الفصل 18

11 0 00

دخلتُ جيرود أُمعن في معالمها الثابتة التي لا تتغير كملامح أهلها وكفضولهم ينظرون إلى سيارتي بتكشيرة دهشة وعيون ضائعة كنظرهم إلى كل مالايعرفونه، والأطفال يتسابقون إلى لمسها، ويتباهى على الآخرين مَن يطيل منهم وضع يده أكثر.

وصلتُ إلى الحارة وأطلقتُ صوت المنبه فأطلّت النساء من أبواب بيوتهن يستطلعن وما إن صرت قريباً من البيت حتى تهافت عليّ الأطفال كما تتهافت العصافير، وإذا بإياد ومناع ورزام يجرون نحوي ويهرعون إليّ يعانقونني. سألوني:

- هذه سيارتنا؟

- نعم.

فاندفعوا ينهرون الأطفال يمنعونهم أن يقتربوا منها، ويصعدون إلى جوانبها يجلسون متباهين. وعلى الباب وقفت زينب تنظر بعينين دامعتين. تصافحنا بحرارة، فقالتْ لاهفة "تعال تعال" وأرتني "بشراً" الذي أخذ ينظر إليّ مستطلعاً فحملتُه وقبلتُه وقد بلغ شهره العاشر. قلتُ لزينب "سيعذبنا كثيراً في الطريق" لكن حلمها بالسفر كان أكبر من كل أنواع التفكير بالمعيقات وتسابق الأطفال جميعاً في حمل الهدايا إلى الداخل وأولادي يراقبونهم بحذرٍ وتوجس ولم تكن دهشة الأطفال بالهدايا أقلَّ من دهشتهم بالسيارة لقد جعلهم هذا الدفق من "الجديد" أكثر فرحاً من الزهور على أغصانها والأطفال يحبون الجديد. يبتسمون يرقصون يتحركون حركات مرحة، وبتنا أنا وزينب ننظر إليهم هائمين بهذه الفرحة التي أترعونا بها كأنها شراب طيب المذاق.

وما أكثر ما أدهشتني دهشةُ الناس والأقارب وهم ينظرون إلى السيارة وكأنها تجسيد لانتصار عظيم حققتُه، قال لي أبو فريز وهو من الأقارب ومن أصدقاء الوالد مبتهجاً "والله إن هذه السيارة أهم بكثير من كلِّ رزقة بيت هزيم في عزها" وهو لا يدري أنها "إدخال مؤقت" وأن قيمتها لاتساوي أكثر من ألف وخمسمئة ليرة أي أنها أرخص ثمناً من دراجة نارية والذي جعل لها هذه الأهمية أنه ليس في جيرود سوى سيارتين من النوع القديم لدى بعض الأثرياء.

وأطلَّ من النافذة رجل شعره أبيض فضي وقال لاهفاً "مبروك" وحاول أن يدخل رأسه في النافذة ليقبلني فترجلت وصافحتُ يده التي بدأ "الزهايمر" يجعلها كأن صاحبها على حافة عربة "طنبر". سألني:

- أتعرفني؟

- كيف لا؟ أنت أبو وليد.

- سقى الله تلك الأيام.

- كيف حال أرضك التي بجانب مزرعتنا؟

- على حالها.

أبو وليد يملك حاكورة بجانب مزرعتنا مساحتها لا تتجاوز ألف متر مربع (1دونم) يزرعها قمحاً فيؤمن بها مؤونة البرغل والطحين ويعمل "بالفاعل" هنا وهناك لإتمام عيشه. عندما أنشأنا "محرك الماء" في الخمسينات صار يسقيها منه وكنا نبيع الساعة بليرتين ونصف. وذات يوم دخلتُ معه في عملية "تقاصّ" له في ذمتنا أجرة ثلاثة أيام عزق فيها أرضنا، ولنا في ذمته ثمن بعض المواد الغذائية أخذها من الدكان وكانت النتيجة أن بقي له عندنا "تسعون" قرشاً فأعطيته بها ماء. ولأبي وليد حادثة طريفة في مطلع الخمسينات يتندر بها الناس. اختلف أصحاب القوى السياسية في جيرود على تعيين أحد المخاتير فعيَّنوه "مختاراً" في الصباح فاستعار أدوات القهوة المرة واشترى نعلاً حلبية حمراء، وعندما أذِّنتِ الظهر عزلوه.

قامت السيارة بواجبها خير قيام أخذنا أخواتي الواحدة تلو الأخرى مع زوجها وأولادها إلى نزهات في المصائف، وإلى جولات بين دمشق وجيرود، وكان أخي فيصل يقتنصها ويجول فيها مع رفاقه وتعلّم قيادة السيارة عليها.

كانت أمامي مهمة أساس وهي زواج أخي فيصل وتحمّل جميع تكاليفه وأعبائه ولكم عذبني فيصل عبر السنوات الماضية، يقع في حبّ فتاة ويطلب من أمي أن نخطبها له، وكم كنت أخشى أن يقع في ورطة مثل ورطتي لأن كلّ من اختارهن لم يكنّ جديرات. كنا نتخاصم أو نتفق وكانت أمي تؤيده أحياناً لكني ثبتّ على موقفي حتى اختار واحدة من الأقارب فوافقتُ باندفاع لا لأنها من الأقارب ولكن لأنها تستحقّ أن تكون له زوجة حقيقية.

وخاضت السيارة غمار التسوّق في دمشق والتهيئة للعرس، أردتُ أن يكون "عرس العائلة" لأنني - أنا - تزوجتُ حين تزوجتُ بلا عرس، واشتريت لزينب من اللباس والذهب مثلما اشتريت للعروس. أقمنا عرساً كبيراً بهيجاً أمام بيت عمي في شارع الزيتون المتفرع من شارع القوتلي أو "شارع الأربعين" حضره لفيف من النبك ومن القرى المجاورة.

ومع بداية أيلول (سبتمبر) 1972 بدأنا بالاستعداد للسفر. وضعنا مؤونة البرغل والكشك في فجوة المقعد الخلفي وخصصناه لإياد ومناع واتخذت رزام النافذة الخلفية مكاناً لها على أن ينام كل منهم أو يجلس كما يشاء، أما بشر فوضعته زينب عند قدميها عندما ينام وحملنا في الصندوق الخلفي مستلزمات أخرى، ووضعنا على السطح فراشاً إسفنجياً وغطاءً للنوم.

غادرنا جيرود ظهرَ الأربعاء السادس من أيلول (سبتمبر) بثلاث سيارات: سعيد العازب المتمرد وحيداً، وفؤاد ومعه زوجته وأولاده الثلاثة. إن أهم مايملك فؤاد من ثروة هو احترام الناس المطلق في جيرود من خلال عمله في التعليم وعلاقاته الاجتماعية، وزوجته وهي ابنة عمه سيدة قوية الشخصية واسعة الاطلاع تضفي على الآخرين حضوراً متميِّزاً بجمالها "التقليدي" كجمال الأميرات، وطلاقتها، وكبريائها الذي يترجم إلى تواضع واحترام للأصدقاء والمعارف. تعتز بانتمائها إلى أبيها عبد الحكيم الدعاس وهو رجل مهيب وسيم وهو الوارث الحقيقي لمحمد باشا الجيرودي، كما تعتز بولائها المطلق لزوجها.

وأنا في سيارتي ومعي زوجتي وأولادي الأربعة، وزوجتي بميِّزاتها (الدمشقية) الاجتماعية وقدرتها على الانسجام مع الآخرين خالية من عقد الصراع الاجتماعي في جيرود "أغاوات وفلاحين".

قال سعيد قبل أن ننطلق: " اسمعوا. قال بدوي لآخر: الحلاوة حلوة. سأله الآخر: كيف عرفت؟ هل أكلتها؟ أجابه باعتداد: لَمَسَتْ فروةُ ابنِ خالي فروةَ ابنِ خال مَنْ رأى مَنْ أَكَلَها. أما نحن فلا وقت لدينا أن نتمتع بهذه الرحلة إلا على طريقة صاحبنا البدوي ". لذلك حمل كلٌّ منا زوادته من خبز التنور وبعض المعلبات، و(قطرميزات) اللبنة والجبن والمكدوس والمربيات، وعدة الشاي والقهوة والمتة، وقِدْراً صغيراً للطبخ..

والحقيقة أن هذه الرحلة مغامرة لعدد من الأسباب:

الأول: قدراتُنا المالية لاتخوِّلُنا أكثر من متعة النظر فلا نوم في الفنادق ولا أكل في المطاعم ولاجلوس في المقاهي ولاشراء هدايا.

والثاني: علينا أن نصل إلى الجزائر يوم افتتاح المدارس في الخامس عشر من أيلول، نقطع مسافة تقارب 6000 كيلومتر بالسيارات إلى مرسيليا. ثم نحجز مكاناً على الباخرة لنبحر مع سياراتنا إلى الجزائر.

والثالث: إذا تعطلتْ سيارة أحدنا فلا نملك المال، أو الوقت لإصلاحها. وإذا تخلينا عنها لنفوز بأنفسنا فلانملك إجرة الطريق بأية وسيلة مواصلات للمتابعة.

أما أنا فكان عندي بندان إضافيانٌّ بل مجازفتان:

الأولى: أن أخي أخذ السيارة قبل السفر بقرابة الساعة وعاد بها وقد تعطل ساعد السرعة (الفيتيس) ولامجال أن أذهب بها إلى دمشق لإصلاحه فاكتفيتُ بأن أحكمتُ رباط الساعد "الفيتيس" بسلك معدني.

والثاني: أن زوجتي عندما نذهب من دمشق إلى جيرود تصاب بالصداع، فتربط رأسها بمنديل وتتناول مسكناً وتنـزوي متهالكة متوعكة.

عندما تكون في الرابعة والثلاثين من العمر تروق لك المغامرة، رغم أنها تبدو هذه المرة مجازفة، وأنا توّاق لمصاحبة أولادي في هذه الرحلة وقد بلغ أكبرهم إياد التاسعة وأصغرهم بشر لم ينهِ سنته الأولى بعد. قلت لزينب محذراً منبهاً قبل أن نسافر:

- رحلتنا متعبة وطويلة، ومشقتها أكبر من متعتها.

- أنا جاهزة مستعدة.

وإذا بها تقصّ شعرها وترفع الإشارب عن رأسها وترتدي بنطالاً وقميصاً. وراحت تتقافز حوالي السيارة كالعصفورة، أنظر إليها فلا أصدقّ ما أرى.

قبل الانطلاق وضعنا خطة محكمة لمسيرتنا وهي أن نمشي تباعاً وأن نقطع الطريق على مراحل، وفي بداية كل مرحلة نتفق من يكون في المقدمة ومن في الوسط ومن في المؤخرة. وعلى من يكون في الوسط أن يربط بين السابق واللاحق، بمعنى أن يرى السابق واللاحق عن كثب، فإذا فقد رؤية اللاحق ينبه من في المقدمة بإشارة ضوئية ليخفف سرعته أو يتوقف بانتظار اللحاق به، وإذا فقدنا الاتصال بيننا أو ضاع أحدنا عن الآخرين نلتقي بأول محطة وقود تلي أول مدينة نعبرها.

انطلقنا على طريق دمشق - حلب تغمر قلوبنا نشوة صوفية تجعلنا نحسّ بمتعة الرحيل وتقليب البلاد. لعلنا توارثناها من أجدادنا العرب البُداة الذين ما تكاد تطأ أقدامهم أرضاً من الأراضي وما يكادون يمكثون فيها ردحاً من الزمن حتى يغادروها إلى أرض أخرى، أو من أجدادنا الفينيقيين الذين كانوا يجوبون الآفاق مولعين بالأسفار والمغامرت.

وفيما أخذنا ننظر إلى الدنيا من خلال نوافذ السيارة نرى الأرض وماعليها من الأشجار التي بدأت تتعرى من أوراقها تتطاير سُدَفاً في الهواء متراجعة تفسح لنا المجال أن نتقدم... تفجرت فينا الأحلام مثل الينابيع رقراقة سلسة مزدانة بأهازيج الطيور ولمّا نتجاوز محافظة ريف دمشق بعد.

أخذت أغني للأولاد أختار تلك الأهازيج الشعبية المعروفة في منطقتنا، واندفع الأولاد يردِّدون معي بحماسة ومرح، صرنا عالماً قائماً بذاته، عالم أسرة صغيرة منطلقة مزهوة، يتماهى بعضها في بعض وكأننا جميعاً على أرجوحة تتمايل بنا في فضاء شاسع، وبدأ الزمن بنا بداية جديدة، بداية بكراً حتى غدونا نحسب أننا أشخاص آخرون.

كانت زيارة أوروبا حلماً جميلاً طالما داعب مخيلاتنا، وقد مضت سنوات في المرحلة السابقة للعام 1971وسورية معزولة منكفئة محاطة بسور حديدي يقلِّدُ فيه أولي الأمر أسوار السوفيات، فلا يسمحون للعيون أن ترى غيرهم، وكان الشعب صابراً متقوقعاً على نفسه مكموم الأفواه بعيداً بالضرورة عن معطيات التطور الذي وصل إليه العالم. كان أولو الأمر لايؤمنون إلا بالتطور الذي يصنعونه بأنفسهم أو يختارون نماذج جاهزة منه، وألغي القطاع الخاص، وكان على موظفي القطاع العام أن يرتدوا زِيّاً موحداً ولوناً موحداً هو (الخاكي أو الكاكي) وكان التقشف مفروضاً نكاية بالاستعمار وأعوان الاستعمار! كان الأمل الوحيد عند العاملين في التدريس من أمثالنا أن تتاح لهم فرصة الإعارة إلى الجزائر ليجدوا سبباً لزيارة أوروبا، كان حلماً يداعب الجميع وحسب، وطفق الحلم يزهر ويثمر مرتكزاً إلى واقع ملموس هو أنك الآن في رحلة العمر مع أسرتك، أعزّ الناس إلى قلبك، وبين أصدقاء ترتاح إلى رؤيتهم والتعامل معهم، ولعل أهم ماتعلمناه تلك الحكمة التي تقول "الرفيق قبل الطريق "

كانت خطتنا أن نبيت في (باب الهوا) قريباً من حلب وهو المركز الحدودي الرئيس بين سورية وتركية لندخل إلى تركية منذ الصباح الباكر. وصلنا مساءً ونزلنا في الفندق الوحيد المتواضع. فترجل الأولاد من السيارة وراحوا يجرون هنا وهناك والفرح يتلألأ على عيونهم. وترجلت زوجتي وراحت تنظر إلى عالم مألوف بدهشة كأنها تراه غير مألوف وتقوم بأية حركة لإثبات رباطة جأشها وصبرها.

تُعدُّ سورية من أرخص بلاد العالم، تناولنا عشاء متواضعاً في الفندق، واحتفظنا بزوادتنا لطريقنا الطويلة، كان يرافق سعيداً أخوه إبراهيم ليودعه على الحدود فاشترى ابراهيم (فروجاً) مشوياً، ودعانا إلى المشاركة لكن أحداً منا لم تكن عنده الشهية حتى سعيد نفسه، فأكل ابراهيم (الفروج) وحده ونحن ننظر إلى الدهن يلتمع على شفتيه وأصابع يديه.

في الصباح تأهَّبنا للخروج فأمعن القائمون على المركز في تفتيشنا وتفتيش أمتعتنا حتى أجازوا لنا المغادرة، كانت لحظة سيئة مبطنة بالسخط خاصة وأنك لاتجد نفسك إلا مطيعاً مغلوباً على أمرك قابلاً للرضوخ، ودخلنا إلى تركية وتوقفنا عند حاجز المركز الحدودي التركي. سلَّمْناهم جوازات سفرنا وفتح كل منا صندوق سيارته ننتظر المراقبة والتفتيش، وفجأة تقدم منا أحد المسؤولين وانحنى قائلاً باحترام:

- بروفيسور؟ تفضلوا. نرحب بكم في تركية.

وأشار إلى معاونيه أن يفسحوا لنا الطريق.

إنّ جماعتنا يرون الناس سواسية، فيستوي عندهم المهرِّب بالبروفيسور وهذا ضرب من ضروب العدالة، حتى إن الاشتراكية تكاد تقدِّس العامل فيما تتهم المثقفين بالانتهازية!.

أول قرية طالعتنا هي الريحانية سكانها عرب يتكلمون العربية، توقفنا فيها من أجل التزود بالوقود، وتسامرنا مع بعض الناس سمراً عابراً.. وتركنا الأولاد يدورون حول السيارات ثم انطلقنا إلى الإسكندرونة ورأيناها عن بعد فاستيقظت في القلب غصة، لا لأننا لسنا قادرين على دخولها ورؤيتها عن قرب بسبب ضيق الوقت بل لأن الاستعمار الفرنسي اقتطع اللواء كاملاً في العام 1939من سورية وسلمه إلى تركيا. قال سعيد يقاوم مرارته:

- هذا أمر واقع، دعونا من الندب والشكوى.

قال فؤاد بحرقة وحسرة:

- ياإلهي من هذا الأمر الواقع! اغتصبتْْ فلسطين عام 1948 وصارت أمراً واقعاً وسميناها نكبة. واحتلَّتْ إسرائيل الجولان، والضفة الغربية، وقطاع غزة، وسيناء عام 1967 وصارت أمراً واقعاً وسميناها نكسة. ماذا بعد؟

قال سعيد مندِّداً:

- ماذا جرى حتى تفتح جروحنا؟

قلت بحرقة:

- اللهم ألهمنا نعمة النسيان.

قال فؤاد مردِّداً بيت المتنبي متشفياً محتقناً:

وهرع إلى سيارته وانطلق بعصبية يتقدمنا، مررنا بأضنة (أدنة) مروراً عابراً، وبدت لنا مدينة أنيقة معاصرة إلا أننا لم نتوقّف فيها لنشرب جرعة ماء، وفي الطريق إلى أنقرة توقفنا للاستراحة والطعام في غابة أشجارها هرمة كليلة أرضها متصحرة. تركنا الأولاد يلعبون حوالي السيارات وكأنهم يحومون في الفضاء، وإذا بعدد من الأطفال الأتراك يتوافدون نحونا حفاة يرتدون أسمالاً بالية تقدموا منا وجلسوا حوالينا يتفرسون فينا بعيون يلتمع فيها الفضول والدهشة وعلائم الذكاء. سألت أحدهم بلغة تركية ثروتي اللفظية منها بضع كلمات وبضع عبارات:

- ما اسمك؟

- مصطفى.

وقال آخر: "أحمد" وآخر "شوكت".. لقد شدتنا إليهم مشاعر التعاطف التلقائي فأحسسنا كأنهم من أبناء قريتنا بل من أبناء أقاربنا. وأترع مظهرهم المزري قلوبنا بالأسى.

توقفنا في الهزيع الأول من الليل في محطة وقود وصلنا إليها متعبين فظفر سعيد بطبق من الحساء مقابل مبلغ بسيط فجلس وراء الطاولة يلتهمه وهو يحسّ بنشوة الانتصار ويلوِّح لنا بيده يدعونا لنحذوَ حذْوَه. وآن لنا أن ننام. فؤاد نام بسيارته مع زوجته واثنين من أولاده، وسعيد نام بسيارته مع أحد أولاد فؤاد، أما نحن فقد نامتْ في المقعد الأول من السيارة زوجتي وبشر الصغير تحت قدميها وفي المقعد الأخير إياد ومناع ورزام. وأنا لم يعد لي مكان كانت تقف في زاوية المحطة سيارة شاحنة (بيك أب) فسألت أحد العاملين في المحطة بالإشارة "هل هذه السيارة باقية إلى الصباح؟ " أشار: أن نعم. أفهمته أنني أريد أن أنام فيها فأكد أنها باقية. فحملت فراشاً من الإسفنج من على ظهر سيارتي ووسادة وغطاء ونمت قريراً.

في الصباح تجاوزنا أنقرا العاصمة التي تبدو عليها أناقة المدن المعاصرة وفخامتها وتابعنا باتجاه استانبول بطريق ساحلي يقترب من البحر ويبتعد بحسب طبيعة الأرض حتى أطلّت علينا "إزمير" تلك المدينة الساحلية الوديعة تتجلى على الشاطئ ببيوتها القرميدية التي تتدرج من حضن الجبل إلى سفحه مثل لوحة فائقة الجمال. توقفنا ننظر إليها من بعيد، حتى صاح صائح منا:

- هيا ياشباب.

ونَهَدْنا إلى استانبول. في القسم الآسيوي من استانبول ترى شعباً فقيراً دائباً بين الأزقة والساحة العامة وفي الساحة يكثر بائعو المشروبات والمأكولات التركية الشعبية دون رقابة صحية رغم أن الناس يتهافتون عليهم. وركبنا العوامة مع سياراتنا إلى القسم الأوروبي. تذكرت محمد الخامس الذي فتح القسطنطينة وحررها من البيزنطيين، والسلطان عبد الحميد الذي كان يحكم بالإعدام على الخارجين عليه فتوضع الأثقال في قدمي المحكوم عليه ويُلقَى به في الدردنيل طعاما للأسماك، تذكرت أربعة قرون ونصف القرن من الحكم العثماني الذي تميَّز بسياسة القمع والتجهيل.

طالعتنا استانبول: بناء فخم يطلّ منه ماض عريق، منظر يملأ القلوب رهبة وإحساساً بهيبة تلك الدولة الإسلامية التي طغى حكامها واستبدوا فتفسَّخت وتهلهلت ثم تهاوت تحت أقدام الحلفاء في الحرب العالمية الأولى. لم تطل وقفتنا في استانبول بأكثر من التروّح السريع وشرب القهوة، وفيما أزمعنا على شدِّ الرحال قالت زوجة فؤاد متذمرة:

- مالكم؟ نمرّ بالمدن الواحدة تلو الأخرى وكأن عيوننا مغمضة، ألا نحاول أن نرى واجهات المحلات؟

سألها سعيد ملمِّحاً:

- هل تريدين أن تتسوَّقي؟

- لا.

- لماذا إذن؟

- من ذا الذي يمرّ بمدينة هذا المرور العابر ولا يكاد يرى منها شيئاً؟

وفيما أيدتها زوجتي. قال فؤاد بأسى وحزم:

- امشوا امشوا.

وتابعنا إلى القسم الأوروبي من تركيا: قرى وبلدات في منتهى الجمال بأبنيتها الأنيقة وطبيعتها الخلابة وشعبها المتمدن ونسائها الفاتنات، وعندما أطبق الليل وانتصف، توقفنا بجانب كافتيريا مقفلة. حملت فراشي ونمت على الأرض بجانب الباب حتى لاح الفجر بضوئه الفضي فاستيقظنا وكل منا ينظر إلى الآخرين وكأنه يراهم لأول مرة تماماً كما يرى العالم من حوله لأول مرة، إنه شقاء في التعاطي مع المعيشة لكنه شقاء أجمل من الرخاء. وتشعر أنك تتجدّد، تشعر كأنك لست أنت. تصفو نفسك وتروق كالماء النمير تنسى وساوسك ومتاعبك وهمومك الكبيرة والصغيرة، وترى ماضيك ومستقلبك وحياتك كلها تتجمع في هذه اللحظة الراهنة وترى أنك حريص على التمسك بهذه اللحظة الراهنة تخاف عليها أن تتسرّب من بين أصابعك. شربنا القهوة بمتعة روحية وكأنما نشربها لأول مرة، وانطلقنا إلى بلغاريا.على الحدود البلغارية كنت في المقدمة يليني فؤاد، وعندما رأوا الأطفال نائمين في السيارة طلبوا منا ألا نترجل ووضعوا الأختام على جوازات السفر وأشاروا لنا بالمتابعة، أما سعيد فطلبوا منه أن يفتح صندوق السيارة، ووقفنا بعد الحاجز ننتظره، لفتت نظرهم أكياس البرغل والكشك، فشموا رائحتها، وطلبوا منه أن يأكل قليلاً منها. ونحن نتابع مع ابتسامة شماتة هازئة. في الطريق إلى صوفيا ارتفعت درجة الحرارة في سيارتي فتوقفت وانهمكت في تعديل الموزع الكهربائي. بيد أن (البرغي) الواجب حلُّه وتعديله يقع في مكان ضيق لا أملك مفتاحاً صغيراً أستطيع التحكم به توقف معي سعيد وفؤاد ينتظران، وفيما كنت منهمكاً توقفت بجانبنا سيارة ونادى السائق بالإنكليزية:

- أتريدون أيّ مساعدة؟

فلم يلتفت إليه أحد، فترجل مع رفيق له واقترب منا وسألني بالإنكيزية:

- ماذا تفعل؟ ما الأمر؟

قلت متذمراً (بالعربية):

- ياله من غليظ!

قال بلهجة سورية:

- أنتم سوريون؟

- نعم

- أريد أن أساعدكم وتقول عني غليظ؟

قال سعيد بنزق:

- شكراً لك لانريد شيئاً منك.

فانصرف بسيارته حانقاً. قال سعيد:

- لم ارتحْ لهذين الرجلين. في الغربة يكثر النصابون.

قال فؤاد:

- لهذا يقول زهير بن ابي سُلمى: (ومَنْ يَغتربْ يحسبْ عدواً صديقَه)..

انطلقنا باتجاه صوفيا حسب الخريطة التي يدققها سعيد ويقرأها ويحدِّد لنا المسار ورغم أن صوفيا غدت قريبة لم نَرَ أثراً لها، فتوقفنا نتذاكر في الموضوع، راجع سعيد مخططاته ثم قال "طريقتا صحيح، هيا تابعوا" ومع حلول الغروب ظهرت صوفيا فجأة في وهدة من الأرض تتجلى بمصابيحها التي تبصّ بصيصاً كأنها النجوم الخافتة.

توقفنا ساعة واحدة لم نقم بأي عمل سوى البحث عن مكان يتبوَّل فيه الصغار خاصة مناع، وتابعنا الطريق إلى يوغوسلافيا باتجاه بلغراد، وما إن وصلنا إلى الحدود حتى أطبقت السماء على الأرض بظلامها ومطرها الذي أخذ ينسكب علينا مدراراً، يجعل زجاج السيارة مثل الغباشة حتى بزغ الفجر وأطلَّ النهار وصارت حبال المطر تنسج حوالينا غلالة كتيمة كالزجاج المحجَّر فلا نكاد نرى إلا أشكالاً خضراء على مدى الجهات الأربعة.

توقفنا في (موتيل) وهنا اضطررت أن أستأجر غرفة صغيرة نمت فيها وحيداً والباقون لبثوا في السيارات، ثم تابعنا طريقنا إلى زغرب. هنا أوشكت مؤونتنا على النفاد فحاولنا شراء الخبز من زغرب فلم نعثر بعد لأيٍ إلا على بضع أرغفة الواحد منها بحجم البرتقالة الصغيرة، وفي إحدى الدكاكين رأينا امرأة تبيع اللحم. قالت زوجة فؤاد:

- احذروا، أظن أن اللحم من لونه لحم خنزير.

تقدمتُ أنا وسعيد للشراء وإذا بالبائعة لا تعرف الإنكليزية أو الفرنسية، فوقفنا حائرين متردِّدين، وقد تحلق حول البائعة عدد من السيدات، حاولنا الاستعانة بهن دون جدوى. تناول سعيد ورقة وقلماً ورسم لها شكلاً ما على أنه خروف، فلم تفهم قصده حاول أن يرسم بقرة وسألني: مارأيك؟ قلت "لافرق بين بقرتك وخروفك وشكل الكلب أو الذئب أو ابن آوى" أخذت النساء ينظرن إلى سعيد على أنه حالة طريفة، فراح يثغو ثغاء الخروف بلا جدوى، ثم راح يخور خوار البقر ولا جدوى والنساء يضحكن. قلت له:

- لافرق بين ثغائك ونباح الكلب، ولابين خوارك وعواء الذئب.

والغريب أنّ أيةً من هؤلاء النسوة لم تفهم مقصدنا، فانصرفنا وحُمّة القِرَم تستحلب لعابنا جميعاً حتى كدنا نجيز لأنفسنا أكل لحم الخنزير إذا كان هذا اللحم لحم خنزير.

غادرنا زغرب في الهزيع الأخير من الليل وقد حجب الغسق الدامس العالم عنا وجعلنا نتقرى طريقنا التي لا تزيد على احتواء السيارة بمنتهى الصعوبة.. حتى أدركنا الحدود الإيطالية مع إطلالة شمس الصباح وقد انفرجت السماء وتجلت زرقتها.

وأطلّت تريستا ببيوتها القرميدية المتناثرة كحبات اللؤلؤ؛ مدينة صغيرة وديعة مثل ابتسامة طفل تغمس قدميها الفضيتين بمويجات البحر اللازوردي والشاطئ يضمُّها إلى صدره بحنان، أطلت مثل لوحة من لوحات دافينشي وروفائيل، بل لندرك أن أولئك الفنانين الكبار نَهَلو من مثل هذا المعين الساحر. ترجلنا من سياراتنا. وتسمرنا نرنو إلى تريستا من علُ ذاهلين. قالت زوجتي بلهفة وخشوع:

- الله ما أجمل هذه المدينة!.

ولعلنا جميعاً ردّدْنا هذه العبارة على ألسنتنا أو في دواخلنا. قال فؤاد بشعور من الأسى والحرقة مكابراً:

- لَشارعُ الأربعين في جيرود عندي خيرٌ من أوروبا كلها.

فرمته زوجته بنظرة احتجاج ودهشة. فتذكرت مسرحية العنب الحامض: رأى الثعلب العنب يتلألأ على الدوالي في كرم محاط بسور مرتفع ولم يجد سوى منفذ ضيّق. فصام ثلاثة أيام حتى نحل جسمه وتسنى له أن يدخل الكرم، فاندفع يلتهم العنب بشهية وشراهة يتمتع بحلاوته حتى أُتْخم، وعندما أراد الخروج ضاق به المنفذ فلم يجد مندوحة من الصيام ثلاثة أيام حتى استطاع الخروج. بعدها صار يقول إذا سأله سائل عن العنب "العنب حامض".

منحنا تريستا من قلوبنا آهة محبة وحسرة وقصمنا ظهر الأحلام، وتابعنا طريقنا وقد استقرت تريستا في نفوسنا حلماً جميلاً كأنه تحقَّق في غفلة من الزمن. وغادرناها وسلكنا الطريق الوطنية (National road way) ليتسنى لنا رؤية جوانب من الحياة في القرى والبلدات الإيطالية، وتوقفنا في محطة وقود للتزود بالوقود وإصلاح عجلات سياراتنا، وفيما وقفتُ بجانب العامل الذي يصلح عجلة سيارتي سمعت صوت أحد منا يقول لاهفاً مشدوهاً "تعالوا تعالوا تفرجوا " وفوجئت أنها دورة المياه وأنها مزدانة بالورود وقوارير العطور. قال أحدنا "هل نستطيع أن نقارن مانرى بغرف نومنا؟ " هنا كانت الغصة، وقال سعيد مازحاً: "كيف هذا وهم نصارى؟" كنا نسمع من يقول إن أوروبة متطورة ومتقدمة لكنهم ليسوا طاهرين. وخوفاً من أن يضيق الزمن بنا خرجنا إلى "الأوتوستراد" نلتمس السرعة إلى طريق باتجاهين قد يقترب جزؤه اليميني من جزئه اليساري، وقد يفترقان بحسب طبيعة الأرض وهو طريق يتسع لعدد من السيارات، وانطلقنا - كما تقول خريطة سعيد - باتجاه فينيسيا، وقد هالنا النظام الدقيق في حركة السيارات.

توقفنا عند محطة وقود هي أشبه بمدينة صغيرة تعجّ بالمسافرين العابرين فيها طريق لدخول الشاحنات وأخرى لدخول السيارات الصغيرة، فيها مطعم وكفتيريا ومحلات بيع متعددة الأغراض، وفيها الشقراوات الجميلات يقفن على مضخات الوقود يتعاملن مع الزبائن وكل منهن تستحق أن يضمها رجل مقتدر وينحو بها جانباً يعقد قرانه عليها ويعيش معها يمتع عينيه بها حتى الممات...

فينيسيا (البندقية) ذكرتني بمسرحية (تاجر البندقية) الشهيرة لشكسبير وقصيدة (علي محمود طه - الجندول) التي يغنيها محمد عبد الوهاب بأداء رائع ومطلعها:

أين من عيني هاتيك المجال ياعروس البحر ياحلم الخيال

وبموضوع عن فينيسيا يصفها ويصف بيوتها ووسائل الركوب فيها، كان في أحد كتب اللغة الانكليزية أثناء دراستنا الإعدادية. منذ ذاك الحين وأنا أتساءل في دخيلتي: ألا يمكن أن يأتي يوم أزورها فيه؟ لقد كانت نفحة حلم مغلّفة باليأس. وهاأنذا قادم إليها ومعي شكسبير وأبطاله وعلي محمود طه بشعره الرائع ومحمد عبد الوهاب بصوته الشجيّ. عند مدخل المدينة استوقفنا سعيد، وطلب منا أن نتوقف على حاشية الطريق، وترجل وأشار لنا بيده أن ننضمّ إليه. جلسنا على حافة السور وأخرج من سيارته بطيخة كبيرة، وراح يحزِّزها ويقدم لكل واحد منا قطعة. كانت لحظات هناء حقيقية تجعلك تشعر بنشوة الحلم الممتزج بالذكريات. ورحنا ننهش من البطيخة ونتمطق، وكأنها البطيخة البكر في حياتنا. وقال سعيد:

- هل تعلمون أنهم في أوروبة بيبيعون البطيخ (بالحزّ) مغلفاً بورق النايلون؟ أنا أذبح هذه البطيخة هاهنا نكاية بهم.

وضعنا السيارات في ساحة في مدخل فينيسيا وتقدمنا نحو المدينة نُنْعِم النظر إلى بيوتها المتراصة على جُزُر صغيرة تتخللها الممرات المائية: شوارع وأزقة ضيقة تعبرها المراكب بأحجام مختلفة: من حجم الدراجة إلى حجم الحافلة، ومن الشاحنات الصغيرة إلى الشاحنات الكبيرة، من المراكب السياحية المزينة إلى المراكب الخاصة الأنيقة. هاهي حركة الحياة في هذه المدينة الغاصة بالسياح يؤمونها من مختلف أنحاء العالم، مدينة لامثيل لها في أي مكان من العالم وقفنا على الرصيف العريض الذي تتحرك منه المراكب إلى الداخل يدفعنا الفضول برغبة جامحة إلى اقتحامها والطواف فيها، ثم تتحول الرغبة إلى آهةِ حسرةٍ وأسفٍ مكبوتة. تبادلنا نظرات إعجاب سرعان ما طفقت تضيع على سيمائنا، وتحدثت العيون بما لم تتحرك له الألسنة، وتململ كل في مكانه ثم تبادلنا إيماءات بالرأس أن نتابع طريقنا صامتين مقرين بعدم قدرتنا على البقاء أكثر أو التمادي بخطوة أخرى، وحلّ بنا ما قاله أحد شعرائنا القدامى "رضينا من الغنيمة بالإياب" وكل يعزي نفسه قائلاً في دخيلته: " أن تشاهد فينيسيا لِماماً خير من ألا تشاهدها أبداً "

كان مخططنا أن نذهب إلى ميلانو نلتقي فيها ونتوقف قليلاً ثم نتابع الى جنوة ومنها إلى فرنسا، فاتجهنا إلى طريق ميلانو وراح المطر ينهار غزيراً حتى صارت قيادة السيارة توجب الدقة والحذر. كان فؤاد في المقدمة يليه سعيد في الوسط وأنا كنت في المؤخرة وأطبق المطر علينا، صار جوُّنا ضبابياً ضعفت فيه الرؤية وكادت تنعدم ففوجئت ببعض العوارض الخشبية تطلب تخفيف السير وتشير إلى أن الطريق قيد الإصلاح وتشير إلى تحويلة ترابية اضطررتُ أن أنحو إليها جانباً وأسلك طريقاً طينيةً مربكةً، وفي نهايتها عدت إلى الطريق الرئيسة وتابعت مسرعاً لألتحق بسعيد وفؤاد. قلت قلقاً مستغرباً:

- ماالأمر؟ لماذا لم يبطئ سعيد ولم يشِرْ إلى فؤاد أن ينتظر؟

قالت زوجتي قلقة متوجسة:

- أهو حادثٌ لاسمح الله؟

- ولكنهم اختفوا. ولاأرى سبباً إلا أنهم ضاعوا عنا.

وصلنا إلى مشارف ميلانو ولم نَرَ لهما أثراً، ودخلنا المدينة وتوقفنا في إحدى ساحاتها وترجلنا نتروح، اشترينا بعض المأكولات من الجبن الإيطالي الذي يضاهي الجبن الفرنسي واستندنا إلى السيارة نتناولها، لم يعد في هذه الرحلة أهمية لموعد غداء أو عشاء أي أننا نأكل لنسد رمقنا متحللين من العادات والتقاليد، وهكذا تتراكم المتع بعضها فوق بعض.

تركنا الأولاد يلعبون حوالي السيارة ولبثنا ننتظر، ثم اتفقنا أن لاجدوى من انتظارنا ولابد أن نغادر المدينة لعلنا نجدهم في أول محطة وقود حسب الخطة. توقفنا عند أول محطة وقود فلم نجد أحداً، فازداد قلقنا، تركنا الأولاد يلعبون وجلسنا في الكفتيريا نرتشف القهوة الإيطالية (إكس بريسو) القوية المركزة، الشبيهة بقهوتنا المرة لكن القلق شوّه علينا التمتع بها.

تبادلت مع زوجتي نظرات انكسار وضياع، ولبثنا صامتين، ثم حزمنا أمرنا وقررنا متابعة الطريق إلى "جنوة" مكسوفين. مضينا في الطريق نبعث نظراتنا في كل الاتجاهات لعلنا نعثر عليهم حتى أُصبنا باليأس، ثم بالخواء، ثم بشعور بالغربة مقيت عكّر علينا فتنة هذه الرحلة، وسلبنا بهجتها. ثم داهمنا سؤال: لابدّ من مخطئ، فمن المخطئ؟ أيعقل أن يخطئ اثنان ويصيب شخص واحد؟ ثم صار يقرِّعنا لوم النفس.

تابعنا طريقنا ساخطين قلقين وغدونا أكثر حساسية وتوجساً في قراءة الخريطة وسلوك الطريق الصحيحة لأن الضياع هاهنا مصيبة إذ كنا نعتمد جميعاً على سعيد في مثل هذه الأمور

دخلنا جنوة الميناء الهام على الجانب الغربي من البحر الأبيض المتوسط. وهي مدينة فخمة في أبنيتها وجسورها التي تلتف حولها متراكبة بعضها فوق بعض في ثلاث طبقات.. ورغم إحساسنا بالضياع والغربة وبدافع تلقائي للمحافظة على توازننا أحسسنا بنوع من التحرر من كثير من المماحكة ومن أسر الآراء المتعددة في كل خطوة من خطواتنا اشترينا بعض الأدوات التي يطيب بها السفر والرحلات طويلها وقصيرها: وهي طاولة وستة كراسي متحركة، وصندوق بلاستيكيّ فيه عدة كاملة من ملاعق وشُوَك وأواني طعام. وتزودنا بمؤونة متنوعة وتحركنا لمغادرة جنوة باتجاه فرنسا، نحلم بمكان مناسب نستريح فيه ونتتحلق حول الطاولة، ونعدّ طعاماً شهيّاً. سلكنا طريقنا عبر الجسور باتجاه فرنسا حسب الشاخصات. وما إن وصلنا إلى الأوتوستراد الدولي حتى فوجئنا بشاخصة تشير إلى أننا نتجه نحو (بولونيا) توقفت على حاشية الطريق وتبادلت مع زوجتي نظرات دهشة وضياع. سألتها:

- هل من المعقول أن يكون لإيطاليا حدود مباشرة مع بولونيا؟

- لاأظن ذلك.

- معناها أننا أخطأنا في اختيار الطريق الصحيح.

وعدنا إلى جنوة، ثم انطلقنا مع الشاخصة التي تشير إلى "فرنسا" قلت لزوجتي:

- دققي معي احترازاً من الخطأ.

كررنا المحاولة، ودققنا بحرص وعناية في الشاخصات، وإذا بنا نعود من حيث أتينا، و(بولونيا) تنطرح أمام عيوننا كالعاهة. "ما العمل؟" إنها لحظات عجز وقلق مداهِمة. عندها أحسسنا برهبة هذا العالم الجافي أوروبة وبالغربة تتثاقل علينا فظة غليظة القلب، ولم نجد بداً من أن نستنجد بأحد فمضينا إلى أول محطة وقود يداعبنا أمل عابر ان نجد فؤاداً وسعيداً ينتظران في المحطة. وسرعان ما تلاشى هذا الأمل عند وصولنا، وعدنا الى تمام اليقين بالضياع المحتم. لجأت إلى أحد القائمين على المحطة، خُيِّل إليّ أنه سوري أو لبناني وبادرته بالتحية والكلام باللغة العربية ففوجئت أنه لا يعرفها أفهمني الرجل بالإيماء والقليل القليل من المفردات الفرنسية والإنكليزية أني ماض في الطريق الصحيح، وسأصل إلى مفترق طرق أحدها يشير إلى فرنسا والآخر إلى بولونيا. ولكني لم أستطع أن أفهم منه: ماهذه الـ(بولونيا) ياترى؟

مررنا بالريفييرا الإيطالية وتجد نفسك غارقاً في بهاء من الجمال يعوزك الكثير من الجهد حتى تنتزع نفسك منه، ولم تطل حيرتنا فقد وصلنا إلى مفترق طرق أحدها يؤدي إلى فرنسا والآخر إلى بولونيا التي لاتزال لغزاً. ثم تجاوزنا "سان ريمو" الهادئة الوديعة، نتابع طريقنا عبر سفوح جبال الألب حتى اجتزنا الحدود الإيطالية الفرنسية وترجلنا عند شاخصة تؤدي إلى طريق فرعية كتب عليها (موناكو). ترجلنا نتأمّل مونت كارلو المدينة الحلم من فوق، وقد ارتسمت على الشاطئ لوحة سحريّة جعلت زوجتي تهتف قسرياً وقد ارتخى فكها الأسفل، واتسعت عيناها "الله. ماهذا الجمال! ماهذه الروعة!" ولم نزد على أننا أغمضنا عيوننا وحملنا مونت كارلو في أهدابنا وتابعنا الطريق إلى نيس. أوقفت السيارة في موقف على الشاطئ مقابل أبنية نيس الفخمة التي تصطف على سفح الجبل، وهرعت أنا والأولاد إلى البحر.

ثم غادرنا (نيس) وفي الطريق جلسنا لأول مرة على الكراسي الجديدة، وتناولنا طعاماً خفيفاً، وتابعنا إلى (كان) المدينة الصغيرة الأنيقة. مررنا بها مرور الكرام وقد بدأ الغروب يقترب، وعندما وصلنا إلى مفترق طريق (بروفانس) متجهين إلى مرسيليا كان الغروب قد طمس معالم الكون، واستيقظ فينا القلق حاداً على رفاق الطريق الذين ضللنا عنهم أو ضلوا عنا.

دخلنا مرسيليا المدينة الفخمة منهكين، ولجأنا إلى مخيم (شبابي) تناولنا عشاءنا وتركت زوجتي والأولاد ينامون في السيارة ونمتُ في كوخ حراسة خشبي مستطيل الشكل عرضه أقل من متر وطوله لا يزيد على المتر ونصف المتر. نمت مطويَّ الرجلين ولست أدري كيف غلب علي النوم حتى صحوت على الأولاد يلعبون حوالي السيارة وأمهم تهيئ الإفطار في مكان يطل على الشاطئ.

جعلتنا أوروبا عبر هذه الرحلة السريعة نكتشف أن عاصمتنا العجوز المترهلة دمشق؛ أقدم مدينة معمورة على وجه الأرض ليست سوى قرية كبيرة. دمشق عاصمة الأمويين الذين وطئت أقدام جيوشهم أقصى المشارق والمغارب. إن مجدنا التليد وماضينا المشرق تكسرت مجاديفه عبر القرون حتى ضاق بنا الاعتداد بهذا الماضي ونحن نجرع كؤوس المرارة في واقع توقف عنده التاريخ بل تراجع فغدونا كالمومياءات، وغدونا نسخر من أنفسنا ونحن نستحضر هذا الماضي، وغدا عند بعضنا الشعور بأن عجزنا على تحقيق مَثَلِنا الأعلى المتمثِّل في ذاك الماضي يجعلنا نصاب باليأس، ويقضي على نفحات الأمل التي تهبُّ بين حين وآخر صحوةً إثر صحوة، تهبُّ وتخبو لكنها لاتكتمل.

وصلتُ إلى الميناء مع زوجتي وأولادي ففوجئنا بسعيد وفؤاد وزوجته وأولاده وكان لقاء حاراً بعد ضياع مصبوغاً بالعتاب. هم أصروا أنني أنا الذي أخطأتُ واخترقتُ حواجز المرور ولم أعبر عن طريق التحويلة وأنا وجهتُ لهم الاتهام نفسه ولكن من الذي خالف اتفاقنا ولم ينتظر عند أول محطة وقود؟ ووضعتُ سيارتي مع سيارة سعيد ننتظر دورنا لنسلمهما للمسؤول عن الباخرة. سألتهم:

- أين سيارة فؤاد؟

قال فؤاد بإحساس من لا تلوي به حادثة:

- كنتُ أتجاوز قاطرة ومقطورة ففوجئتُ أنها سدتْ علي الطريق وبتُّ غير قادر على المتابعة ولا على الرجوع فضربتني وانقلبتْ بنا السارة نحو حاشية الطريق.

فلا معنى أن أسأله ماذا حلّ بكم وأنا أراه وأرى زوجته وأولاده أمام عيني لم يمسسهم أيُّ أذى. قال سعيد:

- ليتك رأيت السيارة أصبحتْ كتلة حديدية معجوناً بعضها ببعض.

- الحمد لله على سلامتكم.

قال لي المسؤول عن الميناء "لن نستطيع شحن سيارتك إلا بعد أسبوع" وكان هاجسي وهاجس زوجتي أنها ملأى بالمؤونة "الكشك والبرغل" وبثيابنا الصيفية والشتوية فوعدني أنها ستصل كما هي. وعندما سجل المراقب أوصاف السيارة لفتُّ نظره إلى هوائي على شكل مرآة، وإلى جهاز الراديو ومسجلة فكتب المعلومات عليها بالفرنسية.

في الباخرة ركبنا جميعاً على مقاعد مريحة في مقصورة بحجم "الباص" وركب معنا بعض الجزائريين العاملين في فرنسا، وراح الأولاد يجرون حول المقاعد مبتهجين ويتباهون أنهم يركبون الباخرة لأول مرة، وأقلعتِ الباخرة. بعد دقائق أصيب كل من المقصورة بدوار البحر بما فيهم زينب يتزاحمون على المغسلة يتقيّأون ويرشون الماء على وجوههم إلا أنا وأولادي بمافيهم بشر ابن العام لم يبق غيرنا طبيعيين.

في الجزائر مضيتُ بزينب والأولاد إلى محطة القطار وعندما رأى الأولاد خط القاطرات المتتالية وكأنها الأفعى الأسطورية وسمعوا أزيز عجلاتها على السكة وصوت صفارة القطار كأنه صوت مجموعة من الثيران المزمجرة أحسوا بمتعة أخرى أنهم يرون القطار ويركبونه لأول مرة. وعلى الطريق إلى الأصنام سرحتْ زينب مع السهول الفسيحة التي تتطاير سجفاً من النوافذ فقالت "يا الله ما أجمل الجزائر" وصلنا إلى الأصنام ودخلنا بيتنا المؤلف من غرفتين الصغيرة لي والكبيرة لزينب والأولاد، وصالون مربع واسع للجلوس واستقبال الضيوف.

في اليوم التالي سجلتُ إياد في الصف الخامس، ومناع في الصف الثاني في مدرسة قريبة وعلمتهما على طريق الذهاب والإياب ليسلكاه وحيدين لأن دوامي في ثانوية السلام يتضارب مع دوامهما.

في الجزائر يراقبون المدرس ويرون مدى اهتمامه بالدروس وتصحيح كراسات الطلاب وقبل انتهاء العام الدراسي يضع الناظر البرامج، طلبت منه ألا يخصص لي دروساً في دوام بعد الظهر لأنني مريض بشيء اسمه القيلولة فوافق وسألني برحابة صدر "هل لك طلبات أخرى؟" قلت "نعم أن يكون يوم السبت فارغاً لأكسب يومي عطلة في الأسبوع "السبت والأحد" فوافق وأعطاني البرنامج قبل أن أسافر.

الجزائريون عاطفيون، بواطنهم تختلف عن ظواهرهم وكان اليوم الأول لقاءات حارة مع الجميع بدءاً من جلول وحتى الناظر وسوداني والزملاء السوريين والعرب ودانييل الفرنسي والتقيتُ بالزبير وصحبه، وبعبد القادر وبغدادي. لقد جعلوني أحسُّ بهفوتهم إليّ أنهم عشيرتي وعِزوتي.

إن أول يوم عمل بعد العطلة يحس فيه كل من المعلم والطلاب بالفتور حيال ساعات الدروس الأولى وبرغبة رخيمة في التقارب، وتبادل الأحاديث في مواضيع عامة. إن علاقتي بمعظم طالباتي وطلابي في جميع الشُّعَب جيدة ومريحة، يتجلي فيها الاحترام المتبادل والمحبة، فقضيتُ الساعات الأولى في الحديث عن الثقافة والأدب والرياضة والحياة الاجتماعية وفي كل حصة درسية لايبقي للموضوع المقرر سوى جزء يسير من الدرس.

في الفرصة الأولى أقبلتْ نحوي مليكة وحيدة، حيتْني بلهفة وحرارة وإذ حان وقت الدرس قالتْ هامسة "نلتقي في الفرصة التالية" في الفرصة التالية وقفتُ وجهاً لوجه أمام مليكة يطفح من وجهها العجيني نوع من التعاطف والارتباك، حدثتني في كل شيء إلا خديجة، ورغم أنها تحسَّ بما يحيك في صدري وتعرفه تمام المعرفة تعمدَّتْ أن تتجاهلَ الأمر وتطرحَ ودَّها عليَّ بمكر وحذر سألتها بفضول:

- أين خديجة؟

- تزوجتْ.

فجاءني الخبر مثل الأخبار الرسمية في وسائل الإعلام العربية تسمعه ولا تسمعه لأنه لايثير فيك موقفاً معيناً، لقد قررتُ أن ألتزم ببيتي وبحياتي الزوجية وأعيش حياة استقرار كفاني تشرداً، وقالت مليكة "خديجة تحبّ محمد مذ كانا في المرحلة الثانوية بعد أن أنهيا دراستهما الجامعية تقدم يخطبها إلى أبيها فرفض أبوها وأصرَّ على الرفض لأن محمداً من وادي رهيو وليس من الأصنام" ولبثتْ تنتظر ردة فعلي فلم تلقَ شيئاً ذا بال ربما عزته للخبث، فتابعت قائلة "وأخيراً بعد وساطات وافق أبوها وانتهى كل شيء، لاتزعل ما أكثر البنات" وبقيتْ بيني وبين مليكة مجاملة لم تبلغ تخوم الصداقة، وكلما التقينا تبادلنا نظرة ذات معنى سرعان ما تتلاشى.

بعد الظهر دخلتُ البيت فألفيتُ زينب منهمكة بتنظيفه بشغف رغم أننا بدونا فيه مثل الضيوف بلا مضيف، وتفاجأتُ أنها تعرفت إلى الجارة في البيت المجاور "مسعودة" في نحو الخامسة والخمسين أرملة عندها بنتٌ وحيدة "خَيْرة" تعمل موظفة في البلدية، ولستُ أدري كيف جعلتنا "مسعودة" نألف بيتنا شيئاً فشيئاً بطلاقة لسانها وبشاشتها وحيويتها وقدرتها على سرد مواضيع متنوعة في حديثها، لكن مشكلة تفاهمها مع زينب شكلتْ في البداية عائقاً لأن كلاً منهما لا تفهم من كلام الأخرى إلا بعض الكلمات، فأخذتُ أترجم بينهما.

صباح اليوم التالي رأيتُ الزملاء مدرسي اللغة العربية مضطربين منهمكين بتحضير الدروس خاصة المصريين، وسمعتُ همساتٍ تتردَّد أن المفتش العام للغة العربية وصل إلى الأصنام وهو على وشك أن يأتي إلى ثانويتنا، وقبل دخول الدرس الثاني قيل برهبة "وصل إلى مدرستنا" وعلى أيٍّ منا أن يتوقَّع أن يداهمه "كذا عبَّروا عنها" في صفه. كان درسي في الصفِّ العاشر وكان موضوعه "تعبير شفوي" وكنت قد حضرتُ لدرس ألقيه بأسلوب غير تقليدي، وما إن كتبت الموضوع على السبورة "الجرأة الأدبية" حتى نُقِر الباب ودخل المدير والمفتش العام وجلسا كالعادة في الصفِّ الأخير. تابعتُ الدرس كما هو، قلتُ للطلاب "تعرفون أن زهير بن أبي سُلمى من أبرز شعراء الإسلام" وكتبت اسمه على السبورة فانجذب المدير والمفتش وأخذ الطلاب ينظرون إليّ نظرات ذهول. وتابعت "ويرى الكثيرون من النقاد أن زهير يقتبس معانيه وصوره من الشاعر الجاهلي المعروف جرير" وكتبت اسمه على السبورة عندها غدا وجه المدير شاحباً كأن الدم هرب منه وهو في الأصل مدرس لغة عربية وأخذ يتململ موشكاً أن يتحرك، أن يفعل شيئاً. وكشّر المفتش تكشيرة استخفاف وغضب، وران على الطلاب كمود حتى غدو مصعوقين.

سألتُ الطلاب "مالي أراكم واجمين؟ هل رأيتم أنني أخطأت مَثلاً؟ من عنده الجرأة الأدبية فيدلُّني على الخطأ؟" رفع الطالب "أحمد الحاج هني" يده باندفاع وكان ممن يحبونني جداً. قلت "تكلم يأ أحمد" قال:

- زهير بن سلمى جاهلي، وجرير أموي

- أحسنتَ يا أحمد. هذه هي الحقيقة. قم إلى السبورة وصحح الكلام.

وتابعتُ قائلاً " هذا هو درسنا. الجرأة الأدبية. من خلال هذا السؤال "إذا أخطأ أبوك أو أخوك الأكبر أو أستاذك، أو رجل أكبر منك تعزُّه فماذا تفعل؟ هل تتركه على خطئه وتجازف بالحقيقة العلمية أم تقوّمه وتجازف بعلاقة الاحترام؟

وبدأ الدرس بحيوية ونشاط واندفع الطلاب يدلون بآرائهم بفاعلية فانفرجتْ أسارير المدير ولاحت على وجه المفتش "حامد روابحية" علامات الإعجاب فانعقدت بيننا علاقة صداقة متينة، وكلفني بإلقاء درس نموذجي بمادة "الإنشاء" في الندوة التربوية التي يدعى إليها جميع مدرسي ولاية الأصنام.

أخذت أعلى علامة، ومن العجيب أن "عنجوقة" وهو مدرس مصري نال علامة مماثلة وكل من يمر من جانب قاعة الصف التي يدرس فيه يسمع الفوضى ويرى بعض الطلاب يتحلقون حوله يسدون عليه منافذ الرؤية.

قال لي المدير "عندما جاءني المفتش فجأة أدخلته على صفِّك لأنني أثق أنك تحضِّر لدرسك جيداً ولا تتلعثم أمام أحد. ففاجأتني بما فعلتَ سامحك الله".

جاءني كتاب من السفارة السورية في الجزائر يطلبون مني مراجعة السفير فقلتُ في نفسي أضرب عصفورين بحجر واحد، أراجع السفير وأحضر سيارتي من الميناء. رحّب بي السفير وعرض عليّ أن أكون رئيس البعثة التعلمية السورية في ولاية الأصنام بعد أن شجَّعني وحدد لي مهمتي وهي أن أكون صلة الوصل بين المعارين والسفارة من جهة وبينهم وبين الدوائر الجزائرية الرسمية من جهة أخرى، وأفهمني أنه عملٌ تطوعي فوافقتُ ما دام قد وضع ثقته بي.

في الميناء استلمتُ السيارة وعندما تفقدتها تأكّدتُ أن أمتعتي كلها موجودة على الشبك فوق السيارة، وفي الصندوق الخلفي حتى علبة الشاي السيلاني. وعندما دقَّقتُ في داخلها فوجئتُ أن جهاز "الراديو والمسجلة" منتزع منها. راجعتُ الإدارة محتجاً غاضباً فطلب المسؤول "قسيمة" الشحن وقال لي:

- هذا توقيعك un antain sans radio magnotophone))

- نعم لقد أشرت إليها وإلى الهوائي وكتبها أمامي.

- كتب (sans) أتعرف ما معناها؟

- لا.

- معناها "بلا" لقد ضحك عليك الرومي واستغلّ أنك لاتعرف "الرومية".

وتذكَّرتُ قيمة الحديث الشريف "من تعلم لغة قوم أمن شرهم" وعدتُ إلى الأصنام وقلتُ لهم تعلمتُ معنى كلمة "بلا" بالفرنسية بمبلغ سبعمائة وخمسين ديناراً "هو ثمن المسجلة" وأخذ الزملاء يذكرون حوادث عن سرقة السيارات أو محتوياتها في أوروبا. قال أحدهم "مدرس سوري وضع سيارته على الرصيف بجانب الفندق في روما، وعندما صحا صباحاً وجد المحرك منتزعاً منها" وقيل إنهم في الجزائر يقتنصون من جيب السيارة الداخلي أيّ شيء يجدونه فيه، وقيل إن أحد المدرسين سُرقت سيارته من مكان تركها فيه، بحث عنها، بلّغ الشرطة دون جدوى وبعد أسبوعين وجدها في المكان نفسه. وفي العام الماضي وضع فؤاد سيارته في مرآب مأجور في العاصمة وكنت معه أنا وسعيد، وعندما جاء لاستلامها تفاجأ أن معطفه وهو من "الجوخ" الانكليزي الفاخر مسروق. راجعنا المسؤول عن المرآب فقال "أنا لاعلاقة لي" قلنا له ألستَ حرساً أولم تأخذ نقوداً للحراسة؟" قال "بلى ولكني مسؤول عن حراسة السيارة لا عن أيِّ شيء يوضع فيها".

وتتالتْ الأحاديث عن سرقة السيارات تماماً كما كان يحصل في المضافات في جيرود إذا تكلم أحدهم عن "الضبع" أو "الأفعى" أو "الشيطان" يستمرون في رواية الأحداث مما سمعوا أو عانوا حتى نهاية السهرة.

إننا دائما نشيد بالنظام والأخلاق في أوروبا لكن من يزُر أيّ بلد أوروبي يَرَ الواقع متناقضاً. سمعتُ مرة من أحدهم قال في سويسرا كثيراً ما يترك صاحب الدكان دكانه فإذا جاء متسوِّق يأخذ ما يريد ويضع قيمته على الطاولة وينصرف. لقد تأكدت فيما بعد أنها كذبة من يشيدون بأوروبا ليدلوا أننا متخلفون والناس في أوروبا راقون متحضرون، والحقيقة أن الحضارة الأوروبية لمن يدقِّق فيها يرى أنها حضارة "بلا ضمير" ودليل ذلك نتائج الحربين العالميتين الأولى والثانية.

في دمشق عندما وصلتُ من الجزائر تركتُ سيارتي ملأى بالأغراض في صندوقها الخلفي وعلى سقفها بحي شعبي مفتوح "بوابة الآس" ولم أجد إبرة واحدة مفقودة. وفي دمشق إذا ترك صاحب الدكان دكانه لإقامة الصلاة أو لأيّ غرض آخر يضع في فم الباب كرسياً حتى يشعر الآخرين أنه غير موجود، فلا يقترب متها أحد.

ودشَّنتُ السيارة بجولة في الأصنام لتتعرف إليها زوجتي وأولادي، ثم بدأنا مرحلة جديدة من حياتنا، أعود من المدرسة فنأخذ طعامنا إلى غابة جميلة على تلّة منبسطة متدرجة في الهبوط على أطراف الأصنام بساطها عشبي أخضر، وأشجار السرو والصنوبر الباسقة تتعانق فيها. نتناول الغداء فأستلقي سارحاً في قيلولة، ويلعب الأولاد على مداها الواسع وأشجارها الحانية، يجري بعضهم خلف بعض حتى الغروب.

أما في عطلة نهاية الأسبوع نشدّ الرحال إلى "بومرداس" فننزل ضيوفاً على سعيد أونقضيها على شاطئ "بوشغال" الرائع أسبح أنا والأولاد، ثم نشوي اللحم ونتغدى ثم أتركهم ينهمكون ببناء بيوتٍ على الرمال أرنو إليهم وأتذكر فيهم طفولتي والمزرعة وبيوت الطين.

كان بشر قد تجاوز العام وكنت أحمله إلى البحر ليلعب بالماء ثم أتركه يجلس على رمال الشاطئ، وقبيل مغادرتنا "بوشغال" في المساء اختفى بشر، فاندفعنا نحن والسوريون نبحث عنه في كلّ اتجاه.. أصبنا جميعاً بالهلع، وجمدت زينب مصعوقة دامعة العينين حتى سمعنا صوته يبكي ويصمت في غابة صغيرة قريبة من الشاطئ أشجارها مكتظة متشابكة فانتشرنا في الغابة هلعين نمشطها من جميع أطرافها، وانقطع صوت بشر فبلغ الذعر منا ذروته، لاشك أن وحوشاً ضارية تلجأ إلى هذه الغابة، لكن لجوءها لن يكون إلا في الظلام، وصرختْ زينب فجأة "بشر" بصوت يملؤه الرعب والخوف وإذا ببشر يعود إلى البكاء. فسبقتْ الجميع إلى مصدر الصوت حملته وضمته إلى صدرها وهي تنتحب كأنها لاتصدق أنه بين يديها.

"يالًقلبِ الأم".

(20)

مع بداية العطلة الصيفية للعام الدراسي 1972- 1973 حجز لنا محمد سعيد سعدة أبو ياسر شقة في "ستي ليسكور" في الطابق العاشر في وهران عاصمة الغرب الجزائري بالبناية نفسها التي يقيم فيها. فحملنا أمتعتنا وغادرنا الأصنام والأطفال يتلألأون مبتهجين ويسألونني بعد كل مرحلة من مراحل الطريق "أمازالت بعيدة؟" وعندما وصلنا إلى وهران هالهم جمال هذه المدينة الساحلية الأنيقة.

قضينا الجزء الأكبر من العطلة في وهران بين التجول في شوارعها الأنيقة الجميلة والتعرف إلى معالمها بالسيارة أو سيراً على الأقدام أو في "مسبح الأندلس" على البحر وكانت زينب تمضي معظم وقتها مع أم ياسر والنساء السوريات والأولاد مع الأولاد السوريين. ونهيم أنا وأبو ياسر في وهران نجلس في إحدى المقاهي أو نسرح في الشوارع نلتقط صوراً بنظرات تسبح في الفضاء للأشجار المنمقة وعيون السمراوات المتوثبة وصدورهن البارزة تتحدى العابرين وخصورهن الحريرية الرهيفة وكأنهن عصافير الجنة.

أبو ياسر طيّعٌ، هينٌ لينٌ، مولع بالصمت ملتزمٌ به، لايتكلم إلا إذا أجابك عن سؤال أيِّ سؤال توجهه إليه، لايبدي رأيه في شيء. تقول له "امش من هنا" فيمشي "اجلس هنا" فيجلس. عندما كنت في المرحلة الابتدائية ورغم أنه من أبناء الطرف الآخر في حارتنا لم يكن بيننا أية علاقة ولا تحية عابرة سوى أنني أراه متمسِّكا بكتابه كأنه يخشى أن يطير من بين يديه يتمشى في جامع بشر خارج أوقات الصلاة بجسم نحيل يبدو كأن مفاصله غير مربوط بعضها ببعض ربطاً محكماً منهمكاً بالقراءة يستعدّ لتقديم امتحان الكفاءة... حتى العام 1965 عندما استقلت من مؤسسة معامل الدفاع وأقمتُ في جيرود جمعتْ بيننا السهرات مع المعلمين. نذهبُ معاً إلى السهرة ونعود معاً. وعندما كنت أبدأ بكتابة عمل روائي أتربع بعد منتصف الليل في المضافة وأنهمك بالكتابة على طاولة صغيرة، فيسهر معي. أقول له "اجلس خلفي حتى لا تعكِّر عزلتي" فيجلس صامتاً ويعدّ "المتة" يناولني كأساً ويشرب كأساً حتى نرتوي، وفي معظم الأوقات أنتهي من الكتابة فأراه مضطجعاً غارقاً في النوم.

سبقني إلى الإعارة في الجزائر، وكنتُ أزوره في عطلة نهاية الأسبوع إن لم أذهب إلى بومرداس فيرحب بي هو وزوجته وأولاده ويغتبطون لزيارتي. قبل بدء عطلة الشتاء طلبتُ منه مبلغاً من المال لأذهب إلى فرنسا وأشتري سيارة ثم أسدِّده عندما أقبض رواتبي ففاجأني قائلاً:

- أنا سأذهب إلى فرنسا وأشتري سيارة.

- أنت!!!؟ أنت لا تكاد تعرف ركوب الدراجة، وليست معك إجازة سياقة.

- معي إجازة سياقة عامة، حصل لي عليها أخي من لبنان، انظر.

قالها باعتداد وقدمها لي لأراها. لم أقل شيئاً وإنما ظننتُ أنه يكذب فانزعجتُ وتوقَّفتُ عن زيارته. بعد العطلة جاءتني منه رسالة يعلمني أنه سافر إلى فرنسا واشترى سيارة "رينو16" وهي نوع من السيارات النزقة تقلع بسرعة ويسميها الجزائريون "قتّالة صحابها" لأنها تنقلب في المنعطفات. بعد أيام جاءتني منه رسالة عاجلة يرجوني فيها بإلحاح أن أزوره بأقرب وقت. في وهران فوجئت بالسيارة عند باب البناية مهشمة. قال لي إنه يستعين بشاب جزائري يعلمه على السيارة فاستعارها منه ودخل بين صفين من السيارات في شارع "العربي المهيدي" الأكثر زحاماً في وهران وكان مخموراً فضرب ثلاث سيارات على يمينه وثلاثاً على يساره، وتركها وهرب، فنظمت شرطة المرور "مخالفة" بحقه حمّلوه المسؤولية وطلبوا أن يأخذ سيارته فاضطر أن يعترف ولم يجرؤ أن يخبرهم باسم السائق الذي أوقع الحادث لأن سيارات المعارين تعامل على أنها "إدخال مؤقت" ولا يحقّ لأحد أن يقودها إلا صاحبها. قال لي بانكسار:

- سيغرمونني. ماذا أفعل؟

- ألا تعرف بيت الشاب الذي أوقع الحادث.

- نعم.

- تعال نراه ونطلب منه أن يتحمَّل النتائج.

حاول صاحبنا أن يتهرب فحاصرناه حتى عثرنا عليه؛ شابٌ نحيلٌ مشعّث الشعر، المكر يلعب بعينيه الرجراجتين، قال "الحادث قضاء وقدر، وأنا لاعلاقة لي وأمامكم شرطة المرور بلغوها" وانصرف. سألني:

- ما رأيك؟

- لو كنتُ مكانك لما سلَّمتُه جحشة، أنت أوقعتَ نفسك بنفسك مع هذا الحثالة.

- والحلّ؟

- ليس أمامك سوى حلّين الأول أن تراجع شركة التأمين وتطالب أن يتحملوا العبء أو جزءاً منه. والثاني أن تبيع السيارة إلى مقبرة السيارات تستعين بالمبلغ مهما كان قليلاً.

جعل هذا الحادث أبو ياسر يعترف أنه أخطأ بشراء السيارة وأخطأ معي فتحوَّل انزعاجي منه إلى ضرب من ضروب الإشفاق. دخلنا الآن شارع "العربي المهيدي" فرأينا فتاة حنطية تقبل نحونا كنفحة عطر تلفتُ النظر بكتلتها المعجونة بالعسل وساعدين متناسقين وساقين متناغمين. قلت له بين الجدّ والمزاح:

- أبو ياسر قل لها مساء الخير.

- قل لها أنت.

ورغم أنني أستخف بالشاب الذي يتحرش بالبنات في الطريق التفتّ إليها بارتباك وقلتُ هامساً "مساء الخير" وتابعت طريقي، فتبعتنا تناديني "مسيو مسيو" تجاهلتُ وأسرعتُ في مشيتي فتبعتني ترطن بالفرنسية كلاماً لم أفهم منه سوى أنه استنكار ولوم. قلتُ لها "أنا شديد الأسف قلت لك مساء الخير ولم أقل شيئاً مزعجاً" وتابعتُ السير فلحقت بي واعترضتني ترطن. سألتني بالفرنسية:

- هل تعرف اللغة الإسبانبة؟

- آسف هل تعرفين أنت الإنكليزية؟

نفتْ بحركة من رأسها وعادت ترطن بالفرنسية. أبو ياسر درس الابتدائية أثناء الانتداب الفرنسي وهو يعرف بقايا منها كمن يضع حبات من الحمّص في جيب مثقوب قلت له:

- أبو ياسر ترجم لي ماذا تقول؟

- تقول إنها غاضبة.

- اسألها ماذا تريدين بعد؟

- هي تسألني: هل معكم سيارة؟

- قل لها تنتظرنا هنا حتى نحضر السيارة.

تنازعَنا أمران ونحن نغذّ السير لإحضار السيارة: جاذبيتها والرغبة اللاهبة في لقائها، والتوجس من أنها تزمع أن تخدعنا، هنا تطيب المغامرة، رجعنا فوجدناها تنتظر فتحتْ الباب الأمامي وطلبتْ من أبو ياسر أن يجلس في المقعد الخلفي وجلست إلى جانبي متأهبة دافئة وقالت "من هنا" مشيرة إلى الطريق فتحركتُ كما أشارتْ. قال لي أبو ياسر:

- احذر لعلها تنوي أن توقعنا بورطة.

- هي امرأة ونحن رجلان أنا أستطيع أن آكلها بلا ملح.

ثم ذهبتْ بنا إلى طريق فرعي على هامش المدينة يؤدي إلى "ملهى ليلي" لم تبدأ برامجه بعد، وطلبتْ مني أن أتبعها. اشترت قارورة مشروب غازي كبيرة وأشارتْ لي أن أدفع ثمنها وعدنا إلى السيارة. أخرجتنا من وهران وصعدت بنا إلى غابة تتناثر أشجارها على هضبة تطلّ على البحر على تخوم المدينة تكرع من القارورة جرعة وتناولني لآخذ جرعة. قلتُ لأبو ياسر "هذه امرأة متسلطة لاأفهم عليها ماذا تريد" قالت توقف هنا وطلبت من أبو ياسر أن يترجل من السيارة ويقف جانباً. ومع حلول الظلام عدنا إلى وهران، وعندما وصلنا إلى المكان الذي انطلقنا منه قالتْ لي بالعربية "الجزائرية":

- تسخر مني وتقول عني متسلطة؟ ألم تسعد بهذه الأمسية؟"

قلتُ مستغرباً:

- أنت جزائرية؟

- ولكنني أعيش في إسبانيا مع زوجي وأقضي الآن فترة عطلة في وهران.

- انت التي خدعتنا

ورفعت يدها فجأة وحركتْ أناملها الدافئة الدقيقة قائلة بالفرنسية "وداعا" ولفحتْ وجهينا كهبة نسيم وغادرتنا.

قضينا أنا والأسرة صيفاً ممتعاً في وهران وعدنا إلى الأصنام، عدنا إلى سيرتنا نتناول الغداء في الغابة، ونقضي عطلة نهاية الأسبوع في "بوشغال" حتى جاء تشرين وأصبح البرد يمنعنا من الانعتاق في الطبيعة فصرنا نقضي العطل في "بومرداس" أو نتقوقع في بيتنا، وكانت متعتنا الكبرى رؤية الأولاد يعيشون حالة فرح رخيمة.

في السادس من تشرين الأول (أوكتوبر) عام 1973 العاشر من رمضان قامت حرب تشرين التحريرية، وجاءني تكليف من السفارة أن أوافيهم بلائحة بأسماء العسكريين الاحتياطيين من المعلمين السوريين العاملين في الولاية، وأن أشكل لجنة لجمع تبرعات من الجميع. قمت خلال يوم واحد بجولة في مدن الولاية برفقة اثنين من الزملاء منذ الصباح المبكر ونحن صائمون ووصلنا إلى الأصنام بعد الأفطار بأكثر من ساعة مرهقين.

أكل قلوبنا القلق على أهلنا وبلدنا عموماً ونحن نتابع وقائع الحرب مع الجزائريين يوماً بيوم عبر وسائل الإعلام: التلفزيون والراديو والصحف. نرى الوجوه يلوِّن ملامحها الترقب والجميع يتعاطفون مع سورية ومصر ومع الجيوش العربية المشاركة، ومع الدول العربية الداعمة وكأن الحرب قائمة على حدود الجزائر. يعتزون ببطولة الجيش المصري الذي عبر القناة والجيش السوري الذي اقتحم خط بارليف وعندما شاركتْ أمريكا في الحرب بشكل غير مباشر وأخذت بواخرها تشوِّش الاتصالات بين قطعات الجيش المصري وقطعات الجيش السوري وتعطّلها وتضعها في حالة ارتباك صعبة وتمُدٌّ جسراً جوياً مع اسرائيل تزودها بالسلاح والمعدات والطيارين.. هاج الجزائريون وكأنهم يناطحون إسرائيل برؤوسهم. ومَنْ مثلُ الجزائريين يعرف معنى المقاومة والتضحية؟

عندما أخلى أنور السادات جيب الدفرسوار وأفسح المجال للجيش الإسرائيلي أن يندفع من تلك الثغرة ويلتف على الجيش المصري يطوقه ويتقدّم متابعاً حتى وصل على بعد سبعين كيلو متراً من القاهرة عقد أنور السادات هدنة مع اسرائيل كانتْ تمهيداً لاتفاقية كامب ديفيد فيما يبدو. عندها صار الشرر يتطاير من عيون الجزائريين، وثارتْ ثائرة الإعلام الجزائري.

كنت أتمشى بتلك الأثناء في شارع النصر ومعي من العراق (شكر) من الموصل و(توفيق) من السليمانية و(نافع) من بغداد. ومن فلسطين (أبو شامة) من غزة. ومن مصر (أنور) من القاهرة وكلنا يغلي في دمنا القلق، نمشي تائهين ضائعين تأكل الحسرة قلوبنا، تقدمنا من بائع دخان وطلب كل منا علبة. سألني البائع مكشراً مشمئزاً:

- من أين أنت؟

- من سورية.

أعطاني طلبي والتفت إلى شكر ووجه إليه السؤال نفسه. قال شكر:

- من العراق.

أعطاه ووجّه السؤال إلى أنور. قال أنور:

- من مصر من القاهرة.

فاهتاج البائع واحتدّ قائلاً:

- ماكاش. اذهب إلى أنور السادات يعطيك.

واندفع البائع يندِّد بأنور السادات ويتهمه بالخيانة فتقهقر أنور متراجعاً مصعوقاً وقد اصطبغ وجهه باللون الخمري وطفرتْ من عينه دمعة، فحزَّ في نفوسنا أن أنور أكثر منا حماسة للحرب وسخطاً على السادات، فاسترضيناه، واشترينا له الدخان من بائع آخر.

أنور كان صديقاً للسوريين وهو مدرس لغة عربية معنا في ثانوية السلام. جمعني به حبّ الرياضة وبخاصة كرة القدم، كنت أتمتع بمشاهدة المباراة معه لأنه كان يندمج فيها ويعلق بحماسة يذكرني بكبير المعلقين الرياضيين المصريين والعرب عموما "كابتن لطيف" مرة تربعنا على الأرض نتابع مباراة بين الفريق السوري والفريق المغربي فأرسل اللاعب عبد الغني طاطيش قذيفة من بعد أربعين متراً سجل بها هدفاً لافتاً فصاح أنور "جون" أي "جول" وضرب الطاولة أمامنا بقبضة يده فكسرها. ومرة كان يسهر عندي فذهبتُ أوصله إلى بيته وعندما وصلتُ إلى مدخل البناية رجاني بحرارة أن أوصله لباب شقته في الطابق الثاني سألته مستغرباً:

- لماذا؟

- أخشى أن أُفاجأ بأحد السكارى.

أنور الذي يحمل بطولة النادي الأهلي بالمصارعة الحرة، وقبلها بطولة مصر المفتوحة بالسباحة في النيل يخاف من السكير!؟ في الجزائر كثيراً ماتلتقي بسكيرٍ مرميٍّ على الرصيف يبكي أو غارق في النوم. قلت له:

- أضعف حالات الإنسان هي عندما يكون سكران، وإن صفعة على وجهه تجعله ينهار على الأرض.

- أرجوك.

ولقد ذكرني ببطل العالم للملاكمة محمد علي كلاي عندما زار مصر، كُتب في مجلة المصور المصرية أنه رفض الركوب في زورق بالإسكندرية لأنه يخاف البحر.

قبل بداية العطلة الصيفية عرضتُ على زينب والأولاد أن نقضي جزءاً من الصيف في المغرب وإسبانيا فابتهج الجميع. قمت بإجرءات الحصول على تأشيرة خروج لكل من البلدين وبدأنا نجهز أدوات السفر: خيمة يمكن أن ينام فيها الصغار، والطاولة والكراسي، وأدوات الطعام ورسمنا خطة أن نكسب متعة كبيرة بأقلّ التكاليف. قبل بدء العطلة ببضعة أيام ونحن نمور أملاً وأحلاماً بالسعادة فاجأتني زينب أن أختها الكبيرة تريد أن تأتي من لندن لزيارتنا خلال العطلة الصيفية. قلتُ بانزعاج:

- ماذا يعني ذلك؟ أن نلغي الرحلة؟

- أرجوك. أنا لم أرها منذ عامين.

- بأي عين تزورني؟ كم مرة داهمتني في كفرسوسة وسواها تطلب أن تأخذ أمتعة "أختها" الجهازية. أما كانت هي بالذات سبباً أساساً من أسباب اضطراب حياتنا الزوجية؟

- المسامح كريم.

- لابأس. نحدّد زيارتها في الأسبوعين الأخيرين من العطلة، أُحضرها من المطار إلى هنا وأذهب إلى بومرداس أقضي الوقت، وعندما تقرر العودة إلى لندن أجيء وأعيدها إلى المطار.

- لا، يجب أن نريها الأماكن الجميلة في الجزائر.

- لا تناقشيني.

نكَأ هذا الموضوع جروحنا وجعل رابط الزوجية يتراخى ويغدو مطاطياً وبرهن على أن علاقتنا مازالتْ واهية؛ مازالتْ على شفا هوة سحيقة، ومازالتْ نقطة ضعفها تجاه أهلها كامنة في نفسها للظهور في أيِّ وقت. قالتْ فجأة:

- أريد الذهاب إلى سورية وأراها هناك.

- طيب. عليك أن تختاري بين طلبك وبين الطلاق.

- أختار الطلاق.

- وأنا سأتزوَّج واحدة أخرى.

- أنت حرّ.

وهكذا اغتيل الفرح واغتيلت الأحلام، حاولتُ محاولة أخيرة أن أثنيها عن رأيها، وحاول الصغار معي لكنها أصرَّتْ إصراراً كردياً ملتبساً بخيارين: تنفيذ مطلبها أو الموت. أوصلتُها إلى المطار وكأنني أعيش وقتاً منتزعاً من الحياة، أو كأننا جميعاً نغوص في رمال متحرِّكة. "سأتزوج" "تزوج" إن هذه الإجابة الصماء الخطيرة أكدتْ إصراري على الزواج. وأدمى قلبي الإحساس بالألم على فراق الأولاد. لبثت في مكان المودِّعين أرى الأولاد يتجهون نحو الطائرة، وعندما نظروا إليّ يلوحون لي بالوداع حرن بشر ورفض المتابعة فجرته زينب وأرغمته، وأحسستُ أن قلوب النساء على مانتصوَّره من ضعف فيهنّ أقسى من الحجر، وأنا أتمنى أن أوهب جناحين فأطير إليهم وأعيدهم لكنهم صعدوا إلى الطيارة، وحمحمتِ الطيارة وأقلعت متوارية في حضن السماء.

عدت إلى الأصنام، وعاد الإحساس بالفراغ ينغُلُ في أعماقي فلجأتُ إلى الحجة وتراخيت عندها أقص عليها حكايتي وأبثُّها ألمي، فتفاجأتْ هي الأخرى، واحتقنَ وجهها وكاد الدمع يطفر من عينيها. سألتها بحرقة:

- ما رأيك؟

- أيُّ رأيٍ وعندك أربع نجوم ساطعة؟ كيف تطيق الصبر على فراقهم؟

- أولادي يبقون أولادي، ولكن كيف أعيش مع زوجةٍ تتخلى عني؟

- لستُ أدري ما أقول.

- أريد أن أتزوج فتاة جزائرية، هل تساعدينني؟

- حتى تصلح الخطأ بخطأ أكبر؟ إذهب إلى بلدك ياوليدي وتزوج هناك.

سافرتُ إلى سورية بأقرب طائرة، وانطلقتُ من المطار مباشرة إلى شارع الملك فيصل إلى بيت الشقيقة الكبرى في "حكر النعنع" لم يتفاجأوا بقدومي لأن زينب قالت لهم عندما استقبلوها أننا اتفقنا على الطلاق، ولم يتفاجأوا بقدومها لأنهم كانوا يتوقَّعون هذه النهاية، لكنهم تفاجأوا بطلبي من رائف أن يحضر لي "سندويشة فلافل" حالاً.

لم يعترض أحد على قرار الزواج وإنما ساءهم أن تختطف زينب مني الأولاد تحرمهم من أبيهم وتحرمه منهم بمواقفها الحمقاء، وقد كانت الرسائل تعبر فيها أنها في قمة السعادة في الجزائر، أما أمي فقد التزمت بالصمت والحياد ومقارعة الأسى بالصر وعاد للأقارب وبخاصة أخواتي وأزواجهم المزيج من مشاعر الشماتة والإشفاق واللوم قلتُ بقهر "إما أن تساعدوني أو تتخلوا عني فأتخلى عنكم" عندها اندفعوا يبحثون لي عن واحدة مناسبة.

قالت الشقيقة الكبرى "الجميع عندما نقول لهم عندك أربعة أولاد يجفلون لذلك قررنا أن نرجئ تزويدهم بهذه المعلومة حتى تجتمع بالفتاة وأهلها" كانت الأيام تجري مسرعة حتى لم يبق على انتهاء العطلة إلا ما يقارب العشرين يوماً. وأخيراً جاء الفرج فتاة اسمها "رغدة" في حدود الثالثة والعشرين كانت متزوجة من شاب شرس الطباع فطلبت الطلاق وحصلتْ عليه ولم تنجب أولاداً، مستوى أسرتها متوسط وهم لا يمانعون من تغريب بناتهم وكان الردّ أن الزوج سوري وأن الغربة أقل من سنة. أبوها يعمل "مقاول بناء" ولها أَخَوان يعملان "أعمالاً حرة" شقراء طويلة جميلة وست بيت مكمّلة ولكنها لا تحمل سوى الشهادة الابتدائية "اللهم اجعلها أكبر المصائب". بتُّ أكره المتعلمات وحذلقتهن وتمسُّكهن بسفاسف يتوهّمن أنها حقائق. عندما اجتمعت معها على انفراد قلت لها:

- عندي أربعة أولاد أحبهم.

- ماشاء الله.

- لا أريد أن يتدخّل في حياتنا أحد.

- أنت أبي وأمي.

- أنا أكبر منك بثلاث عشرة سنة.

- أنت لاتزال في عزِّك.

أعلن كل منا الموافقة وجرت الأمور جريان الماء في ساقية متحدرة، شراء ملابس وذهب وعقد قران وتسجيل في دوائر الأحوال المدنية، والحصول على جواز سفر، وحجز بطاقتين على شركة "اليطاليا" بيروت - الجزائر مروراً بروما.

أقام لها أهلها عرساً تقليدياً، فأخذتها وأقمنا في غرفة صغيرة ببيت أخي المستأجر في بوابة الآس وغدونا زوجين، وأخذنا نطوف في شوارع دمشق ومنتزهاتها ونمضي إلى المطاعم ليتقرّب كلٌ من الآخر ريثما نسافر، فأخذتْ تكثر من توجيه الأسئلة السخيفة عن مواضيع سطحية بديهية. قلتُ لها محتجّاً:

- ماهذه الأسئلة السخيفة؟

- ألا يقولون إن الطفل الذكي هو الذي يسأل أسئلة كثيرة؟

- ولكنك راشدة كفي عن الأسئلة.

كانت هذه إشارة أولى تنبئ بفشل تلك الحياة الزوجية المبتسرة قبل بدئها. وأحسستُ أنني لو خُيِّرتُ بين امرأة جميلة غبية، وامرأة دميمة ذكية لاخترتُ الدميمة بلا تردُّد.

كان عليّ أن أطلّق زينب فجعلتني هذه الإشارة أرجئ الطلاق، أخذت رغدة إلى جيرود مع الأولاد لتتعرف إليهم وإلى جيرود، وكان عليّ أن أرسل لزينب ما تبقّى من أثاث غرفة النوم، وإذا بمناع يطلب من جدته في عزِّ الليل أن تعطيه ملعقة "زيت زيتون":

- لماذا؟

- لأسقي بشر حرارته مرتفعة.

زعزعني الرعب فهرعتُ به إلى الطبيب. فحصه ووصف له الدواء، لكن الأرق الذي أخذتُ أعانيه امتزج بإحساس مؤلم بالقهر يلفحني ويلفح أولادي، وعمَّقت الجرح براءتُهم وطيبُ نفوسهم. وصعقني الخوف من ضياعهم، فأقلعتُ عن إرسال الأثاث. وبدأتْ إشارات الإحباط تتلاحق، تحوّلت مهنة الأب من "مقاول" إلى آذن في أحد المصارف يحاول الاشتراك بجمعية سكنية، كذبة اكتشفتُها بالمصادفة عندما راجعتُ المصرف لأسباب مالية، وتحوَّلتْ مهنة الأخوين "أعمال حرة" إلى نادلَيْن أحدهما في مقهى، والآخر في مطعم رأيتهما بالمصادفة رأي العين. اكتشفتُ أنه زواج مقدماته تنبني على الكذب المفضوح فساورتني الشكوك في سبب طلاقها من زوجها الأول الشاب "الشرس!" وبعد التقصي تبيّن أن ثريّ خليجي عجوز لم يدم زواجه منها أكثر من ثلاث ليال دفع لها كل مستحقاتها وطلَّقها.

وبدأت محاسبة الذات: ليس المهم أن تكون أسرتُها متوسطة الحال أو أقل من المتوسِّطة لكن المهم هذه السلاسل من الكذب التي تعني أمرين: الأول تصريفها بطريقة "تسويق" رخيصة ومبتذلة، والثاني أن الكذاب وناقل الكذب لاضمير له فكيف أتعامل مع من صدِأتْ ضمائرهم.

أعلنت أنني سأطلقها وأتركها وأسافر وحدي فشنت عليّ أخواتي هجوماً كاسحاً "ماذنبها إذا كذب أهلُها؟ وهل في الدنيا كلها إنسان بلا عيوب؟ أنت تعوّدتَ على الفلتان وعدم احترام الحياة الزوجية، إذا بقيتَ على هذه الحال فستكون حياتك القادمة كلها حرمان وتعاسة، وستكون آخرتك يالطيف!!"

ليلة السفر أعدتْ شعرها ونامتْ منكبة على السرير حتى لا تضلَّ منه خصلة، وفي الصباح ارتدتْ أجمل ثيابها وانطلقنا إلى لبنان. في مطار بيروت رأيت الدهشة تلتمع على عيون المسافرين ومعظمهم من المدرسين المعارين وهم يروننا نتسلق سلم الطائرة. وأقلعت الطائرة فتمسَّكت بي تحتمي من الخوف، ومن حيث لا أشعر جعلني هذا الاحتماء أحسّ أنني كبير الأهمية في نظرها، وهي تحسّ أن ركوب الطائرة يجعلها كبيرة الأهمية في نظر نفسها. إنه تأكيد متجدِّد أنك لاتستطيع أن تعيش بلا امرأة فأصبحت رغدة مصيبة ممتعة.

ترجلنا في مطار روما، وانتصبتْ تدرج إلى جانبي كإحدى حوريات الجنة هبطتْ من عليائها، وجعلتْها العيون المسلطة على طولها الفارع وشعرها الأشقر، ووجهها الأبيض المصوغ صياغة متقنة، وشفتيها القرمزيتين تشعر بالتفوق والغرور. وجعلتني تلك العيون أحسّ أنني فزت بكنز، وهزّتني تستفزني أن أحافظ عليه لا يخطفه اللصوص. ولم أر تفسيراً لإحساس الآخرين والأخريات ونظراتهم المحدقة إلا أنه "حسد صارخ يأكل قلوبهم".

بدّلوا طيارتنا في مطار روما، وسألتُ نفسي ونحن نصعد سلم الطائرة "هل في هذا العالم كله حقيقة ثابتة؟ أوليستِ الحقائق كلها مبنية على خداع البصر؟ أأصرخ في وجوه هؤلاء الناس أنهم أصحاب قلوبٍ عمياء، بل أليس قلبي هو الأكثر عماء؟ وتساءلتُ: لماذا أحوِّل دائما تجاربي الشخصية إلى قضايا عامة؟ وهبطتْ بنا الطائرة في مطار الجزائر واكتشفت على دوّار الأمتعة أن إحدى محفظتينا مفقودة، وهذا ما حلَّ بعدد من الركاب القادمين من بيروت عن طريق روما أفهمنا المسؤول أن الطائرة التي أقلّتنا من روما أصغر من التي جئنا بها من بيروت فتخلَّفت الأمتعة الزائدة، وستصل إلى المطار غدا في الساعة الرابعة بعد الظهر. وأمام كلٍّ منكم خياران إما أن يأتي لاستلامها، أو نرسلها له إلى بيته، وإذا نقص منها شيء نحن المسؤولون فهاج بعض الفلسطينيين وماجوا، ألقوا التّهم على الاستعمار وعميلته الصهيونية التي تستهدفهم، فأفهمهم المسؤول أن الأمتعة المتأخرة ليستْ للفلسطينيين وحدهم بل لسوريين وعراقيين أيضاً، فعلتْ أصوات بعضهم يندِّدون بإدارة المطار التي خدعها الأعداء، وإذا بضابط يتقدم غاضباً، قال "اسمع خويا. في هذا البلد لايحقّ لكم أن تزايدوا علينا. نحن واجهنا المستعمرين ولم نهرب من ديارنا ونقدِّم بلادنا هدية لليهود. نحن قدمنا مليون ونصف المليون شهيد حتى حققنا الاستقلال من استعمار استيطاني شرس".

ذهبنا إلى "بومرداس" نقضي الليلة عند سعيد، فاستقبلنا هو وزوجته "حورية" التي لو خلطْتَها بنساء أوروبا وبخاصة الشرقية لضاعت فيهم، هو الآخر ذهب إلى سورية وتزوج هذه الفتاة من القطيفة. نظر سعيد إلى رغدة بطرف عينه، ثم أشاح عنها فأطلَّت من عينه دمعة أسى، لقد كانت أسرتي جزءاً من ذكرياته، وكان دائماً يستفزُّ مناع ويتشاجر معه، كان يحبّه كثيراً. كان أيام الأعياد يزورنا في الأصنام أو نزوره في بومرداس ونأكل "الرز المفلفل مع طبخة الفاصولياء الحبّ" لأنها الأكلة التقليدية في منطقتنا. كانت عينا سعيد كلما رمقني تقولان الكثير، فجعلني ملآن بالأسى والإحساس المؤلم بفراق الأولاد. وفي صباح اليوم التالي أخذتُ سيارتي وانطلقتُ بها وقد صارت رغدة وهي جالسة إلى جانبي كلطخة العار.

أمضيتُ الطريق صامتاً كئيباً، وفي الأصنام رأيتُ الزملاء وزوجاتهم يرمقونني بنظرات يغصّّ فيها الجفاء وكأن ذاك الإحساس الجميل بالصداقة انمحى من بعض القلوب أو خبا على أقلِّ تقدير، لكنهم تقبَّلونا بسهراتهم على مضض. كانت زينب تتألَّقُ بسهرات النساء بحكم طلاقة لسانها وانتمائها إلى دمشق العاصمة، ورغدة تجالسهن وتجعلهنّ بغبائها يقابلنها بالاستخفاف، أو يعاملنها بسخرية ويتندَّرن ببلاهتها، وكانت تلك إشارة جديدة تعمِّقُ الهوَّة بيننا وكأنها تلقي كلاً منا باتجاه مخالف. كانت تبذل كل ما في وسعها لإرضائي أعود من المدرسة ظهراً فأجدها قد وضعتْ الطعام على الطاولة وغطته حتى لايبرد، وجلست تنتظرني بثياب مغرية.. رغم هذا فإن عبارات الدعابة التي كتبها الأولاد على الجدار مثل "رزام حمارة" "مناع كلب" ملأتني بالمرارة والندم، وإن إشارات الغباء المتتالية جعلتها بعيدة عن تخوم قلبي المدمى. كانت تشكو دائما من ألم في معدتها، ويبدو أنها طلبتْ سراً من فطمى زوجة أنور أن تأخذها إلى الطبيب. قالتْ لي رغدة إن الطبيب طلب منها أن تراجعه مرة أخرى ليصف لها الدواء. بعد أيام انتحى بي أنور وسألني:

- هل تعرف مرض زوجتك؟

- قالتْ في معدتها.

- كذبتْ عليك. معها مرض نسائي مزمن. ألم تشمّ رائحة عند لقائك بها.

- لا أبداً.

والحقيقة أنني منذ تلك الساعة قررتُ بصرامة الانفصال عنها في الفراش، وراجعتُ شركة الطيران لأحجز لها مقعداً وأبعثها إلى سورية ففوجئتُ أنه لايحقّ لي شراء بطاقة سفر بالعملة الجزائرية إلا بعد أن يمضي على إقامتها ستة أشهر، فوصلتُ إلى قمة السخط والقهر ولوم النفس أن قراراتي المتسرعة هاهي تتحدر بي إلى هذا الدرك الأسفل.

كان إحساسي الأوليّ بها يشبه إحساس من يملك ثروة طائلة تجعله متأهباً للظفر بها، واليوم أباحتها نفسي للهدر، ورأيتني أجثم على هضبة منعزلة أرى الأشياء كلها قاتمة.

مع بداية العام الدراسي أقيمت دورة مسائية على مدى الأسبوع ماعدا يوم الأحد اختير طلابها من المعلمين المتفوقين على ألا تقل خدمتهم عن خمس سنوات، لذلك تراوحتْ أعمارهم بين الثالثة والعشرين والأربعين، ووزَّعوهم على ستة صفوف، واضطروا أن ينتدبوني لتدريس اللغة العربية لسببين: الأول أن المنهاج يحنوي على خمسة أدباء هم: شكسبير، وفيكتور هيجو، والجاحظ، وعبد القادر الجزائري، ومحمد العيد آل خليفة. والثاني أن المدرس يجب أن تكون عنده القدرة على البحث عن مراجع، وأن يكون اطلاعه فوق مستوى مناهج الجامعات العربية المألوفة، لعدم وجود كتاب مختص بها يجمعها، وكانت أجورها مغرية. في أحد الصفوف داهمتني عينان حوراوان من طالبة في نحو الخامسة والعشرين تنظر إليّ بشغف واستفزاز. أشيح عنها وأتابع الدرس ثم تخطف عيني فتبدو لي عيناها تستسلمان هائمتين. قضمتُ مشاعري ورحتُ أنظرُ إليها من زاوية عيني بحشمة المتوجس متحاشياً بقسوة لقاء العيون أو التدقيق في شكلها وملامحها لستُ بحاجة إلى نكسة جديدة.. بعد الدرس هربتُ إلى سيارتي هروب الضائع الذي يتصارع مع نفسه، وفي غرفتي شعرتُ أن فينوس لاتتوب عن المداعبة.

مساء اليوم التالي كنت في شعبة أخرى، وعندما خرجت من القاعة وتبعثر الطلاب والمدرسون تفاجأتُ بها تقف أمامي وجهاً لوجه وأنا بريء شديد البراءة لكن فينوس جعلتْ عينيَّ تلتقيان بعينيها فأومضتْ بي شرارة هزَّتني هزاً، وأحسستُ أنها هي نفسها اهتزتْ ثم زاغ نظرها، ثم انجذبتْ إلى الخلف، ثم أشاحتْ، ثم أقبلتْ وسألتني سؤالاً سخيفاً عن شكسبير لتشقّ طريقاً بيني وبينها، ومشت إلى جانبي تلقائيا حتى وصلتُ إلى السيارة. سألتني:

- إذا كنت ذاهباً إلى البيت هل تأخذني معك، بيتي قريب من بيتك؟

- تفضلي.

وفيما أدهشني أن تعرف بيتي فتحتُ لها باب السيارة يملأ عيني قسراً قوامها الرشيق وعيناها السوداوان المؤتلقتان المتسلطتان، وشفتاها اللعساوان الممتلئتان، وسمرتها المعبرة المضيئة وشعرها الكستنائي ينسدل على كتفيها. سألتها:

- ما اسمك؟

- نادية.

قلت لاهفاً بعفوية:

- ياله من اسم جميل!

- شكراً.

- أين مدرستك التي تعملين بها؟

- قريبة من بيتنا.

هكذا تولد المقدمات من روح الله بلا لقاح ولا حَبَلٍ ولا مخاض فتترع الأنثى قلب الرجل بلهفتها وحنانها، وتحبُك من خفقات قلبه نسيج حب يتمرّد على الفناء، وتصير الساعة ردحاً من التاريخ، وموطئ القدم سَعَةً من الأرض، والألفة نصرة وإنصافاً من الظلم والانتكاس. وترجَّلتْ نادية في مدخل حيّها فسألتها وهي تترجل من السيارة:

- هل تريدين أن أمرّ بك آخذك بطريقي لحضور الدورة مساء غدٍ؟

- أتمنى.

في المساء وجدتها مقبلة نحوي تفرد جناحيها لتحلِّق في الفضاء فأحسستُ أنني موشك أن أُلقي بنفسي في اليمّ لا أدري أهي مقارعة قدري للهروب من رغدة، أم خشية من مغامرة جديدة لا أعقد عليها أملاً كبيراً. وعندما اندستْ في السيارة وحيَّتني بدتْ أكثرَ رباطةِ جأشٍ مني تتكلم بشيء من الحيادية. سألتْني عن اسمي واختصاصي، وبلدي تسويفاً للوقت حتى وصلنا فقفزتْ من السيارة ومضت نحو قاعة صفِّها.

في الليل انعكفتُ في غرفتي هرباً من رغدة وفتحت الكتاب وإذا بنادية تسهر معي حتى أغمضتُ عينيّ مستسلماً للنوم. في اليوم التالي خفَّتْ حدة التوتر أطلّتْ نادية وجلست إلى جانبي وبدتْ هينة لينة لكنها غير مطواعة وعندما التقتِ العيون هربت مني وتنهَّدتْ تنهيدة ناعمة قسرية لكنها حارة مُعَبِّرة. قلتُ بصوت هشّ لكنه عميق:

- نادية أنا معجب بك، وطوال ليل البارحة أفكِّر فيك.

- بهذه السرعة؟

- الحب والموت لا قانون لهما.

- لماذا تقرن الحبّ بالموت؟

- لأن كلاً منهما قدرٌ محتوم.

- والولادة قدر محتوم.

- يعجبني تفاؤلك وإجابتك المعطرة بالتلميح.

- هل انت شاعر؟

- كاتب رواية، وسأهديكِ روايتي.

تبدلتْ نظرتها وامتزج الوله بالإعجاب قلت:

- أرجو ألا تكوني على ارتباط بأحد. أرجوكِ صارحيني إنّ النار تتأجَّجَ في قلبي.

ويبدو أن كلمة "النار" جذبتها، جعلتها حائرة بين الشك واليقين، فضحكتْ ضحكة معبرة متأججة، ثم تمالكتْ نفسها واتخذت سمت الجد وترجلتْ من السيارة.

في المساء تأكد أن رغدة استقرتْ على هامش حياتي، وأخذتُ أتشاغل بالقراءة لا أعرف أَأَلوم نفسي أنني أتهالك على حواء وكأنها نهاية العالم، أم أشفق عليها؟ وملأني الغيظ والرغبة في أن أشتبك مع عدو في مصارعة شرسة، ونمتُ أغوص في رؤيا سوداء غامضة.

في اليوم التالي أخذتُ نادية إلى الدورة كالعادة، وعدت بها وكلانا صامت، وعندما توقفتُ قرب مدخل حيها قرّبتْ فمها من أذني، تلفحني بدفء راعش وقالت وهي تترجل من السيارة هامسة:

- لا تغضب مني، القلب على القلب، أراك في الرابعة مساء الغد في نهاية هذا الطريق.

بعد الغداء انزويتُ في غرفتي أستذكر ما أعرف من أغاني الحب والفرح واللهفة التي تملأ الإذاعات والتلفزيونات والاسطوانات، أداعبها بين شفتيّ مترنماً بها في همس كأنه الصمت. أطلتْ رغدة ورمقتني بنظرة تقريع ووقفتْ في الباب وكأنها تحاول أن تراجع نفسها عاجزة عن تلمّس طريق يعيدنا إلى أيامٍ جميلة مضتْ. هربتُ منها وامتطيتُ سيارتي الى الزاوية التي حدَّدتْها نادية، وتوقفتُ على حاشية الطريق، نظرت إلى الساعة: إنها الثالثة. هذا سخف وخفة عقل.

ذهبتُ إلى المقهى في شارع النصر فألفيتُ عبد الله (من حلب) وحيداً على إحدى الطاولات. وقف وبسط يديه يحييني مبتهجاً من بعيد كأنه كان ينتظر من يصبّ في أذنيه كلاماً محتقناً على لسانه. جلستُ معه وأخذ يتدفق كعادته في الحديث عن مغامراته في فرنسا وإيطاليا وألمانيا، وأنا واضع معصمي تحتَ عينيّ أراقب حركة العقارب البطيئة في ساعتي متوجساً أن يغدرني الوقت فأتأخر وأخسر اللقاء وأفقد مصداقيتي مع نادية، وعبد الله مايزال يمجِّد ذكاءه وفطنته ويلكزني بين كل عبارة وأخرى لأغرف الكلام من بين شفتيه، وأبدي إعجابي بمكره ودهائه وتفوّقه في اقتناص النساء، يوهمني أنه كيوبيد عصره وأن كنانته تتزاحم فيها النبال والنشاب، وأن سهامه لاتخيب، وأنه بلوذعيته يقطف النساء ثماراً يانعة من شجرة الحياة، ويرتبّهن في سلَّتِه يلعق رحيقهن متى شاء. مرة سألتُ سمير (دمشقي) ملمِّحاً "عبد الله عندما يذهب إلى أوروبا يتباهى أنه يصول ويجول مثل كازانوفا" فابتسم سمير قائلاً: عبد الله!؟ وحقِّ اللهِ عمره مادعس في بلد اوروبي إلا عندما جئنا من دمشق وتوقفتْ بنا الطائرة في مطار أثينا فترجلنا ننتظر في قاعة الترانزيت".

بعض الناس يكذبون ويعرفون أنهم يكذبون، ويعرفون أنك تعرف أنهم يكذبون لأن الكذب في ملَّتهم المتعة القصوى، يشوهون صورتهم بأيديهم على ظنٍّ أنهم يحلقون فوق الآخرين ويسلبونهم الإعجاب والاهتمام، لكن بصيرتهم تعمى عن كشف حقيقة نفوسهم، وإدراك أنه ما من إنسان إلا وفيه بالضرورة مزيّة قد تعجب هذا وقد لاتعجب ذاك. وأشار عقرب الساعة إلى الرابعة إلا رُبُعاً فنهضتُ بعزيمة من يطيب له أن يحلّقَ في الهواء ولوِّحتُ لعبد الله بالوداع فوقف مندهشاً وناداني "إلى أين أنت ذاهب؟ انتظر خذني معك".

تابعتُ طريقي الى السيارة وانطلقتُ قبل أن يتلبَّس بي إلى الموعد مع نادية، فاندسَّتْ في السيارة وجلست إلى جانبي مثل باقة ورد، وقالتْ بصوتٍ راجف "لا أستطيع أن أتأخر أكثر من ساعة واحدة " قلت لها "قال الشاعر":

ضحكتْ مبتهجة. ودلّتني على طريق أوصلنا إلى غابة تتشابك فيها أشجار السرو والصنوبر والأكاسيا، وما أكثر الغابات الجميلة في الجزائر. ترجلنا على تخومها تلقائياً نتمشّى بين الأشجار، وتوقَّفنا عند شجرة هرمة يبدو أنها ماضية في طريقها الأبدي لن تتوقَّف ولن تتوانى، نلفّ تلقائياً حولها وكلٌ منا يحضن الآخر بأحاسيسه ومشاعره الراعشة متماهياً فيه، وتكمن فينا هفوة كجذوة نار نكابد ونصبر على أمل القابل من الأيام وتبترد الجذوة على نظرات تسبح من عيوننا على مدى الفضاء الممتدّ بعيداً وفي كلِّ نظرة ومضة نشوة وإحساس بالظفر سألتُها:

- مارأيك بالحب؟

تهيّبت الإجابة، ثم تلعثمتْ، ثم أشاحتْ قائلة:

- أفضلُّ الحبَّ الواقعي.

- مارأيكِ بقول جميل بثينة أتراه من الواقع؟

- انه واقع وليس بواقع.

- ومارأيكِ بقول الُمنَخِّل اليَشْكُري؟

ضحكت نادية بفرح، وأخذتِ السعادة تشعُّ من عينيها ورموشها وشفتيها. سألتُها:

- مارأيكِ بمثل هذه العلاقة بين الرجل والمرأة.

- إنها منتهى الواقعية ومنتهى الجمال.

ونظرتْ إلى ساعتها وتنهدتْ بحرقة وأومأتْ برأسها نحو السيارة. في طريق العودة عرضتُ عليها أن نقضي يوم العطلة في بومرداس. قالتْ بدهشة:

- أليس الطريق طويلاً الى بومرداس؟

- المهم أن نكون معاً طالَ الطريق أم قَصُر.

- كما تريد.

- عندكِ استعداد أن ننطلق من الأصنام في الساعة الخامسة فجراً؟

- الخامسة؟

- نعم. ونشرب قهوة الصباح على الطريق.

- كما تريد.

بدا الصباح فضياً منعشاً مشوباً بدكنة خفيفة ولم تكن النظرات تعني رؤية الآخر بالعين بل بالقلب، في البداية حفرتْ مصابيح السيارة نفقاً في الظلام، وأخذ صوت المحرك يوشوشنا وكأنه الرذاذ وسط السكون المعبِّر، إنها ساعة التحام عُلْويّ كأنها تركن إلى كتفي وكأنني أحضنها بذراعي، قالتْ:

- مارأيك أن تغني؟

قلتُ مازحاً:

- لا أريدك أن تُلقي بنفسك من السيارة.

ضحكتْ قائلة:

- عين المحبِّ لاترى فيمَن تحبُّ سوى الجمال.

قلت في نفسي لابدَّ أن صوتها جميل وانا الذي لايخفى عليه مكر حواء. ومع توهّج الصباح وتوضّح العالم في عيوننا قطعتْ علينا التفكير لوحة (خميس مليانة) فتوقفتُ عند أحد المقاهي وجلسنا نشرب القهوة ونأكل قطعة حلوى ثم تقدمتْني نادية نحو السيارة مثل وردة على صقال غدير، وتابعنا الطريق. قلتُ:

- غني نادية.

تلوَّتْ بدلال تحاول الكلام. قلتُ:

- غني نادية أرجوكِ.

ولم أَزد على ذلك فانطلقتْ تغني بالفرنسية بصوت رخيم عذب والعُرَبُ تتقطَّر على حنجرتها وبين شفتيها كحبات اللؤلؤ (aprés toi je ne peux plus vivre) فاجأتني وجعلت السيارة تحلق بي في الفضاء قالتْ:

- هذه الأغنية لفيكي لياندراوس، وهي مطربة يونانية تعيش في فرنسا وقد فازتْ بها في العام الماضي بالجائزة الأولى في "اليوروفيزيون" هل أعجبتْك؟

- جداً، ولكني لم أفهم منها إلا القليل.

- تقول في مطلعها "من بعدك لاأستطيع أن أعيش. من بعدك كيف لي أن أعيش"

وتابعتْ تغني المقطع وتترجمه لي بصوت ينير القلب والضمير، ينسيك كل ماعانيت في حياتك، ينخلُك، يعيد صياغتك، كما تعيد مياه نهر الشلف صياغة باقات الأعشاب على الضفاف. هذه امرأة طفرة بين النساء تجمع بين جمال الشكل وجمال الصوت. والعيش معها حلم سابغ كالأشجار دائمة الخضرة. ورحتُ أصغي وأتمتع بالإصغاء، وكأنني عثرتُ على كنز يحتوى أكرم المعادن وأكثرها ندرة وأغلاها ثمناً، أحسُّ أني أضع مصيري عل شفتيها الدافئتين وهي ترمقني بنظرات ساجية وتغني مطمئنة إلى وَلَعي بصوتها معتزة بأنها تملكه وحدها من دون خلق الله. أحسستُ أنني أشفق عليها متهيِّباً أن أمسها برأس أُنْمُلتي، لقد غدتْ هالة من طيفٍ نورانيّ، وانتهت الأغنية وأطبقتْ نادية فمها. قلتُ بحرقة:

- تابعي.

- بالعربية أم بالفرنسية؟

- كما تشائين.

فاندفعتْ تغني (موعود) لعبد الحليم حافظ، وضاع الزمان وضاع المكان، ولستُ ادري كيف رأيتُني في مدخل المعهد الصناعي في بومرداس، أتقدم نحو بيت سعيد. عندما وضعتُ يدي على زر الجرس وضغطتُ أنتظر أن يفتح سعيد الباب ولم اسمع رداً. لطمني الباب على وجهي. اضطربتُ، انفعلتُ شتمتُ. قالت نادية:

- لعله نائم.

- سعيد يذهب الى الرياضة يومياً مع بزوغ الشمس.

ولَكَمْتُ الباب لكمةَ يائسٍ ساخط، ففوجئتُ أنه مفتوح. فهَزَجتْ أعطافي وأعطاف نادية يتفجّر الفرح فيها. دخلنا كمن يحتل قلعة حصينة، واندفعتُ أنادي سعيد في الغرف وسواها فلم أجده. عدتُ الى الصالة وأحكمتُ إطباق الباب، وهرعتُ بلا مقدمات إلى نادية طوقتُها بذراعي كأنني انتصرتُ على جيشٍ لجبٍ واقفاً معها على ذروة جبل شامخ والدنيا تحتنا ضئيلة كبرتقالة. رانَ صمتٌ عبقريٌّ كصمت بحر لازورديّ تلتحم السماءُ بالأرض في أفقه الشفيف البعيد مثل خيط من نور وصفاء، وماعاد لمنغوم الكلام أيُّ معنى إلا شهيقاً وزفيراً ناعماً هامساً. غدت الحياة مِغزلاً بِكراً ينـثُرُ آدم وحواء خيوطاً من أَلَق ويغزلها في نسيج محكم حتى سمعتُ صوت المفتاح يلج في الباب فارتدَدْتُ منتكصاً إلى الخلف، وقلتُ هامساًً بشيء من الحرج:

- جاء سعيد.

فاندستْ نادية في الداخل بحرج وارتباك. وأطلَّ سعيد. قال:

- تركتُ لك الباب مفتوحاً. نحن اليوم مدعوون على الغداء عند حسن في آيت الحسن، وسنلتقي عنده بفؤاد ويوسف.

- لن أذهب. معي نادية.

وناديتُها. فجلس سعيد لامبالياً وقال:

- وأنا لن أذهب وحدي.

أطلَّتْ نادية ترتسم على وجهها ابتسامة حياء وحرج. وأقبلتْ نحو سعيد كمن يشعر بالذنب، تصافحا، وتبادلا التحيّة. قال سعيد:

- هيا إلى السوق نحضر شيئاً نأكله.

قلتُ بمباهاة وانطلاق:

- لعلَّ نادية تطهو لنا اليوم طعاماً جزائرياً.

في السوق اندفع سعيد ينتقى المواد بنفسه غير عابئ برأي أحد، أو استشارة أحد، ونادية راكنة لم تبادر بحركة أو رأي. أحسستُ في عينيها انكساراً ذهبتُ مذاهب شتى في محاولة تفسيره ولم أهتدِ إلى شيء. قلتُ لها في طريق العودة:

- أرجو ألا تكوني قد انزعجتِ من تصرفات سعيد. هذا شأنه وهذه عادته دائماً.

قالتْ باتسامة مودة:

- لا أبداً.

سعيد مولع بطهو الطعام، يجلد ضيفه بطعامه لايحفل برأيه ولايبالي أن يسوغه أم لا، إنما ينكِّس رأسه مندفعاً الى التهام الطعام بشغف ومتعة مكتفياً أن يدعو ضيفه بإشارة من يده. دعوتُ نادية بحرارة، واندفعتُ أتبارز مع سعيد كعادتنا في ابتلاع الطعام، ونادية تبتسم وتأكل بالكثير من الأناقة والتهذيب، فأُضْطَرُّ أن أضع في فمها بعض اللقم.

غادرنا بومرداس قبل الغروب بنحو الساعة ونادية راكنة إلى جانبي صامتة. سألتها "ألا تغنين؟" فلم تجب، وبدا لي أنها تحاول أن تنسجم بخلوة مع نفسها. وكلما مالت الشمس نحو الغروب جَأَرَتْ بأشعتها البرتقالية الكثيفة تضيِّقٌ مجال الرؤية أمام عيني تجعله ثقيلاً جَلْفاً وتكاد تسدّه في وجهي فألجأ مضطراً أن أخفَّف سرعة السيارة وأحملق إلى الطريق أمامي بمعاناة وحذر وتركيز شديد، وعندما وصلنا إلى البليدة مالبثتش الشمس أن سقطتْ وراء الجبل واختفتْ، وعادت الرؤية صريحة واضحة. تابعت طريقي معتكراً بسبب اعتكار نادية غير المسوغ، يلفنا صمت يعتوره صوتٌ أجشُّ رتيبٌ كالوشوشة هو صوت احتكاك السيارة بالهواء وصوت محركها يبتلعه بين اللحظة والأخرى أزيزُ سيارة تتجاوزنا من قُبُلٍ أو من دُبُر. سألتُ نادية من جديد:

- إن كنتِ غير راغبة في الغناء، ألا تتكلمين؟

لم تجب نادية وبدا كأننا صعدنا إلى قمة جبل الأوليمب وارتوينا من معين الحب حتى الغصص فلفّتِ الآلهة شغفنا على سواعدها ولفتنا به، ودحرتنا وألقتْ بنا لنهوي إلى السفح هويّاً؟ عندما تجاوزنا خميس مليانة متجهين إلى الأصنام، ودخلنا بين صفي الأشجار الحانية ذات السوق المطلية بالجص الأبيض على جانبي الطرق، وابتلَعنا الظلام إلا من من خطوط النور التي ترسمها مصابيح السيارة بدا العالم مثل نفق نعبره إلى هوّة سحيقة قالت نادية:

- إذا بحتُ لك بسرٍّ هل تحفظه؟

- بكلِّ تأكيد. تكلمي.

- كنتُ مخطوبة وفي ليلة الزفاف ماتَ خطيبي بحادث سيارة مؤلم.

- الآن فهمت سبب كمودك يا نادية. يبدو أن ذكراه مازالتْ تلاحقك. هو ماتَ ليرحمه الله لكنك أنتِ لك حياتك. ألهذا الحدِّ كنتِ تحبينه ومولعة به؟ إنني أحترم وفاءك. ولكن يجب أن تحددي موقفك بحسم، إما التمسّك بالوفاء والإخلاص والإقلاع عن التفكير في الحبّ والزواج وإما قبول الأمر الواقع. وما الداعي أن يكون الأمر سرُّ اً؟

- السرّ ليس هنا.

- أين؟

قالتْ بقهر وصوت أسيان:

- تورطتُ معه في..

وتابعت باكية:

- أنا لستُ عذراء. أنا محطمة. أنا حياتي مهدورة.

- هل يهدِّدُك أحد؟

- لا أحدَ يعرف.

وتابعتْ باكية:

- إن هذا السر ينهش قلبي كلما فكرتُ فيه، وكلما حاولتُ أن أنساه أصاب بالذعر وأنا أفكر بمستقبلي الذي تحطم، عافت نفسي الرجال وإنشاء أي علاقة عاطفية ولكن لستُ أدري ماالذي شدني إليك وربطني بك حتى وجدتُني أبوح لك بسري لاجئة مستسلمة.

- هل من أولاد؟

- لا أبداً.

كان السرّ طعنة نجلاء أثخنتْ فيَّ الجرح. ودخلنا الأصنام، واتجهتُ تلقائياً نحو بيتها، أوصلتُها وعدتُ إلى البيت كالمترنّح، كمن تحولّتْ ثيابه إلى هباب وراح يشوِّح بيديه يحاول أن يستر عورته، ومصابيح الشوارع جعلت الغسق مليئاً بالثقوب والهدوء جعل النفس كقدر يئزّ موشك على الغليان.

دخلتُ البيت وتسللت إلى الغرفة أنَرْتُها واستلقيتُ على السرير، عندئذٍ ابتردَ الجرح، واتَّقَدَ الألم، جلستُ متحفِّزاً وقد تفجر الإشفاق في نفسي على صوت نادية الحزين وعلى بؤسها هل أحافظ على نادية فأبتلع السرّ وأشاطرها الأسى؟ ولكن ماذنبي؟

من الصعب أن ينتزع واحدنا نفسه من شرقيَّته بل إننا نعتز بهذه الشرقية ونتمسَّك بها. عزَّ عليَّ النوم، وعزَّ الوقوف، وعزّ الجلوس. وتأبَّتْ عليّ نفسي أن أتلاءم معها، ولستُ أدري كيف اختطفني النوم وصحوت على رغدة تفرك عينيها وتتثائب فوق رأسي:

- أين كنت؟ متى جئت؟ لماذا أنت نائم بثيابك؟