الفصل 22

11 0 00

لقد تعاطفت سورية مع الكويت بجميع الوسائل المتاحة من إعلامية وسواها وبخاصة الإذاعة والتلفزيون، فاضطررتُ أن ألزم المكتب ساعات أطول. كانت علاقاتنا بصدام من قبل عدائية متوترة لعدة أسباب منها أنه أعدم بنفسه رمياً بالرصاص جميع العراقيين الذين كانوا يؤيدون إقامة وحدة مع سورية ومعظمهم من أصدقائه وزملائه، وكان يؤوي كل من يعادي سورية، أما الخلاف (الإيديولوجي) البعثي (قيادة قومية - قيادة قطرية) فهو في رأيي شكليات.

وتجذّر هذا الخلاف منذ حربه مع إيران ورأيناه غدا دمية يحرك خيوطها الأمريكان أما عند غزوه الكويت وادعائه بتطبيق وحدة قسرية عليها فلم يكن سوى زعم يسوِّغ به أخطاءه ومزاجيته، ولقد سدد بهذا الغزو آخر سهم للعلاقات العربية - العربية، وبذر في النفوس الشقاق والشك وعدم الثقة.

في مطالع التسعينات زرتُ الجزائر (العاصمة) مع وفد إعلامي في إطار اتحاد إذاعات الدول العربية، وتحت ظلال الأشجار الباسقة التي تحفُّ بالطريق الجميل بين المطار والعاصمة استيقظت في نفسي كل الذكريات، كل الحنين، كل الأوجاع والأفراح: خديجة، نادية، مليكة.. وصلنا إلى الفندق في الليل ومنذ الصباح سعيتُ إلى ساحة الأمير عبد القادر الجزائري، وشارع محمد الخامس، وشارع ديدوش مراد، وشارع العربي المهيدي، وساحة بور سعيد وساحة الشهداء. فرأيت وجوهاً كالحة هي غير الوجوه التي كنت آلفها، رأيتُ مظاهر غير تلك المظاهر. بدا لي الجزائريون كأنهم يضعون وجوهاً مستعارة، واختفت عن سيمائهم ملامح ذاك التألٌّق، وذاك الاندفاع نحو المعاصرة ومواكبة التاريخ. ومضيتُ الى حي بلكور، وجلست أشرف على البحر اللازورديّ الممتد بعيداً. فخرجتْ من قلبي آهة كاللهيب.

لقد بدأت عملية اغتيال المثقفين والإعلاميين في الجزائر بداية مأساوية، نجتمع كل ستة اشهر في إطار اتحاد الإذاعات وفي كل مرة نسأل عن زميل غائب فيقولون: اغتالوه.

بعد أمد ليس بالقصير أخذت الأنباء تنقل لنا تلك المذابح الوحشية التي لايصدقها العقل: مجموعة من الملثمين يداهمون قرية من القرى في غسق الليل ويذبحون أهلها بالمُدى ذبح الخراف، لقد غدتِ الجزائر حبيبة حاضرة غائبة أمضّها المرض فجعلها مؤلمة في حضورها وغيابها.

في التسعينيات كانت أول زيارة رسمية أقوم بها خارج نطاق الوطن العربي إلى الهند في وفد إعلامي برئاسة أديب غنم معاون الوزير وعضوية زهير جنان مدير العلاقات العامة في الوزارة بدعوة من وزارة الإعلام الهندية. وقد وجدتني وأنا أستقر في الطائرة ليلاً أرتدّ إلى الوراء ثلاثين عاماً إلى مطلع الستينات، إلى الفيلم الهندي (جنكلي لشامي كابور) أستسلمُ للموسيقا الهندية الممتعة ولصوت بطلة الفيلم الراعش الذي يلتفُّ حول القلب بإحساسٍ من حرير وأتذكر بديعة. بطلة الفيلم سمرتها خمرية أما بديعة فسمرتها مضيئة. بيد أنهما على أية حال تشتركان في الطول الفارع والإطلالة المتسلطة والنظرة اللاذعة. تمدّدً عرض الفيلم آنذاك في إحدى دور السينما إلى الأسبوع الثاني والثلاثين ومازال مستمراً فيما عَرَض المسرح القومي أثناءها مسرحيتين من عيون المسرح العالمي هما (الأشباح) لهنريك إبسن و(الفخ) لروبرت توماس ولم يستمرَّ عرض أيٍّ منهما سوى بضعة أيام مما حدا بشفيق المنفلوطي وهو فنان طريف يقرض الشعر أحياناً أن يقول:

بديعة كنت أهفو اليها وأنا على تخومها، أفرد شراعي وأبحر إليها فيتقطع الشراع وأهوي في اليمّ، فأنْهَدُ سابحاً إلى الشاطئ طالباً النجاة ألملم خيبتي وما إن ألتقط أنفاسي كَسِيفاً حتى يلوح لي خيالها ولم أحظَ منها بقبلة أو لمسة أو همسة حبّ على استحياء، وحلم بالزواج ينهنهه الخلل في التوازن وانعدام التلاؤم ومحاولة خطبة تفشل في مهدها، ولكم جسَّدتُ بديعة في كتاباتي فلم أجدها، ولكم تجسَّدَتْ في جميع علاقاتي بالأخريات فلم أحظَ بها، ترسَّبتْ في أعماقي وتاهتْ شابةً سمراءَ مضيئةَ الوجه، أملاً يخبو تارة، ويتجلّى تارة أخرى. أخيراً تفشَّتْ في الذاكرة كأنها أغنية شحرور تفشَّتْ في كون أجوف بلا أصداء، امرأة من هلام كأنها ليست بديعة. الهند ذكرتْني بجنكلي، وجنكلي ذكرني ببديعة التي نسيتُ تفاصيل ملامحها، ووجدتُني أتطرف بالحلم كأنني غطستُ في بحر القدرة ورفعتُ رأسي مرتداً إلى مطلع الشباب أعود للبحث من حيث أتيت لعلي الآن أحظى برؤية فاتنة من مثل أولئك السمراوات اللائي يتجلّين في الأفلام الهندية بعيون حوراء ساجية وأجسام رشيقة لينة كضفائر الحرير، وأصوات رخيمة حادة تلتمع في القلب كخيوط البرق الناعمة. كلُّ هذه السوانح انبعثتْ في نفسي وأنا أحلّق في خضم النجوم بين مطار دمشق ومطار الشارقة في الطريق إلى نيودلهي.

كانت رحلتي إلى الهند كمن يهفو إلى أن يغرق في أجواء متعة صوفيةٍ، متماهيةٍ في متعٍ حسية، متقمِّصاً جسمه نفسه وروحه نفسها ويعود محمَّلاً بالحرير والتوابل والبخور وأطياف العيون والشفاه. وحملتني الذكريات إلى موضوع آخر، إلى يومي (الاثنين الثامن عشر والأحد الرابع والعشرين من نيسان – ابريل- عام 1955) الموافقين (السادس والعشرين من شعبان إلى الثالث من رمضان عام 1374هـ) إلى مؤتمر باندونغ في أندونيسيا. وعبد الوهاب يغني مع مجموعة من نجوم الغناء العرب:

يوم كنا نترجَّح بين الصبا والشباب، ونلتهب حماسة ونحن نتابع وقائع المؤتمر الذي حضره (29) دولة من دول العالم الثالث بدعوة من الرئيس الأندونيسي أحمد سوكارنو ومن أبرز القادة الذين أسسوا هذا المؤتمر: جمال عبد الناصر رئيس الجمهورية المصرية، وجواهر لال نهرو رئيس وزراء الهند، وجوزيف بروس تيتو رئيس يوغوسلافيا، وشوآن لاي رئيس وزراء الصين الشعبية.

تأسستْ حركة عدم الانحياز ونالت اعتراف هيئة الأمم المتحدة وشكلت قوة دولية هامة من دول آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية فاتهمها الغرب بميلها إلى الشرق واتهمها الشرق بميلها إلى الغرب لكنها تمسكتْ بالحياد الإيجابي بين المعسكرين المتناحرين وصارت ذات شأن كبير في صناعة قرارات الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة. وفيما غرق صاحباي في النوم تذكرت شاعر الهند العظيم رابندرانات طاغور الذي قال عنه (غاندي) "منارة الهند" وقد سحر العالم بشعره، وحصل على جائزة نوبل للآداب عام 1913. يقول طاغور في ذكرياته:

"كانت الشمس تشرق فوق أوراق الأشجار. وفجأة بدا وكأن نقاباً انزاح من أمام ناظري، لقد أبصرت العالم كله مغموراً بمجد يفوق الوصف، أمواج من الفرح والجمال تومض وتتصادم من كل صوب. لم يكن ثمة شيء أو أحد لا أحبُّه في تلك اللحظة، وفي كُلِّيةِ الأشياء لاح لي أنني كنت شاهداً على حركات جسم الإنسانية بأسرها شاعراً بموسيقا وبإيقاع رقصة سرية". ويقول عن نفسه: "أنا هذا البخور الذي لايضوع عطرُه مالم يُحرق. أنا هذا القنديل الذي لايشعّ ضوؤُه مالم يشتعل" وتذكرتُ ماقاله في (جيتنجالي) يوم مولده الثمانين وهو يتأهَّب للموت بنفسٍ هادئة مطمئنة وبصيرة صافية، وكانت الحرب العالمية الثانية قد اندلعت "عندما أجول ببصري فيما حولي أقع على أطلال مدينة مغرورة تنهار وتتبعثر في أكوام هائلة من التفاهة والعبث، ومع ذلك فلن أُذعن للخطيئة المميتة في فقدان الإيمان بالإنسان، بل إنني بالحريّ سأثبت نظري نحو مطلع فصل جديد من فصول تاريخه عندما تنتهي الكارثة ويعود المناخ رائقاً ومتناغماً مع روح الخدمة والتضحية. سيأتي يوم يُعاودُ فيه الإنسان ذلك الكائنُ الأبيّ خطّ مسيرتِه الظافرة على الرغم من جميع العراقيل ليعثُر على ميراثه الإنساني" المثالية عند طاغور هي الفرح والعمل الدائب، وحرية الإنسان هي تحويل الألم إلى فرح، واللباقة في رأيه هي تتويج للأعمال الحميدة. طاغور يجعلك تشعر أن الإخفاق انتصار، والانتكاسة تأهُّبٌ لانطلاقة جديدة

ولكم تختزن ذاكرتنا نحن العرب من نكباتٍ وانتكاساتٍ، علينا أن نعوم على غوارب ذاك البحر بحر الجروح والآلام والأحزان، يقول أرسطو "إن المآسي تطهِّر النفس وتغسل مافيها من أدران" وهاهو طاغور يقول "إن الإنسان لانهائي" وفيما تذكرت مسرحيته الشعرية الرائعة "دورة الربيع" أعلنت المضيفة عن هبوط طائرتنا في مطار الشارقة للتزوّد بالوقود، وتزودت الطائرة بالوقود وأقلعت بنا إلى نيودلهي، وما إن استقرت في الجو واتخذت طريقها حتى غلب علينا النوم نحن الثلاثة وأيقظتنا اهتزازاتها وهي تهبط وتسلك طريقها على المدرج، فأحسسنا أننا وصلنا إلى مطار نيودلهي. ترجلنا ولما تشرق الشمس بعد، فضمنا فضاء فضيٌ آسر جعلني أشعر بصفاء النفس ونشوة الإشراق الروحي وكأنني أتنسم رائحة البخور واللبان التي تنعش الوجدان وطيف جواهر لال نهرو بعظمته المعبِّرة...

استقبَلَنا عند باب الطائرة بعضُ المسؤولين من وزارة الإعلام وعلى رأسهم معاون وزير الإعلام (سينهاي) وهو في نحو الخمسين ضئيل الجسم ممشوق نشيط الحركة ينبض على وجهه السَّمْح حضور لافت مريح، كما يتلألأ على عينيه وعيني مَن معه ترحاب فطري، ومشينا باتجاه قاعة الضيافة يحفُّ بنا مضيفونا بحسٍ مرهف وحرص على احتوائنا بقلوبهم وكأننا من عزيز أقاربهم، وشعرت كأنني محمول على بساط الريح الهادئ الساجي. جلسنا في القاعة وسحر البساطة يتجلى على كل مافيها من رموز هندية شفافة ورحت أتأمل في هذا السحر الذي يتسلل إلى الروح مثل موسيقا ناعمة. خصصوا لنا سيارة رسمية سوداء سائقها مفتول الشاربين موصول الحاجبين يرتدي الثياب الهندية التقليدية أطلق عليه زهير اسم (العنصر) ومرافقاً (دليلاً) وهو شاب كالح الوجه رقيق البنية عيناه دقيقتان مؤتلقتان يرتدي ثياباً عصرية، وللوهلة الأولى لايساورك الظن بأنهما كلاهما فظّ ولكن ما إن يتكلم أحدهما حتى يبتسم متهلِّلاً ويتعامل معك بمنتهى اللباقة والمودة، وليس عسيراً عليك أن تتأكّد منذ اللحظة الأولى لقدومك أن الهنود طيبون مضيافون يحبون البساطة مشعشعة بألق الذكاء الذي تعبر عنه عيونهم. وتحس أنك تتنسم في أجوائهم رائحة المهاتما غاندي وطاغور.

معاون الوزير في سورية صلاحياته يحددها الوزير فقد يكلفه بثلاثة أرباع مهامه وقد يقتصر على منح الإجازات للأذنة وصغار الموظفين وبعض المهام الخاصة. أديب غنم متواضع دمث مسالم محبّ للمرح، غزير الثقافة في الجوانب السياسية والفكرية والأدبية، يتقن اللغة الإنكليزية كما يتقن اللغة العربية. ومنذ وصولنا أخذ الجميع يخاطبونه بصاحب السعادة (excellence) كما يخاطَب الوزراء، وفي الفندق الفخم الذي أقمنا فيه بدلهي الجديدة أُعطي جناحاً واسعاً فخماً فيه عدد من الغرف، وكُلِّفَ عسكري مسلح بحراسة مدخله. أما أنا وزهير جنان فخصص لكل منا جناح صغير مجاور تحت حراسة العسكري نفسه.

في المساء أقيم لنا حفل استقبال وتعارف حضره كوكبة من رجال الفكر والأدب والإعلام، بينهم رجل من السيخ يعمل في وزارة الخارجية بشوش مهذب، لفت نظري أنه يلفُّ شعر رأسه ولحيته الطويلة ويضفره ويخبِّئه بعناية تحت قبعته فلاترى منه شيئاً.

في الصباح زرنا بعض المؤسسات الصحفية والثقافية، ومايلفت النظر أن في الهند مئتي لغة اثنان وعشرون منها معترف بها رسمياً من قبل الاكاديمية الوطنية ومنها الهندية، والسنسكريتية، والتامولية، والمالايالامية، والبنغالية، والماراثية.. قال لنا القيِّم على المكتبة الوطنية "يقول "راجيش شارما" مؤسس دار الآداب الهندية، إن اللغة الانكليزية هي لغتنا المشتركة الحقيقية الوحيدة، وهي اللغة التي نكتسب بها العلم والمعرفة. لكن الاعتقاد السائد هو أن الأدب الهندي ينحصر في الكتاب المعروفين أمثال (نيسبول أروزواني، روي فيكرام، سيث اميتاف) الذين جددوا اللغة. وقال "إن التعدد اللغوي والتنوع الثقافي هي ركائز قوة الأدب الهندي وتراثه" وقال "اذا أراد أيّ كاتب هندي الانتشار في كل البلاد عليه أن يكتب باللغة الانكليزية مباشرة وليس بلغته الأم، في حين لايلمّ بالانكليزية أكثر من 3% من الهنود" وقال "إن القليل جداً من الكتاب مَنْ تُتَرجم أعمالُهم إلي اللغات المحلية كالشاعر البنغالي العظيم رابندرانات طاغور"

في الهند في هذا المليار من أبناء آدم عدد لايحصى من القوميات والأديان، وفي معمعان هذه الحياة الفكرية المتنوعة والحياة الاجتماعية المتميِّزة بالمحافظة، ترى استيعاباً للحداثة ولمعطيات التقانة الحديثة، وللتقدم العلمي وكله على الطريقة الهندية.

في المساء جلستُ في بهو الفندق أنتظر صاحبيَّ، فجلستْ قريباً مني شابة رقيقة القوام دقيقة العينين، ملامحها أسيوية. سألتها "من أين؟" قالت "سائحة من الفلبين" وقالت إنها تعمل في الصحافة وإنها لم تزُر أيَّ بلد عربي، وإنها لاتعرف الكثير عن البلاد العربية سوى معلومات عامة عن المملكة العربية السعودية، ودول الخليج، واستغربتْ أن أكون عربياً. إنك ما إن ترى امرأة في هذا القفر النسائي حتى تحسّ راغماً بجاذبيتها سواء أكانت من الفلبين أم من لاوس أم من كمبوديا. وجاء صاحباي على موعد العشاء فاعتذرت من الفلبينية ووعدتني أن تزورني في غرفتي لنتابع حديثنا، ونعمق تعارفنا، وانضممتُ إلى صاحبيّ.

دخلنا المطعم نتعشى؛ الأكل في الهند قليله من لحم الطيور أو الخراف أو الأسماك وكثيره من الطعام النباتي؛ لحم البقر محرم. توضع في الطعام أنواع من التوابل الحارة اللاذعة حتى في الخبز والحلويات، فتجحظ عيناك وتحمرّ أرنبة أنفك وأنت تأكل اللقمة وتضطر أن تتوقف عن الطعام وتداعب فمك بلسانك أو تشرب جرعة ماء. طلبنا من القيمين والخدم طعاماً بلا توابل حارة فاعتذروا.

فيما بعد تفاجأنا أنه بين يوم وآخر يأتي يوم يُحرَّمُ فيه أكلُ اللحوم، كما يحرم تعاطي المشروبات الروحية؛ يوم نباتي يتساوى فيه الناس بسائر مخلوقات الله النباتية من غنم وأرانب.

إن الهند عالم قائم بذاته، عالم يحافظ بصرامة على القيم الأخلاقية المتوارثة. مقاييس الجمال عندهم خاصة بهم، والجمال (أعني جمال الطبيعة) تراه أينما تلفّت. إنه جمال روحانيّ نيِّر تتجلى فيه عبقرية الحياة.

وكي تدرك معنى الهند على حقيقتها انظرْ إلى شقّيْ دلهي: دلهي الجديدة معاصرة بل شديدة المعاصرة بأبنيتها، بشوارعها، بأناقة سكانها، بفخامة أسواقها ومحلاّتها. قمنا بجولة في الأسواق فرأينا أسواقاً بمنتهى الرقي والتزيينات والزخرفة وطريقة عرض البضائع كبقية المدن في العالم، وأسواقاً تقليدية تدخل الدكان، خاصة دكاكين بائعي الأقمشة، فترى على يمينك ويسارك مساطب من الخشب يتربع عليها البائعون بحيث يمدّ البائع يده إلى الخلف وهو متربع ليتناول البضاعة ويعرضها على الزبون أمامه، وأمام كل بائع كرسي خشبي صغير بعلوِّ المسطبة يجلس عليها الزبون؛ لقد ذكرني هذا بسوق الطويل بدمشق في أواخر الخمسينات.

دلهي القديمة مازالت في أيامها الخوالي. قمنا بجولة فيها فرأينا أبنية مهلهلة مهترئة وأزقة ضيقة تتراكم فيها الأوساخ والقاذورات كما تتراكم في الساحات الترابية التي يلعب فيها الأطفال حفاة تستر أجسامهم أسمال بالية، كحيّ هارلم في نيويورك، وككثير من حواشي المدن ولفت نظرنا شلال صناعي بسيط يتدفق الماء فيه من فتحة مرتفعة هابطاً على أدراج حجرية متحولاً إلى رذاذ يهبُّ منه نسيم لطيف بارد.

وعلى حواشي المدينة وطرقات الضواحي ترى أسراً تعيش على الأرصفة تأكل وتشرب وتنام و(تتناسل) وتربي أولادها وراء ملاءة مثبتة على أغصان شجرة أوعلى عمودين متقابلين.

ثياب الرجال إزار يَلتفُّ حول الوسط حتى الركبتين وبعضهم يضع إزاراً على كتفه وكأنهم مُحْرِمون الى الحجّ أو العُمرة. واللباس الشعبي التقليدي هو ثوب وسروال فضفاضان من القماش الخام خابي البياض يمتدّ الثوب حتى عنق الركبتين، والسروال حتى الكاحلين. ويعتمر واحدهم قبعة هندية بيضاء متواضعة، وينتعل حذاء جلدياً عادياً كالأحذية التي تستعمل داخل البيوت (الشحاطة أو الشبشب).

أما في معظم أسواق دلهي الجديدة فلباس الرجال عصري أنيق ولقد لفت نظري الكرب في أشكال النساء الهنديات، فلا تكاد ترى سوى وجه كالح وشعر أسود مشعث، ولباسهن إزار من قطعتين إحداهما تغطي الصدر، والأخرى تغطي القسم الأسفل من الجسم، ويُترك البطن عارياً.. وتتساءل من أين جاؤوا بنجمات السينما والغناء؟ من أين جاؤوا بملكة جمال الكون (بريانكا تشوبرا) مثلاً، وبمن سبقنها من ملكات الجمال؟

إن خصوصية المجتمع الهندي أنه بين من يرتفع مستواه المادي ليكون واحداً من أغنياء العالم إلى من لا يجد قوت يومه. ويعتقد الهندوس أن آلهتهم هي التي قسمت المجتمع تقسيماً حاداً إلى أربع طبقات:

الأولى: العليا هي "البراهمان" خلقها الإله "براهما" من رأسه، وهي تضم المعلمين والكهان، والحكام.

الثانية: خلقها من صدره وهي تضم المحاربين، ورجال الأعمال الكبار.

الثالثة: خلقها من بطنه تضم المزارعين، وأصحاب المهن الحرة.

الرابعة: خلقها الإله من باطن قدمه وهم المنبوذون الخارجون عن رحمة الإله الذي يعذبهم لارتكابهم المعاصي في جيل سابق، ولا أمل لهم في الارتفاع إلى طبقة أعلى إلا من خلال رحلة التقمص الممتدة عبر الأجيال. يسكنون محطات القطارات أو على أرصفة الطرقات في حواشي المدن بجسومهم الهزيلة ووجوههم المرهقة التي حفر الفقر فيها الأخاديد والتشوهات.

جلست مساء في بهو الفندق أترقب الفلبينية لأعاتبها أنها لم تزرني، وإذا بها قادمة وقبل أن أعاتبها قالت هامسة حاولتُ زيارتك فمنعني رجل الأمن وتابعتْ طريقها، فجاء رجل السيخ مصادفة حياني ببشاشة وجلس إلى جانبي، نتبادل أطراف الحديث في السياسة والأدب والفن، وهو يتكلم الإنكليزية باللهجة الهندية. سألتُه:

- لماذا أنتم السيخ تلفون شعر رأسكم وشعر لحاكم وتضعونه تحت العمائم؟

- أولاً: حرام على الرجل عندنا أن يقصّ شعره أبداً. ثانياً: من يرَ شعر الرجل فكأنه يرى الرجل عارياً. ثالثاً: إن شعر الرجل محرم على الآخرين ماعدا أمه وأخوته وزوجته وأولاده.

في هذه الأثناء تدفَّقتْ من داخل الفندق زفة نساء يهزجن ويغنين وينقرن على الإيقاع متحلقات حول عروسين يرتديان لباساً عصرياً أنيقاً، متجهات نحو باب الفندق ولفتَ نظري أنهن جميعاً كاشفات الرؤوس مزَّيِّنات بأبهى زينة ويرتدين فساتين مما ترتديه النساء في جميع بلاد الدنيا. وأن بعضهن شقراوات، وبعضهن حنطيات الوجوه كستنائيات الشعر، وقلما تجد فيهن سمراء.

أثار هذا المنظر دهشتي بالقياس لما أراه في الشوارع والطرقات، سألت رجل السيخ عن السبب فقال متباهياً "هؤلاء النسوة من السيخ وهذا لباسهن". شعر الرجل عند السيخ عورة لكن شعر المرأة مباح!

في اليوم التالي زرنا الإذاعة. دخلنا إحدى القاعات وجلسنا على مقعد وثير أُعدَّ لنا، ثم دخلتْ فرقة موسيقية من الشبان يتقدمهم رجل في نحو الأربعين من العمر وجميعهم يرتدون اللباس الشعبي الثوب والسروال والحذاء الجلدي العادي. تربعوا جميعاً فوق الأرض وكل يضع آلته أمامه. آلات هندية هي جانب من جوانب التعبير عن خصوصية الهند لم يرَ أيٌّ منا مثيلاً لها: آلات نفخ، وآلات وترية، وآلات إيقاع.

حيّانا (المايسترو) بانحناءة ترحاب ومودة ثم التفت إلى فرقته، تأهب وحرك يديه وابتدأ العزف فانتهبتنا هذه الموسيقا من دنيانا، من الأرض التي نُثبتُ أقدامنا عليها، وغدا واحدنا يحبُّ أن يرقص، يجري، يحلق في الفضاء، يحس أنه على متن قارب كعُقاب يخوض نهراً متدفقاً أو بحراً عالي الأمواج فسيحاً، أو يركب حصاناً شموساً جهوريّ الصهيل. رحنا نتبادل النظر فيما بيننا نحن الثلاثة ذاهلين، نتفرس في هؤلاء الموسيقيين الذين غدوا مثل طيور بيضاء ترفرف بأجنحتها وتلفنا بالأهازيج ودم الإنسان فينا ينبض بالفرح والبهجة وينتزع من نفسه كل أدران الحياة وضغائنها. أحسسنا كأننا نولد من جديد وننداح كمويجات الماء في بحيرة مترامية الأطراف، وانتهى العزف، وحيانا المايسترو، وخرج مع فرقته وتركنا كمن يتحفز على ذروة جبل شامخ يود لو يلقي بنفسه ويطير. ثم دخلت فرقة أخرى من الكهول على رأسها مايسترو كهل، الفرقة تربعت على الأرض والمايسترو حيانا، وبدأ العزف، وشيئاً فشيئاً أحسسنا كأن يداً اختطفتنا، ووضعتنا على متن سحابة راحت تعلو بنا وتعلو، تطوف فوق مروج خضر وأشجار باسقة، وقمم تتزاحم بمناكبها تطاول السماء، أحسسنا أننا صرنا أجساماً شفافة كالبللور فامتزجنا بصفاء الكون وغدونا أرواحاً ممتلئة بالحكمة والمحبة الراسخة، متماهية في الطبيعة الكلّيّة، تجرَّدْنا من أحاسيس الإنسان وحاجاته وغرائزه، وتفاهاته، ومن مشاعر البغضاء والكراهية والحسد.

في اليوم التالي ذهبنا الى مدينة (أغرا) وقد لفتَ نظرنا أمران: الأول: أن البقر يمشي على هواه، ولايجرؤ أحد أن يزعجه. فإذا وقفت بقرةٌ على قارعة الطريق أو ربضتْ على الأرض تمرّ بها السيارات مجانبة بحذر وتوجّس. وإذا وقفت معترضةً وسدَّتْ الطريق يتعطلّ السير، وتقف ارتال السيارات تنتظر حتى يروق للبقرة أن تتحرك. وإذا داهمت البقرة محل بائع خضار أو حقل خضار تأكل ماتشتهي وتخرب مايخطر لها دون حساب. والثاني: أنك ترى الناس في الطرقات خارج المدن رائحين غادين بأجسامهم الهزيلة، حفاة، لايرتدون من الثياب إلا مايستر العورة وكأنك في أحد الشوراع، الهنود وبخاصة الهندوس يعشقون الفقر. وترتكز معتقداتهم على أربعة أسس هي:

1) الكارما: وهي قانون الجزاء أي نظام الكون الإلهي القائم على العدل المحض الذي سيقع لا محالة إما في الحياة الحاضرة أو في الحياة القادمة، وجزاء الحياة يكون في حياة أخرى، والأرض هي دار الابتلاء كما أنها دار الجزاء والثواب.

2) تناسخ الأرواح: إذا مات الإنسان يفنى منه الجسد وتنطلق منه الروح لتتقمص في جسد آخر بحسب ما قدم من عمل في حياته الأولى، وتبدأ الروح في ذلك دورة جديدة.

3) الانطلاق: وهو أن صالح الأعمال وفاسدها ينتج عنه حياة جديدة متكررة لتثاب فيها الروح أو لتُعاقب حسب ما قدمت في الدورة السابقة. من لم يرغب في شيء ولن يرغب في شيء وتحرر من رقِّ الأهواء، واطمأنت نفسه، فإنه لا يعاد إلى حواسه بل تنطلق روحه لتتحد بالبراهما، ويؤخذ على هذا المبدأ أنه جعل التصوف والسلبية أفضل من صالح الأعمال لأن ذلك طريق للاتحاد بالبراهما.

4) وحدة الوجود: وهي أن الإنسان يستطيع خلق الأفكار والأنظمة والمؤسسات كما يستطيع المحافظة عليها أو تدميرها، وبهذا يتحد الإنسان مع الآلهة وتصير النفس هي عين القوة الخالقة. الروح كالآلهة أزلية سرمدية مستمرة، غير مخلوقة.

إن العلاقة بين الإنسان والآلهة كالعلاقة بين شرارة النار والنار ذاتها، وكالعلاقة بين البذرة وبين الشجرة. وهذا الكون كله ليس إلا ظهوراً للوجود الحقيقي، والروح الإنسانية جزء من الروح العليا.

الأجسام تحرق بعد الموت لأن ذلك يسمح بأن تتجه إلى أعلى وبشكل عمودي لتصل إلى الملكوت الأعلى في أقرب زمن، كما أن الاحتراق هو تخليص الروح من غلاف الجسم تخليصاً تاماً.

البعث في العالم الآخر إنما هو للأرواح لا للأجساد، عندما تتخلص الروح من الجسد تصعد إلى أحد ثلاثة عوالم:

1) العالم الأعلى: عالم الملائكة.

2) عالم الناس: مقر الآدميين بالحلول.

3) عالم جهنم: وهذا لمرتكبي الخطايا والذنوب. وليس هناك جهنم واحدة بل لكل أصحاب ذنب جهنم خاصة بهم.

من هنا انتشر التصوف والزهد في العالم الإسلامي متأثراً الديانات الشرقية. إن معظم الطرق الصوفية تؤمن بوحدة الوجود وبأن تعطيل الشعور يؤدي إلى لحظة الإشراق وهي حلول المتصوف بالذات العليا. وتعطيل الشعور يتمّ بالنقر على الطبول والصنوج والقيام بحركات رقص جماعية يقول فيهم أبو العلاء المعري:

ومن هؤلاء المتصوفة عُرِفتْ فرقة الحشاشين الذين يستعملون المخدرات لتعطيل الشعور. وكان البسطاء من العامة في بعض القرى في سورية يقولون عن رجال الدين عموماً وبخاصة الزاهد والمتصوف (فقير أو فِجِير) بحسب اللهجة. وهو موضع احترامهم، لأنه في رأيهم قادر على كشف الغيب!.

توقّفت بنا السيارة بجانب استراحة بناؤها متواضع شربنا نوعاً من الشاي ما إن فاحت رائحته حتى أنعشتْ قلوبنا، وقدموا لنا (الكاجو) طرياً ساخناً، وعندما خرجنا رأينا حاوياً كهلاً يتربع خلف قفة من أعواد القصب عليها غربال تلتف فيه أفعى مبرقشة على نفسها طولها في حدود المترين وأخذ يعزف على آلة الناي الهندي فقامت الأفعى ترقص على الغربال متباهية. ثم أزاح الغربال عن القفة وإذا بأفعوان أسود لايقل طوله عن أربعة أمتار أخذ يعزف له فانتصب على مقدمة جسمه يرقص ويتمايل.

قال لنا المرافق إن الهنود يجرّعون الأطفال سمّ الحيات ليكتسبوا المناعة، ومن الظواهر الغريبة المرعبة في الهند هي انتشار الحيات؛ فيها (3120) نوعا، أخبث هذه الأنواع توجد في أرض "تاكا"، فإذا هبت الريح من جهة "تاكا" قتلت الحياتُ من تمر به؛ لذلك يهجرها أهلها أيامًا معلومة عند هبوب الريح، ثم يعودون بعد ذلك.

على سفوح جبال همالايا زرنا حدائق تتلألأ فيها أنواع من الزهور بشتى الألوان تضاهي بلألائها نجوم السماء ولا يرتاب المرء في أنها نموذج للجنة التي أعدّها الله لعباده الصالحين. وحين أَزِف موعد الغداء أدخلونا فسحة واسعة أرضها مفروشة بالمروج الطبيعية الخضر تحيط بها الجبال مغاطاة بغابات من الأشجار الكثيفة تضم أنواعاً لاتحصى من الوحوش، وعلى محيطها محارس من الإسمنت المسلح أبوابها ونوافذها من شبك محكم من الفولاذ فيها حراس مسلحون برشيشات ملقمة جاهزة حذر مداهمة الوحوش، قيل لنا إنها استراحة لكبار المسؤولين، ولعزيز الضيوف. جلسنا قرب بناء مشيّد بالأغصان مطلي بلحاء الشجر نأكل الشواء في جوٍّ من السحر المصفّى، وبعد الغداء أوينا كل إلى غرفة من غرف البناء نقيل.

نمنا في أحد فنادق مدينة (أغرا) وفي الصباح زرنا "تاج محل" أحد عجائب الدنيا السبع وهو آية في فن العمارة، شيّد على جانبيه مسجدان لإتمام التناظر، قبته من الخارج مغطاة بحجارة من الرخام موصولة بالعاج وخيوط الذهب، ومن الداخل نقشت عليها آيات قرآنية وبعض الرسومات. بناه الإمبراطور المسلم (شاه جيهان) ضريحاً لزوجته (أرجمند) التي اشتُهرتْ بلقب (ممتاز محل) والتي توفيت في العام (1631م) وهي ترافقه في إحدى الحملات العسكرية، وقد أمضى (شاه جيهان) بقية حياته في سجن بقلعة تربض على الضفة الأخرى من النهر، وظل يطل على القبر حتى مات.

يقابل تاج محل بناء يبعد عنه حوالي ألف متر يشبه الأبنية في منطقة القلمون، فيه ردهة واسعة على جانبيها أبواب الغرف، بابها الرئيس يطلّ على مبنى القبر. إذا مشيت من عمق الردهة نحو الباب على استقامة واحدة ترى القبر يبتعد عنك كأنه يهرب منك وإذا تراجعتَ إلى العمق رأيته يتبعك متقدِّما نحوك.

وجاءنا المرافق بكهل يتناثر الشيب في شعره الأسود، يرتدي ثوباً أبيض كالحاً حتى الركبتين تحته سروال، وينتعل حذاء متواضعاً (شحاطة - شبشب) أخذنا بعدها إلى قلعة تربض على سفح جبل بناها أحد سلاطين المغول المسلمين حوالي القرن السابع عشر جمع فيها خمسة أديان بدين واحد: الإسلام، المسيحية، اليهودية، الهندوسية، البوذية، وجعل له شعاراً موحداً دمج فيه الشعارات الخمسة. إن أهم مايلفت النظر في هذه القلعة فسحة مساحتها عشرة أمتار مربعة فيها رقعة شطرنج كان السلطان يضع عليها فريقين من الصبايا بعمر ست عشرة سنة عاريات رائعات الجمال بدل الأحجار السوداء والأحجار البيضاء ويلعب بهن ويختلي بمن يموت حجرُها، وجعل الطابق الثاني مخادع للنساء من زوجاته وما ملكت يمينه، وجعل ممراً سرياً يتنقلّ فيه حيث يشاء. أدهشنا الكهل بمعلوماته الغزيرة المركزة وهو يشرح لنا شرحاً مستفيضاً عميقاً عن القلعة وعن المرحلة التاريخية بلغة إنكليزية طلقة، وعندما غادرَنا سألنا المرافق "هل كل المرشدين السياحيين عندكم بهذا المستوى؟" قال "هذا ليس مرشداً سياحياً. هذا مدير آثار محافظة (أغرا) وهو يحمل شهادة الدكتوراه في التاريخ، وقد جيء به من أجلكم".

وطرنا إلى كشمير الهندية، وهي تتمتع بالحكم الذاتي فاستقبلنا في المطار ثلاثةٌ من الوزراء، ومضوا بنا عبر طريق بعضها معبّد بالإسفلت وبعضها ترابية لمقابلة رئيس الوزراء (د. فاروق عبد الله). عندما أشرفنا على النهر العريض ذي المياه الرائقة الملونة بلون السماء الساجية، ورأينا ضفتيه الخضراوين امتلأت صدورنا بالهواء النقي وشعرنا أننا في أجمل مناطق الأرض، بل أننا في الجنة أدركناها بسلاسة وعفوية قبل البعث والنشور..

كان (د. فاروق) على ظهر مركب يشرف على سباق القوارب التي تستعد للمشاركة في سباق دولي، تسلقنا سلماً خشبياً فانحنى ومدّ يده يساعدنا واحداً واحداً على بلوغ السطح، ورحب بنا وأشار لنا أن نجلس على مقاعد مجاورة، وقدم لنا قطعاً من (الكباب المشوي) بهذه البساطة والتلقائية.

في المساء انتقلنا إلى فندق أنيق يطل على (النهر/ البحيرة) يتجلى فيه سحر البساطة فاستقبلتنا على الباب فتاة سمراء ممشوقة تحمل طبقاً من الخشب عليه خلطة من عجينة يغلب عليها اللون الأحمر قيل لنا إنها مستخلصة من سبعين نوعاً من الورود والأعشاب ودمغت جبهة كل منا بنقطة من أنملتها الرقيقة قيل إنها تبعث في النفس الشعور بالرائحة والطمأنينة. وفي الصباح رأينا لأول مرة كيف يُختصر الزمان والمكان. ركبنا بحوامّة طائرة (هليوكابتر) طافت بنا فوق كشمير كلها تحضننا كما تحضن الأم الرؤوم طفلها أرتنا الجنة، وكلما سمعتُ خبراً عن الصراع بين الهنود والباكستانيين على كشمير فيما بعد أتذكر ماقاله المتنبي في "شِعب بوان" وقد هام بمنظره:

وهبطتْ بنا الطائرة على تخوم قرية صغيرة جذبت الأطفال والنساء يتفرجون علينا. رأينا وجوهاً بيضاء وحنطية كوجوهنا في سورية، وشعراً أشقر وكستنائياً كشعرنا، ونساء يرتدين ثياباً كنسائنا (فساتين وإشاربات) وقدموا لنا عنباً كعنبنا (الزيني)، وبعد استراحة قصيرة صعدت بنا الطائرة إلى مطعم على ارتفاع (3000) متر في سفوح هملايا، نوافذه وأبوابه من (السنديان) ومقاعده وطاولاته من (الصندل). تناولنا غداءنا وأتاحوا لنا أن نمارس لعبة (الغولف) التي لانعرفها إلا على شاشة التلفزيون في برامج الرياضة.

ثم صعدوا بنا إلى أعلى مكان يمكن الوصول إليه وهو فسحة على السفوح ترتفع (4000) متر، عندئذ فوجئتُ بين الرعاة ذوي الشعور المشعثة والزنود الصلبة بخالتي (مريم) زوجة أبي التي كانت تمنحني من العطف والحنان مالم تمنحني أمي، عجوز بين الخمسين والستين وجهها أبيض زهري، عيناها شهلاوان فاتحتان، شعرها أشقر يتفشى فيه الشيب، ترتدي معطفاً ريفياً كالحاً وتغطي رأسها بكوفية من الصوف، تستغرب أن ترى مثيلاتٍ لها في الهند أو كشمير، عندئذ أوشكتُ أن أؤمن بالتقمص. وعلى الخصوص عندما تقدمت العجوز نحونا لاهفة كمن يرفع رأسه من مغطس العزلة، وقدمت لنا نفسها بلهجة إنكليزية صافية "دكتورة في علم الاجتماع، تقوم بدراسات ميدانية (بسيكو - سيسيلوجية) في الهند. ذكرتْ أديب غنم بحكاية من التراث عن امرأة عجوز اسمها أم الحكم "زنت أربعين عاماً وقادت أربعين عاماً وعندما رأت تيساً هرماً يحاول أن ينزو على معزاة لا يستطيع قالت: ياضيعتي وضيعتك".

في السهرة دعانا الدكتور فاروق إلى حفلة عشاء غنائية في بيته قدم لنا فيها عدد من الراقصات والراقصين فقرات ساحرة. وفي الصباح عدنا إلى دلهي.

ولكم تمنيت في تلك الزيارة أن يأخذونا إلى مدينة (تريفا تدروم) في الجنوب لنرى أقدم مكتبة في الهند قرأتُ عنها قبل الزيارة أنها كانت في الماضي قصراً محاطاً بأشجار جوز الهند بناه الملك (سواثي يتروفال) لاستقبال قراء عاصمة ولاية (كيرالا). في سقوف هذا القصر - المكتبة مراوح ضخمة عديدة وعندما يتجول المرء بين رفوف اللقى الأثرية يمكنه رؤية المئات من الاعمال النادرة.

في دلهي استقبلنا رئيس وزراء الهند (راجيف غاندي) بمكتبه في مبنى البرلمان في زيارة مجاملة سألنا فيها عن انطباعاتنا، وتمنى أن تكون رحلتنا مريحة ومثمرة فقدمت له بعض الهدايا الرمزية وهي مجسمات عن الآثار في سورية أبدى إعجابه الشديد بها.

قبيل مغادرتنا الهند رافقتنا إلى أحد المجمعات الاستهلاكية لنشتري الهدايا موظفة من وزارة الإعلام تجيد الإنكليزية جميلة بنية العينين ترتدي لباساً عصرياً حاسرة الرأس شعرها أشقر منسدل على كتفيها لستُ أدري من أين يأتون بمثل هاتيك الجميلات اللائي تراهنّ فاتنات بين من ترى من نساء، شابة يحلو السمر معها بحدود المشافهة العابرة في أجواء الهند المحافظة. اسمها (جايا) ورأيتها تخاطب فتيات من العاملات في المجمع ممن تعرفهن (سونيل. فلورا. أورميلا) إذاً هذه بعض أسمائهن.

وعدتُ إلى دمشق، إلى معمعان العمل في جوٍّ تراه أحياناً ممتعاً وتمارس عملك بشغف وتراه أحياناً متجهماً يجعلك تكره نفسك وكلّ ما ترى. عدتُ أحرص على زيارة مواقع العمل في الاستديوهات ومحطات الإرسال، لا أركن في مكتبي إلا لتوقيع البريد أو لعقد الاجتماعات.

ذات يوم عدتُ من مكتبي ليلاً كعادتي فلاقتني نعيمة بجفاء وعبوس، بادياً أنها تكتم غيظاً وتوتراً شديدين، سألتها مستغرباً "مابك؟" فازدادتْ جفاءً، وأشاحت عني. وتكررتِ الحالة في اليوم التالي وأنا أزداد استغراباً أحاول معرفة السبب بلا جدوى وهي مقطبة منغلقة. أصبح دخولي إلى البيت يثير أعصابي بدل أن ألقى الراحة والهدوء وتفريغ ما في نفسي من شحنات يراكمها عملي المجهد. أخيراً قلتُ لها ملحاً غاضباً "إما أن تبيني سبب ما أنت فيه أو أتخذ تدابير حاسمة" قالت محتقنة "اسأل ذات الشعر الأشقر الطويل التي تركب إلى جانبك في السيارة وأنت تغادر الهيئة كل يوم على مرأى الجميع" وأجهشتْ بالبكاء. غرقتُ في الضحك، وحاولتُ بشقّ النفس أن أُفهمها أن هذا مستحيل، وأن من اختلَّ عقله لايتصرف مثل هذا التصرف وأنني لو تبذّلتُ هذا التبذل فقدتُ هيبتي واحترام الآخرين، والسيطرة على الأمور فسكتت على غير قناعة. سألتُها عمن زوَّدها بهذه الدسيسة فلاذتْ بالصمت فأعلنتُ مهتاجاً مهدِّداً أنني سأغادر البيتَ، عندها اعترفتْ أن واحدة تتصل بها يومياً وتخبرها. سألتها "من هي؟" قالتْ "لم تعلمني عن اسمها". أفهمتُها أن الحاقدين لم يكتفوا بما يثيرون من إشاعات فتسللوا إلى بيتي، وقلتُ غاضباً "حتى أنت يا زوجتي تقفين إلى جانبهم؟" ورغم أن غضبها ابترد أخذ السوس ينخر في علاقتنا، وأخذتْ بذرة الشك تنتش في قلبها.

بعد فترة وجيزة اتصلت الفنانة لطيفة التونسية بالمكتب تطلب زيارتي زيارة مجاملة وما إن استقبلتها في مكتبي حتى اندفع الباب ودخلتْ نعمية قائلة كنتُ مارة من هنا فقلت أزورك بطريقي. وتكررتْ هذه الحال كلما زارتني فنانة، وبالأخص الفنانات اللاتي يرتدين ثياباً فيها تبذُّل. كانت نعيمة تدخل دخول من يضبط مجرماً متلبِّساً بجريمته، وفقدتْ علاقتنا تلك الحميمية، وذاك الصفاء. بيد أن الذي حيرني سؤال ملح طرحتُه على نفسي "من ذا الذي ينقل إليها هذه الأخبار في إبّانها؟" وتذكرتُ مثلاً قديماً يقول "من فسدتْ بطانتُه كان كالغاصّ بالماء" ولم أجد سوى إجابة واحدة "إنها السكرتيرة" هي وحدها التي تعرف خفايا مكتبي، وأن ثمّة من يغويها أن تدسّ بيني وبين زوجتي، فبدّلتُها، نقلتها إلى مكان آخر، وكلفتُ سكرتيرة جديدة. ثارتْ نعيمة عليّ وطالبتني بإصرار أن أقدم تفسيراً لهذا التبديل، فقلتُ لها بحزم: "احذري أن تتدخلي بشؤون مكتبي" فانفجرت بصوت واثق تشوبه خيوط البكاء "تركت الدنيا من أجلك، قاومتُ الناس، صبرتُ معك على قسوة الحياة، ابتلعت الحلوة والمرة، وتحاول أن تخونني؟" تركتها حتى هدأتْ وقلت "توقعتُ كل شيء إلا أن تكوني نقطة ضعفي التي يتسلّل منها من يسعون الليل والنهار لينالوا مني. أتمنى أن ترجعي إلى نفسك، وتعيدي التفكير، وتختاري إما أن تكوني إلى جانبي أو تتخلين عني أنت الأخرى"

وذات يوم زارني المخرج شكيب غنام وهو صديق لي قبل مجيئي إلى الهيئة، جلس بادياً عليه الإحراج وقال ممهداً.

- ألا تثق بي أنني صديقك؟

- بلى.

- أولا ترى أنني أخاف عليك، وأحرص على سمعتك؟

- بلى، بلى. ادخل في الموضوع دون مقدمات.

- ابعد عن فلانة (وهي نجمة تلفزيونية مشهورة) وكفّ عن زيارتها حالاً.

- فلانة؟!

- تقول إن أمها وابنتها تتذمران من زياراتك كلّ يوم.

- هي قالتْ لك ذلك؟

- لا، وإنما واحدة أخرى نقلت لي كلامها فدفعني حرصي عليك أن أفاتحك بالموضوع

- أتصدقني إذا قلتُ لك إنني لاأعرف بيتها ولا في أيّ حيّ تقيم؟

فحملق مندهشاً. قلت:

- تأكّد منها إن شئت.

- تفو على تلك الساقطة التي حدثتني في الموضوع.

- من هي؟

- حلَّفتني ألا أذكر اسمها، لكنني سأقول لك من هي.

- أنا أعرفها، زارتني يوماً مع فلانة زيارة مجاملة، وعندما انتهت الزيارة دعتني كل منهما إلى زيارتها فقلتُ مجاملاً سأفعل... ما أكثر الدسائس ياشكيب! إنها أسلوب حرب جديدة، إنها جبهة يزرعون فيها الألغام، يحاولون الانقضاض عليّ عن طريق تشويه سمعتي.

- أعانك الله.

والحقيقة أنك كلما داهمك عدوّ يدس عليك أو يواجهك لا تعدم أن تجد عدداً من الأصدقاء يقفون إلى جانبك ويعززون فيك قوة التحدي.