الفصل 8

10 0 00

تعهد المعتصمون بأنهم سيرجعون إلى الميدان في حالة اختطاف الثورة، لقد طالت خطاهم الشجاعة وتقلصت مساحة الخوف لديهم، أما بالنسبة لعصام فما زال غير واثق من بقايا النظام السابق، ومن الرجعيين الذين لا ينظرون إلى أبعد من أنوفهم، كان الاستفتاء بنعم على تعديل الدستور السابق ضربة قوية وموجعة لشباب التغيير الذين يودون مسح الدستور القديم من الوجود، لكن ذوي التوجهات الإسلامية ومن توافق معهم في الهدف مثل حزب الوسط الذي ركز على شعاره المتمثل بـ" الوطن قبل الايدولوجيا... ومن التحرير إلى التعمير"، وكان يهدف إلى تقصير فترة وجود العسكر، حصدوا سبع وسبعين في المائة من النسبة، إذن الأيام المقبلة ستكون حبلى بالأحداث.

إن اقتحام الشباب للمراكز الأمنية بعد أن تنامى لأسماعهم من إحراق بعض الأوراق والأدلة التي تبين فنون المراقبة والمتابعة لأغلب شرائح المجتمع وكتابة التقارير عنهم، كان رجال التحريات لا يكلون ولا يملون من إقحام أنوفهم في كل صغيرة وكبيرة لمن تقع أسماؤهم بين أيديهم.

افتقد عصام صديقه منذر لعدة أيام وانقطعت أخباره، لم يكن منذر بحماسة عصام في سماع تقاسيم سيمفونية الثورة التي عزفت في ميدان التحرير، ولم يغب منذر عن بال عصام طيلة أيام الأحداث، لكن الأمر لا ينظر إليه على أنه مرحلة إلى الأمام، فقد يكون له عواقب وخيمة حسب إحساس منذر، يجمع عصام قواه عله يستشرف الأيام القريبة المقبلة، يريد أن يبارك لنفسه بالثورة أو أنه من الزاوية الأخرى يندب حظه ومعه جميع من يتطلعون إلى المستقبل بنظرة تفاؤلية، لكن يقنع بعض الأحيان بما قاله بعض المحللين من أن التحول إلى نظام ديمقراطي يحتاج إلى وقت طويل كمرحلة انتقالية، لوجود خلافات عميقة حالية، فلا بد من فتح الباب لكيانات جديدة تعبر عن نفسها وحضورها في الساحة الإعلامية لتشكيل رأي عام لأن الأحزاب القديمة غير معبرة عن فئات المجتمع، لأنها كانت انعكاس للنظام السابق على الرغم من تجاوزها العشرين حزباً.

هناك العديد والعديد مثل عصام يعيشون هذه الأيام فجر الحرية في مصر ويتنفسون هواءها.

تعيش روعة فرحة الثورة من خلال مرآتها التي يوجد فيها صورة عصام المبتسم والأنيق، صارحته:

تزيد حماستك ومعها قلقك كلما دنوت من تحقيق حلمك المتمثل باقتطاف ثمار الحرية، فشجرة الحرية دون ثمارها لا تساوي شيئاً.

كلامك صحيح مائة في المائة، فالقلق مصاحب للفرح عندي، والقلق عندي ليس مربوطاً بمصر وحدها، إنما مربوط بجميع أبناء جلدتي في الوطن الكبير، لكن مصر بالنسبة لي هي رأس الجسد.

وهل يخفى علي القمر، في نفس الوقت الذي تفكر فيه في ميدان التحرير تفكر أيضاً بمدينة سيدي بو زيد ومدن عربية أخرى.

على رسلك إلى الآن لم أفعل شيئاً من أجل مدينة سيدي بو زيد.

لقد أمضيت الساعات تلو الأخرى في التفكير فيها وعرضت مشروعك على أكثر من شخص، أليس كذلك؟

نعم، لكنه مشروع استثماري أكثر من كونه لبنة من لبنات الحرية.

برب الكعبة، لو سئلت مثلاً وأمام الجمهور، قد يكون من خلال قناة فضائية عن أهمية المشروع، إلا ستصل إلى مرحلة أن العشرة آلاف دولار كلها هدية ولن يكون لك أسهماً منها كما ذكرت في خطة مشروعك.

نعم فكرت في هذا، ولكن حدثيني كيف توصلت إلى ذلك؟

أن فترة خمسة عشر سنة كافية بأن أعرف توجهاتك، وحتى أي حركة من حركاتك، لأنك كتاب مفتوح وسهل قراءتك، خصوصاً أن قاعدتك الأساسية التي تنص على أن الحرية لا يمكن المتاجرة بها.

انتهى النقاش وذهبا إلى الصالة لمتابعة الأحداث العربية المستمرة والمستعرة من خلال التلفاز.

لا يعرف عصام ماذا يفعل هذه الأيام، هل ينتظر حتى تتكشف له وجوه الثورات في الوطن العربي؟ أم يسير في مشروعه ويتوجه إلى تونس والعمل على مقابلة بعض المسؤولين هناك عن إمكانية تنفيذ المشروع، فلو كان يعرف أن المشروع سيقابل بالترحيب والعمل على تنفيذه لأقدم على السفر في الحال، لكنه يخشى أن فكرة المشروع قد لا تلاقي ترحيباً هناك ويعود للمرة الثانية خائباً، أو بالأصح خالي الوفاض، لقد زار تونس قبل حوالي ثلاثين عاماً من أجل فكرة لم تختمر في ذهنه ثم عاد، طلبت روعة من عصام أن يؤجل ذهابه إلى تونس حتى أقرب إجازة كي تذهب معه، رحب عصام بطلبها وتم تحديد موعد السفر مع بداية الإجازة المقبلة التي لم يتبق عليها أكثر من شهرين.

يمضِّي عصام معظم وقته في متابعة الأحداث العربية عبر القنوات الفضائية التي تتنافس فيما بينها من أجل الحصول على أكبر درجة من المصداقية، هناك قنوات أخذت دور المشجع والمحرض على الوقوف في وجه الأنظمة، وتجاوزت في ذلك حدود المهنية، وقنوات أخرى تحاول أن تكون مهنية، لكن عصام يتابع الجميع المحرض والمهني من أجل الوقوف في وجه التسلط القديم الذي لم تغير فيه رياح العولمة في السنوات الماضية التي أثرت على بلدان ومجتمعات عديدة.

أصبح بدوي يتصل بعصام بشكل شبه يومي، حيث دار آخر حديث بينهما عندما تحدث بدوي إلى عصام قائلاً:

أريد أن أكتب رواية، لكن عنوانها قريب من روايتك السابقة، فهل تسمح لي أن أسميها "جابوا الريس من ذيله".

أضحكتني هذا الصباح، إنه عنوان شيق وجميل وهو مثل موجود في ثقافتنا المصرية، من حقك استخدامه وأشجعك على ذلك من كل قلبي.

لي أكثر من أسبوع ولم أكتب إلا ثلاث صفحات.

لا عليك ابدأ ولا تستعجل، كل شيء في وقته جميل.

عنوان روايتك ووضعنا الحالي ووجود الحكومة في سجن طرة، أشياء لم تخطر على بال أحد.

هذه نهاية الطغاة.

انتهى الاتصال بينهما وسعد عصام بطلب بدوي، وأحس أنه وضع قدمه على بداية الطريق.

في السابق كان الرئيس هو من علقهم من آذانهم في الميادين وفي الجامعات والمنازل وداخل المؤسسات الإعلامية، يجلدهم بقانون الطوارئ ويطلق أيدي الحرامية من المتنفذين بسلب لقمة العيش من الفقراء وإيداعها في حسابات صفوة النظام من خلال مجالس الامتيازات التي أفشت ونشرت العفن والفساد بين الناس، التحدي الكبير يكمن الآن في أن تظل شوكة عطية جاهزة للغرس في ظهور من لا يقدرون ثورة الشباب، ومن معهم من كبار السن.