الفصل 13

11 0 00

وقفتُ محتقناً والجثمان يُحمل على الأكفّ إلى ساحة الدار. لقد بارَ ذاك الجبلُ الأشمّ وصرنا جميعاً بلا أب كالطيور مقصوصة الجناح. اسماعل وعمي يبكيان ولعل عمي أكثر من آلمه فراق أخيه الأصغر. عويل النساء يخترق الفضاء حاداً كالسكاكين وكلمة "دايم الله" تفجر كل ما في النفس من ذكريات. وأطلتْ أمي من الداخل وأومأتْ لي بيدها تستدعيني عابسة مقطبة، وعندما صرتُ في دائرة نظرها هزتها دفقة نحيب كأنها يدٌ جافية، وسرعان ما تمالكت نفسها وقالت بصرامة "كن رجلاً" وسمعتُ صراخاً في إحدى زوايا البيت وصوتاً يستنجد بي "أخواتك" وإذا بهن خمستهن مغمياً عليهن وبعض النساء يسفحن على وجوههن الماء. تقدمت منهن واحدة واحدة وواسيتهن بكلمات مشجعة "مات أبونا؟ إنها مشيئة الله وإنه إن لم يمت اليوم يموت غداً وكلنا سنموت" خففتُ عنهن ثقل الفاجعة وتقدمتُ من عمي وإسماعيل أذكرهما بقضاء الله وقدره. ثم وقفتُ جانباً وكأنما تلاشى الحزن من نفسي وحلّ مكانه التفكير بسوء حالتي المالية، أحسستُ أنني الوحيد المحاصر. قدرّ لي أن أحمل وحدي هموم أبي حياً وميتاً رحم الله وسامحه واستندتُ إلى الجدار مقهور النفس مصعوقاً بمصيبة ولدتْ من مصيبة. وإذا بيدٍ تلمس كفي التفتّ وإذا به إسماعيل تصطدم عيناي بعينيه لمحاً تبرق فيه خيوط المأساة قال لي بثقة "اسمع يا ابن عمي أنا أعرف وضعك المادي، دعه جانباً ولا تحمل هماً أنا مستعد أن أدفع كل شيء وأسجّله، وعندما يفرجها الله عليك أستردّه منك بالليرة والقرش " ودِدْتُ لو أقول شيئاً فعزّت الكلمات لكنه لم ينتظر. هرع إلى شراء الكفن ومستلزمات الدفن، وكان محي الدين قد حفر القبر، وعندما خرجت الجنازة من البيت أحسسنا جميعاً أن قلوبنا اقتُلعَتْ من صدورنا، لكن صدمة الحزن جعلتنا واجمين.

استمرتْ فترة العزاء سبعة أيام تبدأ بعد صلاة الفجر وتنتهي بعد صلاة العشاء، وتبسط موائد الفطور، والغداء، والعشاء مع ذبيحة كل يوم. وراح أصحاب اللحى يذكرون بما يترك الميِّتُ وراءه من "عمل صالح ونفقة جارية وولد يدعو له" ويشددون على الدعاء وينسبونه إلى ضرورة سداد الديون حتى لا يثقل حِملُها على المرحوم. وكانت فكرة سداد الديون كتُرَّهات الحالم ذي الجيب المثقوب بأن يكون شعاع الشمس ذهباً يتناثر عليه حسب دفاتر أبي وكان دقيقاً جداً عليه (11000) ليرة تقريباً وله مثلها في ذمة الآخرين. ولئن بدأ الدائنون يسنون أسنانهم منذ أيام العزاء فإن المدينين اختفوا. كان عليَّ أن أفصل بين الأمرين وأعالج كلاً على حدة، وبات كلٌّ منهما أبعد من السحب الطائرة. وجاء أبوعزو من دمشق يعرب عن تأثُّره وألمه وقرأ الفاتحة بشكل استعراضي حتى رأيت نفسي عاجزاً عن تقديم الشكر له، وتابع قائلاً "الديون قيد ثقيلٌ على ابن آدم عندما يتوفاه الله ولا فكاك له إلا تسديدها" ثم قال "قولوا خيرا والصلاة على النبي" فرددها بعض الجالسين، ثم قال "رأيتُ المرحوم في الرؤيا بلباس ناصع البياض متوهج على حافة بحيرة يتدفق منها الماء النمير وتحيط بها الأشجار المثمرة، والزهور الفواحة، رأيته بحجي رأيته" وتابع بحماسة "يشهد الله أن مثواه الجنة" وقرأ الفاتحة مرة أخرى، ثم تابع قائلاً "قال لي دون أن أفتح فمي بكلمة. اذهب ياحاج إلى جيرود وقل لابني أن يسدِّد ما لك في ذمتنا من المبلغ الذي تخبؤه أمه في صندوقها. لقد بلّغتُ اللهم فاشهد" وكرَّرها ثلاثاً، إنها قمة النفاق، قمة الوقاحة والجشع، قمة السفاهة في مجلس عزاء. قلت:

- ليس في صندوق أمي قرش واحد، وليس لها صندوق.

- أتكذِّبُ أباك!!!؟

- بل إنها أضغاث أحلام.

- يا ويلك من الله! هذا منتهى العقوق.

- يا حاج قل أريد نقودي بصراحة ولا تخترع هذا الكلام وهذه الرؤيا عن أبي.

فانفعلّ واحمر وجهه وقال ثائراً:

- بحجي بحجي بحجي لا أنقّص ولا أزيد.

فتدخل أحد الشيوخ قائلاً "لايجوز الحلف بغير الله ياحاج" وقال آخر "قال الله تعالى وإذا كان ذا عسرة فنظرة إلى ميسرة" قلتُ:

- وأنا الآن في عسرة ياحاج.

- وأنا حقي لايموت.

تصدى له أحد الجالسين "احترم الحاضرين ياحاج، احترم مجلس العزاء" فغمغم الحاج وقال مهدِّداً "طيب" وغادر المضافة فهربتُ أنا من عيون المشفقين.كانت تلك أقسى أنواع المطالبة بالدَّين، ولستُ أدري بعد موت أبي كيف دأب الدائنون يتصدون لي، ويلحفون بالطلب. ومنهم من يهدِّد ويتوعّد.. وصرت أحسّ أنني اتضاءل وأمعن في التضاؤل وبدا لي أن أعتى الشامتين كانوا من الأقارب، ولم يقف إلى جانبي إلا عمي وإسماعيل وأمي التي أكلت الحيرة قلبها.

قيل لي إن رجلاً يشاهَد كلِّ يوم قبل طلوع الشمس عند قبر أبي، يقرأ الفاتحة ويصلي ركعتين ويجثو منتحباً بقسوة ومرارة ساعة أو ساعتين وينصرف. ذهبت صباحاً ففوجئتُ به، اقتربت منه وإذا هو "أبوعلي كنعان" رفيق أبي من الطفولة، وقف ووجهه معفر بالتراب وقال منتحباً "مات محمد مات" وعانقني بقوة، هدَّأته وحاولتُ آخذه إلى الدار فقال بصرامة "والله لا أدخل تلك الدار بعده" وافترقنا عند مدخل حارته. أبوعلي كان من أطرف الشخصيات التي تزورونا نتحلَّق حوله فيحكي لنا الحكايات الطريفة ويلاعبنا بملامح وجهه المنمنم وذقنه الصغيرة ويقوم ببعض الحركات المثيرة للضحك، وكان يرقص رقصات طريفة ونصفق له،كان يملأ الدار مرحاً منذ قدومه وحتى خروجه. كان يعمل تاجراً في عمان ويخلط لهجته السورية باللهجة الأردنية ويأتي إلى جيرود مرة أو مرتين في العام يقضيها معظمها في بيتنا. كان يخرج من جيبه علبة معدنية صغيرة يتنشق ذرات منها، ويزيدها حتى يبدأ بالجيَشان ثم يحتدّ ويحمرّ وجهه ويندفع قسرياً بنوبة "عطس" لاتنتهي حتى تفرّغ خيشوميه، وتُسيل دموعه. وعندما يهدأ نسأله:

- ماهذا؟

- عطوس ينفض الرأس كما ينفض السمكري رأس بابور الكاز.

وجاءتْ زينب وأهلها يقومون بواجب العزاء، وعندما صافحتني انهمرت الدموع من عينيها لعلها تذكرتْ أباها.

وانتهى العزاء وجلستُ مع عمي وأحد أقاربنا المقربين الذي اضطجع يدخن الأركيلة وينهال عليّ ينصحني بفوقية "هذا أخوك لاينفع في شيء شغّله أجيراً في مخبز أو سواه، وأنت يجب أن تحافظ على زرق أبيك. سدِّد الديون من راتبك عندها قلت معترضاً بجفاء "كلامك على عيني ورأسي ولكن إذا كان ثمة من يحق له أن يقدم لي النصائح "بالمونة" فهو عمي وابن عمي، وبما أنك من أقرب الناس إلينا أريد أن تعرفوا أنتم الثلاثة أن عمري فوق الثامنة عشرة وأتمتع بكامل أهليتي الشرعية وإنني أرفض أن يتدخل أحد بحياتي الشخصية وحياتي عائلتي" تفاجأ الرجل وفجَّر عينيه ولف الخرطوم على الأركيلة ونهض منزعجاً وغادر المضافة. قال لي إسماعيل "والله إجابتك تساوي عندي الملايين" وقال عمي "أصلحه الله كم هو حشري"

في اليوم التالي جلستُ مع أمي منفردين وكل منا يلملم نفسه من الضياع بل من التلاشي. قلتُ لها:

- أمي أنا غير قادر أن أسدِّد الديون من راتبي، ولم أعد أطيق صبراً على الدائنين والأرض مرهونة للمصرف والمحرّك مرهون للوكالة فما العمل؟

- حِملك صعب وأنا قلبي يتفطَّر.

- عندي حل. نبيع كل شيء ونسدِّد الديون.

- وديون أبيك على الناس؟

- كلهم يتهربون. والحقيقة يا أمي أن المطالبة بالديون تحتاج إلى واحد ملحاح لجوج باله طويل فإن كثيراً من الناس تطالبهم فيردُّون بغلظة وكأنك أنت المدين.

- شاور عمك وابن عمك.

وافق الإثنان وتركتُ الموضوع بين يدي إسماعيل يبحث عن مشترين، وغادرتُ إلى دمشق. ثم فوجئتُ ببعض الورثة يطالبون بحصصهم وبعضهم يلحّ ويجأر بصوته، وعندما قيل لهم "والديون؟" قالوا "ليدفعها من راتبه. أليس هو الرجل وهذه مسؤوليته؟"

جلستُ أفكر بأولئك المارقين الذين يعرفون وضعي الماديّ السيئ، ومعاناتي منذ علمتُ بوفاة أبي، وما تكبَّدتُ من نفقات. لقد كلفتني عملية العزاء وحدها مايزيد على ألفي ليرة إضافة إلى ماجاء به أصدقاء المرحوم وبعض الأقارب من أكياس الرز والسكر والقهوة حسب عاداتنا في جيرود. وأتساءل بحرقة: هل وضع أحدهم يدَه على جيبه وسألني - ولو لرفع العتب - "هل أنت بحاجة لشيء؟" تركوني غارقاً ووقفوا يتفرجون، ولعلني لولا إسماعيل كانت جرّتْني الكلاب. هم من حقهم أن يتزوجوا وينعموا بحياتهم وأنت عليك أن تضحّي براتبك وتجازف بمستقبلك؛ تعيل الأسرة وحدك، وتحمل هموم الديون وحدك. ودسّ لي بعضهم أنه مستعد أن ينقذني من ورطتي، أترك له الجمل بما حمل فيتبرَّع متفضِّلاً حتى لا يضحك عليّ أحد أن يشتري المزرعة كاملة مقابل سداد الديون، فانتفض عمي وخرج عن طوره وقال "تفو على هذه النذالة" واحتدّتْ أمي قائلة "لا تردّ على أحد سوى عمك وابن عمك فهم من لحمك ودمك" وكان أبي أوصاني وهو على سرير المرض بكلام يشبه هذا الكلام.

أخيراً بعنا المزرعة كاملة بمبلغ أحد عشر ألفاً - بعضهم زعموا أن المبلغ خمسة عشر ألفاً - اقتطعتُ منها ثلاثة آلاف نفقات الزواج - زعموا أنها خمسة - وضعتها مع أمي على أن أتعاون مع زوجتي لتسديدها، وكان أول من دفعتُ له هو "أبوعزو" كان له في دفتر والدي "مئتين وخمسين ليرة" لكنه أصرّ أنها "أربعمائة وخمسين" ولكثرة ما حلف "بحجه" دفعتها وخرجت من مكتبه كالغارق في اليم يصعد إلى سطح الماء حبيس الأنفاس.

لم يبقَ لنا سوى المنزل تقيم فيه أمي وخالتي وأخي يتابع دراسته في ثانوية "الإصلاح الريفي في جيرود" أزورهم كل أسبوع ترافقني أحياناً زينب، وقد ازداد ارتباطي بها في ذاك التوهّج العاطفي. أيقظنا عمي قبيل الفجر كالعادة وخرجنا من حينا نحو الشارع مسرعين فهاجمنا كلب ينبح متأهباً وكأن الحقد يغلي فيه فالتصقت بي وتمسكت بذراعي ترتجف مذعورة:

- دخيلك.

- لاتخافي.

- يتحفز ليهجم علينا.

- الكلب إن تركته ينبح وتحاشيته لايقترب منك إلا إذا كان مسعوراً.

- مسعور؟

- مصاب بداء الكَلَب.

- مأ أدراك أنه غير مصاب.

- إمشي ولاتخافي. واعلمي أنني لاعب كرة قدم إذا تحرّش بني أسدد بقدمي ركلة صاروخية تحت أذنه فهو إن لم يمتْ يغمى عليه ويتدحرج على الأرض.

لقد عمَّقتْ هذه الحادثة العابرة الرابط بيننا رابط التكافؤ بين إحساس المرأة بالضعف ونشوتها بقوة الرجل واعتداده بنفسه وقدرته على حمايتها، وانساب كل منا بأحلام تلك النشوة مع انسياب الباص باتجاه دمشق.

عائلتنا تفكّ الحزن بعد أسبوع إلا إذا كان الحادث جللاً فقد يمتدّ بحده إلى الأقصى إلى الأربعين. أنا شخصياً فتحت الراديو في غرفتي بعد أسبوع فاندهشتْ رويدة وزوجها، واندهشتْ أكثر عندما رأتني أذهب إلى السينما. فأفهمتها أن الحزن في القلب لا في المظاهر ولم أنتظر أكثر من عشرين يوماً حتى قمت بجولة على بيوت أخواتي وأجبرتهن على فتح الراديو. مرَّ عمي ببيت خزنة فسمع صوت الراديو، طرق الباب وفتحه وصاح مهتاجاً يقرّعهم ويستنكر قلة حيائهم ولم يترك لخزنة وأولادها فرصة للكلام. كان عمي حتى تلك اللحظة الوحيد الذي يأكل قلبه موت أخيه الأصغر وانعكس أساه عليّ خصوصاً وعلى أخي حباً وولعاً ورغبة في أن يرانا قدر ما يستطيع.

في المساء قالت لي زينب إن شاباً مصرياً وقحاً ينتظرها كل يوم عند موقف باص المساكن، يتحرَّش بها، ويطلب منها أن "تفرفشه!" ويتبعها بالباص حتى تترجل عند مشفى المواساة لتلحق بباص المؤسسة. قلت لها لاتخرجي غداً من البيت حتى آتي إليك. وفي الصباح وجدتُها تنتظرني فخرجت معها وأنا متأهب لأيّ شجار "دفاعاً عن نوع جديد من العِرض هو عرض الخطيبة والزوجة لايقل عن المشاعر تجاه الشقيقات" قلت لها:

- إذا اشتبكتُ معه أي نوع من الاشتباك تابعي طريقك واتركيني.

قالت لاهفة محتدة.

- لا. مستحيل أن أتركك وحدك.

- وماذا تفعلين لي؟ تصرخين؟ أنا أرفض هذا. إنك ستكونين عائقاً يازينب.

ووصلنا إلى موقف الباص، وركبنا، وترجلنا ولم ألاحظ شيئاً. سألتها ونحن ننتظر باص المؤسسة:

- هل رأيته؟

- من بعيد رآك فانسلَّ مبتعداً.

قلتُ بغضب واحتداد:

- لماذا لم تدليني عليه؟

ووصل باص المؤسسة وصعدنا ليركب كلٌّ في مكانه. كان يوم الأربعاء، ونهضتُ يوم الخميس 28 أيلول (سبتمبر) 1961 / 18 ربيع الثاني 1381هـ في وقتٍ مبكّر وقررتُ أن أذهب لمرافقتها، وعندما ارتديتُ ثيابي سمعتُ موسيقا عسكرية آتية من بعيد. خرجتُ إلى الطريق فوجدتُ أول الأمر سكوناً وحركة السير متوقفة... وبعض الناس يتجمعون هنا وهناك وهدير الدبابات يملأ أركان الفضاء، وأسئلة مندهشة "ماذا؟" قال أحدهم "انقلاب".

عدتُ إلى البيت فوجدتُ رويدة ومحمد واجمَيْن في الصالون يصغيان إلى الراديو يعلن عن البلاغ الأول، وردَّدَ كلٌّ منهما بهلع "انفصال. انفصال" كان يوماً مشؤوماً قامت فيه الاضرابات في سائر أنحاء سورية تستنكر الانفصال وكان أشرسها في دوما وحلب، وشيئاً فشيئاً ترسخ الانفصال لكن الشعب لم يهدأ والسلطة لم تتوانَ عن زجّ المناوئين في السجون.

أحسسنا أننا فقدنا عضواً من أغلى الأعضاء في أجسامنا، أصابنا بالخلل وصبغ الدنيا باللون الأسود. إن أول وحدة في التارخ الحديث تنهار أمام سمعنا وبصرنا فنتهالك على الإذاعة السورية التي بدت تمثِّل لنا العداوة مجسدة وتترع قلوبنا بالكراهية. وترامينا على صوت العرب و"أحمد سعيد" يشتبك مع أعداء الوحدة. بدا عبد الناصر هذا الرجل الشامخ واقفاً على تلّة رمل، وطفقتْ القضايا العربية وقضايا دول عدم الانحياز تتفسخ.

لم تعد الحياة الطبيعية إلى مجراها إلا في مقتضيات المعيشة وضروراتها وبدأ الشعب السوري ينقسم صراحة وعلناً إلى وحدويين وانفصاليين حتى حزب البعث الذي ساهم المساهمة الأكبر في قيام الوحدة وضحى بنفسه من أجلها انقسم إلى وحدويين وانفصاليين، واتَّسعتْ دائرة الانقسام فشملت أحياناً العائلة الواحدة: بين الأبناء فيما بينهم، أوبين الأب وأبنائه، أوبين الزوج والزوجة، أوبين أبناء العم، وكنتَ ترى عائلة بأكملها انفصالية أو وحدوية. كان الانفصاليون يبدون نشازاً في السياق الشعبي العام كمرتكبي الذنوب، وعندما يعلنون عن أنفسهم يبدون وقحين.

علمنا بإطلاق سراح الشيوعيين من السجون فذهبت إلى جيرود مع محمد بكار نسلِّم على بازيد الذي صار شيوعياً من وراء ظهرنا. وجدناه شبح إنسان متهالك هزيل متوفزّ الأعصاب وثلاث سنوات ونصف قضاها في زنزانة مظلمة تتعقب حركاته ونظراته، وتختلط فرحته وفرحة أهله بذكرياته المؤلمة وحاله القاسية وكانت ذروة فجيعتهم أنه فقد إحدى عينيه. وعندما روى لنا ما لاقى في السجن من أنواع التعذيب غدونا كالهائم في أرض قفر تحيط بها الآفاق الغامضة. وأتساءل أيّ مشكلة في اختلاف آراء الناس، أو تمسك أصحاب الآراء بآرائهم؟ أليست المشكلة الحقيقية أن لا يحترم صاحب الرأي الرأي الآخر؟ وبالتالي أن تفرض السلطة رأيها على الناس، وتقمع من يخالفها على درجات من القسوة قد تبلغ التصفية الجسدية؟ وهذا ما فعلته المخابرات المصرية خلال مرحلة الوحدة وهي سبب من الأسباب الجوهرية التي أدَّتْ إلى الانفصال. وقال بعض رفاقنا الضباط إن سبب انهيار الوحدة هو الأخطاء الفادحة، وقال الشيوعيون هي محاولة سيطرة البورجوازية المصرية على البورجوازية السورية ومحاولة محوها، ورغم هذا لم تنجلِ من أحلامنا تلك الوحدة باعتبارها إنجازاً تاريخياً.

واندمجتُ بمن قرروا وضع الأخطاء وراء الظهور مطالبين بعودة الوحدة كما كانت اندماجاً بالقول والفعل السياسي السري لأن الأمن التابع للانفصاليين كان مستعداً أن يُسْعرَ النار، وفوجئتُ أن أخي فيصل كان يقود مظاهرات الطلاب في جيرود للتنديد بالانفصال وهو لما يتجاوز السادسة عشرة، وأمي كانت ناصرية، وجدتي - أمها - كانت ناصرية أيضاً.

وفيما كانت بعض المجموعات والأحزاب الناصرية التي بدأتْ تتشكل تناضل من أجل أن تعيد الوحدة كما كانت، كان بعضها الآخر يريدها وحدة مدروسة، وكان أبرز الانفصاليين الحزب الشيوعي والأحزاب الإسلامية الذين رفضوها رفضاً قاطعاً وقد عانوا منها ماعانوا.

جلست مع نفسي مساءً أشعر أنني تمزّقت تذكرتُ عدداً من الضباط الذين سُرِّحوا أثناء الوحدة لأسباب مجهولة رغم أنهم من خيرة الضباط كالعقيد يوسف خيري، وكيف تمّ تجميد الضباط السوريين اللامعين إما بتكليفهم بمناصب مدنية هامة أو بنقلهم إلى الجيش الثاني في مصر، أو بتعيين ضابط سوري قائداً لقطعة عسكرية في سورية، وتعيين معاون مصري له، أو بتعيين المصري قائداً وتعيين السوري معاوناً، وفي الحالين يحاول المصري التسلط، وهذا ماحدا ببعض الضباط السوريين أن يتكتلوا ويقوموا بالانقلاب. رغم هذا عُزيتْ هذه التصرفات لعبد الحكيم عامر الذي اعتُقل في سورية ثم أُفرج عنه، وبقيت صورة عبد الناصر ناصعة.

في مطلع تشرين الثاني (نوفمبر) بدأنا الاستعداد للزواج. استأجرتُ شقة في البختيار وقد أصبح الحيُّ مقبولاً للسكنى، على أية حال يستحيل أن تجد شقة اتجاهها جنوبي شرقي وسط العاصمة في بناء حديث مؤلفة من ثلاث غرف وصالون وشرفة واسعة "ظهر كراج" بخمس وثمانين ليرة في الشهر، وجئتُ بأمي وأخي فيصل من جيرود ليسكنا معنا،خصصنا غرفة للضيوف وغرفة للنوم وغرفة لأمي وأخي والصالون للجلوس.عندما زارتنا أم الخطيبة لرؤية الشقة جلسنا في الشرفة فقامت بمبادرات استفزازية وهي تنظر إلى شرفات البيوت تصنف النساء من خلال الثياب المنشورة هذه "شرشوحة" (تلك "شرشوحة" تلمح إلى أنهن من الريف، وأنا أعرف أن العجائز الدمشقيات عندما يذهبن للتسوّق يرتدين ثياباً زرية بغاية استعطاف البائعين. ومن استفزازاتها أنها فرضت علينا ألوان الأثاث وستائر الغرف. حاولت الاستعانة بالخطيبة فقالت الأم منتفضة: "إذا خالفت رأيي غضبت عليها من قلبي" رغم هذا اكتشفتُ من خلال "العشرة" أن بيني وبين الخطيبة نقاط اتفاق هي "المحافظة" والتمسك بالأخلاق، أما نقاط الخلاف فهي أن "المحافظة" عندها تتمثل بالورع وإقامة الصلاة في أوقاتها وإطاعة الأم حتى لاتغضب عليها.

في معمل البطاريات مررنا في طريقنا من جانب قيادة أركان الجيش فأخذ عبد القادر يردِّد تلك الأغنية التي كانت شائعة أثناء الوحدة "عبد الناصر ياجمال يامقدام عروبتنا" وأخذ بعضهم يرددونها معه يستفزون "نبيل" الذي يعمل في المخبر يجلس دائماً مصعراً خده لأنه يحمل إجازة جامعية في العلوم فرفع تقريراً لمدير المعمل يبرئ ذمته!. كان مدير المعمل آنذاك ذا ميول وحدوية فلفت انتباهنا، ووبخ نبيل ولفّ الموضوع، ثم عمل على نقله واستبداله بشاب خلوق دمث من عائلة دمشقية معروفة "برهان" سرعان ما اندمج بنا وصار واحداً منا.

ذات مساء دعانا توفيق إلى العشاء وقدم مائدة عامرة ودارت الكأس بين الشباب وخرجنا بعد منتصف الليل سكارى وأخذنا نتمشى حتى ساحة الحجاز، وفجأة رأينا عبد القادر قد تمكّنتِ منه الخمرة فصعد على درج المحطة، وأطلق صوته على مداه يلقي خطبة يشيد فيها بعبد الناصر ويشتم الانفصاليين، وأخذ بعض العابرين يتجمَّعون في الساحة ويصفقون له. حاولنا أن نثنيه، أن نأخذه إلى بيته وكان يسكن في مكان قريب في بستان الحجر فأبى وظلّ يلقي خطبته التي لايعرف أولها من آخرها سوى الشتائم. فتسللنا عنه مبتعدين وهو يزداد انفعالاً يتخيَّل نفسه زعيماً سياسياً حتى سقط مغمياً عليه.

إن من أراد أن يخطب فتاة فليخطب أهلها جميعاً مهما رأى أنها متميَّزة، ومهما أُغرم بها وغرق في حبها ودرس طباعها لأنه سيكتشف بعد الزواج أنها "بنتُ أهلها" لأن الحياة الزوجية عندما تبدأ ويشترك الزوجان بسرير واحد ومائدة واحدة تتكشَّف أنواع من الخلافات كأنها كانت مخبوأة تحت البساط، خلافات قد تحتدّ وتحمل الفتاة على اللجوء إلى أهلها والأهل ثلاثة أنواع: النوع الأول يحسم الموضوع بكلمة واحدة "نحن لاعلاقة لنا" فتضطر الزوجة إلى البحث عن وسائل للتفاهم مع زوجها. والنوع الثاني يقدم لها النصائح ويبصِّرها بحقائق الحياة وأن الزواج مسؤولية يجب أن تكون جديرة بها. والنوع الثالث يمثِّله قصيرو النظر يتمسكون بشكواها ويثورون ثورة رعناء ضد الزوج ويحرضونها على العصيان لكن هناك نوعاً ثالثاً ملحقاً خارجاً عن السياق، وهو أن يزور "الأهل" ابنتهم ويختلقون مشكلة من تحت الأظافر تقلقل الشراكة الزوجية، وقد تجعلها آيلة للسقوط.

اتفقنا على تحديد موعد الزواج يوم الأربعاء 15/11/1961 وإذا بالسيول الجارفة تجتاح جيرود، وتفتح فيها شوارع جانبية جديدة وتوقع خسائر فادحة، تهدّم البيوت وتبتلع المؤن "الطحين والبرغل والدبس والزبيب" وتسوق المواشي إلى العدم، فألغيتُ "العرس" واكتفيتُ بدعوة بيت عمي وأخواتي، فأقاموا عرساً صغيراً مبتهجين تجلى فيه اثنان: أمي وسعيد يتناوبان الرقص والغناء. أما أهلها فأقاموا لها عرساً تقليدياً في بيتهم، فذهبت أنا والشقيقة الصغرى رويدة وكانت حامل في شهرها الأخير، تركتها تدخل بيتهم وذهبت للانتظار بمجلس الرجال في بيت خالها وإذا بأخيها لأمها غير الشقيق يغمزني أن أخرج، وقدم لي ورقة وقال "اقرأها ووقعها" وهو "سند" أعترف فيه أن الأمتعة الجهازية غرفة الضيوف وغرفة النوم بكامل مفرداتها "غرضاً غرضاً" ملك لزوجتي وهي أمانة عندي أصبتُ بالدهشة وغلتْ أعصابي. سألته:

- ضروري الآن؟

- هذه هي العادة. لاتخرج العروس إلا إذا وقع العريس.

تركته وأخذتُ أختي ومضيت إلى البختيار بالتاكسي المزينة نفسها التي أعددتها لنقلنا بنهاية العرس، ودخلتُ البيت مهتاجاً وجلستُ في الزاوية فتفاجأ الجميع. سألني عمي مستغرباً:

- ماذا جرى؟

- بطَّلت

- بطلت!!!؟

- يريدون أن أوقّع على سند بالأمتعة الجهازية.

- هذا أمر عادي.

- وأثناء الزفاف؟ ويقول أخوها لاتخرج العروس إلا إذا وقعتُ؟

- من يعاشر القط يجب أن يصبر على خرمشته.

وتبعني أخوها لأبيها دياب يهيب بي أن أعود، وألح عليّ عمي، فدخلت بين النساء وجلستُ بجانب العروس ساكناً كامداً، وعندما خرجنا وتقدمنا لنركب بالسيارة فوجئتُ أن أمها تندس إلى جانبها لترافقنا. رأيت الحياة تتجهم وتكفهر منذ الساعات الأولى، وذكرتني الخطوبة التي أفلتْ بقول الشاعر:

دخلنا البيت ولم ألقَ مكاناً أتدثر فيه سوى الحمام خلعت ثيابي وجلستُ أستحم ساعة كاملة وأنا لايستغرق حمامي عادةً أكثر من ربع ساعة. خرجت فألفيتُ أمها لاتزال مرابطة في الصالون، دخلتُ غرفة النوم وجلست مترنحاً وقد عادت بي الذاكرة إلى ليلة زفاف جارنا محمد علي. دخل مع عروسه الغرفة، وإذا بأمها تخبط الباب بين دقيقة وأخرى منادية "عجلوا خلصونا" كانت الدار ملأى بالنساء وكنا نحن الأطفال نلعب بين النساء، ورأينا باب غرفة العروسين ينشقّ وتمتد يدٌ تحمل منديلاً أبيض عليه بقع حمراء اختطفته أم العروس وسمعنا همسات تقول "أخذ وجهها" وملأت الجو زغردة النساء، وأطلق أحمد علي شقيق العريس من مسدسه عدة طلقات في الهواء، وراحت الحماة "شفيقة البيروتية" ترقص بين زفّة النساء ملوِّحة بالمنديل الذي يبرهن على براءة ابنتها وعذريتها.

ظلتْ هذه العادة "عادة استعجال العريس" سائدة في جيرود ثم بدأتْ تتلاشى وكانت تكشف الشباب "العنّين، والفحل " كانت ظاهرة تخلُّف أقرب إلى الحيوانية، وحتى وقت متأخِّر كنت تسمع بين حين وآخر عن فتاة ذبحها أخوها أو أبوها لأنها سلَّمتْ نفسها وهدرتْ عذريتها.

"شفيقة البيروتية" امرأة عجوز جسمها نحيل عيناها زرقاوان ووجهها أبيض عجيني مَن يراها يلاحظ أنها مختلفة عن نساء جيرود. عندما كنتُ في نحو العامين كانتْ مولعةً بي تأخذني إلى دارها تُعنى بتنظيفي وتعلمني كيف آكل بيدي. توفي زوجها ابن خال أبي وترك لها داراً واسعة ومعصرة دبس وابنة وحيدة بارعة الجمال من خوفها عليها زوَّجتها لابن عمها فأقام معهما في الدار. محمد علي شاب يتميَّز بالوسامة والرجولة، وكنت أنا واخوتي نناديه "خالي" وهو الذي علمني الصيد عندما بلغتُ الثانية عشرة. كنت في نحو الثامنة عندما جاءتْ سيارة فخمة فيها تاجر مسيحي لبناني من عائلة معروفة ومعه سيدة وقور في نحو الخمسين تشبهه وتشبه "شفيقة البيروتية" ومعه شاب وشابة أنيقان. لجأ إلى أبي يسأل عن طفلة اختُطفتْ في أوائل القرن العشرين من بيروت خلال إحدى الفتن بين المسلمين والنصارى التي كان يحركها "الطابور العثماني الخامس" وعندما رأوا شفيقة ًُهرعوا إليها مشدوهين يعانقونها ينهنههم البكاء وإذا بهما أخوها وأختها، فيما أخذتْ شفيقة تنظر إليهما بذهول، تعرفا إليها وتأكدا أنها أختهما وحاولا أن يأخذاها فقالت بأسى وتخاذل وعينين دامعتين "ياحسرتي. لم يبقَ في الكرم إلا الحطب" لقد صارتْ أرومة من أرومات جيرود، صارت جدة. فيالها من مسرحية "تراجيدية" شخوصها حقيقيون.

لملمتُ نفسي من سبحات الخيال والتفتّ إلى عروسي التي بدت تتجلى بثيابها البيضاء كالأميرة، سألتها بضيق: "مامعنى أن ترافقك أمك؟" أجهشت بالبكاء. قلت:

- أحلم أن تتخذي موقفاً تنحازين به إليّ حتى لو كنت مخطئاً من وجهة نظرك.

- أليس مجيئي إلى بيتك انحيازاً إليك؟

- أعني عندما أختلف مع أمك؟

- أي خلاف؟ مجيئها معي عادة اجتماعية مألوفة.

قلتُ باستخفاف:

- أهي ضرب من ضروب الحضارة الدمشقية؟

- يالها من ليلة ممتعة.

قرأتُ ذات يوم "إذا أرادا الزوجان أن يعيشا بوئام على المرأة أن تحاول فهم زوجها وعلى الرجل ألا يحاول فهم امرأته" لقد كانت ليلتنا الأولى كاسدة في معظمها وفي الصباح حاولنا نسيان كل شيء لأن النسيان نعمة. واكتشفت أن فترة الخطوبة لم تكن تجربة ليفهم كل منا الآخر، بل كانت حلماً يتجسد في علاقات كلها مداجاة، وحمدتُ تلك العادات البالية التي تحرم على الزوجين ألا يرى أيٌّ منهما الآخر قبل ليلة الزواج ويتفاجأ به وللمفاجأة وقعها اللذيذ. لقد نشأ بيننا منذ أيام الزواج الأولى خلاف سقيم، وبدأ كلٌّ منا يكتشف في الآخر ملامح لم يكن يراها فيه، ولئن كانت تافهة بحسب مقاييس الحياة فمن قال إن مفردات الحياة ليست هامة؟ إنها هي التي تصوغ من الرجل والمرأة كياناً واحداً مستقلاً تصوغ نقاط التلاقي، وتضع نقاط الخلاف في سلة المهملات. فهي مثلاً لاتميل إلى شرب القهوة، وتمتنع عن شرب الشاي منذ بداية المساء، ولا تكاد تشرب خلال اليوم كله أكثر من كأس واحدة وهي لاتزال في بداية عمرها.

ومن حيث لا أشعر ارتكبتُ خطيئتين الأولى دفعني إليها ضرب من الاعتداد الريفي بالنفس، اعتداد كلما حاولتُ أن أكتمه يغلبني على أمري، كانت تستعد لتقديم امتحان الشهادة الثانوية، ورغم أنني كنت أوصلها من المدرسة الليلية إلى البيت يومياً، استفظعتُ أن تتفوّق عليّ ورأيتُني نتيجة خلاف عارض أمزّق بطاقة الامتحان، هي أخذت الشهادة الإعدادية قبلي بعام أي أنه لايحقّ لي أن أتقدم لامتحان الثانوية إلا في العام القادم، كان يمكن أن ننفصل نهائياً ساعتها لكنها كتمت طموحها بمرارة وتحيّزت إليّ.

والخطيئة الثانية أوقعتني هي فيها بدافع حبّ التملك، لأن حب التملك ليس من خصائص الرجل وحده. كانت تنقِّب بين أوراقي فعثرت على أبيات من الشعر الغزلي، وضعتْها في وجهي دليل اتهام، حاولت في البداية أن أسوّف الأمر لكنها سألتني بامتعاض:

- من هذه بديعة؟

- مجرد كلام.

- بل حبٌ جارف.

- نعم هي أول فتاة أحبها في حياتي.

- ومازلتَ تحبها؟

- نعم. لكنها تزوجتْ، وأنا تزوجت وانتهى الأمر.

- أإذا طلَّقها زوجها تتزوجها؟

- نعم.

أحسستُ أن إجابتي فرّغت زواجنا من المضمون وجعلته مجرَّد زواج شكلي وإنما ثبَّتَتْ فيه برميل بارود قابلاً للانفجار في أية لحظة. نختلف كما يختلف الأزواج فأقول لها "اذهبي إلى بيت أهلك" وقبل أن أتمّ كلامي ترفع أحد الشعارين في ردة فعل عصبية "البيت الربَّاني ماخلاني" أو "ألف قلبة ولاغلبة" أو كلاهما معاً وتحمل أمتعتها وتخرج. والحقيقة أن المرأة عندما يهون عليها ترك بيت الزوجية يبدأ الزواج بالتفسخ.

كنا على خلاف وكانت في بيت أهلها فاتصلتْ بي على المكتب قائلة متهالكة موشكة على البكاء:

- أتصلّ بك لأودِّعك أنا سأموت.

- ابتعدي عن هذه الأساليب الابتزازية.

قالت منتحبة محتقنة:

- أنا مصابة بالسرطان.

- بالسرطان!؟

- نعم

- أنا قادم

أخذتُها إلى طبيب جراح، وعند مدخل البناء توقَّفتُ ومدَدْتُ يدي لأصافح الأم وأصالحها فانتفضتْ وأشاحتْ عني مهزوزة رافضة لكنها ظلت في رفقتنا، ولستُ أدري كيف أفسر هذه البادرة؛ ترافقك ولا تكلمك، أهي خفة عقل كخصومة الأطفال؟ قال الطبيب "السرطان لا يُكتشف إلا في التحليل المخبري، وأنا أرى أنها مجرد كتلة شحمية في الثدي " فلم تقتنع. راجعنا طبيباً آخر وآخر والنتيجة نفسها وهي مصرّة أنها مصابة حتى أوشك وسواسها أن يساورني أنا الآخر فأدخلتُها المستشفى العسكري في المزة باعتبارنا تابعين كلانا لمؤسسة عسكرية. كنت آتي إلى المستشفى يومياً بعد أن أخرج من امتحان البكالوريا.

ظلت تنتظر الموت، وانتهت العملية ومازالت تنتظر الموت، وظهرت نتيجة التحليل المخبري تؤكد أنها سليمة ومازالتْ تنتظر الموت، وكأنها تتمارض باحثة عن مصيبة وكانت مصيبتي أنا هي الرسوب في الثانوية لأنه كان من حقي أن أتقدم للامتحان هذا العام. فضاع مني عام كامل أضيف إلى أربعة أعوام ضائعة، أي أنني بالقياس إلى أترابي الذين تابعوا دراستهم بانتظام كان ينبغي أن أحصل على "الليسانس" في مثل هذا العام 1962 لكنها الحياة ومتاعبها، وهكذا تساوينا واحدة بواحدة.

وأخذت متاعب حياتي تزداد وتثقل أسبوعاً بأسبوع وسواءً أكانت سوء اختيار أم "ضربة حظ" فإنها واقع قائم مع زوجة تزعم أنها مريضة وتجعلك حائراً في أمرها لاتستطيع أن تصدق زعمها أو تنفيه، ولستَ قادراً على اعتبارها زوجة أولازوجة ولا صلح بينكما دائماً ولا قطيعة دائمة. أخلاقها عالية وطيبة وبسيطة لكنها مستلَبة تتقرب إلى الله بالصلاة في وقتها وبرضا أمها. جئتُ لها بحديث الرسول (ص) "لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرتُ المرأة أن تسجد لزوجها" وسألتها:

- ألا يعني هذا أن الرسول (ص) يطلب من المرأة أن تطيع زوجها؟

قالت بورع وخشوع:

- حبيبي يارسول الله. ولكن مثلما للزوج مكانته فللأهل مكانتهم.

إنها ازدواجية في الإيمان بالله، وأم مصرة على الاستفزاز ورغم أنها تعرف أنك تبادلها هذه الكراهية وأنك تراها كالكابوس لكنها ليستْ مستعدة أن تطلق سراحك وسراح زوجتك، ولا تعرف سبباً حقيقياً لموقفها هذا سوى أن زينب هي الوحيدة التي تحترمها وتعطيها ماتشاء من راتبها وتذعن لمطالبها بعكس أختيها الأخريين.

ومازالتْ الديون تتراكم عليّ كالصديد فوق الصديد، وتشردٌ في السكنى من غرفة مستأجرة إلى غرفة أخرى. وأهل وأقارب وأصدقاء وزملاء شامتون، وأنت أخيراً متزوج عازب دفعة واحدة "كجلمود صخر حطه السيل من علِ "

ماكنتُ أتصوَّر أن أعيش حياة زوجية تقليدية، العلاقة فيها مع الحماة كعلاقة القطّ بالفأر. كنت أقول الزوجة أمانة في عنق زوجها بما يتمتّع الرجل في مجتمعاتنا الشرقية من قوة مالية واجتماعية وما يفترض فيه من نخوة.

كانت مشكلتي هي "الحلول الوسط" الـ "بين بين" أهلها لاهم دمشقيون ينمتعون بلباقة الدمشقيين وتهذيبهم وتعليم أولادهم على حبّ العمل والاعتماد على النفس منذ الصغر، والحَفَل بالصهر. ولاهم أكراد يتمتعون بنخوة الأكراد وإبائهم. إنهم يستثمرون انتماءهم إلى دمشق بالتشوّف الأقرع، ويأخذون من الأكراد ميزة العناد و"يباس الرأس"

أما زوجتي فلا هي متحضرة تستقبل ضيوفي، ولاهي تقليدية تتقوقع وراء حجاب، ولا هي تنحاز كليّاً لأهلها، ولا تنحاز بحزم إلي.

وأما أنا فلا أعيش معها بسلام متغاضياً عن تدخلات أهلها، ولا أنفصل عنها وأنعم براحة بالي وهدوئي. والحقيقة أن نقطة الضعف عندي أنني أحرقتُ القارب واندفعتُ في حياتي الزوجية وكانت أبرز حلولي الوسط أنني واقف على ساق واحدة بين المواجهة أمامي أو الغرق ورائي، أواجه فأفشل وأجلس على شاطئ البحر ذي الأمواج المتلاطمة بلا قارب فأفشل حتى بتّ أكفر بالحكمة القائلة "خير الأمور أواسطها" وأنا أعاني من السأم الذي تحدث عنه الكاتب الإيطالي اللامع "ألبيرتو مورافيا" يشبّه المصاب بالسأم بالنائم يسجي جسمه بلحاف قصير إذا شدّه إلى صدره انكشف ساقاه، وإذا أنزله إلى ساقيه انكشف صدره.

هنا لا بدّ من الحديث عن القراءة، أولعتُ بالقراءة منذ الطفولة وكانت حياتي تقوم على أساسين القراءة والرياضة. قبل الإعدادية غرقتُ في السير الشعبية، ومنذ الصف السادس انصرفتُ إلى قراءة الأدب بلا منهاج واضح: أدب التراث، والأدب المعاصر، والأدب العالمي القديم والحديث حتى جاءتني ساعة وضعتُ فيها برنامجاً لقراءاتي: قررتُ دراسة الأدب العربي وفق عصوره المعروفة بادئاً بالأدب الجاهلي وانطلقت من نظرية د. طه حسين "في الأدب الجاهلي". وفي الأدب العالمي بدأت بقراءة الإلياذة لهوميروس،كما قررتُ قراءة "الفكر الغربي" بدءاً بالفلسفة الإغريقية من أرسطو وسقراط وأفلاطون ثم انتقلتُ إلى "ديكارت" ونظرية الشكّ المنهجي إلى "أوغوستْ كونت" و"الفلسفة الوضعية" إلى "هيجل" و"فويرباخ" إلى "كارل ماركس" و"الفلسفة المادية" ثم إلى "الفلسفة الوجودية" و"جان بول سارتر" وكانت سعادتي لا تتحقّق إلا بالقراءة والمزيد من الاطلاع. لكن هذا النمط من الحياة حدَّ من خبرتي الاجتماعية حتى أوشكتُ أن أعيش حياة عزلة كاملة تجعلك في عين الآخرين مستهتراً لامبالياً. إن الحياة ومسؤوليات الحياة فرضتْ عليّ محاولة الملائمة بين الأمور النظرية والأمور العملية، محاولة تفتُر وتشتدّ لكنها لاتزيد على أنها محاولة.

جاء العيد فاتفقنا أن يقضي كلٌّ منا العيد عند أهله، وآتي من جيرود صباح اليوم الثالث ونذهب إلى بيتنا. عدت في الموعد المحدَّد لآخذها من بيت أهلها، ولبثتُ أنتظر وعندما خرجت من الباب فوجئتُ بأمها تحمل بعض الأكياس مزمعة أن ترافقنا. مشيتُ كالحافي يطأ الصخور المخرشة.

كنا نسكن في "فيلا" تحضنها ظلال الأشجار الوارفة المزدانة بجميع أنواع الفاكهة وسط بستان من بساتين كفرسوسة الوارفة يسكن في طرفه الآخر أصحابه استأجرتُه بمئة ليرة في الشهر بواسطة أحد الأصدقاء. في الباص وهي جالسة إلى جانبي في المقعد كانت بين يديها بعض الأكياس فأخذ يتسرب منه الماء. سألتها "ماهذا؟" أجابتني الأم من المقعد الخلفي "قطع ثلج من البراد إنه أمر عادي، جيراننا ليس لديهم براد ونحن دائماً نعطيهم الثلج والماء البارد" ورأيتُ كيساً صغيراً آخر "سألتها ماهذا؟" فاختطفته الأم قائلة:

- لحم ضحية. أمر عادي تسكن في بنايتنا عائلة فقيرة وكثيراً ما نقدم لها صحون الطعام وقطع اللحم.

عندها وصلتُ إلى قمة الانفجار لهذه الإهانة المتعمّدة خاصة وأنا أعلم أنهم أفقر وأتعس أسرة في البناية كلها، انهار من رأسي ذاك الحلم الذي كنت أصوغه خلال يومي العيد الأولين أن أعيش مع زوجتي طلقين في حضن الطبيعة الآسرة.

دخلتِ الأم المطبخ وشمَّرتْ عن ساعديها وانهمكت بإعداد الطبخ وانزويتُ بزوجتي في غرفة النوم أوبِّخُها محتجّاً على تهاونها بما اتفقنا عليه من أجل العيد وعلى سكوتها عن تصرفات أمها الاستفزازية التي يبدو أنها تريد أن توصلنا إلى القطيعة أو الطلاق "أما آن لها أن تفطمك؟" ولم تكن عندها فكرة جديدة للدفاع عن نفسها سوى كلام أمها "عنيد، صعب" وعبارة جديدة "شايف حالك" فثرتُ مهتاجاً "أليس عندك سوى ماتقوله أمك""

وفيما صُعقتْ وضاعتْ دخلت الأم متوثِّبة:

- ماذا تفعل ببنتي أيها المتوحِّش؟

- ألا تتركيني أتفاهم مع زوجتي؟ ألا تعتقينا لوجه الله؟ لماذا تقحمين نفسك بيننا؟

انتفضتْ وغادرتِ البيت مهددة متوعّدة. بعد ساعة هدأت أعصابي وأعصاب زوجتي، وحاولنا أن نستعيد ذاك الحلم الهارب، في الأصيل ارتديتُ الثياب اللائقة بالعيد، وجلست أنتظرها على طاولة بين الأشجار، فتقدمتْ نحوي وفاجأتني بثوب الزفاف الأبيض يأتلق كشعاع القمر تحيط نفسها بالزينة وكأنها العروس ليلة زفافها، وبدتْ لي كمن تنتفض من تلك المشاحنات التي أعمتْ قلبينا وهمنا بين الأغصان كعصفورين نلتقط من كل نوع من الثمار بضع حبات، وغدا عالمنا شجياً مرحاً مع هبات النسائم وهمس عصافير الجنة وصفير الشحارير، فطرق الباب. تقدمنا كلانا وفتحنا الباب وإذا بأخويها غير الشقيقين ينجذبان متفاجئين ويتبادلان نظرة استغراب.

جلسا معنا على الطاولة المزدانة بألوان الفاكهة، وأخذ حوار الغمزات يحتدّ بينهما. دياب ينفي شيئاً ما وغالب يصرّ عليه، وفيما ذهبت زينب تعدّ القهوة وجه لي غالب سؤالاً بسيطاً في ظاهره لكنه يمتح باللؤم:

- لماذا فعلت ما فعلتَ بالوالدة؟

- الأحرى أن تجيبني أنت عن هذا السؤول لماذا فعلت بنا الوالدة ما فعلتْ؟

- الوالدة لها مقامها.

- والزوج له مقامه.

وقال بحسم ولؤم:

- يجب أن تأخذ أختي وتعتذران للوالدة.

قلتُ منفعلاً:

- عن أي شيء؟ ومن الذي يجب أن يعتذر من الآخر؟

فحسم دياب النقاش قائلاً:

- مادام هو وزوجته متفقين فلا مسوِّغ لأيّ كلام. قم، قم.

وغادرا البيت لكن هذه الزيارة وضعتْ في قلب زينب غصة جعلتْ ليلتنا معتكرة، وفي الصباح ذهبنا إلى العمل صامتين، لكنها لم تعد في المساء. رحت أتمشى وحدي بين الأشجار وقد كسدت أحلامي، وأقفلت الرومانسية التي أتمتع بها وأنا في حضن الطبيعة على صدري وغدوت كالطائر الحبيس حتى ضبَّتِ العين وخيم ظلام متقاعس وصمت منغِّص وإذا بصوت سيارة تتوقف، والباب يطرق. انجذبتُ في الوهلة الأولى ثم تقدَّمتُ متئداً إخال أنها جاءت. فتحت الباب وإذا بثلاثة يقفون في وجهي: أختها الكبرى، يرافقها ابن خالها ورجل تطفح الغلظة من وجهه وعينيه. قلت بانزعاج "نعم؟" قالت الأخت "نريد أمتعة أختي الجهازية إنها أمانة عندك" وفيما تطامن "ابن الخال" وأشاح بخجل قال الرجل المرافق "تفضَّل دلَّنا أين الأغراض" سألته "من أنت؟" قال "سائق الشاحنة" وأشار إلى شاحنة متوقفة في مكان قريب. قلتُ "انتظروا مكانكم " وتراجعت فوجدت عصا غليظة جذبتها بيدي ورفعتها أهم بإهالتها على رأس السائق فقفز إلى الخلف فهربوا جميعاً. في الصباح اتصلتُ بها على المكتب وقلتُ لها:

- أنت خائنة.

- أعوذ بالله ماهذه التهمة القاتلة؟

- ليست الخيانة علاقات جنسية لكن من تغادر بيتها بلا سبب فهي خائنة.

- اتصلو بي قالوا إن أمي مريضة وحرارتها فوق الأربعين فاضطررت أن أذهب لأراها.

- وأرسلتِ أختك، وابن خالك وسائق وقح حقير ليأخذوا أمتعتك الجهازية.

- أنا؟

- أأضيف لخائنة كذابة ومخادعة؟

فسيطر عليها البكاء، وسيطر عليَّ الحقد؛ الحقد عليها وعلى أهلها وعلى العالم كله على هذه الزيجة المصيبة الآخذة بالاشتعال.