في بداية العام الدراسي جاءتني ثلاث رسائل دفعة واحدة إحداها من الناقد المعروف "محي الدين صبحي" والأخرى من كاتب القصة الشهير "حيدر حيدر" يرحبان بروايتي "قارب الزمن الثقيل" والثالثة من رئيس اتحاد الكتاب العرب الكاتب المعروف "صدقي اسماعيل" تعلمني أن الاتحاد وافق على نشر الرواية، ومع الرسالة "استمارة" مطلوب مني ملؤها إذا كنت أوافق على الانتساب إلى الاتحاد.
جعلني هذا الانقضاص من الحفاوة الذي لم أكن أحلم به أحسّ لأول مرة بطعم الانتصار، أحسُّ أنني صرت كاتباً حقيقياً. ضممتُ الرسائل وكأنني عثرتُ على كنز ووضعتها أمام زينب لتقرأها، وتشاركني فرحتي. وعادت بي الذكريات إلى أيام النكسة الخامس من حزيران 1967.
كنت ماراً من أحد أحياء دمشق القديمة فرأيْتُ النقيب المسرّح "فؤاد" يكاد الدم ينفر من وجهه الزهريّ وعيناه ذائبتان ضائعتان ورأسه منكّس يمشي كالضائع وبيده محفظة مملوءة بالخضراوات والمواد الغذائية. مرّ بي ولم يرني، ولعله لايرى أحداً كان فؤاد من خيرة ضباط الجيش بجديته وصرامته، واستيعابه لمرؤوسيه. فؤاد لم يشارك في الحرب؟ لماذا؟ لابد أنهم سرحوه. ومهما كان السبب فإنهم أطفأوا في نفسه شعلة كانت مضيئة، كما أطفأوها في نفوس الكثيرين من أمثاله الذين سرحوا مثله. بيد أن هذه الشعلة التهبت في نفسي حرضتني أن أكتب عملاً أدبياً أعبر به عن لواعج هذه النفس المعذبة. لقد ألهمني أن أكتب شيئاً فكتبت "السنديانة" روايتي الأولى التي تمجِّد الثبات والصمود من وجهة نظر "عامل نجار" ينتصر بالصبر والإرادة والتصميم على العواصف العاتية. إن مشكلة الكاتب عندنا ليس أن يكتب ويبدع ولكن أين "ينشر" خاصة إذا كان في بداية الطريق. أشار عليّ أحدهم أن أرسلها إلى "الإدارة السياسية للجيش والقوات المسلحة" وكان يومها اللواء غازي أبو عقل مديراً لها وهو من محبي الأدب. أرسلتها بالبريد ولم ألبث كثيراً حتى جاءني الردّ بالموافقة ومنحتُ أربعمئة ليرة تعويضاً مالياً. لكن "السنديانة" لم تَشفِِِ غليلي فانعكفتُ في بيتي وكتبتُ "قارب الزمن الثقيل" اقتبستُ عنوانها من مقال قرأته لناقدة بلغارية تقول عن الشاعر البلغاري الشهير "كريستوبوتيف" إنه ملاح "قارب الزمن الثقيل" حاولتُ فيها أن أتخذ تقنية حديثة خاصة بي هي ضروب من "تيار الوعي" الذي عُرف في القصة القصيرة ولم يعرف في الرواية. إنها تمزج اللحظة الراهنة بتداعيات الماضي بأحلام المستقبل فتعتمد على الفعل المضارع وقدمتها إلى وزارة الثقافة. وبعد أيام جاءتني رسالة من مدير المسارح "نواف أبو الهيجا" يطلب أن أزوره فأشاد بالرواية وأبدى استغرابه أنهم في "الوزارة" ظنوا أنها مسرحية وقال إنه على أية حال كتب عنها تقريراً إيجابياً وأعادها ولفت نظرهم أنها "رواية" بعد أيام راجعت "انطون مقدسي" مدير الترجمة والتأليف والنشر في وزارة الثقافة فقال "إن عنوانها أكبر بكثير من فحواها" وأبدى اعتذاره عن نشرها لأنها لاتحمل "مضموناً" فكرياً. حاولتُ أن أناقشه بحضور الدكتور "ابراهيم كيلاني" الذي وقف إلى جانبي فلم يقتنع. حملتُها وهمتُ على وجهي أحمل فشلاً لا أؤمن به. في تلك الأيام نلت المرتبة الأولى عن النص التلفزيوني الوحيد الذي قدمته لهيئة الإذاعة والتلفزيون، وطُلب مني مراجعة زكريا تامر مقرر "لجنة التحكيم" سألني زكريا "نَفَسك في الكتابة طويل هل تكتب الرواية أو القصة" كان ذاك السؤال كقارب النجاة.
- نعم وعندي مخطوطة رواية رفضتها وزارة الثقافة لأسباب في رأيي تافهة.
- هل تعرف مكتبة عايد بديرة.
- نعم وهو صديقي.
- ضعها عنده كي أقرأها.
وضعتها لدى الصديق "عايد بديرة" صاحب المكتبة الصغيرة حجماً الملأى بالكتب القيمة والمجلات الهامة والتي يرتادها الكتاب والمثقفون المعروفون. وبعد أيام التقيتُ بزكريا تامر قال لي "روايتك جيدة. نحن الآن في صدد إنشاء اتحاد الكتاب العرب فسأقدمها وأزكيها".
في هذا العام أتيحتْ لي زيارة مدينة "نصيبين" التركية التابعة لولاية "ديار بكر" بموافقة إدارية مع زوجتي وأولادي يرافقنا أبو نضال وقاسم ذهبنا سيراً على الأقدام وهي على تخوم القامشلي، ورغم أننا تجاوزنا الحاجز الأمني التركي لم أشعر أنني في بلد غريب بل هي امتداد لسورية لولا أصناف البضائع المعروضة في واجهات المحلات كالمكسرات والدمى البلاستيكية وعندما نادى المؤذن لصلاة الظهر وسمعتُ خطيب الجمعة يلقي الخطبة باللغة التركية ثم باللغة العربية انتصب الشعر في رأسي، شعرتُ أنني أنتمي لأمة إسلامية واسعة وسع المحيطات.
زرنا "البراج" مرة أخرى مع جيراننا عائلة أبي طوني، وهي منطقة خضراء تمتاز بنهر مياهه زمردية تتدفق في شلال كأنها أطياف من الفضة تنتشر فيها الأشجار المثمرة من كل الأصناف متاحة لروادها أن يأكلوا منها ماشاؤوا.
ودعانا أبو طوني بعدها إلى قضاء يوم العطلة في مزرعة مجاورة للأراضي التركية على مائدة يتوسطها خروف مطلي بالزبدة مشوي في الفرن مع المقبلات، وجلستُ مع أبي طوني نشرب العرق. بعد الغداء وبعدما امتلأ الرأس بالنشوة لست أدري ما الذي جعلني أتقدم نحو بئر واسعة عميقة قطرها في حدود خمسة أمتار يرتفع الماء فيها منخفضاً عن السطح نحو أربعة أمتار فأخلع ثيابي وألقي بنفسي في البئر دون أن أفكر بوسيلة الصعود. كانت لحظة جنون عذبة علقتْ عليها زينب قائلة "إنها حماسة مراهق استفزَّته بنات أبوطوني اللائي يجالسنه" وبعد أن تقلبت في الماء وعبرتُ عن مهارتي في السباحة لم أجد وسيلة للصعود إلا أنبوب الماء وقطره (5 بوصات) تسلقته فاصطبغ جسمي بالصدأ، وعندما أعدتُ النظر إلى البئر وجدتُ أفعى وسلحفاة تسبحان فيها. إن المتعة التي يبعثها الجنون في المشاعر تقضم الإحساس بالمجازفة.
في الفترة الواقعة بين 16- 22 كانون الثاني 1970 جاءني هاتف من جيرود إلى القامشلي أن اسماعيل ابن عمي توفي. كان خبراً صاعقاً جعل الحزن لأول مرة في حياتي يرين على قلبي. لم أعد أطيق سماع ضحكة مرح، أو سماع صوت نجاة الصغيرة وفايزة أحمد أو عبد الوهاب، لم أعد أطيق سماع أية أغنية من الراديو. لقد مرض اسماعيل وفارق الحياة خلال أسابيع قليلة ولم يتجاوز الثانية والخمسين، ولو كان الخبر عن عمي الذي بلغ التسعين وكان يعاني من بعض الأمراض لكان الأمر أكثر واقعية، ولم يكن لي من عزاء سوى الآية الكريمة "وإذا جاء أجلهم لايستأخرون ساعة ولا يستقدمون" وقول زهير بن أبي سلمى:
ولكن ما حالُ عمي الآن الذي فقد أخاه الأصغر وابنه؟ حجزت "بالأتوماتريس" القطار من القامشلي إلى حلب ذهاباً وإياباً بين الخامس والعشرين من كانون الثاني والعاشر من شباط مع بداية العطلة الانتصافية، وذهبنا إلى جيرود ومع وصولنا تجدد المأتم من جديد وعلا البكاء والنواح. عانقتُ عمي فألفيتُه صابراً رابط الجأش يخفف المصاب عني وعن الجميع.
وذهبت إلى دمشق وراجعتُ اتحاد الكتاب ففوجئتُ بحفاوة لم أكن أتصوَّرها من صدقي اسماعيل رئيس الاتحاد، وعلي الجندي نائب الرئيس، وزكريا تامر، ومحي الدين صبحي، وحيدر حيدر أعضاء المكتب التنفيذي حتى خلتُ أنني واحد آخر، ودعاني زكريا إلى الغداء في أحد المطاعم.
في ذاك العام 1970 أصدر الاتحاد أول مجموعة خمسة كتب بعد تأسيسه مجموعتين قصصيتين لزكريا تامر وحيدر حيدر، ومحموعتين شعريتين لمحمد الماغوط، وعلي الجندي وروايتي وهي أول رواية يصدرها، رسم غلافها "نذير نبعة".
عدت إلى القامشلي مظفراً ومعي بعض النسخ من الرواية. في حلب ركبت أنا وزوجتي وأولادي في "الأوتوماتريس" وجاء المفتش يدقق تذاكر الركوب ويقارنها بدفتر العائلة فاكتشف مخالفة في تذكرة مناع أنه في الخامسة و"تذكرته" لسنّ الرابعة وطالبني بدفع غرامة. والطرافة أن الجابي في القامشلي اطلّع على دفتر العائلة وقطع تذكرة الذهاب في أواخر العام 1969 ولم يفطن أن الإياب سيكون في العام التالي ويكون مناع في الخامسة.
خلال شهر تشرين الثاني من العام 1970 جاءتنا نشرات من القيادة القطرية تلصق اتهامات حادة بحقّ حافظ الأسد ومصطفي طلاس وتدعو إلى التعبئة الحزبية. اجتمعنا في قيادة الشعبة ووُزع علينا السلاح، وألقى أحد الرفاق خطبة لاهبة قال فيها "لا أملك من حطام الدنيا إلا "ابنه" و"زوجته" وهذه البندقية" وأقسم بشرفه ومعتقده أنه مستعدّ أن يضحي بكل مايملك ولن يتراجع. وعندما قامت الحركة التصحيحية في السادس عشر من تشرين الثاني توارينا جميعنا عن الأنظار وكنا نتوقَّع أن يداهمنا أحد ويسوقنا إلى السجن. قالت زينب بحرقة "مالك وماللسياسة ماذا نفعل لو أصابك مكروه ونحن غرباء هنا؟" ولكنَّ أحداً لم يقترب منا سوى أننا طولبنا بتسليم السلاح. قرَّرتُ أنا ومجموعة من الرفاق أن نترك الحزب والنشاط الحزبي، وعندما قامت القامشلي بقضِّها وقضيضها تؤيد الحركة التصحيحية على غرار المدن والمحافظات السورية وقفتُ أنا وبعض الرفاق نراقب الناس يهزجون ويرقصون سألتهم "مارأيكم؟ هل هؤلاء كلهم مخطئون ونحن وحدنا المصيبون؟" قال أحدهم "هذه ليست مظاهرات تأييد بقدر ماهي شماتة بالحزب" قال آخر "ليكن. ولكن ألا يعني هذا أن الحزب انفصل عن جماهيره وابتعد عنهم؟" ثم فوجئنا بمن "لا يملك من حطام الدنيا أن يعود إلى الحزب وتسند إليه مهمة "عضو قيادة فرع" ومعه سيارة. وألقى مدير ثانوية العروبة قصيدته "المدورة" يشيد بالحركة التصحيحية وأنها ستجعل سورية روضة من رياض الجنة. و"المدورة" هي قصيدة يتيمة نظمها وألقاها في إحدى المناسبات وكلما جاءتْ مناسبة جديدة يبدل فيها بعض الكلمات والعبارات ويلقيها مجلجلة فنقل إلى التفتيش المركزي وأسندت لي مهمة مدير "ثانوية العروبة" وهي أكبر ثانوية في المحافظات الشرقية.
كانت علاقتي مع الطلاب في كلتا الثانويتين علاقة حميمية وتطورتْ علاقاتي الاجتماعية إلا زينب، عادت إلى "التمارض" وازدادت نحولاً وصار الخطّ الفاصل بيننا حاجزاً منيعاً. كدتُ ساعتها أؤمن بالحظ والسحر واستحالة الحياة الزوجية واستمرارها رغم أننا أنجبنا ثلاثة أولاد كالنجوم الخفاقّة أحببناهم وأولعنا بهم.
عندما حان موعد تقديم الطلبات لامتحان الثانوية كلَّفتني مديرية التربية أنا وأمين السر باستلام طلبات "الدراسة الخاصة" الأحرار في منطقة القامشلي وتدقيقها تسهيلاً على الطلاب.
دخلت فتاة وتقدمت نحوي بأوراقها وصوَّبتْ إلي عيني نظرة من عينيها السوداوين جعلتني أعاني من رعشة قسرية، واجتذبتني بقوامها الممشوق وحيويتها، وشعرها الأسود كجناح من ليل حالم يجعل وجهها الأبيض يزداد إشراقاً قرأتُ اسمها "ماري" يا إلهي كأن قدري منوط رغم أنفي بالفتيات المسيحيات، وفيما تحرَّكتْ لمغادرة المكتب استسلمت عيناها بنظرة ساجية لملمتْها وانسحبت. لقد زيَّنت أحلامي الخابية، رغم أنها كانت كشؤبوب بلل نفسي بقطرات منعشة ومضى وفي اليوم نفسه هبطتْ على عالمي الأعجف مفاجأة كأن الحلم فيها تحوّل إلى قطعة من السكر. استأذنتني ودخلت المكتب وطلبت أن أن أعطيها دروساً خاصة في اللغة العربية، قلت لها" إنني أحاربُ دائماً فكرة "الدروس الخاصة" وأرفضها لكنني أرحبُ وأوافق" وتسلَّلتْ إلى دارها تحت عباءة الظلام وما إن انفردنا في الغرفة حتى صارحتني بمنتهى الوضوح والجرأة أنها تتقدم للامتحان بإلحاح من أهلها وصديقاتها، ولا تعبأ بنجاح أو رسوب. قالت بلهفة وخشوع:
- لقد أعجبتُ بك ولم تخطر لي أية وسيلة للقاء بك سوى فكرة الدروس الخاصة.
- أهو حبّ ياماري؟
- حب أقوى من العواصف والسيول.
- بهذه السرعة؟
- إن الشمس عندما تطلّ على الدنيا تطلُّ دفعة واحدة.
وراحتْ تتغزل بي. ولئن كان تغزل الرجل بالمرأة يجذبها إليه مقدار شعرة، فإن تغزّلها به يؤجج فيه نقاط الضعف ويجعلها تسيطر عليه. كانت لقاءاتنا شبيهة بمن يعري الواقع كما تتعرى الأغصان ويعيد صياغتها، أو كمن يرشف الحليب الطازج المحلى بالعسل المصفّى، أو كالنسغ يسري في عروق النبات. إنه الحلم الأكثر سحراً وجمالاً يغرِّد في الأعماق اللاهفة كالشحارير في الصباحات الخضراء، إنه كالقفزة في الهواء من جبل شاهق إلى بحر صافي الزرقة. ونسينا أن في العالم بشراً ومشاكل وقضايا ومنغصات، أصبحت قصارى مشاعرنا أننا رجل يلتحم بامرأة وماعدانا جمادات. جعلتني وأنا في الثانية والثلاثين أغدو مراهقاً وكأنني أكتشف نفسي للمرة الأولى في امرأة مَحَتْ كل النساء قبلها واحتلتْني احتلالاً، وبدا لي أنها وهي في الحادية والعشرين تكتشف سحر أنوثتها بي وتستقرّ بين يدي مستسلمة كما يستسلم الطائر إلى وَكْره. وبتنا كلانا نقرّ أن الله واحد وأن المسيحيين والمسلمين يلجأون إليه ويعوذون به كل على طريقته.
إن أهلي لو علموا بهذه العلاقة التي انسقتُ إليها مرغماً لسهُلَ عليهم اتهامي بأنني لا أترك عادتي في التهافت على العشيقات، وأن هذه العادة ازدادتْ بعد الزواج لأن الزواج لم يكن قادراً أن يعصمني.
في الستينات بلَّغوني أن خالتي مريضة في النبك وزوجها وأولادها مسافرون في السعودية. حصلتُ على إجازة من عملي وأسرعتُ إليها، أخذتها إلى مشفى "الدنمرك" فأجروا لها فحوصات عامة ثم عملية جراحية واستأصلوا المرارة، وأنا أتابعها حتى استقرّ وضعها وعادتْ إلى البيت. يوم الخميس التالي ذهبتُ إلى النبك لأطمئن عنها، وكالعادة مررتُ ببيتِ أختي فبادرتني غاضبة:
- دع خالتك لا تذهب إليها.
- لماذا؟
- قالت لها نساء الحارة ماشاء الله على ابن أختك لكم اهتمَّ بك ورعاك. قالت مكشرة "إنه لم يأتِ من أجلي، يأتي من أجل ممرضة ليبني علاقة بها.
- أية ممرضة!!؟
- كانت إحدى الممرضات تسألها عنك وماذا تعمل، وتهتم بها وتتقرب منها لأجلك فظنتْ أن بينك وبينها علاقة.
كان بيننا نحن مديري ثانويات القامشلي وبين مدير المنطقة علاقة مودة، ولستُ أدري ماالذي دفعني أن أكتب له على روايتي "إهداء" وأزوره في مكتبه وأقدمها له وكأنه توكيد لانتصار ما زال يغمرني. قلتُ معتدّاً "هذه الرواية من تأليفي أرجو أن تقبلها، وتقرأها" وضعها على طرفِ طاولته دون أن يقرأ الإهداء وقال بكبرياء "الحقيقة ليستْ لدينا مخصصات لدفع قيمة الكتب" أصبت بنكوص، وأنني أرى نفسي صغيراً بعين هذا الجاهل الذي يقال في أمثاله
اختطفتُ الرواية، وقلتُ "عن إذنك" وخرجت، وقد عاهدتُ نفسي ألا أكون مبتذلاً أمام أولئك الديوك ذوي الريش المنفوش.
كانت ماري تعويضاً عن علاقاتي كلها وخيباتي كلها، قدمتُ لها الرواية فقبَّلتها وضمَّتها إلى صدرها، ورأيتُ أنني وقرتُ في عينيها كموئل انتصار واتفقتُ معها أن أتقدم بطلب إعارة إلى الجزائر لآخذها معي ونعيش بعيدين عن هذه الدنيا الملوَّثة. ورفضتُ من أجلها منصباً رُشِّحتُ إليه وهو مدير تربية الحسكة لكن العام الدراسي انتهى ولم أرَ ماري.
غادرتُ القامشلي أحضن إخفاقي الجديد لا أدري أهي التي تراجعت، جَبُنتْ أو غيَّرتْ رأيها أم أن أمرها انكشف لأهلها فسدّوا عليها المنافذ؟ أيقنتُ أن زينب هي قدري الذي لامهرب منه إن لم يكن من أجلها فمن أجل ثلاثة نجوم متألقة راسخة مع الدورة الدموية "إياد ومناع ورزام" وفي الشهر الثامن أضيف إليهم نجم رابع هو "بشر" اخترنا اسمه من اسم "جامع بشر" في نهاية حارتنا، وعندما يسألني الأصدقاء "كيف اخترت الاسم" أقول "من أجل الجامع ومن أجل قصيدة أحد الشعراء الصعاليك "بشر بن عوانة العبدي" الرائعة التي يقول فيها "
أفاطمُ لوبصرت بقلب خَبْتٍ إذا لقي الهزبرُ أخاك بشراً
والخبت هو الوادي، والهزبر من أسماء الأسد.
وقضيتُ النهارات في متابعة معاملة الإعارة في وزارة التربية، ومديرية تربية دمشق والأماسي في استقبال المودعين، وممن زارونا "أبو زياد" شريكي السابق في الدكان عام 1975 مع عائلته. كان الأولاد يلعبون حوالينا فقال له مناع الذي بلغ الخامسة مشيراً إلى ساقه المقطوعة "عمو لماذا قطعتْ ساقك؟" وفيما أحسست أنا وزينب بالحرج، وقلت له "اخرج ياوقح" وضع أبو زياد يده على رأسه يبتسم قائلاً "لا لا اتركه" وأخذ يشرح له السبب. وذات يوم طُرق باب الدار فتحركتُ نحوه لكن مناع سبقني يسأل "مين" قال الطارق "أنا غزال أين أبوك؟" قال له مناع "أراك حماراً وليس غزالاً" وإذا به عبد القادر غزال كان أحد أساتذنا في ثانوية القلمون في النبك فهرعتُ إلى مناع ممتعضاً أود أن أضربه فقال الأستاذ "لا والله أنا أحب الولد الجريء" وحضنه وحمله يقبله.
نويتُ بصدق أن آخذ زينب والأولاد معي تغاضيتُ عن تمارضها، وعن نفسها المتغضنة وميلها إلى التشاؤم لعل السفر يجددها لكني توجَّستُ من أمرين: الأول أن بشر مايزال في الشهر الأول، والثاني قد لا أجد سكنى عند وصولي، فقررتُ أن أعود في نهاية العام الدراسي بسيارة وآخذهم معي، فحملتُ محفظتي واتجهتُ إلى المطار.
وقفتُ بين حشد من المودعين في بهو المطار ضائعاً، وغدت الجزائر حلمي المصفّى قبل أن أدركها وتطأها قدماي، حلماً براقاً أجدد فيها حياتي التي كسدتْ بأيّ شكل من أشكال التجديد كأن أقضي وقتاً مستقطعاً مقداره عام دراسي كامل.
اشتبك الداي مع السفير بمشادّة كلامية، وشيئاً فشيئاً استفزَّ السفيرُ الداي، فضربه الداي بكشاشة الذباب. تمالك السفير نفسه وقضم الإهانة ثم صحا إلى نفسه فأرغى وأزبد ثم شدَّ على أسنانه وقال مهدِّداً متوعداً "ستدفع ثمن هذه الإهانة غالياً أنت وبلدك " أجابه الداي حسين بسدور:"بلِّط البحر" وانتهى اللقاء.
ركب السفير البحر، وعاد إلى بلاده محشوَّاً بالإحنة. الفرنسيون يعرفون تمام المعرفة أن الداي حسين أحمق، فوضعوا هذه الخطة الاستفزازية. بيد أن الداي فاته أن السفير الفرنسي ماكر، فوقع في فخّ تلك المشاجرة المصطنعة. وليس يُدرَى أكانت عبارةُ "بلِّط البحر" هي نفسُها التي قالها الداي أم أنه فَاهَ بعبارة مماثلة خرجت من بين شفتيه تحمل قَدْراً من الهُزْء والتَّحدي. والحقيقة أن الداي لوكان مفوَّهاً ماكراً لانهال على السفير بعبارات طَلْقة ماكرة بيد أنه لم يجد في جعبته كلمة واحدة يقولها فأشهر كشاشة الذباب وضربه بها. كما أنه لم يَرَ في جعبته ردّاً على تهديد السفير سوى هذا الردّ. وهو واثق تمام الثقة أنها معجزة ألقاها في وجه السفير ووجه فرنسا كلها مطمئناً كل الاطمئنان أن فرنسا بقضِّها وقضيضها ليست قادرة أن تبلّط البحر.
وفرنسا لم تبلِّط البحر وإنما كانت كشاشة ذبابها التي ردَّت بها الضربة جيشاً عَرَمْرَماً احتل الجزائر في عام 1830 ثم ادَّعتْ فرنسا أن الجزائر مقاطعة من مقاطعاتها أورثها إياها جدُّها شارلمان، ذاك الصديق القديم للعرب، الذي بعث له هارون الرشيد بهدية هيَ "ساعة دقَّاقة" ظن الروم أن فيها شيطاناً رجيماً.
أقامت فرنسا في الجزائر 132 عاماً ولكنها لم تكن رخيَّة البال، تسرح وتمرح فقد أشعل الأمير عبد القادر ثورة في الغرب الجزائري مركزها مدينة معسكر وفي الشرق أسس عبد الحميد بن باديس جمعية العلماء المسلمين للحفاظ على عروبة الجزائر ومقاومة الفرنسيين.
ثم تشكلت جبهة التحرير واشتبكت مع المحتلين منذ العام 1954وحتى حقَّت استقلالها في العام 1962 بعد أن تكبدّت مليون ونصف المليون من الشهداء، وخسائر فادحة لاحصر لها. وأعلنت المضيفة أن الطائرة تهبط الآن في مطار الجزائر (العاصمة) فانقطعت سلسلة ذاك المخزون من الذكريات. وبدأتْ ماري تغيم في ذاكرتي وهي في أقصى الشرق وأنا في أقصى الغرب وتحوَّلت من حلم مجسد إلى حلم مستحيل.
هبطت الطائرة الملأى بنا نحن أعضاء البعثة التعليمية القادمين للعمل مدرسين معارين، فأخذونا إلى ثانوية عائشة ننتظر أن يسلمونا صكوك التعيين ويوزِّعونا على الولايات ووضعوا النساء في مهجع والرجال في مهجع، واندس كلٌّ منا في سريره بعد رحلة استغرقت حوالي ثمانية ساعات بطائرة (DC-SIX) المروحية.
نهضتُ مع بزوغ الفجر في غسق ذاك اليوم الخريفي من العام 1971 وقد هرب النوم من عيني وهاجت بي الرغبة إلى السيكارة لكنني لا أدخن قبل أن أشرب الشاي أو القهوة فرحتُ أفرك يديّ منزعجاً حائراً، وإذا بعلي الأديب وعبد المجيد طيب يستيقظان وهما نبكيان من رفاق الإعدادية، فهرهتُ إليهما مستنجداً قال عبد المجيد:
- محفظتنا مع زوجتي في مهجع النساء، ومعنا سكر ومتة و"مصاصة"
- أرجوك أيقظها.
ورحنا نبحثُ ثلاثتنا ومعنا زوجة عبد المجيد عن منفرج فسمعنا حركة خافتة في بناء جانبي طرقنا الباب وإذا به المطبخ، أطلّ علينا كهل يعتمرّ قبعة كالحة طلبنا منه إبريق ماء ساخن وكأس وجلسنا على حاجز حجري نتنشق هواء رطباً معتدلاً، وزوجة عبد المجيد تصب لنا المتة نتداولها ونشربها، وابتلعتُ نفثة دخان سرت في عروقي وإذا بالكهل يطلّ من شقِّ الباب ويتوارى، ثم أطلَّ مرة أخرى فدعوناه للجلوس معنا وقدمنا له كأس المتة فانجذب قائلاً "شربتُ الويسكي والريكار لكنني لا أشرب هذا الحشيش الذي تعودتم أن تشربوه أنتم المصريون" حاولنا أن نفهمه أننا سوريون، وأن هذه متة كالشاي والزهورات، وليست حشيشاً وأعطيناه علبتها ليقرأها فرماها بنظرة وأعادها الينا قائلاً "أنتم أحرار أن تشربوا ماتشاؤون" والشكُّ لم يفارق عينيه.
عندما بزغت الشمس وحان الضحى وعلمنا أن مجموعة وزارة التربية لن تأتي اليوم غادرتُ المدرسة أبحث عن حي القصبة الذي رابط فيه الثوار الجزائريون، ونازلوا بأسلحتهم البسيطة جيشاً من أقوى جيوش الأرض آنذاك وانتصروا عليه. والذي كان فضاء لأهم روايات الكاتب الجزائري محمد الذيب "محمد ديب". وأبحث عن حيّ بلكور الذي نشأ فيه الكاتب الفرنسي "البير كامو" يلعب كرة القدم ويبحث عن بداياته الأدبية وقد استوحى من الجزائر روايتيه الشهيرتين "الغريب" و"الطاعون" كان "كامو" بين الصفوة من الفرنسيين الذين تعاطفوا مع الجزائر وندَّدوا بطغيان الاستعمار الفرنسي. وأبحث عن حواء جزائرية أنثر نظراتي في كل اتجاه لاستجلاء شكلها.
منذ البداية صدمتني مشكلة التفاهم مع عموم الناس، الجزائريون يتكلمون بلهجة بدوية كقولهم "بْصلّ" بتسكين الباء بدل "بَصل" بفتحها ويخلطونها بكلمات فرنسية يعرِّبونها بطريقتهم الخاصة. وجدتُ نفسي بين عدَدِ من الخِيارات - أولها: أن أُلِمَّ بلهجتهم متلقِّياً ومخاطِباً وهذا ميؤوس منه الآن لأنه يحتاج إلى شهور عدة. والثاني: أن أُلِمَّ باللغة الفرنسية وأنا لغتي الثانية هي الانكليزية. والثالث أن الجأ إلى لغة الإيماء والإشارة.
أوقفتُ سيارة أُجرة وطلبتُ من السائق أن يأخذني إلى حيِّ القصبة. فزمجر وازورّ عني وانطلق بسيارته مبتعداً. أوقفت آخر، ونطقت عبارة: "حيّ القصبة" بوضوح أكثر، فعبس وتولّى يغمغم لعله يشتمني بالفرنسية.
أدركتُ أنه جُحْرٌ، وأنني لُدغت منه مرتين، فغلت الحَيْرة في قلبي، ولكن هل سؤالي عن حيّ بلكور جُحرٌ أيضاً؟ أوقفت سيارة أجرة أخرى وقلت "حيّ بلكور" فقال السائق "تفضل" وانطلق بي وكلانا صامت، سألني:
- من أين أنت؟
- من سورية.
هزّ رأسه مع بقية ابتسامة أو تكشيرة لاتشي إلا أنه علم بالأمر، وأنه حيادي قلت "مدينة الجزائر جميلة " فهزّ رأسه ثانية مع بقية الابتسامة أوالتكشيرة نفسها أنّ كلامي لايُنْقص ولايزيد.
إن مدينة الجزائر جميلة فعلاً، تمتدّ على الشاطئ مسافة طويلة، وتتدرج بيوتها الفخمة الأنيقة على سفوح الجبل صاعدة إلى الأفق، لكن هذا الجمال لايستوجب الغطرسة. رغم كل شيء فالجزائر عندي هي الأمير عبد القادر الجزائري، وعبد الحميد بن باديس، والبشير الإبراهيمي، ومحمد العيد آل خليفة، ومفدي زكريا، ومحمد ديب وكاتب ياسين، ومالك بن نبي، وأحمد بن بيلا، وهواري بومدين... وليس هذا السائق المأفون.
شوارعها منظمة تغصُّ بأرتال السيارات والناس على الأرصفة رائحون غادون وكأنهم في عجلة من أمرهم، نزِقون كماهو معروف عن الفرنسيين. وحواء؟ تمثِّلها كثرة من الفاتنات الساعيات هنا وهناك، والجالسات على طاولات المقاهي بلباسهن المرتفع فوق الركبتين بمسافة تستفزّ العينين والأحاسيس، واللائي يوهمك مظهرهن الأنيق للوهلة الأولى أنهن من بنات أوروبا. بيد أن نظرة متفحصة تنبئك أن هذه السمرة ليست سوى السمرة العربية. توقفت السيارة ولوّح السائق بطول يده تلويحة تعني أن حي بلكور طويل عريض وقال "هذا هو حي بلكور"
جلست على مجموعة صخور ملقاة على الشاطئ منساباً في زرقة البحر أراقب الأمواج وهي تتكسر على الصخور تحت قدميَّ، وتحركتْ بي لواعج الشوق إلى إياد ومناع والصغيرة رزام يبنون بيوتاً على رمال الشاطئ ويهدمونها وسخطتُ على زواجي "المهزوز" ومشاعري "المترجحة".
هاهنا كان يجلس "ألبير كامو" ويتأمل، لكن الذي مازال يخزني هو لغز "حي القصبة" وزمجرة ذينيك السائقين. قصدت بقالية لأشتري "محارم رُشحٍ ورقية " فكشَّر البائع في وجهي كأني كنت متشاجراً معه وعدت إليه للتوّ. قال "ماكاش" قصدت آخر فبَدَرَني بالتكشيرة نفسها والإجابة نفسها. فلُدِغت من جحر مرتين أيضاً.لم أيأس لأنَّ أنفي تمادى في السيلان بقطرات أخذت تتلاحق وتحرجني فقصدت بقالية أخرى قيِّمُها يقف عند بابها وقد بدا لي أرحبَ وجهاً فعبرتُ له بكلمات متعثرة وإيماءات مرتبكة ألفّ أصابعي حول أنفي، فتركني ومضى إلى الداخل. سائقوا سيارات الأجرة في الجزائر ليسوا كسائقي سيارات الأجرة في بلاد الله، والتجار في الجزائر ليسوا كالتجار في بلاد الله.
يئست من الحصول على طلبي واستدرت عن البقالية أهمّ بالانصرف، وإذا بي أُفاجأُ بقيِّم البقالية يناديني من الخلف قائلاً: "أسّي محمد. أسي محمد" التفتُّ إليه وإذا بيده علبة محارم ورقية. قدمها لي قائلاً لماذا لاتقولها بالعربية "مشوار كاغد"؟ وضعت على كفي بضع قطعٍ من النقود وبسطتها فالتقط منها قطعة وتراجع.
وحواء؟ زجرتُ نفسي عن التفكير بها أخرجتها من قلبي وقد وجدتني ضئيلاً أمام هولٍ يموج ويتلاطم في دنيا غير دنياي، أحسست بالغربة وأنا في يومي الأول وأحسستُ أن "الأسرة" هي ملجأ الرجل وضمانته.
في اليوم التالي أخذت صكّ تعييني إلى ثانوية السلام في مدينة الأصنام (الشلف) ومضيت إلى محطة القطار المطلة على الشاطئ. مكثت في المقهى أنتظر انطلاق القطار أتذكر الوهلة الأولى لوصولي وأتأمل في هذا العالم المغلق العصي على التفسير والذي يتجلى فيه طيب المكان وجفاء الناس وتذكرت قول أبي عمرو بن العلاء (أبرز رواة الشعر والأدب في القرن الثاني للهجرة أي منذ مايقارب اثني عشر قرناً خلتْ) بعد أن زار اليمن: "لغةُ حِمْيَر وأقاصي اليمن ليست لغتنا ولسانهم ليس لساننا" فأدركت كم هو متَّسِعٌ هذا الوطن العربي، وكم تتعدّدُ فيه اللَّهَجات.
إن نظرة عامة للجزائر العاصمة بأبنيتها الفخمة، وشاطئها الجميل، وحيوية الحركة فيها تترع القلب بروعه الجمال والمهابة، وترفع وتيرة الإحساس بالغربة عن غير قصد. لقد حملتني الطائرة من أقصى المشرق العربي وألقت بي في أقصى مغربه، فتراخيتُ، وفتحتُ عينيّ مشدوهاً أحملق إلى كل ماحولي. اشتريتُ جريدة - عربية - وأخذت أتشاغل بتصفحها، وأيقنت أن اللغة الفصيحة هي وسيلة التفاهم المؤكدة، هي الرابط المتين، عندئذ أحسستُ بالنشوة، بعظمة الانتماء العربي، باتساع الأرض وتعدد المجتمعات كالروافد التي تصب في ذاك النهر المتدفق الغزير. إنها نشوة انتماء إلى الكثرة، إلى العُزْوة. لكنها للأسف كثرة ممزقة مغلوبة على أمرها. إنها بأصالتها كالعسل خُلِطَ بالماء وتمدَّد. وحان الموعد وركبتُ القطار متجهاً غرباً، وكأنني أعيش حُلُماً بمعنى أنني أمشي الهوينا على ذُراً غير مرئية، وأنني أتجدَّد متبرئاً من الواقع الملموس.
جلست إلى النافذة أسرح في سدفٍ الزبرجد تتطاير في الفضاء، وتنطبع في القلب مثل محبة راسخة، هي تلك السهول الواسعة على مدِّ النظر من أشجار البرتقال والليمون بأنواعها ونبات الفول والأرضي شوكي والبازلاء والجزر من كلِّ ما ينبئ بالجمال والخير. عدتُ إلى الجريدة مرة أخرى، أتفحَّص وأدقَّق في خصائص الشكل والمضمون عسى أن أجد طفرة تميز الصحف الجزائرية من غيرها من الصحف العربية فوجدت أنها حالة متكررة من شكل الصحف العربية ومضمونها من المحيط إلى الخليج.حملتُ محفظتي من محطة القطار ومضيتُ إلى المدرسة، وقد لفت نظري أن بيوت الأصنام لاتتعدى الطابقين رغم اتساع المدينة وأناقة وسطها. سألتُ البواب عن مكتب المدير، فبادرني بنظرة استغراب، وقال بصرامة مكشراً:
- انتظر.
أصبتُ بحالة قمع وانتظرتُ حتى أذن لي البواب بعد لأيٍ أن أقابل سكرتيرة المدير. قالتْ السكرتيرة بعد أن قدمتُ لها نفسي، وسلمتُها كتاب التكليف: "انتظر". جلست أنتظر متفحَّصاً الأنثى فيها بحكم الوقت المهدور، فلم أجد من ميزة سوى قوامها الرشيق المغري أيْ أنها ضرب من ضروب (الحواءات) وتذكَّرت قول صديق مخضرم: "النساء كلهن جميلات، ولا بدَّ أن تجد في كل واحدة ميزة تتميَّز بها من الأخريات. وباعتباري مقموعاً كانت نظراتي كلها خلسة واحتشاماً. لقد كنت في سورية مدير ثانوية وكنت كغيري من المديرين بابه مفتوح لكلِّ من هبَّ ودبّ. أخيراً قابلت المدير فمنحني ابتسامة ترحيب مشبعة بالوقار وأحالني إلى الناظر (مساعده) الذي كان أكثر لطفاً. سلمني الناظر "بن سايح" برنامجي وهو شاب وسيم هادئ يقال إنه من عائلة معروفة وعرض عليّ أن أتناول الطعام في مطعم المدرسة (وجبتي الغداء والعشاء) مع عدد من المدرسين مقابل مبلغ بسيط.
ثانوية السلام مختلطة "بنون وبنات" وعندما رأيتُ الطلاب يرتدون ثياباً مدنية وبعضهم يطلق شعره على هواه والطالبات يرتدين لباساً قصيراً يرتفع فوق الركبتين، حتى إذا جلستْ واحدتهن على المقعد يرتفع أكثر محملقاً في عيني المدرس، خيِّل إليّ أنني أمام جيل من المراهقين (الزعران) لكنني رأيتهم في قاعة الدرس نظاميين هادئين ورأيتُ التفاهم معهم باللغة الفصيحة أمرا عاديّا. تعمدتُ في الدروس الأولى أن أمهد بموضوع عام عن الأدب العربي والأدب العالمي، وعندما تطرّقت إلى الكلام عن "ألبير كاموا"، و"شكسبير" و"ماكس فريش" سألني أحد الطلاب مندهشاً:
- كم لغةً تعرف ياشيخ؟
- لا أعرف سوى العربية، والقليل من الإنكليزية.
فارتسم على وجوههم الاستغراب. قلت "أقرأ الأدب العالمي مترجماً إلى العربية" وبدأت أنسجم معهم في جميع الشعب (عاشر، حادي عشر، بكالوريا) وبدأتُ أحسّ أنهم أصبحوا يتعلَّقون بي. أستهلّ الدرس بطرفة تجذبهم، وأمزج في درسي بين "المعلومة" والموقف التربوي لكنني أستاء من أمرين: كلمة "شيخ"، وأن مادة التربية الدينية جزء من منهاج اللغة العربية، ومنهاجها مجرّد عناوين. ولئن كنت قادراً على تدريس مادتي القرآن والحديث لأنهما كانتا ضمن منهاجنا قي قسم اللغة العربية في الجامعة، وقادراً على تدريس "الأئمة الأربعة" فهو موضوع تاريخي لكن المشكلة في بعض العناوين التي لا أعرف عنها شيئاً مثل "المصالح المرسلة في الإسلام"
قال لي أحد الزملاء الجزائريين عن كلمة "شيخ" إنها تقابل كلمة "بروفيسور" التي تطلق على مدرس الثانوي والجامعي في فرنسا، وأن "جمعية العماء المسلمين" التي أسسها عبد الحميد بن باديس كانت ذات صبغة دينية ويطلق على المدرس فيها شيخ وعلمت أن وزارة التربية الجزائرية تتعمدّ انتقاء مدرسي العربية من المسلمين بحسب أسمائهم، تستبعد مثلاً اسم"جورج" "ميشيل".
في مطعم المدرسة ألتقي يومياً على الغداء والعشاء مع زملاء من عددٍ من الجنسيات، يجلس إلى يميني زميل جزائري اسمه محمد يدرّس الرياضيات وإلى يساري زميل فرنسي اسمه دانييل يدرس الفيزياء. وكم حزَّ في نفسي أن التفاهم مع محمد يتعثَّر لأنه لايتقن اللغة العربية الفصيحة فأضطر أن ألجأ إلى دانييل أكلمه بالإنكليزية ليترجم بيننا. وانعقدتْ بيني وبين دانييل صداقة ومودة، وهو أقلّ الفرنسيين عُنجهية ونزقاً. سألته في جلسة صفاء:
- لماذا لايقوم الشعب الفرنسي بمظاهرات لتأييد قضايا الشعوب في فييتنام وسواها؟
- المواطن في أوروبا (الغربية) كلها يهمه الحصول على بيت وسيارة، وضمانٌ صحي وأَجْرٌ يكيفه لقضاء عطلته الأسبوعية خارج مقرّ عمله، وعطلته السنوية خارج بلده، ولاشيء آخر.
وأنا قادم من سورية أحمل على كاهلي القضايا العربية، وقضايا شعوب العالم الثالث من فييتنام إلى زيمبابوي إلى المجاعات في أفريقيا إلى الولايات المتحدة الأمريكية لأحمل همَّ الزنوج وارتفاع نسبة البطالة ساهياً عن التفكير في مشاكلي الخاصة، ومشاكل بلدي ومحاولة البحث عن حلّ لها. إنه ضرب من ضروب الأريحية والتفاني في النضال من أجل الإنسان، وكرامة الإنسان، وحقوق الإنسان. فأكتشف بعد كل هذا الجَهد والعناء أنه نضال مصوغ بكلام لاتعلو قيمته على قيمة طنين الذباب.
إن المفلس ليس بقادر على العطاء، وإن الصخر لاينبتُ عليه العشب. إنني مستعد أن أجأرَ بصوتي كل يوم ألف مرة أشتم الاستعمار والإمبريالية والصهيونية، وأُكشِّر وأتقزَّز وأبصق على الأرض وأدوس البصاق.. وبالتالي أكتشف أنني أولى بهذه الشتائم وملحقاتها.
منذ البداية واجهتُ التحدي وسط زملاء من كل الجنسيات، فأوليت اهتمامي الأول بعملي، أتقنه وأنجزه محافظاً على سمعة بلدي، وسمعتي الشخصية، أنام وأروح من متاعبي في فندق السلام، وأشرب قهوة الصباح والعشية مع عبد القادر وبغدادي العاملين الوحيدين في الفندق. وجدت في هذين الشابين مودة تنبض بها عينا كل منهما. نجلس في العشيات جلسات صفاء خفَّفَت من وطأة الغربة على نفسي. عبد القادر طلق اللسان بالمقارنة مع غيره من الجزائريين، أما بغدادي فالكلام يخرج من فمه قطرة قطرة، وتقتصر اهتماماته على الولع بالقهوة وإعدادها بشغف ومزاجية، وتتجلى سعادته ورضاه عن نفسه في أن يرانا نتمتع بقهوته ونقرُّ بطيب مذاقها وحذقه في إعدادها وعندما نتكلم في السياسة يبدو كالأصم الأبكم. عبد القادر عندما يتكلَّم في السياسة يبدي تذمراً من الأخطاء العامة ولهفة على الانتفاض عليها والتخلُّص منها وعندما أخذتُ أشيد بمواقف بومدين العربية والعالمية وبإنجازاته في الجزائر خاصة المشروع الحضاري الذي لفت انتباهي وهو مشروع "الألف قرية" الذي كان يوليه اهتماماً كبيراً ويتباهى به، قال عبد القادر "مشكلة بومدين أنه فردي متصلب برأيه (كذا ولم يقل ديكتاتوراً) وكل مَنْ حوله تَبَع، ليس له نائب، ليس في الدولة رجلٌ ثانٍ يُعتدٌ به إذا حدث ماحدث " بدا عبد القادر مطمئناً صادقاً ولم ألاحظ في عينيه مهابة الشريك في المسؤولية، أومكر عملاء الأمن الذين يستنزلونك ليورطوك، أو توجُّس المواطن الذي يخشى أن تكون للحيطان أذان.
اتفقت مع الزميل الفرنسي دانييل أن نعقد جلسة أسبوعية يعلّمني فيها اللغة الفرنسية وأعلمه العربية. يزورني في غرفتي في الفندق حاملاً معه بعض قطع الحلوى (الكاتو) وأنا أعدُّ الشاي السيلاني على الطريقة السورية، ونصحني بشراء كتاب عن تعليم اللغة الفرنسية للأجانب، ولم أستطع أن أنصحه بكتاب لتعليم الغة العربية للأجانب لعدم معرفتي بمثل هذا الكتاب وإنما اعتمدت على نفسي باعتباري مختصاً بتعليم اللغة العربية
في ثانوية السلام ثلاثة فروع: فرع التعليم العام الذي أعمل فيه، وفرع التعليم التقني، وفرع التعليم الفني. وثمة قاعة في إحدى الزوايا يلتقي فيها المدرسون من جميع الاختصاصات ومن شتّى الجنسيات تغصُّ بهم خلال الفرص بين الدروس للاستراحة. ويلجأ إليها أحياناً بعض المدرسين خلال الفراغات بين درس وآخر (نسميها في سورية الشبابيك) لتحضير الدروس أو تصحيح كراسات الطلاب.
في ساعة من ساعات فراغي يوم الإثنين دخلت قاعة المدرسين ففوجئتُ بفتاة وجهاً لوجه وحيدين يقضي كلٌ منا وقته بلاهدف. جذبني إليها حَوَرٌ في عينيها، وقوامٌ رشيق يحاكي قوام راقصة. تبادلنا ابتسامة مجاملة ناشفة وتحية عابرة جافة. سألتها:
- انت تدرّسين هنا؟
قالت بومضة حياء وتحفُّظ:
- نعم في المعهد التقني.
- ماذا تبيعين؟
انجذبت، ورمتني بنظرة تقريع. قلت:
- نحن عادة في سورية عندما يلتقي أحدنا بزميل لايعرفه من قبلُ يسأله هذا السؤال والمقصود منه ما اختصاصك؟
- رياضيات.
ألقتها من بين شفتيها بسدور. سألتها بعد لحظة تردُّد:
- ما اسمك؟
- خديجة.
وأطلَّت زميلة ذات وجه عجيني، فبادرتْها خديجة قائلة "مليكة؟" وهربت مني إليها، واندس رأس كل منهما برأس الأخرى في زاوية من زوايا القاعة تتهامسان وتتحاشيان النظر إليّ. جلست أتشاغل بقراءة جريدة واضعاً خديجة ومليكة في زاوية إطار الرؤية أتعمَّد اللامبالاة مكابراً.لم تسألني خديجة عن اسمي لم تسألني عن اختصاصي، ولم تبذل أية بادرة مجاملة لابدّ منها بين زميلين، وفجأة تحركتْ مع مليكة باتجاه الباب، ولوَّحتْ لي بنظرة فيها خيط دقيق من الإعجاب بيد أنها لم تبدي ولو إيماءة استئذان وخرجتا.
وتذكرت ذاك الرُّكام من شعر وأغاني تملأ الدنيا من المحيط إلى الخليج على مدى التاريخ والجغرافية، تقرِّر أن لكلٍّ منا وجهين: العين تقول شيئاً، والقلب يخبئ أشياء، تستمدُّ معانيها من قيمنا الاجتماعية، وتردُّها إلينا قِيماً فنية. بمعنى أنّ الحبّ لا يتأتـّى إلا بعد صولات وجولات، وفراق وألم، وسعادة في المستحيل. والحقيقة أنه لا يمكن أن يسمّى إلا انفصاماً في الشخصية مثَلُهُ كمثَلِ السياسة والمواقف السياسية ننظر إليها بعيننا، ونضمر في قلبنا شيئاً آخر حتى غدونا نُسْقط كل ما نعاني من القهر على ذاك الحبّ شبه المستحيل.
وحملتُ عيني خديجة كحلمٍ أتحرر فيه من وحدتي وغربتي. سألت دانييل عن الحبّ قال "علاقة طبيعية واقعية بين رجل وامرأة، إذا تلاءما صارا صديقين، وإذا استحكمت الصداقة يمكن أن يتحولا إلى زوجين. وإذا تنافرا انفرد كل منهما عن صاحبه وراح يبحث عن آخر وكأن هذا "الممكن" ضرب من ضروب الحرية لايسوغه مجتمعنا العربي. سألت عبد القادر تأوَّه بحرقة وقال: "أحبها وتحبني منذ سنتين ونلتقي يومياً، ولكن أباها يصرٌّ ألاّ يعطيني إياها " وسألت بغدادي فقال ببرود "الرجل والمرأة عندما يقعان في الحب، أويتزوجان إن لم يكونا قادرين على صبر الحمار والحمارة فأولى بهما ألا ينزلقا إلى هذه الورطة".
الإداريون في المدرسة عموماً دمثون وطيبون. تعرفت في البداية إلى سوداني وهو مشرف إداري، نجلس في إحدى المقاهي نتحدّث في الموسيقا والغناء واتفقنا أن عبد الوهاب الدوكالي وعبد الهادي بلخياط من المغرب، ورابح درياسة من الجزائر، وعُليَّة وسُلاف من تونس هم نخبة المطربين في المغرب العربي كله. وأحاديثنا في معظمها تنحصر في جديد هؤلاء النخبة خاصة عندما نسمع الأغاني في المقهى. ثم تعرفت إلى جلّول وهو محاسب المدرسة، نتحدّث في السياسة ونكسة حزيران 1967 التي تولدت من نكبة 1948، وفي الثورة الجزائرية والمآسي التي خلفها الاستعمار وترسبت في نفوس بعض الضحايا. قال جلول "تعلمنا من صراعنا مع الاستعمار أن لايصادق الرجل إلا رجلاً واحداً، وكل منهما يعرف أسرار الآخر ويأتمنه على ماله وعرضه وهو مغمض العينين، ولاحساب بين الصديقين كل منهما مخوَّلٌ أن يأخذ من جيب صديقه مايحتاج" والجزائريون يستعملون بدل كلمة صديقي "حْبيبي" بتسكين الحاء. ذات عشية دعاني جلول إلى بيته، ومنذ وصولي وحتى نهاية السهرة يقدم ضيافة ويأخذ أخرى من أنواع المأكولات والفواكه الجزائرية، بشكل جعلني أحسّ بالخجل والحرج..
في الفندق تحدّثت مع عبد القادر عن موضوع الضيافة والصداقة قال "هذه عاداتنا نحن الجزائريين. ننتقي أصحابنا بعناية، وإذا دخل صاحب إلى بيتنا نقدم له الضيافة منذ دخوله وحتى خروجه"
في العطل أركب القطار أو الحافلة بعد ظهر السبت إلى العاصمة، ومن المحطة أتابع إلى البناء السكني للمعهد العالي الصناعي في بومرداس، وألتقي في بيت زميلنا سعيد الذي يدرِّس في المعهد مع فؤاد ويوسف. إنه مكان هادئ أنيق تمتدّ شققه السكنية ذات الطابق الواحد على الشاطئ وسط حدائق خضراء جميلة، وجميع شاغلي الشقق من مدرسي المعهد ومعظمهم أجانب ينتمون إلى عدد من الجنسيات الأوروبية الشرقية والغربية، أو من كندا.
فؤاد أكبرنا سناً وهو من الأغاوات جده دعاس شقيق الباشا؛ وأبوه طلّق أمه وهاجر إلى الكويت فربّته جدته هو وأخويه تربية صارمة وغدا نوعاً من الرجال الذين يعمِّرُ قلوبهم النبل والأصالة. جسمه رياضي ممشوق وقد حقق ذات يوم بطولة سورية برمي الكرة الحديدية، وسيم أشقر، إطلالة وجهه توحي بالجدية والصرامة والصدق مع النفس والودُّ واحترام الآخرين بلا تمييز. يجامل برهافة حتى لايسيء إلى مشاعر محدِّثه، يحب القيادة بأسلوبها الديموقراطي. وسعيد من أسرة متوسطة في القطيفة، لا وسامة في شكله ولا في قوامه بيد أن له حضور آسر. يحبّ المزاح والدعابة وكلما رأيتُه تراه لامبالياً، ولافرق عنده إذا قامت الدنيا أوقعدت، نزق يحب التذمّر والسخرية إذا التقى بمن يقول عنهم بُلَهاء. صوته مريح عذبٌ إذا غنى، فَعْمٌ إذا تكلم. يحب أغاني فيروز والرحابنة ونصري شمس الدين، وهو عازب رغم أنه تجاوز الثلاثين. ويوسف من أسرة متوسطة في المعظمية (بين القطيفة وجيرود) طيّبُ القلب حلوُ المعشر، الابتسامة لاتفارق محيّاه، جسمه يميل إلى البدانة مما يوحي أنه أكبر من سنه بسنوات. ثقافته العربية التراثية غزيرة، يقرض الشعر، وأبوه من كبار المثقفين في الفلسفة وعلوم اللغة والعلوم الدينية.
عند سعيد يأخذ كل منا حريته: بيته مؤلف من صالون وثلاث غرف للنوم. نعدّ الأكلات السورية - مشوَّهة كما يقول يوسف - لعدم درايتنا بالطبخ والنفخ. ونسرح في فناء المعهد نتأمّلُّ جمال الطبيعة ونحلم. قلت لسعيد مرة "بما أنك تعرف العاصمة جيِّداً أريد منك أن تأخذني إلى حيِّ القصبة"رمقني بنظرة استغراب وارتخت شفته السفلى تعبيراً عن خيبة ولوم ثم نهض قائلاً "هيا. امشِ معي"
بدا لي حيّ القصبة ببيوته القديمة وأزقته الضيقة ومنعطفاته الكثيرة المتشابكة شبيه بحي القيمرية والشاغور في دمشق القديمة. ورأيت من باب أحد البيوت المفتوحة باحة واسعة فيها بعض أشجار البرتقال وثمة امرأة كهلة ترتدي ثياباً شعبية وتربط رأسها بمنديل تجلس على كرسي بجانب الباب. مدَّت يدها وبسطت كفّها فحيّاها سعيد ووضع في يدها مبلغاً وقال "اتبعني".
رأيت على أبواب بعض الغرف نساء نصف عاريات يلوِّثن وجوههن المفلطحة بصباغ فاقع يجعلهنَّ شبيهات ببؤرة مستنقع تعشش فيها الطحالب والأشنيات المتعفِّنة يرمقن الداخلين بنظرات حقد دفين، وتكشِّر إحداهن عن ابتسامة تعرض فيها أسناناً صفراء يتراكم الوسخ بين شقوقها بعضها متلبّس بالذهب أو النحاس الصدئ أو موصولة بأسلاك فضية. وكلما وقع نظرنا على إحداهن كشفت عن المزيد من مفاتنها الشبيهة باللعنات وتجعلك تحسّ بالغثيان.
كيف للعين أن تصدِّق أن هؤلاء يتحدَّرنَ من حواء؟ قال سعيد مداعباً بمكر:
- تفضل انتقي واحدة منهن وادخل معها مخدع الأحلام. وإن لم تجد فيهن من تعجبك آخذك على دار أخرى. الحيّ مليء بمثلها. قلت بمرارة وقهر هامساً مصعوقا ً:
- أهذا هو حيُّ القصبة، القلعة التي أطاح فيها الثوار بجيش دولة كبرى؟
أيقظني سعيد من ذهولي وشدني من يدي وخرجنا. وقال: "كلما وفد واحد إلى الجزائر يهفو إلى رؤية حيِّ القصبة. هاهو حي القصبة " الآن فهمت مامعنى زمجرة ذاك السائق وقال:
"أردتُ أن أريك الحيّ رأيَ العين لتعرف كيف تتبدل هنا الحياة".
بعد شهر من الإقامة في الفندق تأكدت أنني لن أحصل على سكنى من التربية إلا في بداية العام الدراسي التالي. فهداني أحد الزملاء إلى غرفة في أحد فروع شارع النصر عند امرأة عجوز بدينة تمشي بتثاقل، بيد أنّ الطيبة تنبض من عينيها الدقيقتين، ووجهها الطافح الأبيض، تعوّدتُ أن أُخاطبها بـ (الحاجّة) وهي تعودت أن تخاطبني بـ (وليدي) كما في اللهجة الجزائرية أي بمعنى وَلَدي. وهي امرأة لاعَقِبَ لها سوى بنت متبنّاة تقيم مع زوجها في فرنسا، وأخٍ في الرضاع يسكن في حيّ بقعة سحنون الشعبي جداً في الأصنام يزورها مع أولاده أيام الآحاد. وهي تتقن - مع العربية - الفرنسية، وتلمّ بالإنكليزية، والإسبانية. ودخلُها من إجرة غرفتي وعدد من الغرف في الجناح الآخر من البيت.
أسكنتني الحاجة عندها للأُنس في غرفة أنيقة تطلّ على الشارع الجانبيّ تقابلها في الممر غرفة الضيوف ومنحتني كلُّ ماكنت محروماً منه: العطف والحنان والمودة والاهتمام. تجلس عندي تملأ فراغي الذي كان مقيتاً فأحدِّثها عني وعن بلدي وعن زواجي المتعثِّر وأولادي، وهي تحدِّثُني عن حياتها وعن زوجها الذي غادر الحياة مثقلاً بالمرض وفارقها وتركها وحيدة، ملأت الحاجة قلبي شعوراً بذاك الحب المقدس الذي يربط الولد بأمّه. أقنعتْني بهفوتها وحسن معاملتها أنها أمّ.
يوم الإثنين جلسنا حول الطاولة في قاعة المدرسين أنا وخديجة ومليكة وحدنا.
فسألتني خديجة بحياد عن اسمي وعن اختصاصي، وتحدثنا عن سورية والجزائر وأوروبا ثم غدت أيام الإثنين الأخرى لقاءات زمالة عجفاء لاتعني شيئاً سوى القشور.
بيد أن خديجة هيمنت عليَّ حتى عّشِيَتْ عيناي عن رؤية غيرها، وهي؟ هي لم تمنحني من الحب أو الإقبال على الحبّ سوى اهتمام مبطن بالمكر. تحسّ بإحساس المرأة الفطريّ أن خيطاً يربطني بها، ويجعلني أهفو إليها، فتقبض عليه بحذق ومكر لاتشدُّه إليها ولا تُفلتُه. غدت علاقتي بها مفرّغة، وطفقت دهشتي تغور في أعماقي ويغور معها الحب حتى أوشكتْ أن تصير شبحاً من هلام، وأنا أحسُّ أن الحياة بلا حواء كحبَّة اليقطين القرعاء الفارغة.
يوم الإثنين أبدت خديجة عن لون شفاف من الغنج تلألأ من عينيها المتسلطتين وشفتيها اللمياوين وغُنَّة صوتها. استفزني وأثارتني، نهبت هفوتي ونظراتي بوسائلها الفطرية تستدرجني إلى النزال لتشتبك بي وتفوز عليّ ببسالة كما يفوز ملاكم على خصمه ويرفع يده مزهوّاً. قلت والضيق ينبض في قلبي:
- خديجة لاتحمليني على أن أتصرف بجنون.
- أنا أريدك عن عمدٍ أن تُجَنّ.
هي تقف في الزاوية مثل ذاك الملاكم المنتصر والمترنّح الذي يلتقط أنفاسه، وأنا في الزاوية المقابلة مثل البركان الذي يوشك أن يتفجر، ومليكة واقفة في فمِ الباب مُدْبرة كأنها تنتظر أحداً. وما إن خرجتْ كلمة " تجنّ" من فم خديجة حتى غزوتُها بإقدام، وغصتُ في بحرها اللجب طوقتُها بذراعيّ، وهبطتُ كالبازي على مصدر تلك الكلمة "تُجنّ" ُ، أمارس جنوني، واستسلمت خديجة كما يستسلم هَزارٌ إلى قبضة صياد، وتفشينا كلانا في فضاء بلا حدود، سهونا عن الدنيا كلها غفونا ولم يوقظنا إلا نور انبلج من الباب فكَكْنا الاشتباك مترنحين ورأينا أن مليكة تراجعت عن الباب وطمرتْ وجهها بالجدار مدبرة ساكنة سكون الأشياء. تراجعت عن خديجة وعينا كل منا مشدودتان إلى عيني الآخر. وارتسمت على شفتيها ابتسامة تفوّق وازدهاء. ما أعظم متعة الجنون!
غادرت المدرسة أحس أن وزني قد خفّ، ومشيت كمن يمشي في الهواء، ألفيت الحاجة تضع ما أَعَدَّت من الطعام في طَنْجرة البخار. ركنت إلى جانبها وسألتها:
- مارأيك بالحبّ؟
رمتني بنظرة ماكرة وقالت:
- اسمع ياوليدي: الحب الحقيقي هو الذي ينبني على التفكير السليم. الحب هو الزواج ولكن تصوّر أن تتزوج فتاة من الجزائر وتذهب بها إلى بلدك، وتقول لك يوماً إنها مشتاقة إلى أهلها وهذا حقها، أتدفع نفقات السفر وقيمة هدايا مبالغ لاطاقة لك بها حتى تحقِّق رغبتها؟
وركنت وركّزتْ عينيها في عينيّ فَرُغْتُ عنها. وتابعت تقول:
- ثم هل ترسل زوجتك وحدها من بلد إلى بلد أم تترك عملك وتأتي معها؟
ثم عادت فسرحت، وغمزت بعينها قائلة:
- من هي هذه الفتاة؟
- إنني أتكلم بشكل عام وليس عن فتاة معينة.
تبسمت الحاجة وقالت بمودة "أيها الماكر!" ثم قالت بصرامة "اسمع مني واذهب في العطلة الصيفية إلى بلدك وهات زوجتك عسى أن يهديها الله إذا ابتعدتْ عن أمها. النساء كلهن يتساوين ياوليدي لكن مشكلتك الحقيقية هي أولادك. وانهمكت بإعداد الطعام قائلة "(سباكتي) مع شرحات مارأيك؟ "
لكن خديجة رَبَضتْ في قلبي كالظبية لاتريم، واتحدتْ به واتَّسعتْ وأصرّتْ أن ترافقني منذ أن أفتح عيني في يوم جديد تتراقص في خيالي مع كلمة "تجنّ" وحتى أغمض عيني للنوم. وغدا يوم الإثنين علامة بارزة ثابتة في حياتي.
وسافرتْ خديجة معي في عطلة نهاية الأسبوع إلى بومرداس تلوّح لي عبر نافذة القطار سابحة في السهول والروابي الخضر، وفي بومرداس تلوّح لي من البحر ومن الحدائق الأنيقة، ومن الطرق المنارة بأضواء بهيجة. جلسنا نشرب الشاي في الشرفة ببيت سعيد وكلٌّ منا يتحدث عن انطباعاته في عمله ومارأى في الجزائر. وكان سعيد قد سبقنا إلى هنا بسنوات وهو أكثرنا خبرة وفجأة وجّهتُ إليهم هذا السؤال "مارأيكم بالحب؟" قال فؤاد "الحب علاقة زوجية متكافئة يجب أن يسودها التفاهم والاحترام" وقال يوسف "الحبّ الحقيقي مقدَّس "وقال سعيد "الحبّ سخافة ومسخرة" ثم حدجني بنظرة زاجرة، وقال ممازحاً "أَأَتيت إلى الجزائر لتساهم في التعريب أم لتعشق وتحبَّ؟"
يوم الاثنين الجديد ردَّت خديجة التحية ببرود وحياد بدت لي كأنها ارتدّت إلى مواقعها، وكأنما أُسْدِلَتْ على عينيها وقلبها غشاوة. سألتها "مالك خديجة؟ لست على طبيعتك" أشاحت ونثرت نظراتها في الهواء. قلتُ ملمِّحاً متقرِّباً "خديجة مارأيك بالجنون؟" أعرضت عني مصعِّرة خدها أي أنها تحررت من ذاك الجنون العارض، أوكأنّه كان مجردّ حُلُم مَنام عانيته وحدي.
ذَهِلْتُ لحالها، كيف حَبِطَ ذاك الحبُّ أو مشروع الحب؟ كيف حبطت تلك الأحلام التي عشتها أياماً بلياليها وساعاتها، وتمتَّعتُ بنشوتها؟ خطر لي أن أسالها: ما الذي يعكرها؟ لكنها خرجتْ مع مليكة وقد تهدَّمت تلك البَنِيَّةُ قبل أن تستقيم على أساس. خرجتُ إلى شارع النصر أمشي على الرصيف سارحاً حتى استَفَقْتُ على صوت امرأة محنية الظهر قادمة باتجاهي من طرف الرصيف تعربد محتدة وتضرب الأرض بالعصا، تشتم وترغي وتزبد بكلام لم أفهم منه كلمة واحدة. جمدتُ في مكاني حائراً مصعوقاً والمرأة تقتربُ مني أكثر فأكثر. وتطايرتْ في رأسي مجموعة من الأسئلة: من هي؟ ما الذي أغضبها؟ ماذا أفعل؟ فنكصتُ متراجعاً منسلاً إلى نهاية الرصيف وانعطفتُ مبتعداً.. لحظات وإذ بالمرأة تصل إلى المنعطف وتدور على نفسها وتتجه نحوي متابعة شتائمها وعربدتها. اضطربت قدماي ووقفت مشدوهاً ضائعاً، ليس من اللائق أن أجري هارباً وأختفي بعيداً عنها، وإذا بيدٍ تمسكني من عضدي فانجذبت والتفتُّ رأيتُ جلول يبتسم قائلاً:
- مالك؟
تمالكت نفسي، وبادرته بابتسامة مودة:
- لاشيء.
- هيا نجلس في المقهى.
وتقدَّمَني باتجاه المرأة الساخطة، مررنا من جانبها وكأنها لم تَرَنا متابعة شتائمها تضرب الأرض بالعصا، تخاطب عدواً مجهولاً يتراءى شبحه لها وحدها. قال جلول بأسى "هذه من مخلفات المآسي التي صنعها الاستعمار في بلدنا. قُتِل زوجها وأبناؤها أمام عينيها، وفُضِحتْ بنتها وقُتلت هي الأخرى. وكما ترى فقدتْ عقلها وصارتْ هَبْلى تبدأ نهارها بالشتائم حتى العشية فتؤوي إلى كوخها وتهجع حتى الصباح وتعود إلى الشتائم غارقة وحدها في مأساتها، لاتزعج أحداً.