد يسرقون الثورة وتتراجع طموحاته قليلاً، إن خطورة السارقين إن تمكنوا لا تقل أبداً عن خطورة مبارك وأبنائه، بل ربما يتفوقون عليهم تحت شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تحجر قلبه برهة عندما شاهد وسمع في قناة تلفازية تونسية من أن هناك جماعة قد هجمت على مسرح فيه مجموعة من العائلات، وطالب المهاجمون بوقف المسرحية، لقد اعترف عصام قائلاً في بوح ذاتي:
نحن أمة منحوسة ما إن نتخلص من مصيبة حتى ندخل في أخرى.
عرض عصام على روعة فكرة الذهاب إلى أسوان بالقرب من مدينة خاله بنبان قبلي، خصوصاً أن بدوي وعده بعمل تخفيض في سعر الإقامة، في الفندق قد تصل إلى ثلاثين في المائة:
فكرة رائعة خصوصاً أن الإجازة الصيفية لم يتبق عليها إلا شهر واحد.
أسوان مدينة جميلة، والفندق أيضاً رائع ويطل على البحر، كما أن أغلب مرتاديه من السياح الأجانب.
إذن دعه يحجز لنا بعد شهر من الآن.
كم المدة التي ترغبين فيها؟
أسبوعان كفاية.
على بركة الله.
يختلف عصام عن بعض المثقفين الذين يتحكمون في وقتهم ساعة بساعة حسب مزاجهم وحالتهم النفسية أكثر من قضية الارتباط في العمل، إنه لا يحب الذين يربطون علاقاتهم مع الآخرين بطريقة "أكل العنب حبة حبة"، إنه يأكل الآن العنب حبة حبة وفي بعض الأحيان يأكل أكثر من حبة حسب طبيعة الموضوع والمناسبة.
يسعى عصام إلى تبني مبدأ الفلسفة المثالية التي ترفع من مكانته الشخصية، وتحقق له أمام ناظريه "كمال الذات"، ويطمح أن يغرس في عقل ابنه أحمد الخير وطرد الشر، والفضيلة والابتعاد عن الرذيلة، وأن يكون قادراً على احترام الآخرين واحترام القيم الروحية، وفي ضوء ذلك كان في جمجمة عصام ثلاثة أسئلة تدور حول أحمد:
أي نوع من المعرفة يرغب أن يكون عليه أحمد؟
أي نوع من القيم يرغب أن يتبناها أحمد؟
أي نوع من الأفراد يمكن أن يكون عليه أحمد؟
يحاول عصام أن يفعل شيئاً من أجل ابنه الذي يتشكل يوماً بعد يوم من خلال ما ينفثه والداه، وأيضاً من خلال المحيطين به من زملاء وأصدقاء، الأبناء عادة يصاحبون والديهم، إذا كانت صدورهم تتسع لمطالبهم، ويتم التعامل معهم بقلوب تختلط فيها العاطفة مع المنطق، الآن سيتفرغ للاهتمام بابنه بعد أن تحقق الحلم الذي كان يتمناه عصام قبل مغادرة رحلة الحياة والمتمثل بكسر شوكة الطغيان، ولم يتبق له إلا الاطمئنان على بداية مسيرة الثورة، إلا أن هناك بعض الأمور التي أزعجت عصام هو استمرارية وزير الدفاع الذي خدم مبارك فترة طويلة، وأصبح رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وهذا أزعج أيضاً شريحة كبيرة من المعتصمين لأنهم تواقون إلى تحويل السلطة العسكرية إلى سلطة مدنية في أسرع وقت لتطبيق العدالة الانتقالية التي تسرّع في محاكمة مبارك وأبنائه ورموز الفساد، مع الشكر الجزيل منه للجيش، فالجيش في نظره شيء والمجلس الأعلى شيء آخر.
توقف عصام عند الخبر الذي يبرئ الشرطية فايدة حمدي من فعلة الصفعة التي قيل إنها وجهتها لـ"بو عزيزي" في السابع عشر من ديسمبر2010، فظلت مذنبة في نظر الناس داخل تونس وخارجها، لم تكشف محاضر البحث وشهادة الشهود أي شيء يبرهن على ذلك، وهذه القصة كانت من صنيعة النظام التونسي السابق كي تكون كبش فداء.
إن هدير الثورات العربية تفعل الأفاعيل في أذهان الشعوب العربية التي تبحث عن الكرامة، والعدالة، فهناك عشرات السفاهات التي ارتكبتها الأنظمة العربية وما زالت ترتكبها من لم تتعظ من الدروس الحالية، يبدو أن سحر الكراسي أثَّر على أدمغة من يخططون ويرسمون طرق حياة شعوبهم دون الالتفات إلى أن مبدأ الوصاية قد عفى عليه الزمن وتجاوزه.