الفصل 11

12 0 00

في شهر شباط من هذا العام 1958 أعلنت الإذاعة و(الصحف) عن استفتاء عام يشارك فيه السوريون والمصريون مدنيين وعسكريين عن وحدة إندماجية بين سورية ومصر وبُلّغ جميع العسكريين بحضور اجتماع في سرية المقرّ الساعة الثامنة من صباح الجمعة 21 شباط (فبراير)، وبدأت الأهازيج الشعبية تعمُّ قرى الزوية ترفع صور جمال عبد الناصر رئيس الجمهورية المصرية، وشكري القوتلي رئيس الجمهورية السورية وتهتف لهما، وملأت صورة عبد الناصر فضاء عيوننا وأحلامنا، رأينا أننا نسير في الخطوة الأولى لتحقيق الوحدة العربية الشاملة وتحرير فلسطين، وما هي إلا مشكلة وقت. وكانت بهجة جيلنا الخاصة بنا أننا نشارك بالتعبير عن آرائنا لأول مرة في حياتنا لقد صار لنا أهمية حقيقية في الوسط الاجتماعي.

في مطلع تشرين الثاني عام 1953 ترشح أحمد القادري للمجلس النيابي على عهد أديب الشيشكلي وكان أستاذَنا ومديرَنا وكنا نحبه جميعاً لأنه كان يدخل في عوالمنا ويحدثنا بمحبة وباتزان وصرامة، هو الذي زرع فينا بذرة الوحدة العربية والإيمان بالقومية العربية، وكان يحارب التخلف في الريف. اعترضْنا في البداية لأننا نرى "الشيشكلي" ديكتاتوراً ومتسلِّطاً فصارحَنا أنه لايميل إلى "الشيشكلي" ولا يؤمن به لكن حجتَه أن الفلاحين وخاصة عائلته "بيت القادري" وهم من العائلات الكبيرة في جيرود يلحّون عليه أن يترشح وهو لا يريد من الوصول إلى البرلمان إلا ليتصدّى للأغوات الاقطاعيين ولإنعاش الفلاحين وحفظ حقوقهم؛ مع أن الأغوات لم يعد لهم ذاك التأثير في جيرود أو في المنطقة كلها.

ورغم عدم قناعتنا بطروحاته، ورغم أننا كنا دون الثامنة عشرة لا يحق لنا المشاركة في الانتخاب ورغم علمنا بأن انتسايه إلى "حركة التحرير العربي" يعني نجاحه الأكيد التففنا حوله نؤازره، ننتشر بين الناس نحثّهم على انتخابه وكل منا وعلى الأخص أصحاب الهوايات يؤدي دوره وفق هوايته. محمد بكار مثلاً يخطط "اليافتات" وبازيد يعلقها، وأنا كتبت كلمة ألقيتها في اجتماع شعبي عارم في ساحة "العجال" في جيرود ضمن مهرجان خطابي مجلجل. وقفتُ أمام الناس وعندما رفعتُ الورقة لأقرأها ارتجفتْ أصابعي فتمالكتُ نفسي، وعندما بدأتُ أقرأ بصوت عال ارتجف صوتي فصاح بي "حسون" مشجعاً لائماً "أستاذ!؟" فانطلقتُ بدفق من الشجاعة والثقة بالنفس أتابع "حلِّقوا في سماء الحرية" من مثل هذه العبارات الجوفاء التي صُغتها وقتَ كنت أتأثر جبران خليل جبران، وما إن انتهيتُ حتى دوّى التصفيق الحاد، وارتفعت هتافات التأييد للمرشح وللشيشكلي. تراجعتُ معتداً بنفسي كمن خاض معركة لتحرير فلسطين وانتصر فيها، وأنا على يقين أن الذين فهموا عباراتي لا يتجاوزون أصابع اليدين، لكنها تظاهرة في سبيل تحقيق الذات عل طريقة أستاذنا نفسه.

في صباح اليوم التالي كان عند أبي بعض الضيوف يتناولون الفطور، وكنت أنقل الصحون إلى المائدة فنظر إليّ الدركي "أبوعباس" بإعجاب وقال "لقد كنتَ أمس فحلاً بين الرجال وأنت تلقي ذلك الخطاب العظيم يا أستاذ" قال أبي مندهشاً "أي خطاب؟" قال أبو عباس " في العجّال لتأييد الأستاذ أحمد القادري" فحملق أبي إليّ بغضبة شديدة قلتُ متفادياً اللطمة "ليس أنا هذا محمد البوشي" قال أبو عباس "هل تتواضع؟ رأيتك رأي العين وأنا جالس بين الناس. الجميع كانوا ينظرون إليك باحترام" وشدّ أبي على أسنانه وقاوم غضبته وأنا أعرف أنه يحترم أحمد القادري لكنه لايرى أنه جدير بكرسي النيابة. كان من الموالين لمحمد الجيرودي نقيب محامي دمشق والسكرتير العام لحزب الشعب أحد الحزبين الرئيسين في سورية. وعندما غادرَنا الضيوف انقضّ أبي عليّ متوتراً مهتاجاً وحلف بالطلاق ألا أنام في البيت. تعلّمتُ آنذاك أن مشكلة الديموقراطية التي نطالب بها ونطبِّل ونزمر إذا كانت مفقودة في البيوت فكيف لها أن تطبق في الحياة السياسية العامة، إلا الوحدة فإننا نخاف عليها من رفيف جفوننا، صباح الجمعة 21 شباط (فبراير) 1958حضرنا الاجتماع ووزعوا علينا استمارات الاستفتاء وفيها سؤالان، الأول "هل توافق على قيام الوحدة بين مصر وسورية في دولة واحدة اسمها الجمهورية العربية المتحدة؟" والثاني "هل توافق على انتخاب جمال عبد الناصر لمنصب رئيس الجمهورية؟

تكلم فينا الرائد (هارون) قائد سرية المقرّ ودلنا أين نكتب "نعم" وأين نكتب "لا" وعلّق بشيء من الاستخفاف قائلاً بما معناه " اكتبوا "نعم" واحفظوا ماء وجهوكم لأن "لا" لاتعني شيئاً. وفي اليوم التالي 22 شباط (فبراير) أعلن وزير الداخلية عن موافقة الشعب السوري على الاستفتاء بأغلبية ساحقة وقامت المظاهرات العارمة في المدن السورية والمصرية، وضَؤُلتْ إسرائيل وركعتْ إنكلترا وفرنسا. وكان من أبرز نتائج الوحدة:

أ - منح جميع العسكريين وسام النصر، وهو وسام صغير علقناه على صدورنا ليغدو المجند فينا كأنه يحمل رتبة ضابط، وصارت تسميتنا "عسكري مجند" بدلاً من مجند وصارت تسمية الشعبة الثانية "شعبة المخابرات".

ب- تسريح الرائد (هارون) من الجيش.

عيّن المقدم المصري "قاسم محمد" نائباً للعقيد يوسف قائد اللواء. رأيته مرة واحدة: منتصب متجهم، لونه أشقر على خلاف المصريين. ومنذ أيامه الأولى استدعاني الملازم الأول فؤاد رئيس الشعبة وقال لي "رأى المقدم وهو عائد من القنيطرة عسكرياً يتصيد ببندقية صيد. يطلب إحضاره موجوداً وحجز بندقيته، وسيذهب معك سائقه الخاص ليدلّك على المكان" وأردف بهمس موشّى باستنكار مبطن "احذر يقولون إنه شديد البطش، يجب ان تنفذ المهمة".

كان التصيد ممنوعاً في منطقة الجبهة كلها. ذهبتُ بسيارة الشعبة يقودها فياض وركب معنا سائق المقدم، وعندما تجاوزنا "حيتل" في الطريق إلى الرفيد قال سائق المقدم لاهفاً "هنا" ثم أشار إلى عسكري مايزال يتصيد في منطقة منبسطة، طلبت من فياض أن يداهمه، وعندما وصلنا تفاجأ وجمد في مكانه، وعندما رآني تنفَّس الصعداء لكني اضطررتُ أن أحجز البندقية وآخذه معي. جلس مستغرباً مصعوقاً أن أنفِّذ أنا هذه المهمة، أحسستُ أن في عينيه كلاماً كثيراً لكنني أغضيت "خجلاً من نفسي" "نعوم" من رفاقي في دورة الأغرار وهو شاب مهذب كانت علاقتي به حسنة لأنه من أبناء قرية حفر على أطراف منطقة القلمون.لم يكن بيدي أن أفعل شيئاً "المقدم شديد البطش ومعنا سائقه شاهد علينا" حتى لوخطر لي أن أضحي بنفسي وأطلب منه الهرب وأدعي أنني لم أجده وأتهم بالتقاعس فلا آمن من سائق المقدم أن يشيَ بي ويكلف المقدم من يتعقب نعوم، ويزجني بالسجن معه. سلَّمتُه لمكتب المقدم وانسحبتُ إلى المكتب أكاد أمّحي من على الأرض، شعرتُ أنني ارتكبت عملاً خسيساً يتنافي مع الأخلاق وبتُّ كلما تذكرته أحس بالندم والصَّغار. دخلتُ المكتب فقال لي أبوعلي مندهشاً "مالك تبدو متوتراً متجهِّماً؟" قلتُ بحرقة "لاشيء يا أبو علي، وتواريتُ في غرفتي".

بعد أيام سمعنا بخلافات حادة بين المقدم قاسم والعقيد يوسف أكدها تسريح العقيد يوسف وإحالته إلى التقاعد خلال أقلّ من شهر، وشعرنا عن كثب بحقد الكثير من الضباط السوريين حقداً صامتاً دفيناً حتى الذين فرحوا بالوحدة وتهللّوا لها بسبب نقل بعض الضباط المصريين إلى "الجيش الأول" السوري وتعيين الضابط المصري قائداً للوحدة أو نائباً للقائد وفي كلتا الحالتين يحاول المصري أن تكون له السيطرة. وسمعنا بنقل الضباط السوريين غير المرغوب فيهم إلى "الجيش الثاني" في مصر وأُسندتْ إليهم مهامّ ثانوية. وبدأ ظهور أعداء الوحدة في سورية: الشيوعيون بحجة أنها "غير مدروسة" والحقيقة لأنهم أمميون والبورجوازيون بحجة أنها "مرتجلة" والحقيقة لأنهم يخافون من تسلّط البورجوازية المصرية على الأسواق السورية لأن سلعهم أرخص بسبب رخص اليد العاملة في مصر.

وفي المقابل يبدو أن إعلان الوحدة قد نشر الذعر في أوساط اليهود وبخاصّة الذين غرّرتْ بهم المنظمات الصهيونية باستفزاز مشاعرهم الدينية وجاءتْ بهم إلى "أرض الميعاد" المزعومة فشرعوا يتحيَّنون فرصة للهروب. كان بعضهم يتسللون إلى الحدود السورية يطلبون العودة إلى بلادهم فيساقون إلينا معصوبي العيون نحقّق معهم تحقيقاً أولياً ونرسلهم إلى قيادة الجبهة. منهم شاب انكليزي في مثل عمرنا حللنا العصابة عن عينيه، وأجلسناه يسهر معنا نلعب الورق "الكونكان" ونشرب الشاي وعندما فتحنا الراديو على خطاب لعبد الناصر سألناه:

- من هذا؟

- ناصر.

فترى أنك تعجب طائعاً بعبد الناصر الذي هو أعدى أعداء اليهود وترى أنك تحبّه من أعماقك وترى معنى الذعر في قلوبهم.

في العام 1959 رُفّع الملازم الأول فؤاد إلى رتبة نقيب ونقل إلى وظيفة مدنية، عيِّن بعده عدد من الضباط على التوالي برئاسة الشعبة بعضهم سُرِّح وبعضهم نقل إلى قطعة أخرى أو إلى وظيفة مدنية، والمساعد أبو علي مايزال على حاله يغيّب الشموس ويعدّ الأيام لايريد من العسكرية إلا طاولة وكرسياً ومركزاًَ مرموقاً، فيما ازدادت أهميتي والحاجة إلي، وازداد احترامه لي ومودته فكنتُ أبادله الاحترام والمودة باحترام ومودة أكبر.

في أوائل نيسان جيء بالنقيب "نخلة" من أوساط القطعات المقاتلة رئيساً جديداً للشعبة ولم تكن عنده دراية إدارية ولا "مهنية" أعني في مجال الاستخبارات ومنذ اليوم الأول عَرض عليه البريد رئيس القلم المساعد الأول "أبوعلي" فقلّب الرسائل ووجه له بعض الأسئلة فلم يجبه إجابة شافية. طلب منه أن يكتب رسالة جوابية لقيادة الجبهة عن بعض الاستفسارات وأن يعرضها عليه قبل الطباعة فغَصَّ بها "أبوعلي" الأكثر ضياعاً، ولم تُرضِ النقيب ولم تلاقِ عنده إلا غُصّة مقابل غُصّة. كانت الحدود بين الانفعال والزمجرة ولهيب العينين وارتجاف الشفتين وبين الرضا والابتسامة المنقبضة قصيرة عنده. فانقض على "أبوعلي" الحييّ وسرعان ما ثبت كتفيه بالغضبة الفنية القاضية، واضطر أن يتعامل بخبث مع مجند ليس في القلم سواه. قال لي بأنفة الراغم المكابر "أنا مشغول، خذ صُغ هذه الرسالة وأعدْها إليّ" صُغتُها، وأعدتها فقرأها بعينين مجدولتين بعظمة الضابط وتَوَه الباحث عن توكيد نفسه، وحرّك رأسه يمين يسار حركة عدم الرضا. وضعها جانباً واستلّ "قلم الرصاص" وبدأ يكتب مثل مَن شمَّر عن ساعديه ثم أخذ يمحو بالممحاة ويعاود الصياغة وأنا واقف أمامه أنتظر، ثم نفخ ساخطاً وقدم لي الرسالة التي كتبتها وقال "خذ اطبعها" ثم استوقفني عند الباب مشيراً أن أعيدها إليه وعاد يقرؤها من جديد، فأمسك بقلم الرصاص وبدّل إحدى العبارات مثل كلمة "مضى" بَدَل كلمة "انصرف" وقال بكبرياء "خذها واطبعها"

بدأ عمله الجبار عندما قامت مظاهرة طلابية في فيق بعد أيام أسبابها الحقيقية خلاف مع إدارة الثانوية لكن المخبرين عزوها لأسباب سياسية، واتهموا الحزب الشيوعي أنه وراءها. فكلَّف النقيب نخلة مخفر الشرطة العسكرية أن يقمعوا المظاهرة ويعتقلوا عدداً من الطلاب يسوقونهم إليه، فوضعهم في غرفة السجن وصار يستدعيهم إلى قلم الشعبة أربعة أربعة يحقِّق معهم، وإذا بمدير منطقة الزوية المقدم حسن يدخل المكتب قادماً من فيق قائلاً للنقيب بسخرية وبلا مقدمات "عامل قاضي اولاد؟" فوقف النقيب مرتبكاً وأدى له التحية "احترامي سيدي" وأفهمه حقيقة الإضراب وطلب منه إطلاق سراحهم رافضاً محاولة الاحتجاج، مستهيناً بوشاية المخبرين.

ذات يوم كنتُ وحيداً في المكتب "ابوعلي" رافق رئيس الشعبة للقيام بجولة على إحدى القطعات العسكرية فجاءني أحد عناصر الشرطة العسكرية من مخفر الرفيد بأربعة مدنيين يستقلّون سيارة حكومية، ضُبطوا متَّجهين إلى الحمة ومعهم تصريح لمدة شهر بدخول الحمة مرة واحدة وقد استهلكوها. دخلوا المكتب قلقين مرتبكين فسلمني الشرطي التصريح ووقّعني على استلامهم وانصرف. رأيتهم من سيمائهم يبدون موظفين مرموقين قلت لهم "تفضلوا اجلسوا" فجلسوا على حذر خشية أن يكون طلب الجلوس فخاً من أفخاخ المخابرات، لأن للمخابرات دائماً رهبة وخاصة أيام الوحدة.

قرأتُ التصريح ففوجئتُ باسم أولهم "فوزي الخباز" أمين عام وزارة الأشغال والثاني رئيس المهندسين والثالث مدير المشروعات. طلبتُ من الحاجب أن يعدّ لهم القهوة ومزّقتُ "التصريح" فانجذبوا وتمالكوا أنفسهم، وأخرجتُ نموذج "تصريح" جديد موقَّعٍ من رئيس الشعبة ممهورٍ بالخاتم، كنا مفوضين بمنحه لأشخاص موثوقين في حال غياب رئيس الشعبة أو انشغاله. نظّمته وملأتُ فراغاته، ونظرت إليهم فرأيتهم يحاولون احتساء القهوة كمن يتجرع العلقم حاولتُ معرفة المهندس فوزي فلم تسعفني ذاكرتي سألتهم "من منكم الأستاذ فوزي؟" قال بحرج" أنا " سلَّمتُه "التصريح" وقلتُ له هذا "تصريح" جديد بدخول الحمة لمدة ستة أشهر ولعدة مرات جذبتْهم المفاجأة وشرحتْ نفوسهم وأخفت الهواجس من ملامحهم. سألتُه من جديد "هل تعرف شخصاً اسمه أبوقاسم هزيم؟" فمدّ إصبعه مبتهجاً قائلاً "أنت عبد النبي" وهرع إلي يعانقني. وسألني عن أبي وعن عمي وعن إسماعيل وقال معجباً "الله الله أمس كنت صغيراً يصطحبك والدك عندما يزورني".

في اليوم الأول من رمضان 1378هـ الخميس التاسع من نيسان بدأ أول صدام حقيقي بيني وبين النقيب نخلة. اتصل بي في فترة السحور وقال لي ببساطة:

- أحضر لي وجبة السحور من نادي الضباط.

- لماذا لا يحضرها لك أحد عناصر النادي؟

- مشغولون. أنا أقول لك أنت.

- آسف.

- آسف!!!؟

- سيدي النقيب هذا موضوع شخصي

- أمر عسكري. ترفض؟

- تستطيع أن تنقلني إلى الصفوف الأمامية، أنا حاضر لحمل البندقية..

فأقفل السماعة وأنا أستغرب هذه المجاملة "في الصيام" إن ثمة عدداً من الضباط المسلمين لايصومون، وتذكرتُ مثلاً يقول "أسلم بشارة لازادوا الإسلام ولا نقصوا النصارى" وأنا على ثقة أنه لن يستطيع أن يفعل بي شيئاً لأنه سيغدو هو و"أبوعلي" كالمعصوبة عيونهما. إنها مجازفة تعني فشله، وفشله يعني التأثير على مستقبله العسكري، لكني توقعتُ أن ينتقم مني بأسلوب ما. في الصباح قال لي "أبوعلي":

- والله عرفتَ كيف تتعامل معه.

- لماذا لاتتصدى له أنت الآخر؟ صدقني إنه جبان.

- أنا أريد سلتي بلا عنب أنت مجند لايهمك الأمر لكنه إذا فرض بحقي عقوبة ستؤثر على مستقبلي كله.

ورن جرس الهاتف فرفع السماعة وقال بارتباك"أمرك سيدي حاضر سيدي" وقال لي "النقيب يطلبك الآن الآن" دخلتُ مكتبه فبادرني قائلاً:

- جاءتنا إخبارية أن بعض المهربين يدخلون الحدود السورية قادمين من الأردن عبر حقول الموز في قرية اسمها "الياقوصة" أريدك أن تذهب وتستطلع الموضوع.

- آخذ السيارة معي.

- خذها.

- والعريف يونس من سرية الاستطلاع.

- خذه.

قال لي يونس ونحن في الطريق:

- هذا رجل مجنون، كيف يورطنا وهم كثرة ونحن اثنان.

- نحن ثلاثة. معنا فياض.

- لكننا لا نحمل إلا مسدساتنا والمهربون يحملون أسلحة رشاشة.

- نفعل كما فعل أبو دلامة.

وحكاية أبي دلامة أن أحد الخوارج أخذ يجول بين الجيشين المتقابلين والشرر يقدح من سيفه وعينيه متحدّياً أن يتقدّم إلى مبارزته أحد، وكان الخليفة غاضباً من أبي دلامة فقال له "عليك بالخارجي هيا اكفنا شرّه يا أبا دلامة" اندهش أبو دلامة وظن أن الخليفة يمازحه وإذا به ينتهره بإصرار "هيا يا أبا دلامة" طلب أبو دلامة دجاجة مشوية فقال الخليفة "أعطوه" فحملها وتقدم من الخارجي فهمّ به الخارجي مشهراً رمحه. قال له:

- انتظر. هل من ثأر بيني وبينك يا أخا العرب؟

- لا.

- أيرضيك أن تقتل نفساً بغير حق؟

- لا.

- أيرضيك أن يصير أولادي أو أولادك يتامى، وزوجتي أو زوجتك أيِّماً.

- لا.

- إذاً سمِّ بالله وهلمّ نقتسم هذه الدجاجة.

وفيما كان الجميع ينتظرون أن يهمَّ الخارجي بأبي دلامة يوجّه إليه طعنةً نجلاء ترديه قتيلاً، أو يولي أبو دلامة الأدبار ويندس بين صفوف الجيش متوارياً رأوا كلاً منهما يتهادى راجعاً نحو عسكره. وامتثل أبو دلامة أمام الخليفة مزهواً قائلاً "مولاي ها أناذا كفيتكم شّر الخارجي"

العريف يونس من محافظة اللاذقية شاب متين البنية رشيقٌ صلبٌ، أشقر الشعر مزهر الوجه أزرق العينين كان يمازحني قائلاً "أنا ألمانيّ الأصل" كنا صديقين وكان كتلة من النخوة والمروءة والوفاء يزورني دائما، وكان قليل الكلام.

عندما وصلنا إلى حقل الموز قلت في نفسي" صحيح أن المغامرة في مثل سننا متعة، لكن مهمتنا تُعدُّ تهوراً. طلبنا من فياض أن يضع السيارة في مكان بعيد ويعود إلينا وتوغلنا في حقل الموز ونصبنا كمينا قريباً من حافة الياقوصة التي سماها العرب إبان معركة اليرموك الشهيرة "الواقوصة" في العام (15هـ - 636م) كان عدد جيش الروم (70) ألفاً مدجَّجين بأعتى الأسلحة، وضع قائدهم الفرسان بعد أن قيدوا خيولهم بالسلاسل على حافة الواقوصة حتى إذا أزمعوا الهرب يسقطون في أعماقها السحيقة هالكين، وكان جيش المسلمين (41) ألفاً يقودهم خالد بن الوليد.

وأطبق الظلام علينا فقال فياض متذمِّراً:

- أذّن المغرب ياشباب وسيؤذن العشاء ونحن صائمون.

- نحن في حقل الموز.

فأخذنا نتلمّس في الظلام عناقيد الموز الكبيرة، ونتحسَّسُها ويقتطف كل منا حبّة ورحنا نأكلها بنهم الصائم المتعب، وإذا بها قاسية نابية الطَّعم سرعان مابصقناها وحتى تلك الساعة لم أكن أعرف أن الموز لايؤكل على أمه، يوضع في أماكن رطبة ردحاً من الزمن حتى ينضج، فمضينا إلى بيت المختار إبراهيم السالم وهو رجل طويل أسمر بشوش رحبّ بنا وقدم لنا بيضاً مقلياً بالزبدة البلدية مع اللبن الطازج. قال لنا ونحن نشرب الشاي "لا وجود لمهربين في هذه الديار. إنها أكاذيب مخبرين مغرضين" فأدركنا ونحن عائدون إلى العال أن المخبر غرَّر بالنقيب، والنقيب غرَّر بنا. ولكن من هو هذا المخبر؟ في اليوم التالي قال لي يونس "عرفت من هو المخبر بالمصادفة. سألني مستخفّاً "ألم تمسكوا بأحدٍ من المهربين" قلتُ "قال لنا مختار الياقوصة المخبر كذاب ولا وجود لمهربين قال "بل هو الكذاب، هو يتعامل مع المهربين وله حصة يأخذها منهم. أنا المخبر" سألتُ يونس بلهفة "من هو؟، ما اسمه؟ " قال "لستُ أدري كيف زاغ بصري عنه، وتسلل مختفياً عن عيني كأنه الشيطان الرجيم "

في الليل سمعنا صوتاً يقول "أنا الملك الأحمر" ويطلق النار من "الساموبال" رشّاً ودراكاً بجانب قيادة اللواء. تقدمتُ نحو الساحة بين من تقدموا وحاولنا اتقاء الرصاص بالتحكم بجوانب الجدران، وانبطح عدد من سرية الاستطلاع وأخذوا يزحفون نحوه بحذر. عرفنا أن اسمه حمدي وأنه عنصر في إحدى الدوريات التي تتفقّد الكمائن وأنه تحكّم خلف مجند من حماة أخذه رهينة وأجبره أن ينبطح أمامه وراح يهدد من يحاول الاقتراب بأن يقتل الرهينة. عاش الجميع على أعصابهم حائرين يصغون إلى الملك الأحمر، وإلى إطلاق النار بين فينة وأخرى. صاح به أحد الضباط يعده بإجازة، بالنقل إلى أي مكان يريد، بإعطائه النقود دون جدوى ساعتين ثلاث ساعات وربما أكثر أو أقل وهو يثير الغضب عند بعض والسخرية عند آخرين حتى انقض عليه الحموي (الرهينة) وخلصّه السلاح، وجيء به إلينا.

جلس حمدي يبتسم هادئاً وديعاً لامبالياً، وتبخّرتْ منه تلك "العدوانية" التي أثار بها ما أثار من قلق وتوتر. انفردتُ به وحاولت التقرب منه سألته "لماذا فعلتَ ما فعلت؟" فأجابني بابتسامة بلهاء لامعنى لها. وجهتُ له بعض الأسئلة الأخرى من باب الإشفاق على حاله العجيب راغ عنها جميعاً وخاصة الأسئلة التي تتعلق بوضعه العائلي، ولم أفهم منه سوى أنه من محافظة دمشق قرية كفرسوسة. صَعُبَ عليّ حاله فحاولتُ أن أعرف - بفضولي الشخصي - ما إذا كان فيه خلل عقلي وأنها نوبة جنون تخفِّفُ عنه أحكام القاضي الفرد العسكري فلم أستطع. قال عنه رفاقه المجندون الذين يعيشون معه "إنه طبيعي" وقال مَن أعرفهم من أبناء كفرسوسة "إنهم لايعرفون عنه الكثير" فأمر رئيس الشعبة بتحويله إلى القاضي الفرد العسكري.

كنتُ جالساً أمام المكتب مساءً فتقدم مني شاب مدني مثل دودة خرجتْ من شرنقة قصير عيناه عمشاوان ضيِّقتان وشفتاه غليظتان، حياني وقال لي:

- أنا أراك دائماً لكنك لاتعرفني. كنت أظنّ في البداية أنك ضابط ففوجئتُ عندما قيل لي إنك مجند وإنك كنت معلم مدرسة، لكنك عليم الله يا أستاذ أنك ابن نعمة وجميع الذين يعرفونك يحبونك ويقدرونك. أهنئك لأن هذا الحبّ وهذا التقدير نعمة من الله.

- من أنت؟ ما اسمك؟

- اسمي فواز حارس في أحد مستودعات الجيش في فيق.

وجلس القرفصاء قريباً مني وتابع قائلاً:

- من ليس له حظ لايتعب ولا يشقى. كيف أستطيع أن أرى النقيب نخلة؟

- في مكتبه.

- ليس موجوداً.

- ماذا تريد منه؟

- أن يتوسّط لي لأن رئيس المستودع متحامل عليّ.

- من أين تعرف النقيب نخلة؟

- كان آمر سريتنا. كنتُ جندياً متطوِّعاً وسرِّحتُ لأسباب صحية.

ونهض وحياني وانصرف. أحسستُ أنه رغم شكله - الذي يجعلك تشيح عنه مستخفاً - داهيةٌ ذَلقُ اللسان قادرٌ أن يدخل في الآخرين دخولاً سلساً ويقنعهم بما يريد وأنه ممن يقال فيهم "يُخرج الحيّة من وكرها" بعد دقائق استدعاني النقيب فوجدتُ عنده "فواز" يقف جانباً. قال لي:

- إذهب غداً في الصباح المبكر إلى قرية الشجرة على الطرف الثاني من وادي الرقاد

في بيت المدعو "شحاذة" سلاح مهرَّب من الأردن.

- سلاح؟

أجاب فواز متباهياً "نعم سلاح وذخيرة، رأيتها بعيني" تابع النقيب:

- خذه معك يدلّك على البيت.

- بالسيارة عبر الرفيد؟

- لا. سيراً على الأقدام عبر وادي الرقاد. إنها مهمة استخباراتية حتى لا تنكشف.

- آخذ معي يونس؟

- خذه.

قال لي يونس عندما أخبرته " يبدو أن النقيب سيوقعنا في ورطة "

- هذه أوامر لانستطيع أن نرفضها.

- ألا نضع خطة؟

- عندي اقتراح عندما نصل إلى الشجرة أذهب وحدي وتبحث أنت عن دورية درك لتؤازرنا عند الضرورة.

- وإن لم أجد؟

- تنتظر في بيت المختار، وأنا عندما أحسّ بالحرج أطلق النار في الهواء فتتبعني، مارأيك؟

- معقول، ولكنها مغامرة غير مضمونة.

كنا ننفِّذ المهمات باللباس المدني، ولم يكن مسموحاً لنا في الإجازات. نهضنا قبل طلوع الشمس وعندما رأى يونس "فواز" قال متفاجئاً:

- أنت؟ مخبر الياقوصة؟

- لاهذه مضمونة، والياقوصة كانت مضمونة.

- لكنني علمتُ أمسِ مساء أن ابراهيم السالم مختار الياقوصة ضربك وطردك من القرية لأنك كنت تتحرش بالبنات.

- أنت صادق لكن الذي قال لك كذاب. أنت سيد العارفين الناس في منطقتنا يكرهون المخبرين لأنهم حريصون على سمعة الوطن ولأنهم يكشفون الذين يفعلون السبعة وذمتها في الخفاء على حقيقتهم.

كنا في السيارة نتجه إلى قرية "جيبين" على حافة الوادي. وعلَّق فياض قائلاً "طوش غمار" يعني باللهجة الحمصية "فوضى" لقد تعرفت خلال خدمتي العسكرية إلى جميع لهجات المناطق السورية وإلى طباع أهلها كما يمثِّلها العسكريون. ووصلنا إلى جيبين ونزلنا على حافة الوادي فودعنا فياض وانصرف، وعندما أشرفنا على الوادي رأينا جانبيه ينزلقان انزلاقاً حاداً بحيث يستحيل على المعزى عبوره قال فواز "سترون أنها سهلة كشربة ماء" وتقدَّمَنا في مسار لولبي عبر مسالك يبدو أنها مطروقة لاتراها إلا عين الخبير. وبدأت الشمس تكشف ذاك الفضاء الربيعي يفوح منه عطر الأزهار الزاهية الملونة، والنحل يمتصّ رحيقها والفراش يرفرف حواليها بأجنحة شفافة بيضاء وملونة، ودود الربيع يسعى بينها زاحفاً وديعاً بوبره الزاهي، وهدهد ينتصب على صخرة مزهوّاً بتاجه المرصع، وعصافير الجنة بأجنحتها الخضراء والصفراء والزرقاء، وعصافير "الدوري" الرمادية تتقافز بينها، وشحرور أسود كعبوس عذراء مغناج، و"أوركسترا" تهب الطبيعة مزيجاً من الموسيقا الناعمة الهادئة تغسل صدأ النفوس. مناظر تملأ القلب والعين بالبهجة والتفتّح للحياة، تحاول أن تذروك في سبحات الأحلام لولا هواجس أن تزلّ قدمُك، فتخزّنها في أعماقك وتتابع الهبوط.

وصلنا إلى قاع الوادي والمياه تتدفّق غزيرة في مسالكه الصخرية الضيقة على شلالات يتطاير منها الرذاذ، ثم تتهادى في المخاضات الرملية العريضة. قال فواز:

- هذه عمقها بطول قامة رجل.

علّق يونس مازحاً:

- رجل بطولك؟

- المهم لانستطيع أن نعبرها إلا عراة.

- وثيابنا؟ ومسدساتنا؟

- اتبعوني.

كانت الوسيلة الوحيدة أن خلعنا ثيابنا، ولفّ كل منا أنا ويونس مسدسه وألقيناها فوق أحد المسالك الضيقة إلى الجانب الآخر، وعبرنا الوادي سباحة من المخاضة، ودون أن نلتقط أنفاسنا بدأنا بالصعود بكل مالدينا من صبر وجبروت حتى بلغنا ظهر الدنيا فألفينا بيتاً من الشعر مفرداً والدجاج يسعى بين أطنابه فأوينا إليه وتهالكنا تحت ظله لاغبين يهدنا الجوع والظمأ. رحّبتْ بنا امرأة عجوز يزين الوشم وجنتيها وأصابعها "ياهلا ياهلا" وقالت بحنان وإشفاق:

- سأحضر لكم الماء، ماؤنا نظيف.

- نحن صائمون ياخالة.

- أصلحكم الله يا أولادي، إن الله أعفانا من الصيام مع السفر.

وصبَّتْ لنا طاساً من الماء كرعنا منه حتى كادت بطوننا تمتلئ، فوضعت العجوز أمامنا طبقاً من البيض المقلي بالزبدة وصحناً من اللبن وبضعة أرغفة من خبز "الصاج" وقالت متهلِّلة

- تفضلوا. على الميسور.

- ميسور غانم.

واندفعنا نلتهم الطعام كأننا نخشى أن يطير من بين أيدينا، أحسستُ بغباشة طافت بعيني حولت الوهج إلى سحابة ظلام، ثم أحسستُ بالارتخاء، وإذا بالعجوز تقدم لنا القهوة المرة وصبت لكل منا ثلاثة فناجين. وشرعنا نتمالك أنفسنا ونهم بالنهوض فقالت العجوز.

- البيت بيتكم اقعدوا قدر ما تشاؤون.

- نحن مستعجلون ياخالة.

فصبت لكل منا ثلاثة فناجين أخرى أنعشتنا، وبعثت فينا القوة. ودّعنا العجوز نكن لها في قلوبنا زخماً من الاحترام والتقدير، ولاأذكر أنني أكلتُ في حياتي أطيب من تلك اللقمة.

افترقنا أنا ويونس عند مدخل "الشجرة" تركته يذهب إلى بيت المختار ويسأل عن دورية الدرك، وذهبتُ مع فواز إلى دار بابها موارب مخلّع، طرقه فواز منادياً "شحاذة" ودفعه ودخل مشيراً إليّ بالدخول، ففتح لنا "شحاذة" باب إحدى الغرف مكفهرّ الوجه بمجاملة أسوأ من خصومة، فدخلنا وجلس فواز قريباً من العتبة وأشار لي بالجلوس وشحاذة مايزال واقفاً منزعجاً. قال له فواز باعتداد:

- شحاذة. دعنا نرى أين تخبئ صناديق الأسلحة؟

فانفجر "شحاذة" في وجه فواز قائلا:

- ياكلب يا ابن الكلاب. تقتحم داري ومعك زعران تخيفنا أنهم مخابرات؟

- أقول لك أخرج صناديق الذخيرة.

فانقض عليه شحاذة بشراسة لكن فواز انسلّ هارباً فأمسكوه في ساحة الدار وانهالوا عليه ضرباً بالأحذية. وقفتُ حائراً وأحسستُ أنه ورَّطنا، وفيما حاول بعضهم أن يقترب مني أشهرتُ مسدسي أطلقت النار في الهواء وقلت "أنا مخابرات وهذه بطاقتي" توقفوا متحفزين وبدا لي أن المسدس وإطلاق النار وكلمة "مخابرات" لم تخفِّف من هيجانهم، وفيما أبعد نفرٌ منهم من حاول أن يداهمني دخلتْ دورية الدرك ومعها يونس. وأخذوا فواز وشحاذة وشخصاً آخر ومضينا إلى بيت المختار وهموا بضبط الإفادات فرفضت أنا ويونس وبينّا لهم بطاقتينا. سألني رئيس الدورية:

- معكم مهمة رسمية مكتوبة؟

- لا.

- ألا تعرف أنك اقتحمتَ بيتاً بدون إذن من النيابة؟

- أنا أنفذ أوامر رئيس الشعبة وهذا اسمي.

- لكنّك أوقعتَ نفسك بمخالفة قانونية يدينك فيها القضاء، وفيها سجن.

الحقيقة أنني لم أكترث كثيراً، وانفرد بي المختار وقال لي:

- شحاذة رجل محترم. حاول هذا النذل فواز التحرش بأخته أكثر من مرة، فأوسعه شحاذة ضرباً، وهذا ما دفعه أن يدسّ عليه عند المخابرات. فواز من قريتنا والجميع يحتقرونه ماذا تعرف عنه؟

- لاشيء.

قال لي المختار كان فواز جندياً متطوعاً فوقع بالأسر هو وجندي من مديتة السويداء وعندما أُطلق سراحهما عادا إلى الخدمة فعُيِّن رفيقه في حمص وفواز في السويداء، فأخذه إلى أهله وأوصاهم به. أسكنوه في دراهم مع العائلة بلا أجرة وكأنه ابنهم. عندهم بنت في الصفّ الثامن طفلة في السادسة عشرة، استطاع فواز بخبثه الشديد أن يغويها رغم أنها أخت رفيقه، وبحجة أن الدروز لا يزوجون بناتهم للسنّة هربت معه إلى القنيطرة. لجأ إلى قائد الجبهة ورغم أنه درزي لفلف الموضوع وأعطى البنت إلى أهلها وسرَّح فواز من العسكرية. بعد أيام لجأ فواز إلى قائد الجبهة يشكوه الفقر ويستعطفه فعيّنه حارساً في أحد مستودعات الجيش في فيق.

إنني بقدر ما حقدت على فواز اضطررت إلى مجاملته ليرشدنا إلى طريق العودة وعندما خرجنا من الوادي ذهبتُ إلى كتيبة النقل فأسعفتني المصادفة أن ألقى في المكتب "مصطفى" وهو من رفاقي في دورة الأغرار ومن الناصرية، فأرسلنا بسيارة إلى العال وصلنا إليها بعد منتصف الليل.

فتحتُ باب غرفة السجن وجررتُ إليها فواز، وبلا مقدمات انهلتُ عليه بالضرب حتى كدتُ أعطبه لولا دخول الحارس خلّصه من بين يدي، وذهبتُ إلى النوم. في الصباح أيقظني الحاجب "النقيب يريدك في غرفته" وما إن دخلتُ عليه حتى انقضّ عليّ بهجوم صاعق وكلماته الراجفة تتدفّقُ علي دون أن يفسح لي المجال أن أوضِّح له الحقيقة "تركته بين أيدي الناس يضربونه ووقفتَ إلى جانب المتهم وتبنّيتَ أكاذيبه وعندما وصلتَ أشبعته ضرباً. أنت تريد أن تنفِّر المخبرين من العمل معنا؟..."

صبرتُ على هذا الأحمق حتى فرّغَ شحنته، أستغرب كيف يُسندُ إلى مثله عملٌ لايعرف منه إلا مايعرف الخياط من مهنة النجارة. وحدَّثته بما جرى بالحرف الواحد فسكتَ حرصاً على طيّ الموضوع لاقناعةً بما قلتُ. ولعله لولا المكابرة أدرك خطأه لكنه طيَّب خاطر فواز ومنحه مكافأة وصرفه.

بعد أيام جاءتنا رسالة "سري جداً" من مدير منطقة الزوية يطلبُ معلومات عن مهمتنا ويبين خطورة مخالفتنا للقوانين فاحمر وجه النقيب ثم أشار لي بالانصراف. قلتُ له "يجب أن تجيبه بعبارة بسيطة: أخذنا علماً بالموضوع حتى لا يتابعه في القضاء" فكرّر إشارة الانصراف وكلّ مَن سألتهم أفادوا أن النقيب جبان أرعن وأنه برعونته سيوقعنا أنا ويونس بين أيدي القضاء.

ومن سوء حظي أن العقيد يوسف سُرِّحَ من الخدمة وإلا كنتُ استجرتُ به، وصار المقدم قاسم قائداً للِّواء وعين المقدم "أحمد" نائباً له وهو دمشقي عبوس على عكس الملازم االأول فؤاد. فقرَّرتْ المجازفة وكتبتُ رسالة موجَّهة إلى مدير المنطقة باسم النقيب: "أخذنا علماً بالموضوع وهو موضوع أمني سريّ يتعلق بتهريب أسلحة من الأردن، أرجو غضّ النظر وسنتولى نحن الإجراءات وفق ضرورات الأمن" ومهرتُ الرسالة بخاتم الشعبة وباسم النقيب كان في مكتبنا من أجل منح رخص الذهاب إلى الحمة، وأرسلتها بالبريد.

كنت جالساً على باب المكتب وعندي مجند حلبي راسب كفاءة مثلي، وكنا نتذاكر بأهم ماقرأ كل منا من روايات "دوستويفيسكي" و"تورغنييف" و"تشيكوف" فجاء مجند يسأل عنه يبدو أنه من أصحابه. قدمه لي قائلاً "أبو الملوك" مجند يهرب ويسجن ثم يهرب ويسجن وقد مضى عليه في العسكرية ثماني سنوات. فانتصب أبو الملوك متباهياً، وتقدّم جاسم ووقف في مواجهتي وخبط قدمه بالأرض وهو يؤدي التحية العسكرية قائلاً "العريف أبو عدنان سيدي النقيب" وأقبل ملازم أول كهل "صفوف أو شرف" وسمع ما قاله جاسم فتوقف متجهاً نحوي. وقفتُ فانسلّ أبو الملوك وصاحبه مبتعدين تسمرّ جاسم في مكانه. سألني:

- ما هذا المكتب؟

- قلم الشعبة الثانية.

- وأنت؟

- المجند..

- ماهو عملك؟

- هنا بقلم الشعبة.

- حاجب؟

- كاتب.

وسأل جاسم:

- وأنت؟

- المجند جاسم حاجب بقلم الشعبة الثالثة سيدي الملازم الأول.

- امشوا معي.

وأخذنا إلى مكتبه وإذا به القائد الجديد لسرية المقرّ. استدعى الحلاق وقال له مشيراً "على الصفر" قلت له "انا أقوم بمهمات باللباس المدني سيدي" قال للحلاق مؤكداً بصرامة "احلق شعره" سألته "أتسمح لي أن أتصل بالنقيب رئيس الشعبة؟" قال لامبالياً "اتصل من القلم" وفيما وضع جاسم رأسه بين يدي الحلاق، اتصلتُ مع النقيب وطلبتُ منه أن يكلم قائد السرية فقال لي كلمة واحدة "عسكرية" قلت بشيء من الغضب "أنا لا أكلمك لأسباب شخصية ولكن لضرورة العمل" كرّرَ بحسم "عسكرية" وأقفل السماعة.

جاسم من أعزّ أصدقائي وهو من أصل بدوي أسمر حالك السمرة، لكنه يلفت النظر بأناقته وذكائه ومرحه، يضع السيدارة على رأسه ويطلق من الأمام باقة من شعره الأجعد، والآن قام من على الكرسي ورأسه كالبطيخة الملونة بالسواد، نظر إلى المرآة وتنهّد بعمق وسرعان ما طمس رأسه بالسيدارة. وعندما انتهينا بلغنا رئيس قلم السرية أننا مكلفان بالحراسة الليلية.

بدأتُ أحسُّ كأنني شخصان أحدهما ينفّذ الأوامر والآخر يراقب ساخراً سخرية مرّة مؤلمة. أدركتُ أن هذا الأرعن رئيس الشعبة لن يوفِّر أية فرصة يستطيع أن ينتقم فيها مني ويذلّني، رغم أنه شديد الحرص على خدماتي. وكانت ردة فعلي الأولى استئناف الدراسة وتقديم امتحان "الكفاءة" هذا العام، والتحرر من لقب "راسب كفاءة" وردة فعلي الثانية الاستهتار بالعمل.

قيل لي إن النقيب "ليون" يؤسس فريقاً لكرة القدم في اللواء، وهو الذي كان يدرب فريق "الشرطة العسكرية" الشهير والأقوى في سورية. وقفت بين مجموعة من المجندين والعرفاء وبعض الرقباء. طلب منا النقيب أن نقترب منه فُرادى وأخذ يمتحننا بحركة واحدة يرسل الكرة ويطلب إعادتها إليه. وبالتالي صرف الجميع ولم يبقَ سوى خمسة عشر. أخضعنا لبرنامج تدريبي صباحي لرفع سوية لياقتنا البدنية بدأه بالجري ساعة واحدة تتخللها استراحة عشر دقائق، ثم زادها بعد ثلاثة أيام إلى ساعتين ثم زادها إلى ثلاث ساعات. وأنا أحسّ بمتعة كالتمتع بأزهار الربيع أنني أحقِّقُ أحلاماً دفينة في صدري. نشأت على حبّ كرة القدم لكني لم يكن يخطر لي أن أنال تدريباً كهذا التدريب على يد مدرِّبٍ كهذا المدرب. ثم بدأ بتدريبنا على "التكتيك" نجري على محيط الملعب فيتقدم الأخير من يمين الذي أمامه ثم من يسار الذي يليه في حركة لولبية حتى يصل إلى المقدمة. وبعد أسبوع بدأنا بتدريب آخر: نقف على نسق عند خط العرض، وعندما يطلق الصافرة علينا أن نتجه جرياً إلى الأمام، ثم يطلق الصافرة فيتوقف كلٌّ منا ويعود بأقصى سرعة إلى الاتجاه المعاكس. وأخيراً اغتال رئيس الشعبة هذه الفرحة في نفسي ومنعني من الاشتراك بالتدريب، ولم يكتفِ بل بلغ المدرب بحجة أنني أترك عملي.

اشتركتُ - من وراء ظهره - بفريق الكرة الطائرة، وسافرتُ مع الفريق إلى دمشق كلاعب احتياطي لمدة ثلاثة أيام لكني لم أنزل إلى الملعب.

وحلّ عيد الفطر يوم الأحد في عزّ فصل الربيع العشرين من نيسان. وفي اليوم التالي طلب مني رئيس الشعبة أن أهبط على كفر حارب وأحضر رجلاً معصوب العينين على أنه جاسوس يتسلل إلى الأرض المحتلة كلّ يوم. وأخذ يشرف على التحقيق معه بنفسه مستعملاً كل وسائل التعذيب من ضرب ورفس، وإذا أغمي على المتهم يطلبُ أن يصبّ عليه الماء، ثم يسلط التيار الكهربائي من الهاتف على أعضائه التناسلية مستعينا بعنصرين من سرية الاستطلاع لم يكن معهما يونس. يسأل المتهم "هل تتسلل كل يوم إلى الأرض المحتلة؟" يقول المتهم في محاولة للخلاص من التعذيب "نعم"

- هل تقابل يهودياً يرتدي اللباس الأزرق؟

- نعم.

- هل تعطيه أماكن تمركز الوحدات؟

- نعم.

- هل يعطيك نقوداً؟

- نعم.

- بالدولار؟

- نعم.

- هل أنتم عصابة جواسيس؟

- نعم.

- أعطني الأسماء.

فيمتنع المتهم، فيطلب رفع وتيرة التعذيب حتى يدلي المتهّم بأيّ اسم يخطر على باله. فيقول رئيس الشعبة "أحضروه" حاولت أن أفهمه أن هذا تحقيق تلقيني لايجوز، فقال لي بَحَنق "اخرج أنت من الموضوع، ولاتحضر التحقيق" وبدأ يجرّ بهذا الأسلوب رجالاً من كفر حارب بلغوا أكثر من ثلاثين. أرسلهم بسيارة شاحنة معصوبي العيون إلى الشعبة الثانية في قيادة الجبهة، وأرسل تقريراً بيد رئيس قلم الشعبة.

أهالي كفر حارب هم من نخبة أهل الزوية في التعليم، مشهورون بالنفس التقدمي وجميعهم وحدويون، وفيهم شخصيات اعتبارية معروفة في المنطقة كلها. قال لي يونس:

- يقول المثل الشعبي " اللي بحبّ النبي يخلي"

- ولكن إلى أين يونس؟ وهل النقل بيدي؟

- قدم طلب نقل. راجع قائد اللواء.

- أنت تعرف يايونس أن الشعبة الثانية لها استقلاليتها، إنه كابوس يايونس.

في اليوم التالي جاء من الشعبة الثانية في قيادة الجبهة رسالة رسمية مكتوب عليها "سري جداً يفتح بالذات" أحسسنا بعدها أن النقيب همدَ واستكان وصار يكره مقابلة أحد، وانكفأ عنا، ثم سمعنا أن أهالي كفر حارب أُطلق سراحهم، وأُرسلوا إلى قريتهم بالباص. فقدّرنا أن الرسالة كتاب توبيخ، وخلال أسبوع نقل من اللواء إلى القطاع الأوسط، وعلمنا أن قائد الجبهة فرض بحقه عقوبة قاسية. قال لي يونس مبتهجاً:

- ينبغي أن نحتفل بخلاصنا منه.

- لا أراه يستحق هذا الاهتمام.

نقل من الشرطة العسكرية الملازم الأول "سرميني" رئيساً للشعبة وهو "ملازم صفوف" ورغم أنه كان يفرط في الاعتداد بنفسه وخبرته تعامل معي بمودة دون رفع شعرة من الكلفة. وأفسح لي المجال أن أهتم بالدراسة، وقبيل الامتحان حصلتُ على إجازة شهر كامل وسافرتُ إلى جيرود بلا هدايا لفراغ الجيب. استقبلني الأهل بلهفة وحفاوة، وركن فيصل ورويدة إلى جانبيّ يمسكني كل منهما بيديّ، رأيت وضع أبي الصحيّ مستقرّاً، والحالة المادية متوسِّطة، وفوجئتُ بأن المخابرات دسّوا في الحزب الشيوعيّ شاباً من جيرود فاكتشفوهم جميعاً واقتادوهم إلى السجن. ثم أفرجوا عن معظمهم بعد أن أقرّوا خطِّيّاً الانسحاب من الحزب الشيوعي تحت طائلة المسؤولية، وأعلنوا عن انسحابهم على صفحات الجرائد إلا بازيد فإنه رفض الانسحاب وبقي سجيناً. قال لي محمد بكار" إنني أستغرب كيف انضم بازيد إلى الحزب الشيوعي من وراء ظهرنا؟ " وفي ندوة "الينبوع الأدبي" قام بعضهم بانقلاب وانتخبوا لجنة إدارية جديدة، وانتُهِبت المكتبة فحمدتُ الله أنني أخذت معظم كتبي. تركتُ الأمور على حالها وتفرّغتُ للدراسة والاستعداد للامتحان. وبمساعدة مالية من الوالدة تقدمت إلى الامتحان في دمشق ومعي طلاب يتكرَّر رسوبهم مثلي بعضهم أكبر مني وبعضهم أصغر، وطلاب جدد أصغر منا بسنوات جعلونا نخجل من أنفسنا، وعدتُ إلى العال.

عندما أُعلنت نتائج "الكفاءة" ورأيتْ اسمي بين الناجحين استعدتُ ثقتي بنفسي وأحسستُ بنوع من الانتصار لم يراودني مثله قبلُ، ورحتُ أتمرّغ على التهنئة تقدم لي من أصدقائي ومعارفي، ولعلّ أكثرها لهفة وصدقاً كانت من أبوعلي، وارتفع شأني في قيادة اللواء، وبخاصة ضباط الصف الذين صارت نظراتُهم تنبض بالاحترام والتقدير وصار بعضهم يخاطبني بكلمة "أستاذ"وجاءتني رسالة من أهلي أثرتْ بي تأثيراً شديداً وبقدر ماكانت كلماتها بسيطة كان بين سطورها دفق من المحبة والارتياح. لقد تخلًّصتُ من ذاك اللقب "راسب كفاءة" وشعرت أنني وضعتُ أول لبنة حقيقية في بناء مستقبلي.

في مطلع شهر آب (أوغسطس) أعلنتْ مؤسسة معامل الدفاع عن مسابقة مفتوحة لحاملي الشهادة الابتدائية وما فوق وحُدِّد موعد إجرائها على مدى أربعة أيام ابتداء من السبت 15 آب في مقر المديرية في الهامة. وحُدِّدتْ موادها: 1- كتابة موضوع ثقافي عام 2- حلّ مسألة في الرياضيات 3- ترجمة نص من اللغة العربية إلى الإنكليزية 4- ترجمة نص من الإنكليزية إلى العربية 5- الضرب على الآلة الكاتبة العربية 6- الضرب على الآلة الكاتبة الإنكليزية 7- مقابلة شخصية.

فقرَّرتُ أن أخوض غمارها بثقة مكينة بالنفس لولا أن الآلة الكاتبة الإنكليزية هي كانت عقبتي الوحيدة، وشعرتُ بفضل العسكرية عليّ، تعلمتُ في قلم الشعبة منذ وصولي على الآلة الكاتبة العربية وصرتُ أجيدها قادراً على طباعة "ستين" كلمة في الدقيقة.

حصلت على إجازة لمدة عشرة أيام ابتداءً من يوم السبت الثامن من آب للتدرب على الآلة الكاتبة الإنكليزية، وراجعتُ مكتباً في شارع النصر لاستئجارها لمدة أسبوع فطلب مني صاحب المكتب كفيلاً وكان يجلس عنده شاب "عربي" ليس سورياً فكفلني بترحاب دون أن يعرفني، ولم أرَه بعدها.

أخذتُها إلى جيرود وبدأتُ التدرُّب عليها، وحان موعد المسابقة وأنا قلقٌ غير راضٍ عن نفسي. كان عدد المتسابقين قليلاً نظراً لصعوبتها، وفوجئتُ أن معظمهم من طلاب الجامعة وكانت المادة الأولى الضرب على الآلة الكاتبة العربية، أعطي كل متسابق نصّاً وقال المشرف إبدأ. فقرقعت الآلات من حولي، وخشيت أن أكون الأخير فحاولتُ الإسراع مع توخّي الحذر من الخطأ، وعندما انتهيتُ وجدتني وحيداً. سلمتُ الورقة فكتب المشرف عليها (14) دقيقة. وأنهيتُ بقية المواد، ثم انتظرتُ يومين وقدّمت امتحان المقابلة وكان معظمه أسئلة شخصية، وأسئلة حول الموضوع الثقافي الذي كتبته أثناء المسابقة، وشعرتُ أن الذي يمتحنني راضٍ لكنني سمعتُ من أحد المتسابقين أنهم لايحتاجون إلا إلى اثنين، وأن هذين الاثنين معروفان سلفاً. وعدتُ إلى العال.

ورغم أنه لم يعد أمامي من هدف سوى التسريح من الجيش، ثابرتُ على القيام بعملي بكل جهودي، وعندما بُلِّغنا أن خدمتنا سوف تنتهي في الأول من أيلول (سبتمبر) أي بعد أن أمضينا سنتين وشهرين رحتُ أسعى للحصول على واسطة من ضابط دمشقي لعله يتصّل بالمدير العام لمؤسسة معامل الدفاع، أو يزوِّدني برسالة فقال لي الملازم الأول "سرميني" رئيس الشعبة "أنا حلبي لا أعرفه" ثم عقَّب عابثاً "مالك ولهذه الوظيفة! انتظر حتى أحصل على شهادة الحقوق فسأعمل محامياً وأعينك في مكتيي" أحسستُ أنها مزحة سمجة بل مذلَّة لكني تعاضيتْ عنها. راجعت المقدَّم "أحمد" نائب قائد اللواء وطلبتُ منه المساعدة فقال لي بعجرفة "لا أعرفه". عندئذ لملمتُ نفسي وأحسستُ أن أقسى المواقف هي الحاجة إلى لئيم.

في الأوّل من أيلول موعد التسريح فوجئتُ أن قائمة تتضمن عدداً من المواد تنقصني لم يبقَ منها سوى "كيس البحار" وفيما جلستُ حائراً مغبوناً أكاد أنفجر جاءني الفرج من شاب من جيرود يخدم في فوج المدفعية هو الرقيب الأول "أبو حسين" جاء يودعني وعندما رآني مضطرباً وعرف السبب قال "أنا أؤمن لك النواقص" فبدا وكأنه أطلق سراحي، وعدتُ إلى جيرود كأنني ولدتُ من جديد.