فرح عصام كثيراً عندما سمع بالاسم الجديد لحزب الأخوان "الحرية والعدالة"، وكأن هذا طمأنه قليلاً، لأنه يعرف ومقتنع أن الحرية ما تدخل في شيء إلا زانته وما تخرج منه إلا وحل الظلم والقهر والجور والقمع.
كان هناك اقتراح لعصام في روايته "روعة" إنشاء حزب إسلامي اسمه "الحب والحرية"، وهذا يبين أن الحرية عندما تكون قاسماً مشتركاً بين أي فئة أو جماعة أو دول تكون النتائج سليمة وقيمة، وهذا يقود إلى أن الجانب العملي في الدين الإسلامي سيكون قوياً ويقود إلى الرسالة العظيمة للإنسان المتمثلة في عمارة الأرض بالعلم والأخلاق السليمة، لا أن يتم اختزال الدين في ثقافة الموت وحدها.
وصلت إلى عصام رسالة على موبايله تفيد بأن يوم الجمعة المقبل سيكون هناك اعتصام في ميدان التحرير من أجل إنقاذ الثورة يشارك فيه أغلب فئات المجتمع، وكان رده بنعم سيكون ضمن من يحرصون على استمرارية دور الميدان، وقرر أيضا أن يأخذ معه أحمد المتعهد بأخذ بعض تراب الميدان كدليل على أن تراب الميدان لن يموت، طالما ترتاده وتعتصم به الملايين، وسيظل متوهجاً تحت أقدام دعاة الحرية، يرى عصام أن الثورة لم تكتمل، إنها نصف ثورة، فالثورة الحقيقية لم تبدأ بعد، إنها الآن انتفاضة خلاقة.
يرى عصام أن الحرية تخنق أشياء كثيرة مثل الفساد العلني والمخفي منه، والظلم والاحتكار والكذب والدجل، وأساليب الإجرام والنهب وإرهاب ما يسمى بأمن الدولة وهو يمارس إرهاب مواطني الدولة، لكنه يرى أنه متى ما خنقت الثورة المسرح والسينما والموسيقى والغناء قل عليها السلام، في حالة الدول العربية الآن يجب أن يكون التسامح ديدن المرحلة المقبلة كما فعل أسطورة جنوب أفريقيا "مانديلا"، الذي خلده التاريخ بفعل التسامح أكثر من تخليده مع معاناته في السجن لأكثر من سبعة وعشرين عاماً، إن تقليص أدوار رجال النظام السابقين وتهميش أدوارهم أفضل بكثير من الانتقام منهم، الحرية هي أن تغلق ملفات الماضي لأن عقارب ساعة الحرية لا ترجع إلى الوراء، فالشخص الكريم ليس "الذي يعطي فقط، بل الذي يسامح أيضاً"، إنها مقولة قديمة لكنها صالحة في أي زمن لعلو مكانة التسامح في حياة الإنسان، وللأديب "ميخائيل نعيمة" مقولة قريبة من ذلك بُهر بها عصام كثيراً "عجبت لمن يغسل وجهه عدة مرات في النهار، ولا يغسل قلبه مرة واحدة في السنة"، التسامح العلاج الرئيس لمرض الانتقام غير المبرر الذي يتجاوز القانون، سواء كان في الأمور الخاصة أو الشأن العام.
تألم عصام كثيراً عندما أحس أن إحدى الفئات الرئيسة التي كانت مواظبة في حضور الاعتصامات السابقة غابت هذه المرة، لأنها حسب ما تتصوره أنها قد حققت ما كانت تصبو إليه فلم يعد هناك حاجة لحضورها، وأنهم أناس قانعون جداً بما حصلوا عليه من خلال التصويت على تعديل الدستور، وهذا ما كان يخشاه عصام، لكنه فضل مبدأ التفاؤل على التشاؤم والانتظار حتى ينجلي الخيط الأبيض من الخيط الأسود، لكن في الجمعة التي تلتها، حضر الغائبون وتجاوز عدد المعتصمين المليون، اشترك المعتصمون في البداية بكل أطيافهم، لأنهم متفقون على إسقاط النظام، وتحقق لهم المطلب الشامل، ثم بدأت تظهر مطالب كل فئة على حده، وهذه قد تكون ظاهرة صحية إذا غابت عنها المصالح السياسية، فمطالب شباب الثورة شاملة استفادت منها الجماعات الإسلامية مثل: إسقاط النظام ومحاكمة رجاله، وتغيير الدستور والإفراج عن سجناء الثورة وتحديد مواعيد الانتخابات وغير ذلك من المطالب السامية، لكن جماعة الإخوان انشقت عنهم في قضية الدستور وصوتوا من أجل تعديل الدستور القديم.
سكنات وحركات عصام موجهة إلى الميدان، وأيضاً إلى ما حدث في بقية الوطن العربي، ولكن الذي أزعجه أن ثقافة الاعتذار أو بالأصح شجاعة الاعتذار، لم تتمكن من أن تسكن في روح الأنظمة العربية وتعترف بالفشل في تحقيق التنمية، وفي المجالات السياسية، خصوصاً حرية التعبير والصحافة، وأن الشخصية العربية مهانة ومحتقرة في أغلب الأماكن والمحافل الدولية، لكنها الآن ارتفعت قليلاً وعندما تتعافى معافاة كاملة، قد يطول ذلك في نظر الباحثين والمفكرين ربما يصل إلى عشر سنوات تقريباً، لكن في نظر عصام يرى أن ذلك لن يصل إلى ربع الفترة التي توقعوها لأن العفريت خرج من القمقم، وأفاق من سباته، فمنذ فترة وجيزة كان الخوف مسيطراً على الشعوب العربية، والآن بدأت الشعوب تحطيم ركائز الخوف وإخراجها من أحشائها.
يرى عصام أن للدول الخارجية العظمى ثقل كبير في دعم الثورات العربية وتركها تواجه قدرها دون مواجهتها أو حرفها عن مسارها، فإن الشعوب العربية ستنتصر في أسرع وقت لأنها تواقة إلى الحرية.
تحدث عصام مع روعة عن أنه سيلفت نظر بعض شباب ميدان التحرير حول ضرورة مطالبة الحكومة بسرعة تعيين مرشح لمصر لتولي منصب أمين الجامعة العربية قائلاً:
يجب أن نرجم الأمين الحالي للجامعة "موسى" بالبيض، لن أقول لك بالحجارة لأني أكره العنف، على الرغم من تخفيف حدة نبرته الصوتية عما كانت عليه عندما كان يعيش في جلباب أسرة آل مبارك.
لماذا هذا التحامل عليه؟
لست متحاملاً عليه، لكن لا يوجد له أي ميزة معنوية، فقد خدم النظام السابق كوزير للخارجية قبل أن يصبح أميناً، كان ترساً في ماكينة نظام فاسد.
هو لا يريد الاستمرار كأمين للجامعة، يريد ترشيح نفسه كرئيس للجمهورية.
لا عليك لن يحصل على أي نسبة مشجعة، ولن يصوت له إلا بعض فلول النظام السابق.
لو كنت مسؤولاً عن ترشيح ثلاثة لمنصب الجامعة العربية فمن ترشح؟
هناك وجوه جميلة من الناحية الأخلاقية كثيرة، وغاب عني الكثير، لكني أذكر على وجه السرعة الدكتور حسن نافعة، والدكتور محمد سليم العوا، والدكتور عمرو حمزاوي، والأديب صنع الله إبراهيم، ومن خارج مصر الدكتور برهان غليون، وهيثم مناع، والدكتور محمد المسفر.
أكيد تأثرت بمواقفهم الحالية.
أعرفهم من قبل عزل الرئيس، انهم سيجعلون الجامعة العربية تخافهم لصدقهم، وسيقهرون سنين الكذب والدجل، أرى أن أمين الجامعة يجب أن يكون أقوى من أي زعيم عربي، لا أن يكون عبارة عن سكرتير عند رئيس مصر كما فعل موسى.
انتهى النقاش بين عصام وروعة حوالي الساعة الواحدة ظهراً، وانشغل كل واحد منهما في عمله، وفي الساعة الثالثة عصراً تفاجأت روعة عندما رأت وسمعت من نشرة الأخبار أن مصر رشحت الدكتور مصطفى الفقي أميناً للجامعة، وفي انتظار موافقة الدول الأخرى، فلم تمض على مناقشة الموضوع مع عصام ساعتان وإذا بالموضوع يثار، فجع عصام بهذا المرشح الضعيف والمحسوب على الحزب الوطني الذي تركه بعد أحداث 25 يناير، وكأن فكرة عصام وئدت قبل أن تبدأ ويعرضها على شباب الثورة.
ذهب عصام بعد ذلك إلى أخذ نوع من القيلولة المتأخرة لإراحة أعصابه من الخبر المدمر لنظرته المستقبلية للجامعة العربية، وفي اليوم نفسه سمع عصام ما قاله وزير خارجية العراق زيباري بأن تكلفة عقد القمة المقبلة في العراق سيكلف 460 مليون دولار، لو صرفت على مشاريع خدماتية للشعب العراقي لكان مردودها أفضل بكثير من اجتماعات لا تسمن ولا تغني، أشياء مشينة ومخجلة حدثت طيلة السنوات الماضية في أروقة الجامعة العربية التي كرست الاستبداد والقمع والتآمر، لكن مع عهد الحرية المقبل سيحسب للجامعة ألف حساب، فجميع مرتكزات الوحدة موجودة بين الدول العربية وعلى رأسها وحدة روح الشعوب العربية التي جعلت عصام يتابع جميع أحداث الثورات العربية وكأنها تحدث في مصر.
تألم عصام كثيراً على حظوظ العراق بشكل عام، فمنذ آلاف السنين والمصائب تتعقبه، إلا هذه المرة التي تعثرت القمة العربية فكان وجه العراق جميلاً على الشعوب العربية، حيث تحفظت دول الخليج على قمة بغداد، ويأمل عصام أن يتم التأجيل حتى تكتمل الوجوه الجديدة في مسرح السياسة العربية، من أجل تقديم خطط ومشاريع عربية وحدوية تقوم على الحرية كأساس متين، وفي هذا السياق هناك العديد من الدروس والعبر التي يجب أن نتفاداها في المرحلة المقبلة، وعلى رأس ذلك أن تكون السلطة الرابعة "للصحافة" في مكانها الطبيعي، وتلعب الدور المنوط بها، مع أخواتها الأخرى الإذاعة والتليفزيون والانترنت، البسطاء لا يحلمون إلا بكسرة خبز وكرامتهم التي لن تتحقق إلا تحت مظلة الحرية من خلال قوانين تكفل حقوقهم على أرض الواقع لا في الدساتير التي هي عبارة عن حبر على ورق، أعلنت الجامعة العربية عن تأجيل القمة إلى عام 2012.