دخلت الدار مثل طائرٍ كان مهاجراً ففرد جناحيه وهبط على واحة خضراء وارفة ودسّ منقاره في صبابة نبع رقراق وكرع حتى ارتوى. حضنتني العائلة أمي التي وجدتُني هائماً في عينيها المنكسرتين من العمق وقد خبا منهما ذاك الألق وذاك الاعتداد بالنفس عندما كانت تحكي لنا حكاية عن بنت أحد الملوك التي تقول لأبيها كلما رأت إنساناً فقيراً أو تعيساً "من امرأته" فغضب الملك وزوّجها لعامل تنظيفات بليد تلفُّه القاذورات. فهمّتْ به وبدأت بتنظيفه، ثم مدّته بحفنة من المال، ودفعتْه للعمل في التجارة والتدرج في جني الأرباح حتى غدا تاجراً متفوقاً وشخصية مرموقة وجار الزمان على الملك وانتُهِبَتْ خزائنُه وتنكس مقامُه حتى أصبح ذليلاً مقهوراً دفعتْ زوجها أن يمدّه بالمال حتى انتعش واستعاد هيبته وجاءته برجل أقبل معتداً كأمير، وقالت "هاهو الرجل الذي زوجتني منه يا أبي"
وأقعتْ خالتي مريم قبالتي تحضنني بنظرة ساهمة حنون، وأقبلتْ عليّ الأختُ الصغرى التي اصبحتْ صبية في السادسة عشرة تلفتُ النظر باستقامة ظهرها واعتدادها بنفسها وبسعي الخطّاب إليها تردّهم أمي بجفاء، وفيصل الذي بلغ الثانية عشرة صبياً شقياً تصبغ الشمس ذروة شعره الكستنائي باللون الأشقر الحائل، يرتدي ثوباً عليه بقع من نثار التراب فتحتُه الجانبية ممزّقة إلى مافوق الركبة. التصقا كلاهما بي كأنهما يخشيان أن أطير، وبدأتُ أشعر كأنني ولدتُ من جديد، وأن كلّ ماحولي جديد حتى دخل أبي لاهفاً فهالتني الغضون على وجهه، ووخزني الألق الذي يخبو في عينيه، وجسمُه الذي غدا جِلداً يكسو عظاماً ماتزال صلبة (كان وزنه قبل بضعة أعوام في حدود /140 - ك غ /) لقد تبدّل رجلاً آخر.
وبدأت الأخبار المنغِّصة تتراشق على رأسي كالحجارة، اضطر أبي أن يبيع نصف مشروع المحرك إلى شريك اقتسم معه "العدّان" وهو موعد "السقاية الدورية" ستة أيام لكل منهما، لكن هذا "البَيْع" لم يكن كافياً لسداد الديون المتراكمة فوضع المصرف الزراعي إشارة "رهن" على سندات التمليك (الطابو) وتغاضى الجابي عن حجز الموسم الذي لم يكن يزيد على المؤونة هذا العام. ووكالة (بيع المحركات) وضعت إشارة "رهن" على حصتنا في المحرك، وضاقت السبل واصطبغت حياة العائلة بلون مأساوي كأننا كنا غافلين عنه، وقلبت لنا ظهر المجن دفعة واحدة مفاجئة، وهكذا أقبل علي الشباب منذ أقبل متجهماً، نكِداً، فاحشاً في تجهمه ونكده، وغاضت طفولتي وما تحمل في طياتها من الأحلام الجميلة في ضباب دخاني متلبِّد وغدت نقطة بحجم رأس الدبوس.
رأيتُ العيون تهفو إليّ كأن مفاتيح الخلاص بيدي، الخلاص من كوابيس شديدة الغموض، وكساد التفكير "بمشاكل الحياة اليومية" التي غدتْ منزلقاً كالصوان الأصم الأملس.
كان حلم أبي الضائع استئناف "العمل التجاري" يقول لي دائماً "أنت نَفَسُك طويل، فيك قدرة على العمل التجاري" ولكن أيةُّ تجارة بلا "رأسمال"؟ وأيّ رأسمال مخبّأ في هذه التعاسة المستحكمة؟
الفلاحون يبنون آمالهم على أولادهم حتى إذا أدركهم العجز احتلوا مواقعهم، لتستمر الحياة، أو ينتظرون منهم ماينتظرون من بقرة "معشرة" تهبهم ولدها وتسقيهم الحليب ويبيعون الفائض لتحقيق معاشهم اليومي. إنهم يفرحون إذا أنجبت زوجاتهم "الذكر" بقدر مايفرحون إذا أنجبت حيواناتهم "الأنثى" وأنا لم يكن عندي بصيص أمل سوى "نتيجة المسابقة" لأني لستُ مهيَّّئاً للعمل الزراعي، ولايرى أهلي فيّ بارقة أمل.
أخذ الأهل والأصدقاء يتواردون عليّ يهنئونني بالسلامة فلزمت الدار لا أبرحها أسأل نفسي إذا عنّ السؤال "إلى أين؟" ماذا يفيدني أن أخرج من بيتٍ وأدخل في آخر، وأن أتسكّع في الشوارع؟ لاسباحة، لارياضة، لاينبوع أدبي. وكفاني أن أغرق في حضن العائلة، أمي مازالت تقارع "ماكينة الخياط" بصمت، ومازالتْ قادرة على رفع معنويات الجميع ببراعة رغم كلِّ همومها.
جلسنا نشرب "المتة" تحت شجرة الرمان ومعنا أبي الذي لايطيقها، يدخن الأركيلة ويرشّ ابتسامة عزيز القوم الذي يطأ الذل بقدمه، وطُرق الباب فصاح أبي "تفضل" وإذا بساعي البريد يحمل لي "مغلَّفاً رسمياً" وقّعني على دفتره وانصرف.
فضضتُ المغلف فتعلقتْ به العيون وأخرجتُ الرسالة فقرأتها بعيني قلبي وشعرتُ أنها تصبُّ عليَّ ماء منعشاً بعث الرجفة في أعصابي. سألوني "ماذا" حركتُ يديّ حركة عصفور يهم بالتحليق وقلت "نجحت بالمسابقة وعليّ أن ألتحق بالعمل خلال خمسة عشر يوماً أو أُعَدُّ مستنكفاً " بُهِتَ الجميع وبادر أبي قائلاً بعفوية واستياء "لا. لاتذهب" وتلألأت على العيون فرحة مشوبة بانقباض أن هذا يعني ابتعادي عنهم من جديد ولمّا أكد أعود بعد. وهرعت إليّ رويدة وفيصل تلقائيّاً والتصقا بي يعبِّران بعفوية عن مشاعر الجميع، قلت باعتداد "نجحتُ بذراعي" وسيكون راتبي مئة وتسعين ليرة آخر كل شهر، لكنّ هذا الاعتداد وهذا الكسب الذي يدركه أهلي، ويدركون أنه يعني معيشة أسرة بكاملها وأنه سيرأب الصدع.. كان مثل الخسارة. إن تقدم أمي وأبي في السن يجعل هفوة كلٍّ منهما القصوى أن أظلّ على مرأى عيونهما مع الفقر والأمل خيراً من البعد مع المكاسب والانقباض. لكنهما كتما الغُصّة واستسلما لإلحاحي ووعدي القاطع أن أزورهما في جميع العطل وكان الوداع صامتاً باهتاً وقبل أن أخرج تمسكتْ رويدة بيدي تسألني:
- مازالتْ عندك كتب الكفاءة؟
- لماذا؟
- سأتقدم للامتحان هذا العام.
- هي بين كتبي. خذيها.
ذهبت إلى دمشق أحمل فراشاً ولحافاً وبضعة أواني للطبخ، وبضع ليرات من الوالدة. وقادني دلال يرتدي قمبازاً أبيض ويعتمر طربوشاً أحمر له ذؤابة سوداء نحو القسم المفتوح من مقبرة الدحداح التي تتداخل مع الطريق الرئيس المؤدي إلى شارع بغداد، وانعطف بي إلى حي "الذهبية" ذي الأزقة الضيقة المتداخلة الملأى بالقاذورات وبقايا المياه الملوثة، ثم إلى بيت بابه مخلّع لا ينطبق إلا موارَباً قفله صدئ مهترئ، نادى "ياالله" ونحن داخلان، وصعد بي بضع درجات متآكلة إلى غرفة تتحدر أرضها بحيث لا تستقرّ عليها آنية، بابها هي الأخرى يُواربُ ولا يقفل، وليس له مفتاح قائلاً "اطمئن البيتُ في أمان وليس فيه سواك، وسوى عائلة من أبٍ وأم وبنت صبية ومدّ يده فأعطيته عشرين ليرة أجرة الشهر وليرة مقابل جهوده في السمسرة.
وضعت فراشي وأشيائي ووقفتُ أستعدّ نفسياً للاتحاق بعملي "يالها من طريق طويلة لاشكّ أن خطواتها الأولى ستكون متعثِّرة" وهبطتُ الدرج وإذا بأم رعد قادمة من باب في الزاوية مشمرة عن ساعديها وقالتْ بترحاب ومودة "الحمد لله على السلامة أنا سعيدة جداً أنك أنت جارنا الجديد، أنت أهلك من أكابر جيرود، وتابعت بإلحاح "تفضل" حاولتُ الاعتذار فأصرّت "كاس شاي فقط" وأدخلتني غرفة ليس لي فيها سوى بساط صوفي حائل اللون، ومَدْرج من اللباد وأنواع من الزينة الساذجة وخرجتْ، وإذا بفتاة ترتدي لباساً جيرودياً تقليدياً وتتميَّز بجمال ريفي عفوي مع بعض التزويقات التي تقتضيها سكنى المدينة. قدّمتْ لي كأساً من الشاي مبتسمة منطلقة على غير عادة قريناتها في جيرود قائلة:
- تفضّل أستاذ أهلاً وسهلاً بك.
- شكراً.
- مبروكة الوظيفة.
- بارك الله فيك. ما اسمك؟
- موضي بنت أبو رعد أخي رعد كان معك في المدرسة. كم يعطونك في الشهر؟
- مئتا ليرة.
- يخزي العين. ماشاء الله.
وسرحت في حلم وكأنها شعرتْ أن المئتي ليرة قادمة إلى جيبها. سألتها:
- ألم تدخلي المدرسة موضي؟
- ولكني تركتها في الصف الخامس.
ودخلت أم رعد معقِّبة متباهية "وهي الآن تتعلم التطريز، ليتنا كنا في جيرود كانت تعلمت عند أمك، أمك أذكى النساء في جيرود، طمنّي كيف حالها؟ "
رمتْني موضي بنظرة منغومة وأنا أتحرك للخروج وقالت "مع السلامة أتمنى لك التوفيق" كان ذاك اللقاء وأنا تارك أهلي منقبض مثلَ جرعة ماء. أحسستُ أن موضي هبطتْ عليّ كما يهبط الغرّيد على فنن، وتذكّرتُ بيت قيس بن الملوِّح:
في مديرية المؤسسة في الهامة عرفتُ أنهم لا يحتاجون على فخامة تلك المسابقة إلا إلى اثنين حالياً وأنني حصلت على الدرجة الثانية وقرار تعييني هو ضارب آلة كاتبة في معمل الطاريات في يعفور. ركبت في إحدى سيارات المعمل وعندما انعطفت من طريق بيروت إلى ذاك الطريق الذي عملتُ فيه أثناء إنشائه أحسستُ أن للأمكنة ألفة تنهَّدتُ قسرياً وتذكرتُ راجحة وتلك الأحلام المشبوبة التي ترسّبتْ في قعر الذاكرة وراجحة ذكرتني بموضي وموضي ذكرتني أنني الآن في دمشق وأن بديعة في دمشق وإذا حضر الماء بطل التيمّم.
قابلت المقدم أحمد مدير المعمل وهو رجل وسيم قريب من القلب متواضع صارم بمودة خبير في عمله. سألني بعض الأسئلة العامة والشخصية ثم قال:
- عندك خبرة بالأعمال المكتبية؟
- نعم.
- هل أنت قادر أن تستلم "القلم" وحدك؟ حجم العمل ليس كبيراً، لكنك ستقوم بعمل ثلاثة موظفين دفعة واحدة: رئيس قلم، ومسجّل بريد، بالإضافة إلى الضرب على الآلة الكاتبة؟
- مستعد.
وسلَّمني المكتب بطاولاته الثلاث. عندها شعرتُ بقيمة الدروس التي تلقَّيتُها في العسكرية ومدى تأثيرها على بناء مستقبلي، صحيح أن العسكرية كانت وقتاً مستقطعاً من مسيرة حياتي ومسيرة حياة كلّ شاب لكنها كانت واجباً لابد منه قمت به في حينه وأزحته من طريقي وأنا في بداية حياتي، لهذا كان تفضيلي العمل في مؤسسة معامل الدفاع على فرص متاحة أخرى أن فيها عدة ميِّزات: منها أنها تابعة لوزارة الدفاع، والعاملون في وزارة الدفاع لايُستدعون إلى الاحتياط ومنها أن صبغتها العامة "مدنية" باعتبار طبيعتها "الفنية والإنتاجية" حتى إن معظم ضباطها من أصحاب الاختصاص والخبرات يحصلون على رتبة الملازم الأول منذ انتسابهم إلى الجيش، ويخضعون لدورة عسكرية لاتزيد على خمسة عشر يوماً كالمقدم أحمد مدير معملنا، على عكس مكاتب وزارة الدفاع ومؤسساتها الأخرى التي قد تجد فيها "رقيباً" لا يحمل سوى الشهادة الابتدائية رئيساً لمكتب فيه موظفون من حملة البكالوريا أو طلاباً في الجامعة. ومن أهم ميزاتها عندي أنها إرهاص لمتابعة دراستي الثانوية والجامعية لأنها لن تكون بحال هدفي الأخير. إن العمل "أيّ عمل" يشعر الإنسان بأهميته لكن متعتي هنا أن أبدأ حياتي الوظيفية بمنصب "رئيس قلم".
عند نهاية الدوام انضممت إلى الزملاء وركبنا في سيارة (نصف باص) سائقها "أبو زيد" ينتفخ وراء المقود بشنبيه المعقوفين يرى الموظفين أرقاماً. قال لي عدنان وهو يعمل في "مكتب المحاسبة" عندما ترجلنا في موقف الأزبكية في شارع بغداد "حتى لو رشاه أحدٌ بسندويشة يبتلعها ويدسّها في معدة لا تعرف الشبع، وينسى صاحبها وهو مايزال يزدردها. أبو زيد من حي الميدان حيِّ المقدم أحمد مدير المعمل حتى المقدم نفسه لم ينج من تسلّطه، يذهبُ في الصباح المبكر يومياً إلى مزرعة والده ويأخذ نصيباً من الحليب والبيض وما تطالُ يداه" وقبل أن أودع عدنان قال لي "احذر أن تتأخّر عن السادسة والنصف صباحاً أبو زيد لايعرف أباه".
بعد الظهر أسعى إلى "مئذنة الشحم" عبر حي "العمارة" أطوف ببيت بديعة. صحيح أنني حقَّقتُ خطوة انتصار ولكن هب أن أهلها وافقوا وتزوَّجتُها كيف لي أن أوفّق بين إعالة أهلي وفتح بيت الزوجية؟ ورغم أن التفكير ببديعة يبدو حلماً مهترئاً لكنني لاأملك سواه ولاأستطيع أن أعيش بلا حلم.
هربتُ من هذه الأفكار المداهمة لحضور فيلم سينمائي وعدتُ إلى البيت في الغسق فوجدتُ غرفتي نظيفة مرتّبة، وأحسستُ بأنفاس موضي في أذنيّ حُلُماً قدح زناده رؤية شبحها في الظلام تنتظرني على شباك غرفتها. أخوها رعد كان زميلي في الابتدائية وكان أزعر طائشاً حصل على الشهادة الابتدائية بعد أن راوح في كل صفٍ ثم تطوَّع في الجيش.. وانصرفتُ إلى القراءة ومحاولة الكتابة.
وفيما استيقظت في الصباح المبكر وأخذتُ أتهيَّأ للخروج جاءتني موضي بالشاي وحيَّتْني تحية صباح ناعمة حالمة. خرجت من "الذهبية" فطالعتني مقبرة الدحداح بقبورها المتآكلة وما تلفّ من عظام اختلطتْ بالتراب، ورأيتُ حفار القبور منهمكاً بمعوله يستعد لاستقبال ضيف جديد. الناس يولدون كل يوم ويموتون سواءً أتشاءمنا أم تفاءلنا؟ حَثَثْتُ الخطا إلى موقف الأزبكية، ومنها إلى طريق يعفور.
مساء الخميس زرتُ أهلي فبدوتُ فيهم كالزنيم أطفو على نظراتهم لأنني لم أجنِ بعدُ أيةَ ثمرة من الوظيفة سوى تحقيق الذات والتطلُّع إلى المستقبل وجيبي مايزال فارغاً، وبين هذا وهذا صدع يجب أن يُرأب لامحالة. وكالعادة في جيرود سعى الأصدقاء يباركون لي بالوظيفة وقد التحقتُ بركب بعضهم، وتقدمتُ على آخرين بمنصب "رئيس قلم" الناس جميعاً يحبون المناصب والمكاسب.
في الساعة الرابعة يوم السبت قبل أذان الفجر ناداني عمي من فوق الجدار حتى تأكَّد أنني استيقظت، تذكرتُ نصيحة "أبو زياد" عن أهمية التقيُّد بالدوام فتهيَّأتُ وأسرعتُ إلى الشارع واقتحمتُ الباص بين الزحام حتى عثرتُ على كرسي. عليَّ أن أصل إلى موقف "الأزبكية" في الموعد المحدد تحت رحمة المواصلات التي زُجِجتُ بها مع أولئك الساعين إلى تأمين المعيشة موظفين وعمالاً في دمشق. عمي عنده إحساس بالزمن في الليل والنهار عجيب ذكرني عندما كنا نفطر معه في البرية خلال بعض أيام رمضان، نبسط المائدة وننتظر الأذان يقول فجأة "افطروا" ذكرني بالمزرعة والسباحة والصيد، جعل ذكريات الطفولة والصبا مثل أنشودة رومانسية تتوهج وتخبو مع مرور الزمن لكنها كأمارات الوجه لاتنمحي أبداً.
وصلتُ إلى موقف "الأزبكية" فانضم إليّ عدنان وخلال لحظات وصل "أبو زيد" فبادرني وأنا أصعد إلى مقعدي:
- ماذا أحضرتَ لنا من الضيعة؟
- هذه المرة لاشيء.
- إياك أن تنسى في المرة القادمة.
وهكذا تشكل عفوياً سياق حياتي الجديدة كالولادة والموت، كاليأس والأمل لكن جيبي فرغ تماماً رغم أن مصروفي الشخصي هو في الحدود الدنيا، لكن هذه الحدود الدنيا تحدَّرتْ إلى ما تحت الصفر فصار الحلم القائم رغيفين للغداء ورغيفاً للعشاء وقليلاً من "الجبن" أو "المسبَّحة أو الفلافل" وكأسين من الشاي تقدمهما لي موضي كل صباح وكل مساء.
جلستُ في مكتبي حائراً فضجرتُ وسعيتُ إلى مكتب "المحاسبة" رحب بي الجميع وعلى الأخص ضابط المحاسبة "توفيق" وهو مساعد أول متقاعد في حدود الخمسين من العمر وكما يُقال "إن القلوب قد تتلاقى أو تتنافر" شعرتُ من الوهلة الأولى بصلة روحية مع هذا الرجل فسألته بالكثير من الخجل والارتباك عن "سلفة مالية" أردّها آخر الشهر فأعطاني بطيبة نفس خمسين ليرة بدتْ لي كأول حبّة مشمش تنضج على أمها. تمسكتُ بها خشيةَ أن أبدِّدها وكأنها ثروة طائلة تقاسمتها يوم الخميس مع أمي وأقلعتُ عن حضور السينما وتفرَّغت للقراءة.
لم تكن حياتي أقلَّ شأناً من حياة زملائي الموظفين من أبناء جيرود، نشرب الشاي يومياً في مقهى (الكراج) وكنا جميعنا نسعى السعي الحثيث وراء لقمة العيش نتقاسمها مع أهلنا وجميعنا نتابع الدراسة؛ البكالوريا (الأدبي) فالجامعة، وكنتُ أختلف عن معظمهم أنه لايحقُّ لي أن أقدم البكالوريا إلا بعد عامين، وأنني لا أشترك بالدورات المسائية لأنني واثق من نفسي.
في مكتبي أبدأ بالعمل الجاد منذ الصباح، أنجزتُ خطة لتصنيف البريد العام، وخطة لتصنيف بريد الشركات الأجنبية فأُعجب بها المقدم. قال لي:
- سأمدُّك بموظَّفٍ جديد، ماذا تريد أن يكون؟
- ضارب آلة كاتبة.
بعد أيام عُيِّن "محمود" ضارب آلة كاتبة بصفة "عامل عادي" أي براتب شهري (150) ليرة وهو فوق الخامسة والثلاثين ينتمي إلى عائلة حلبية معروفة أطرافه قصيرة وجسمه متماسك مثل كرة (الركبي) يحلق ذقنه يومياً ويرتدي "طقماً" له "صدرية" ويربط عنقه القصير بربطة فاخرة فيبدوا أنيقاً أناقة "مصنوعة" على تفرّد شكله. سرعان ما انتشرتْ أخباره همساً منذ وصوله أنه فشل في الدراسة، وأن أهل زوجته من عائلة معروفة ربطوه بها لأنها عانس تكبره سناً، وأنهم اشتروا لها بيتاً محترماً في حيّ المزرعة وأن عنده أربعة أولاد. هذا شأن مجتمعنا: ما أسرع ما تصاغ الملفّات الشخصية.
عاملتُه بجدية فاستجاب وأخذ يراقب أسناني، قال لي "أسنانك بحاجة إلى تنظيف" فانجذبْتُ أول الأمر وعدَدْتُ ملاحظته تطاولاً، وإذا به يتبرّع بتنظيفها! دعاني إلى بيته ففوجئتُ أنه خصص إحدى الغرف "عيادة طبيب أسنان!" أجلسني على الكرسي وأشهر "مسباره" وأخذ يحفر بين أسناني ويستخرج ذرات متماسكة. قال لي إنه تدرّب على طبّ الأسنان وراح يمارس المهنة في الخفاء "بلا شهادة" وأنّ عنده زبائن دائمين فهمت من بين فجوات كلامه أن معظهم من أوساط عمالية يعالجهم بأجور أقل من نصف أجور الأطباء.
أثار فضولي حالُ هذا الرجل الإشكالي المتعدِّد المجبول من طينةٍ مزيجٍ من ركام الأعلَيْن والأدنَيْن، يبني حياته متقوقِعاً على نفسه منسجماً معها واثقاً بها ينفذ في الآخرين شداً ورخياً بحسب وضع كلِّ منهم الشخصي وبوجه من وجوهه الملونة بقدرة الحرباء وتعدِّد ألوانها، فتحار كيف أنه ذكي غبي خلوق وصولي دفعة واحدة.
وبدأتْ دمشق تتكشف عن جوانب أخرى من أسرارها. إنها ليست "جسر تورا" ومزّ القصب، وحيّ العمارة، وكراج جيرود، و"بين الحواصل" والمناخلية والزرابلية والعصرونية وسوق الهال وساحة "المرجة" إنها ملفوفة بالضباب الذي لا ينقشع عن جوانبها الكثيرة المتعدِّدة إلا لمن يتاح له أن يعيشها تجربة في العمق وينعم النظر ويتأمل وثابرتُ على التمسك بمشروعي الأدبي المخلخل وبعالمي الخاص عالم الاطلاع والنَّهم إلى المعرفة، وأخذتُ أغرق في قراءة "المجلة العسكرية" وما أتيح لي من كتب عن "الحرب النفسية" و"الاستيراتيجية العسكرية" التي بدأتْ تروج أيام الوحدة وكأنني تضخَّمتُ بعد خدمتي العسكرية من رتبة "مجند" إلى رتبة "لواء" حفزتني تلك القراءات أن ألجأ إلى كتب التاريخ مستعيناً بالمكتبة الظاهرية التي أشبعت نهمي. لفتت نظري وأنا أقرأ التاريخ الإسلامي حياة "طليحة بن خويلد الأسدي" كيف ادعى النبوة وأن اسم ملاكه "ذو النون" وسار وراءه قومُه بنو أسد، وبنو فزارة وفارسها "عُيَيْنة بن حصن" حتى داهمه خالد بن الوليد وانكشف أمره ففال "ياقوم من شاء أن يفعل ما أفعل فليفعل" وأردف زوجته وراءه وولى هارباً على حصانه. وكيف شارك في معركة القادسية على عهد عمر بن الخطاب بعد أن سُمح للمرتدين الذي حسُنَ إسلامهم أن يشاركوا فيها لأنها كانت مصيرية، وكيف أبلى بلاء حسناً. أدهشني "طليحة" وأن "الأنبياء الكذابين" ليسوا أغبياء" كما صورتهم "الدراما المصرية" فكتبتُ مقالاً عنه بعنوان "نبي كذاب" وجلستُ وراء مكتبي أراجعه لأرسله إلى المجلة العسكرية، والغريب أن ثمة ناموساً يشمل جميع من يحاولون بناء أنفسهم ليصبحوا كتاباً أن يبدأوا بالتنظير، وكأنهم يتربَّعون فوق القمة ويطلّون من علُ ثم مايلبثون أن يروا أنفسهم يتحدّرون إلى الحضيض ليعاودوا الصعود والشقاء من جديد خطوة خطوة.
كنتُ سارحاً في تلك الخيالات الآسرة خيالات فجر التاريخ الإسلامي وإذا بي أرى المقدم أحمد يقف بجانبي يحاول قراءة ما أكتب. سألني بدهشة:
- أنت كتبت هذا المقال؟
- نعم.
- عندك كتابات أخرى؟
- نعم.
- هل أستطيع الاطلاع عل مقالك؟
- تفضل.
أخذه ومضى إلى مكتبه "المجاور" ثم استدعاني بعد دقائق وقال لي "تفضل" فجلست على حياء. قال "لفت نظري أنك دائماً شارد محبٌّ للعزلة وهذه الصفات للوهلة الأولى تبدوكصفات الحشاشين أو المرضى النفسيين.. أو المبدعين، وكنت أستبعد هذه الاحتمالات كلها حائراً في أمورها السيئة حتى قرأتُ مقالتك فأدركتُ الحقيقة. إن مقالتك طريفةٌ وجيدة ولافتة للنظر وأسلوبك سلس، لكنني اكتشفت عندك خطيئة نحوية واحدة" أشار إليها فعزز بموقفه ثقتي بنفسي، وحفزني أن أذهب إلى استعلامات "الإدارة السياسية" في الصالحية وأسلَّمهم مغلفاً موجهاً إلى رئيس تحرير المجلة العسكرية.
بعد شهر ونيف اشتريتُ المجلة العسكرية ففوجئت بمقالي منشوراً فيها، خبأتها على استحياء حتى لا أبدوا أمام الآخرين أنني أتباهى بها، ثم قيل لي بدهشة "هل أنت نفسك كاتب المقال المنشور في المجلةالعسكرية؟ " وقيل لي "هل أعطوك تعويضاً؟"
دخلتُ على رئيس تحرير المجلة العقيد المتقاعد "نخلة كلاس" وطلبت بارتباك وخجل مكافأة المقال. قال لي بلطف:
- هذا موضوع مالي والمحاسب لا يسلّم الاستكتاب إلا إلى كاتب المقال بالذات.
- أنا كاتب المقال.
تفاجأ وتفاجأ معه ضيفٌ كهل كان يجلس عنده، وقال مرحباً متهلِّلاً "تقضل إجلس" وطلب لي فنجان قهوة وعرَّفني إلى ضيفه "العقيد العراقي المتقاعد مفلح علي" وهو كاتب استيراتيجي فوجهتُ له بعض الأسئلة عن إحدى مقالاته وناقشته فيها.
وضعتُ المبلغ في جيبي "خمس وثلاثون ليرة سورية" واشتريت بنطالاً وقميصاً وحذاء من سوق "الخجا" واشتريتُ لموضي قطعة قماش لونها "عنبي" من "السوق الطويل" وكيلو "حلويات مشكلة" من دكانة "أبو حرب" من "باب البريد" وعندما قدمتُها لها تفاجأت وسمعتُ صوت لهاثها. قلتُ لها "هذه حلاوة المقال" فرنتْ إليّ ذاهلة كأنها لاتصدق عينيها، وقدمتُ لها المجلة وفتحتُ على مقالتي وقلتُ "انظري هذه مقالتي" فنظرتْ إلى اسمي مأخوذة، وخطفت المجلة من يدي وضمتها إلى صدرها حالمة وقالت "يخزي العين" ثم تمالكت نفسها وقالت:
- هل تسمح لي بقراءتها؟
- خذيها.
خرجت تغلي غلياناً وجعلتني أراجع حياتي تتنازعني فكرة الزواج كأنني إن لم أتزوج الآن كأنني فاتني القطار. بديعة؟ ما الفائدة من حبٍّ ضائع؟ حتى لو لم يكن ضائعاً فهل أثق أنني قادر أن أمسكه بيدي؟ أما موضي فإنها ترى أن هذه الغرفة الممسوخة قصراً منيفاً. إن موضي كسبيكة الذهب لا تحتاج إلا إلى إعادة صياغة، ولمَ لاتكون موضي "ملهمتي" فأتجلى بالكتابة وأنطلق؟ يجب أن أتزوجها إذا أردتُ أن أكون واقعياً، ولكن هل إذا اتخذتُ هذا القرار يرضى أهلي أن أتزوّج ابنة أبي رعد؟ هذا أمرٌ آخر منوط بقناعتي الشخصية النهائية. وتشجَّعتُ أن أعود إلى كتابة روايتي "الثانية" عن تصدي صلاح الدين الأيوبي "للفرنجة القادمين من أوروبا" أثناء الحروب الصليبية وأجعل أبطالها "شخوصاً عاديين" متأثِّراً بالطروح الاشتراكية التي ترى أن العمال هم "صانعوا الحياة الحقيقيون"
كتبتُ روايتي الأولى قبل العسكرية إبان خلافي مع أبي عن شاب يضطهده أبوه ويضطهد أمه ثم عملتُ بنصيحة طه حسين "حاولْ الكتابة، واكتبْ وأحرقْ وكن صارماً مع نفسك" فجعلتُها وقوداً للتنور، وأقنعني نشر مقالتي أن أقف على النقيض من رأي الجاحظ الذي أراه أهمَّ كاتب عربي، وأرى كتابه "البيان والتبيين" من أهم كتب التراث، وأعترف أنه جعلني أعيد "تربية نفسي" بنفسي فرفع سويتي الأدبية والخلقية ينصح الجاحظ للكاتب المبتدئ أن يكتب وينتحل اسم غيره حتى إذا راج بين الناس نسب ما يكتب إلى نفسه، واعترفَ الجاحظ أنه كان في بداياته ينسب ما يكتب إلى ابن المقفع الذي قال عنه "أدبه أكبر من عقله" فدخلتْ موضي تبسط قطعة القماش على جسمها وقد توهَّج خداها وغَزِلتْ عيناها كأنها تقول لي "مارأيك؟" فارتبكتُ أنا الآخر فقالت بصوتٍ راعش مهموس "شكراً" وهربتْ وفي المعمل ارتفعت قيمتي المعنوية عند المقدم أحمد على أنني صاحب "مشروع أدبي ثقافي" لا أتوقَّع أن أحداً من زملاء العمل "يقيمه من أرضه".
في الصباح طالعتني أم رعد بملامح تعني رفع الكلفة، وتعني الإحساس بصلة من نوع جديد كصلة القرابة، وموضي ترنو إليَّ من خلفها تغسل الهواء بيديها الجميلتين وسألتني:
- أين تأكل غداءك وعشاءك ياولدي؟
- في المطاعم في أي مكان.
- ياعيب الشوم، ونحن ماذا نفعل؟ هل تريد أن أعدّ لك غداءك كل يوم. أنا أكلي طيب.
أخرجتُ من جيبي ليرة وقدمتها لها "تفضلي" فأمسكتْها بأصابع خُيِّل لي أنها راجفة، وقالت:
- هذا كثير.
- دعيها على الحساب.
- ماذا تريد أن تأكل؟
- أيّ شيء تختارينه.
وحتى لا أتأخر على "أبو زيد" اندفعتُ إلى الطريق فرأيتُ امرأة تكنس باب بيتها واضعة على رأسها منشفة "بشكير" ساقاها مكشوفان كعصا المجرفة وما إن رأتني حتى رفعت عقيرتها غاضبة مندِّدة:
- ألا تقول يالله، دستور، تسعل؟
- أنا لستُ داخلاً إلى بيتك، نحن في الطريق.
واندفعتْ تقرِّعني مهتاجة:
- هذه حارة محترمة ياحَوَش يا ابن الحوَش. تتهافتون إلى الشام من القرى الملآى بالقذارة.
فهربتُ من سلاطتها، وقبل أن أصل إلى نهاية الحارة سمعتُ أم رعد وموضي تتصديان لها وطرقتْ مسامعي كلمات سوقية نابية، ولمحتُ وأنا أنعطف مجموعة من النساء يشتبكن في صراع أظنّ أنه يومي خاصة وأن سكان الحارة معظمهم من أبناء الريف. وقرَّرتُ ألا أعود إلى تلك الحارة، إنها ليستْ عالمي.
عدتُ من العمل إلى حارة "العقيبة" وطرقتُ باب أحمد صمادي أحد رفاقي في العسكرية ففتح الباب طفل سألته "أحمد موجود؟" وإذا بأحمد يخرج لاهفاً، فوجئ بي وعانقني وعاتبني أنني لا أزوره، وقال لي:
- لحظة من فضلك حتى آخذ لك طريق.
- لا أحمد لا. جئت أستغيث بك.
- فنجان قهوة.
- أريد الآن غرفة في حيّ مقبول.
- أتسكن بالسبع طوالع؟
- نعم.
- حظك جيّد، أخي الكبير أبوزهير عنده بيت يؤجر قسمه الأعلى. اليوم صباحاً علمتُ بالمصادفة أن عنده غرفة فارغة. انتظر حتى أرتدي ثيابي.
في الطريق استغرب أحمد أن أسكن في الذهبية، وعاتبني أنني نجحتُ في مسابقة مؤسسة معامل الدفاع والتحقتُ بالوظيفة دون أن أخبره، ورنَّ جرس الباب فأطلّ أبوزهير مرحِّباً. بادره أحمد "هل أجرتَ الغرفة أخي؟" قال "لا" وصعد بنا من باب جانبي إلى فسحة صغيرة فيها غرفتان متقابلتان، ومطبخ مشترك، وفتح باب الغرفة "هذه هي الغرفة. نظيفة جاهزة للسكنى" سألني أحمد "هل أعجبتك؟ قلت "نعم كم اجرتها؟" قال أحمد لأخيه مشيراً إليّ" صديق عزيز جداً، أرجو أن تراعيه أخي" قال أبو زهير "بخمس وعشرين ليرة" قلتُ "موافق" واستلمتُ المفتاح وحثَثْتُ الخطا إلى "كراج جيرود" سألتُ أحمد كريزان:
- هل تعرف البيت الذي يسكن فيه أبو رعد في الذهبية؟
- نعم أعرفه.
- اذهبْ حالاً وأحضر لي أمتعتي فرشة ولحاف وبعض الأغراض.
- لا أستطيع أن أحملها وحدي.
- خذ حماراً.
- ليس عندي حمار.
- يا أحمد. خذ عتالاً معه حمار.
- هل تدفع اجرتين؟
- أدفع ثلاثاً، المهمّ أن تسرع وأنا أنتظرك هنا.
ذهب أحمد وجلستُ إلى أحدى الطاولات. أحمد لا تعرفه أعمى أو أعشى، حدقتا عينيه بيضاوان فيهما نقاط سوداء، مرة جاء محمد خضرة من جيرود ومعه سلة عنب، قال لأحمد: "احملها واتبعني" وعندما وصل إلى باب البيت الذي يستأجر فيه غرفة التفتَ فلم يره بحثَ عنه فلم يجدْه. في اليوم التالي داهمه في الكراج قائلاً:
- أحمد أين سلة العنب؟
- سلمتك اياها باليد، وأصر.
عندما روى محمد لنا الحادثة فسرناها بأحد احتمالين: إما أن شخصاً آخر قاد أحمد إلى بيته وابتلعها مستغلاً ضعف بصره، أو أنه هو الذي لطشها وكذب، فساورني القلق ووقفتُ أمدّ نظري مراقباً، وإذا بأحمد قادماً مع العتّال والحمار. قلت له "اتبعني" لكنني لم أتركه خارج إطار عيني. قال أحمد "سألتني موضي وأمها إلى أين رحل؟ قلت "لاأعرف".
وضعتُ الأغراض في الغرفة وذهبت إلى الحريقة. اشتريتُ سريراً من الحديد الرفّاس وطاولة وكرسيين، وشعرتُ أنني تقدمت خطوة جديدة راحت موضي ضحيَّتها.
استلقيتُ على السرير مغتبِطاً بالغرفة الجديدة لا لأنها مشمسة وسعتها مقبولة وحسب وإنما لأنها في حارة "السبع طوالع" القريبة من "المكتبة الظاهرية" و"البزورية" و"مئذنة الشحم" وبديعة. وعادت إليّ صورة الدراجتين، وأغنية "افتكرني" وعجبتُ أنني الثابتُ الوحيد أمام متغيِّرات الزمان والمكان والأشخاص، وأيقنت بقيمة الصداقة من موقف أحمد صمادي اللاهف.
ونُقر الباب فانجذبتُ قسرياً فدخل شابٌ يبدو أنه ريفي يتبعه ثلاثة آخرون يستأجرون الغرفة الأوسع المقابلة، فعرفتهم إلى نفسي وتعرفت إليهم عن كثب كلهم من أبناء قرية "الضمير" القريبة من جيرود والتي تمتاز بينابيعها الكبريتية، اثنان منهم في الصفّ الثالث الثانوي، واثنان في الجامعة أحدهما في كلية الآداب، والآخر في كلية الحقوق. شكلتْ هذه المعرفة نوعاً من الأنس لأتبادل تحية مودة كلما التقيتُ بأحدهم. كنت في "الذهبية" أترّبع وأكتب على الأرض ورغم توفر وسائل أفضل عقِمتُ عن الكتابة لأنني لم آلف الكتابة بعد. وقفت على النافذة المطلة على الزقاق تحتُ فنقرتْ أذنيّ عبارة واحدة على لسان فتاة تقولها بطلاقة من البيت المقابل في حديث يبدو عارضاً "جينا لولو بريجيدا" وتوقَّف الصوت. إنه مَلْمَح من ملامح الفارق بين الحارتين، وبين فتاتين ريفية "بعلية" كأنها شجرة تتشابك ذؤابات أغصانها يعوزها "مقصّ التقليم" ومدنية كأنها نبتة مزروعة في فسقية، عيناها مفتوحتان على المعاصرة تقرأ الكتب، وتشاهد الأفلام السينمائية وتحلم أن تكون تلك النجمة السينمائية "الإيطالية الأمريكية" التي يعرض لها فيلم طريف على شاشة سينما الدنيا مع النجم الأمريكي الشهير "روك هدسون". أثارتْ فضولي هذه الفتاة أن أجلوَ شكلها وسرَّحتُ نظري في الزقاق المعتم الذي عجزت المصابيح الخافتة عن جلائه، نوافذ تسدُّها ستائر كتيمة وأنفاس رجال ونساء وأطفال تتلاشى بصمت في جوٍّ منقبض، حضارة عرجاء لاتقاس بما نراه في الأفلام السينمائية من مدن متألقة كروما وباريس ولوس انجلوس.
حرّكتْ تلك الفتاة نفسي للتفكير بموضوع الملهِمة، وجلستُ وراء الطاولة "هل يجوز أن تكون العشيقة ملهمة؟ أن تكون الشيطان المتواري في وادي عبقر الذي كان يلهم شعراء الجاهلية؟" يقول الأعشى "دعوتُ خليليّ مِسْحلاً وجِهِنّام " فهو لم يكتفِ أن يتميَّزُ من الشعراء الآخرين بأنه ذو شيطان واحد وإنما بشيطانين بل سمّاهما "مِسْحلاً" و"جِهِنّام" مُدِلاً بطلاقة لسانه حتى سُميَّ "صناجة العرب"؟ أيصحّ أن يكون لي ملهمتين في وقتٍ واحد "موضي" و"بديعة"؟
في رأيي أن ما يشغل الكاتب عن الكتابة أمرين: العشيقة التي تلهيه بحبها، ومشاكل المعيشة التي يغرق في وحولها، صحيح أنها تجارب ضرورية تشكلُّ مخزوناً في أعماقه لكنه لايستطيع الكتابة إلا في حالة هدوء كراكب زورق شراعيّ في بحيرة واسعة. وهكذا كسدتِ الرواية التي أكتبُها بين يدي، وأصبحتْ نفسي قفراً بلقعاً.
في الصباح خرجتُ من البيت في وقت أبكر لأن طريقي إلى "الأزبكية" صارت أطول، وركبت في السيارة بين الزملاء وعندما انعطفنا إلى طريق الصبورة تراشقتْ عليّ الذكريات: "راجحة" "جلنار" "بديعة" "موضي" ورأيتُ أنني أتفوّق على الأعشى بالملهِمات فابتسمتُ تلقائياً. سألني توفيق بمودة وهو يجلس إلى جانبي:
- أراك سعيداً.
- استأجرتُ غرفة جديدة، وتحرَّرتُ من "الذهبية"
- مبروك.
عدتُ بعد الظهر إلى غرفتي فلفتَ نظري على غير العادة حركةٌ في المطبخ ورائحة الطبخ تفوح فاهتزتْ في معدتي خيوط الجوع، وذكرتني أنه موعد الغداء. وقفتُ في الغرفة أنوي أن أقصد بائع "الصفيحة" التي تفوح منها رائحة التوابل وطعم السماق في "المسكية" وإذا بموضي تدخلُ متهلِّلة مرتبكة. قالت:
- الطعام جاهز. هل أحضره لك؟
- الطعام!!؟
- نسيت أنك أعطيتَ أمي ليرة؟ اشترت لك بها أوقية لحم ونصف كيلو بطاطا ونصف كيلو بندورة، ورغيفين من الخبز المشروح، وهذا الباقي.
ووضعتْ على الطاولة بضعة قروش. قلتُ لاشعورياً "أنا جائع جداً" فخرجت برشاقة غزالة، وتركتني ذاهلاً. ثم عادتْ مبتهجة ووضعت على الطاولة طبقاً من "الكواج" والخبز وكأساً من الماء وقالتْ:
- تفضل.
- لا آكل إلا إذا أكلتِ معي.
- سبقتُك. ألف صحة وعافية.
- لا أكل.
جلستْ على الكرسي الآخر تتناول لقماً صغيرة بأصابع رقيقة تشعرني أن الزواج "شرٌّ لابدَّ منه" كما قال علي بن أبي طالب، وما إن فرغتُ من الطعام وقلت "الحمد لله" حتى أعادت الأواني إلى المطبخ، ثم عادتْ بكأسين من الشاي، وضعتهما على الطاولة، وجلستْ قبالتي قائلة "تفضل" سألتها "موضي كيف عرفتِ غرفتي؟ قالت بعتاب وانكسار:"
- أنا أريد أن أسألك:كيف هان عليك أن تتركنا بلا وداع؟
- أما رأيتِ تلك المتوحِّشة؟
- لقد كسرنا عينها نحن وجميع نساء الحارة.
- موضي أجيبيني كيف عرفتِ غرفتي؟
- أكنتَ تريدني ألا أعرف؟
- لا لا أبداً.
- من كان في فمه لسانٌ لايتوه.
- تتعاملين معي بمكر؟
- أعطيتُ أحمد كريزان خمسة قروش فدلني.
- قلت للجار أريد أن أعدّ له الغداء ففتح لي الباب ودلَّني على المطبخ والغرفة وأعارني طنجرة وبعض الصحون.
- هكذا دون أن يعرف من أنت؟
قالت مرتبكة مترددة "قلتُ له أنا أنا.." ثم قالت بقوة دفعة واحدة "خطيبته" كمن ألقى نفسه في اليم، وتورَّدَتْ وجنتاها وأطرقت بشيء من التأثّر. سألتها:
- أتعرف أمك أنك هنا؟
- أنت لا تعرف كم تثق بك أمي.
لجأنا كلانا إلى صمتٍ لاهبٍ لكن رشاشاً من الماء يحاول أن يُطفئ لهيبه. فقالتْ وهي مطرقة باحتقان وَوَلَه كأنها تقاوم غلياناً يهزّ كيانها كله "متى تعرف أنني أعبدك بعد الله؟ "متى تعرف أنني لا أنام الليل وأنا أفكر فيك؟" "يشهد عليي ربي أنك عندي أغلى من قلبي وروحي وعيوني" "يشهد عليي ربي أنك أعز من كل أهلي" وغلب عليها البكاء ثم تابعت" خاتم. لا أريد منك سوى خاتم أقلع به عيون الحسّاد والمبغضين" أحسّسْتُ كأنني سائل يسيح على الأرض. أطرقتُ أفكر "حَرَجٌ لم أعرف مثله ولكن لابدَّ من المواجهة. إذا صارحتها أنني لا أفكر في خطبتها قد يتأزّم الموضوع أكثر. قطعتْ عليّ أفكاري قائلة ومازال البكاء يغلي فيها:
- أنا النار تشتعل في قلبي، وأنت كأنك لاتحسّ بي. أرجوك ارحمني
- موضي. الخطبة والزواج ليس لعبة. أمهليني حتى أستشير أهلي.
- أهلك؟ وهل يرفضون لك طلباً؟
- هذه هي الأصول.
- طيب متى تخبرهم، وتطلب منهم أن يزوروا أهلي؟
- الخميس.
لبثت مكانها. لعلها أدركت أنني أسوِّف لكنها لم تجرؤ أن تعترض أو تعلق، وبدا كأنها لاترغب في مغادرة الغرفة وإذا بأحد الشباب من جيراني في الغرفة يومئ بيده يناديني، قال هامساً مندهشاً "تعال تعال انظر" قلتُ لموضي:
- عن إذنك موضي. سأعود.
- أنا ذاهبة ولكني لن آتي إليك مرة أخرى. سأنتظرك حتى الموت.
واقتلعتْ نفسها اقتلاعاً، وودَّعتني بِإيماءة وخرجتْ منكسة رأسها فأقبلتُ نحو الشباب مستطلعاً، رأيتهم أربعتهم يطلون على ساحة الدار، وأبو زهير يربط "مريولاً" على خصره، ويخرج الغسيل من "الغسالة" يعصره وينشره على الحبل. وتتالتْ تعليقاتهم:
- معقول؟
- الشاميات يركبن أزواجهن.
- ألا يخجل؟
- أين الرجولة؟
إن عقدتنا نحن أبناء الريف هي ذاك الفصل الحادّ بين الرجل والمرأة هي الفحولة التي تعني ركوب الأنثى وكتم أنفاسها. يجب أن تساعد المرأة زوجها في الحصاد، وفي شدِّ المسحاة، وسائر الأعمال الشاقة، ولكن يحرَّم على الرجل أن يساعدها ولو بتقشير البصل. هكذا ربينا كلنا. قال المثل "من شبَّ على شيء شاب عليه" في الريف نعتنق الخشونة والصلافة وننكر الرهافة والكياسة. قلت هذا الكلام لجيران الغرفة فسألني أحدهم "إذا تزوّجتَ هل تساعد زوجتك بغسل الثياب وجلي الطباق والطبيخ..؟"
عدتُ إلى غرفتي وإذا بأحد الشباب ينادي عليّ "ضيفان قادمان إليك" وإذا بهما محمد خضرة وعبد الودود وكلاهما موظف في المؤسسة الاجتماعية العسكرية وكلاهما عُيِّن قبلي، محمد يكبرني بعامين رسب مرة واحدة في الكفاءة وهو الآن رئيس شعبة التدقيق والتفتيش ويعدُّ من ألمع أبناء جيلنا وعبد الودود يكبرني بثلاثة أعوام وهو من رفاق العسكرية رسب مرتين بالكفاءة ثم نالها على جسر من التعب. قال محمد بلا مقدمات:
- عبد اللطيف تزوج ورحل وغرفته فارغة، تناقشنا ففضلناك على الآخرين. مارأيك أن تسكن معنا؟ البيت لنا من بابه فيه صالون صغير ومطبخ وحمام، وكل منا يختص بغرفة. أكلنا مشترك إذا شئت أن تأكل معنا يدفع كلٌّ منا في الشهر خمساً وعشرين ليرة تقريباً.
- كم اجرة الغرفة؟
- أربع وعشرون ليرة.
- موافق.
أعجبتني الفكرة بل أغرتني ورحلتُ تواً إلى حيّ البختيار الناشئ الجديد البعيد عن وسط المدينة ولطمتني بحيرات سوداء ليست بعيدة عن الأبنية تنتشر منها روائح القاذورات لأن تمديات الصرف الصحي لم تكتمل بعد، فينضحون الماء بالمضخات ويسفحونه على الأرض. هبطتُ درج القبو المظلم وتعرفتُ إلى غرفتي وهي الوحيدة التي لها باب على الحديقة صعدتُ إليها عبر درجتين ولم أرَ شيئاً سوى بلاطها المتسخ وأرضها تنخفض عن الخارج أكثر من متر وبعض المتر. قال لي عبد الودود هامساً "يفضل عدم الجلوس في الحديقة حتى لا يتحسس منا الجيران لأننا عُزّاب" رتّبتُ أمتعتي أتذوّق طعم الاستقرار النفسي والمادي، لكنني لا ألتقي بعبد الودود ومحمد إلا أثناء الغداء. في الصباح أخرج مبكراً مسرعاً إلى محطة الحجاز موقفي الجديد أشرب قهوة الصباح مع قطعة "كعك" من رجل يتحلق حول عربته أمثالي منتظراً "أبوزيد" وفي المساء يزورنا بعض الأصدقاء لا أكاد أسلم عليهم حتى أتركهم يلعبون "الورق" وأنزوي في غرفتي أقرأ أو أذهب إلى السينما. أما عبد الودود فيرتدي تحت "البيجاما" قميصاً أبيض وربطة عنق وفوقها "الجاكيت" ويذهب لزيارة خطيبته في بيت أهلها القريب.
يوم الجمعة ذهبت أنا وعبد الودود سيراً على الأقدام عبر دمشق القديمة إلى "الكراج" نستطلع لعل ثمة من يأتينا بشيء من أهلنا. وعند أحد المنعطفات في حي العمارة "الجوانية" فوجئنا بسعيد ربيع فاعترضنا لاهفاً يدعونا إلى كأس من الشاي "غرفتي هنا قريبة" حاولنا التملّص فحلف يميناً. اضطررنا إلى الاستجابة وما إن مشينا بضع خطوات حتى بسط يده قائلاً "نصف ليرة ثمن السكر والشاي من فضلكم" سعيد.." قال له عبد الودود وهو جاره في جيرود بيتَ بيت "تدعونا على حسابنا أيها النصاب؟" فأقسم سعيد قائلاً "ليس عندي ذرة سكر واحدة واشتهيتُ الشاي"
طرق باب البيت وصاح "يالله" وأدخلنا إلى غرفته، وخرج يعدّ الشاي عند الباب، فسمعنا صوت امرأة تتلاسن معه بحدة وسمعناه يقول "أرجوكِ عندي ضيوف أعدّ لهم الشاي" قالت وهي تقترب من باب الغرفة "بدلَ أن تقدم الشاي ادفع لي اجرة ثلاثة أشهر" وفيما أخذ يرجوها أن تمهله تسللنا من الغرفة نحاول المغادرة وإذا بها تتصدى لنا قائلة "الآن الآن أريد حقي" إنها امرأة أربعينية تغطي رأسها بمنشفة "بشكير" مثل هرة مبتلّة بالماء، كالحة الوجه يقدح الشرر من عينيها الضيِّقتين ونظرتْ إلى عبد الودود تشجعتها أناقتُه اللافتة التي توحي لمن يراه أنه موسر يلعبُ بالنقود فقالت محتدة:
- ماذنبي أن يضيع حقي؟
قال لها عبد الودود:
- ونحن ماذنبنا؟
- ألستم أصحابه؟
تحركنا نحو الباب الخارجي نحاول التحرّر من سلاطتها فوقفت في وجهنا مهتاجة قائلة:
- لاأدعكم تخرجون حتى تدفعوا لي.
- ابتعدي من طريقنا.
وحاولنا أن نلف من خلفها نحو الباب، فبسطت يديها على عرض الباب وكأنها الكرسي المخلّع فوقفنا في مواجهتها مصعوقين حائرين قال عبد الودود "أرجوك ياخانم" فقالت متوثبة:
- لا تحاولوا الخروج وإلا صرختُ أجمع الناس عليكم أنكم تحاولون الاعتداء علي.
التفتنا إلى سعيد الذي يقف عند باب غرفته متماسكاً كالهر إذا اقتنص جرادة نستنجد به "سعيد؟" فتوارى في غرفته هارباً، فلم نجد بداً من الاحتيال عليها، سألناها عن المبلغ، ومنذ متى لم يدفع لها سعيد، وحرّك كل منا يده نحو جيبه نتظاهر أننا سندفع لها حتى لانت بعض الشيء وما إن اطمأنّتْ وانحرفت عن الباب قليلاً حتى تسللنا ورحنا نجري في الطريق نتخيلها تتبعنا تكاد تمسكنا من الخلف، وسلكنا طريق باب السلام وكمنّا وراء أحد الأعمدة والتفتنا إلى الخلف، ثم تابعنا طريقنا، وعندما بلغنا "حكر النعنع" فاجأني "أبو عزو" يقف في وجهي. حياني بلهفة دون أن يلتفتْ إلى عبد الودود، ودعاني إلى محله بإلحاح، فودعني عبد الودود بإيماءة من يده وتابع باتجاه "الكراج".
جلست مع أبي عزو في مكتبه عند زاوية "الحاصل" الجانبية أنظر إلى بعض العمال يحاولون ترتيب أكياس الحبوب، طلب من أحدهم أن يحضر لنا "العرقوق سوس" وقال "تفضل" وأردف ملمِّحاً:
- مبروكة الوظيفة.
- بارك الله فيك.
- بحجي أحس عندك نخوة وشهامة منذ كنتَ صغيراً.
- شكراً.
- وكنت أنتظرك أن تأتيني من تلقاء نفسك تدفع لي مبلغاً من راتبك آخر كلِّ شهر لتسدِّد ذمة والدك.
قاطعته مرتبكاً:
- انا لاعلاقة بالدين.
- أستغفر الله العظيم. أبوك، غضب الوالد من غضب الله. أعرفك مطيعاً ولا أظنُّ أنك تقصِّر بمساعدة والدك وتسديد ماعليه من ديون.
أطرقتُ أفكر فيما انشغل أبو عزو ببعض الترتيبات أنا الآن واقع في ورطة بين يدي "حواصلي" من ذوي اللسان الذلق، محبي التسلّط والانقضاض على الخصم، تكاد ورطتي مع جارة سعيد تكون ذبابة أمام عقرب. وأُراني لا يمكنني الفكاك منه إلا بمعاملته على طريقته "بالحيلة". قلت "سأدفع لك خمساً وعشرين ليرة" فبسط يده قائلاً:
- نعمة كريم.
- ليس الآن. آخر الشهر.
رمى التقويم بنظرة "فاحصة" وقال:
- آخر الشهر خمسون ليرة.
- كما تشاء.
- ولكن كلَّ شهر حتى تدفع البلاء عن أبيك وعن نفسك وتريح ضميرك.
وخرجتُ كالطير أُطلق من قفص، وصارت منطقة مسجد الأقصاب منطقة محرمة "مزروعة بالألغام" عدتُ إلى غرفتي واستلقيت على السرير فأخذتْ تلاحقني صورة "موضي" التي وجهتُ لها طعنة جرحتْ مشاعرها رغماً عني، أحسستُ كأن القدر ينتقم مني، ولاحت صورة بديعة التي أوشكتْ أن تختفي من حياتي وأغنية عبد الوهاب "افتكرني" ومرض أبي ومعاناة أهلي وتجهم الدائنين، عليّ أن أتوقَّع آخرين يباركون لي بالوظيفة كأنني ربحتُ ورقة يانصيب. هانت عليّ الحياة، وهانتْ عليّ نفسي فحاولتُ أن ألتمس منفذاً للهروب لكنني وسط هذه المعمعة لاأستطيع أن أهرب إلى الكتابة. تذكَّرتْ قول الجاحظ في البيان والتبيين " خذ من نفسك ساعة فراغ قلبك ونشاط عقلك.." وصدَّقت قوله وفضَّلته على قول أحد كتاب الرواية الإنكليز "ألزم نفسك بوقتٍ محدد واجلس وراء طاولتك، لاتراجع ماكتبتَ بالأمس وتابع الكتابة حيث وقفت، وعندما تنتهي عدَّ الكلمات التي كتبتُها لتعرف قيمة دخلك"إن أقلّ كاتب فيهم - الإنكليز والأوروبيين - يجني بقلمه أضعاف ما يجنيه أهم كاتب في سورية وسائر البلاد العربية. إن طبيعة حياتهم المادية تجعل الإبداع سلعة، لكنّ دور النشر عندهم تروِّج للكتب بأنواع شتى من الإعلانات، على عكسنا فإن الكاتب عندنا إن لم يكن قلمه كالقطار يسير على سكة صارمة من الحديد فهو منبوذ. وأكبر كاتب عندنا في أجواء الأمية والأمية الثقافية لا يصل وزنه إلى وزن مغنِّ يردِّد "يا جمال البوبعة" ويرى الجاحظ أن المعاني (والأفكار) "مطروحة في السوق لمن يبيع ويشتري والمعوَّل على الصياغة" لأن جمال الأدب في الفكرة والكلمة معاً. وأنا انصرفتُ إلى إعادة صياغة نفسي منتهجاً نمطاً من أنماط الهروب.
اشتريتُ بالتقسيط عشر ليرات في الشهر "طقماً" جديداً من قماش فاخر وفصّلتُ قميصاً جديداً عند خياط في "باب البريد" بليرتين ونصف، وبدأتُ آخذ دوري في أجواء العمل مدركاً أن عنوان الشاب أناقته هي التي ترفعه في عيون الآخرين. وهذا ما جذب إلي "نبيل" وهو شاب يحمل إجازة في العلوم يؤدي الخدمة العسكرية في مخبر المعمل برتبة طالب ضابط دون أن يحصل على رتبة "ملازم احتياط" لأنه غير مسلح. دمثٌ بسيط تبدو آثار الرفاهية على وجهه ويديه ينتمي إلى عائلة دمشقية ثرية معروفة كان يركب معنا في السيارة ويترجل في منطقة المزرعة الأنيقة. يزورني في مكتبي أحياناً مؤتنساً بي، ودخل اليوم غاضباً يحملق من خلال نظاراته السميكة قائلاً بازدراء:
- رئيس ورشة التركيب عقله يابس هؤلاء الناس لايستطيع المرء أن يتفاهم معهم. فلاحون متوحشون.
- لاتقل فلاحين. أنا فلاح.
- سلامتك.
جاءتني كلمته كاللطمة على الوجه، أفقدتني أعصابي ولستُ أدري كيف رفعتُ يدي وفاجأته بلطمة على وجهه جعلته ينحني ويبحث بأصابعه عن نظاراته، ثم ينصرف صامتاً هلعاً أما الذي انشرح قلبه فهما الموظفان الجديدان "درويش " المكلف بتسجيل البريد الوارد والصادر وضارب الآلة الكاتبة "عبد القادر" الذي انتصب كأنه يعرض عضلاته وهو يزعم أنه كان بطلاً في الملاكمة وبقدر ما كان درويش سلساً بسيطاً كان عبد القادر شرساً محباً للشرّ يتحاشاه الجميع لأنه يتعامل معهم بجلافة إلا معي فقد كان مهذباً لطيفاً. كلفه المدير الجديد بطباعة بعض الأوراق وعاد بعد دقائق فلم يجده. كان عبد القادر يترك الآلة الكاتبة إذا حان وقت الصلاة ليتوضّأ ويصلي على راحته وعندما فرغ استدعاه المدير وراح يؤنبه، فعلا صوت عبد القادر على صوتِ المدير ولا أحد يدري كيف تركه ينصرف بلا حساب
مدير المعمل الجديد النقيب خالد جيء به من قطعات الجيش بدلاً من المقدم أحمد الذي عُيّن نائباً للمدير العام، ولم يكن أحد يحترمه إلا على سبيل المداجاة لجهله المطبق في قضايا العمل وادعائه أنه المرجع الأخير، وكانوا يستاؤون من كلمة "ولدي" التي كان يخاطب بها الموظفين.
بعد الغداء دخل غرفتي محمد خضرة بشيء من الارتباك هابطاً من اعتداده بنفسه، وحياني كأنني لم ألتق به منذ أيام وقال لي بصوتٍ راجف:
- أريد أن أكلمك بموضوع شخصي.
- تكلم تفضل.
جلس والتقط أنفاسه وقال:
- نحن أصدقاء مثل الأخوة.
- طبعاً.
واستجمع شجاعته، وقال بثقة:
- أريد أن أخطب أختك.
عندها عرفتُ لماذا استدرجني هذا الماكر للسكنى هنا، وكيف يعاملني في الأيام الأخيرة باحترام واهتمام، وقارنته بمن تقدموا لخطبة أختي فوجدته أفضلهم. قد تكون حالته المادية وحالة أهله مثل حالتنا وربما أقل لكن له مستقبلاً واعداً. قلت:
- كل ما أستطيع فعله هو أن أساعدك بإقناع أهلي.
- متى؟
- انتظر حتى آتيك بالجواب. بعدها تكلفُّ أهلك بالتقدم إلى أهلي.
- أعني كيف وأنت هنا وأهلك في جيرود؟
- سأذهب يوم الخميس القادم.
- لكن أرجوك أن يبقى الموضوع سراً حتى..
- حتى تعرف النتيجة. بكل تأكيد، أنا حريصٌ أكثر منك.
فخرج بقلق واستحياء راكناً إلى إجابتي. وسألتُ نفسي "إذا رفض أهلي وأصروا ألاينبغي عليّ أن أبحث عن غرفة أخرى؟"
الفص الرابع عشر
يوم الخميس تمّ حفل الخطوبة فبذل محمد خضرة جهوداً كبيرة ليجعله أبهى من عرس متطلِّعاً أن يثبت وجوده في جيرود منطلقاً من دار متواضعة جدد بناءها وأسرة بسيطة ليؤكد انتماءه إلى عائلته الكبيرة "بيت خضرة" الملأى بشخصيات معروفة وخاصة في الناصرية، دعاهم ودعا كل من يعومون على السطح من الشخصيات المعروفة في جيرود، ودعا لفيفاً من أصدقائنا المشتركين، وقدم ضيافة متميِّزة، فتبوّأ بهذه الخطبة مكانة أعلى في جيرود بحسب قول محمد بكار. قال لي صديق أبي "أبو نمر" الرجل الأول في بيت خضرة في الناصرية وهو يصافحني "أنت صرتَ عمنا" إنهم عائلة ما تزال تتمسك بالتقاليد ومفهوم "العزوة" أما الخطيبة رويدة التي لما تبلغ السابعة عشرة بعد فهي تحمل الكثير من صفات أمي أضمرت الفرح في سماتها الهادئة وجلست منتصبة الظهر كعادتها، لقد تقدم لخطبتها الكثيرون لكننا أنا وأمي وأحياناً أبي كنا نرفض، وهذه المرة وافقتْ لسبب واحد أنها تحترمني جداً وتثق بي ثقة مطلقة وأنا الذي اخترتُ لها قرينها.
عدنا إلى دمشق إلى دارنا المشتركة ونشأتْ بيني وبين محمد حساسية مبطنة مبنية على طبيعة الأشياء، وتابع كلٌ سيرته المعتادة. زارنا مساء خالد شعبو ليهنئ محمد وهو صديق مشترك ومن أقارب عبد الودود وأطلق لسانه الذي لايعرف إلا المزاح البذيء، وانفرد بي وعرض عليّ المشاركة في برنامج "أيام عربية" وهو تمثيلية إذاعية تذاع مساء كل أربعاء مدتها خمس وأربعون دقيقة فاتفقنا على "يوم القدس" يوم حررها صلاح الدين الأيوبي من الصليبيين.
انعكفتُ على عدد من المراجع التاريخية التي تتناول تلك المرحلة، وعلى عدد من الكتب والدراسات عن فنّ الكتابة للإذاعة وغرقتُ فيها بضعة أيام قرأتها بإمعان ثم كتبت التمثيلية وأعطيتها لخالد فأخرجها بعد أن وافقتْ عليها لجنة الرقابة بلا أيّ تعديل وأذيعتْ في موعدها. كانت تلك خطوة جديدة في بناء ثقتي بنفسي، واهتمام الآخرين بي، وتعويضاً عن واقعي التعيس. وعندما استلمت مكافأتها خمساً وسبعين ليرة أحسستُ أن قلمي غدا وسيلة انتاج. اقتسمت المبلغ مع أهلي وأخذتُ لهم بعض الهدايا واشتريت لفيصل ورويدة بعض الثياب الجديدة.
في أواسط الخمسينات أعلنت الفرقة السورية للتمثيل والموسيقا عن مسابقة لانتقاء ممثلين تقدم إليها كثيرون، وشكلتْ لجنة برئاسة "نجاة قصاب حسن" وعضوية المخرج "تيسير السعدي" والكاتب "ممتاز الركابي" فلم ينجح سوانا أنا وخالد طلبوا منا في البداية أن نحضر التدريبات "البروفات" في مقر الفرقة، ومنذ اليوم الأول قلتُ لخالد "لامكان لنا ياصاحبي بين نجوم الكوميديا الإذاعية أبورشدي وأبو فهمي وأم كامل الذين يمتمتعون بمواهب خارقة وشهرتهم أطبقت الآفاق، كما أننا كلانا لانتقن اللهجة الدمشقية" فانسحبتُ وبقي خالد، ورغم أنه لم يحظ خلال ثلاث سنوات إلا بدور "قسيس" لا يتجاوز ثلاثة أسطر بقي مثابراً حتى صار مساعد مخرج ثم مخرجاً إذاعياً.
بعد أن أذيعت "يوم القدس" وبعد أن قرأتُ تلك الدراسات والمراجع عكفتُ على كتابة مقال أنظّر فيه لتأليف التمثيليات الإذاعية وإخراجها بعنوان "خيال المستمع" وأرسلته إلى مجلة "هنا دمشق" ورغم ثقتي بنفسي رأيتُني أستبق الزمن وأشربُ الكأس بالمقلوب لأن مثل هذا المقال يكتبه من تمرَّسَ في تأليف التمثيليات الإذاعية سنوات طويلة، ورغم أنني أستفظع أن ينشر المقال لبثتُ أنتظر وأردد في نفسي "يُنشر" "لاينشر" واشتريت أول عدد وثاني عدد حتى أيقنتُ أن خطوتي الأولى لم تبدأ بعد لولا أنني مررتُ كعادتي ببائع الصحف على جانب مقهى الحجاز سألته "هل صدر العدد الجديد من هنا دمشق؟" أخذت المجلة ورأيت على الغلاف عبارة "خيال المستمع" فتحت الصفحة وإذا به منشور بإخراج متميّز مع هالة من الصور والعناوين فاشتريتُ عددا من النسخ تأبطتها ومشيت أقلب عيني بين الناس لعلي أرى من يحمل المجلة. في المساء زرتُ خالد شعبو ومعي المجلة وقبل أن أقدمها له وأقول شيئاً قال مكشراً:
- لقد هبطت سوية هذه المجلة بعد أن استلمها سعيد الجزائري.
- سعيد الجزائري ناقد أدبي معروف وبرنامجه الأدبي "أدب وأدباء" يتابعه المثقفون باهتمام وكان أميناً لتحرير جريدة "الناقد" أهم جريدة أدبية في البلد. أتعني أنك لم تقرأ مقالتي؟
- أنا لم أعد أقرأ هذه المجلة.
أحسستُ أنها الغيرة فلم تتزعزع ثقتي بنفسي خاصة أن عدداً من الزملاء ونحن في السيارة متجهين إلى المعمل قالوا إنهم قرأوا المقالة وهنأوني، حتى المقدم أحمد اتصل بي من المديرية وأشاد بها، وشجَّعني أن أقرأ كثيراً وأكتب المزيد من المقالات.
عندما راجعت سعيد الجزائري تكرر ماحصل معي يوم قابلتُ العقيد نخلة كلاس قال "آسف يجب أن يأتي صاحب العلاقة بالذات" وعندما قدمتُ له نفسي سألني:
- من أين أنت؟
- من جيرود.
- لي صديقان من جيرود المحامي محمد الجيرودي والمحامي سليمان الأحمد هل تعرفهما؟
- طبعاً.
فرحَّب بي وانعقدتْ بيننا صداقة دامت سنين طويلة، ولاحظتُ أنه يميل إلى مصادقة جيل الشباب ويشجعهم وعرفتُ السبب أنه بلا أولاد. لكن الذي أدهشني أن يكون له صديقان من حزبين متناقضين محمد الجيرودي من أقطاب حزب الشعب وسليمان الأحمد من ناشطي حزب البعث العربي الاشتراكي وجميع الأحزاب ألغيت منذ بدء الوحدة، استلمتُ خمساً وثلاثين ليرة وحملتها كما هي إلى جيرود أخذتُ منها عشراً وأعطيت الباقي لأمي وتفاجأت أن الناس تابعوا تمثيليتي وعندما وزّعتُ بعض أعداد المجلة سارت بين الناس وصاروا يتداولونها، ودخلتُ بها قائمة المشهورين الذين تعتزّ جيرود بهم.
تمنّيتُ لو أبعث بالمجلة إلى بديعة ولست أدري كيف ثارت بي لواعج الشوق إلى رؤيتها وعندما دخلتُ الباص وأنا ذاهبٌ إلى دمشق فوجئتُ بخديجة في أحد المقاعد تبادلنا تحية بالإشارة، وأومأتْ لي أنها تريد أن تكلمني عندما نصل.
كادت هذه الإيماءة أن تشتِّتني لكن جاري في المقعد أخذ يشيد بالتمثيلية والمقالة وأحاطني بأهمية لم أستجب لها إلا بحركة من رأسي. وعندما ترجلنا انتحيتُ بخديجة لاهفاً قالت لي بحماسة وعتاب "بديعة تسلِّم عليك وتقول لك إن جماعة يتقدّمون إلى خطبتها، تحرَّكْ. مالك لاتتحركْ؟ قالتْ إنها لاتريد سواك. وهي تسوِّف أمام أهلها متهربة ولكنها لاتستطيع أن تقاوم طويلاً "
هرعتُ إلى مئذنة الشحم وركبت في باص النبك، وأقفلتُ على الأحلام في رأسي لأن الوقائع غالباً ماتأتي معاكسة. ترجّلتُ في ساحة المخرج، ومضيْتُ إلى بيتُ أختي أستشيرها وأستشير زوجها أن آخذ جدتي لتخطب بديعة فاختلفا في الرأي قالت أختي:
- أحترم عواطفك وأقدرها يا أخي لكنّ نصيحتي إليك أن تنسى أمرها.
- ولكنها هي التي بعثتْ إليّ تحثني على الإسراع.
- لكن أهلها متغطرسون يا أخي.
فتدخّل عبد الحميد قائلاً بنزق"
- وهل هي بنت ملك؟ يجب أن يضحكوا بعبِّهم أنه يتقدَّم لخطبتها.
ذهبتُ إلى جدتي فكرَّرتْ كلام أختي قلت لها.
- إما أن تذهبي معي أو أنني لن أكلمك طوال حياتي
فقالت لها خالتي:
- أمي قومي اذهبي معه. عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم.
في الباص عذبتني جدتي العذاب الأكبر، ثار الوجع في رأسها وداختْ وصارت تُخرج بين الفينة والفينة كيساً تتقيّأ فيه، وتطلبُ مني أن ألقيه من النافذة، فما وصلنا إلى دمشق حتى اضطررتُ أن أسندها وآخذها بتكسي إلى بيت الشقيقة الكبرى. تركتها تنام عندهم، وفي اليوم التالي مشتْ إلى جانبي عبر باب السلام إلى مئذنة الشحم بطولها الفارع وكأنها لم تكن تلك المتهالكة التي لم تنسجم حتى الآن مع ركوب السيارة. دخلتُ حيّ بديعة فطفق قلبي يخفق ووضعتُ يدي على الجرس ففوجئت ببديعة تفتح الباب تبادلنا نظرة حادة قلقة وقالت باهتمام "قرأتُ مقالتك" وأخذت جدتي من يدها وقبل أن تدخل بها سألتها:
- جدتي متى آتي لآخذك؟
- بعد أذان العشاء.
فرحتُ أخبط على غير هدى عبر السوق الطويل فحي القنوات كالمسافر على ذلول في صحراء شاسعة لايتراءى له سوى السراب. وجلستُ في مقهى الحجاز أسألُ نفسي "أليستْ هذه مغامرة؟" "ولكن ما معنى الحياة بلا مغامرات؟" وعدتُ إلى سؤال منغّص يتكرر كلما فكرتُ ببديعة "هَبْ أن أهلها وافقوا فكيف لي أن أوفِّق بين إعالة أهلي وفتح بيت الزوجية؟"
نهضتُ أجوب الشوارع التي لا اتوقّع أن أرى أحداً أعرفه لأن قلق الانتظار استلبني، جعلني أحسّ أنني أعيش في غموض لكنّه غموض فيه متعة الترقب، والتلوّن بين اليأس والأمل، أحاسيس تدغدغ المشاعر، تجعلك كمن احتسى "بطحة عرق" إن أول جرعة من طعمها مرة، لكنها شيئاً فشيئاً ترى قول الشاعر الجاهلي ينطبق عليك:
ولكنك لم تشربِ الخمرة وقلبك يمتلئ بالحضّ على الصبر ومحاولة اقتحام الصعاب عدتُ إلى مقهى الحجاز وجلست إلى طاولة داخلية فقفزتْ إلى عينيّ صورة موضي ذليلة منكسرة تنافح من أجل حبها، ثم صورة راجحة، وجلنار، وظبية.. وكلُّّهن لايساوين شعرة من رأس بديعة. بديعة هي حبي الأبدي، وبدأ الغروب يخيم على الشارع وعندما صاح المؤذن لصلاة المغرب من جامع "التنكز" انتابني وسواس خضني "لعله أذان العشاء" زجرتُ نفسي لهذا الوسواس، ونهضتُ أتمشى في شارع النصر أصل إلى مدخل سوق الحميدية ثم أعود إلى ساحة الحجاز أضجر من الأصوات التي قد تحجب عني الصوت، وسعيتُ نحو الجامع الأموي أتسقَّط السمع "يوافقون؟" "لايوافقون؟" وعندما صاح المؤذن لصلاة العشاء اندفعت نحو "الدقّاقين" قرعتُ الجرس فانفتح الباب وخرجتْ جدتي وحدها ترتجف تجاعيد وجهها الدقيقة المصوغة من خيوط الصبر. سألتها "جدتي، ماذا؟"جلدتني بصمت مطبق طوال الطريق إلى بيت أختي في "حكر النعنع" وعندما فُتح الباب وهمت بالدخول قالت بمزيج من العطف والسخط "عليك أن تمحوَها من رأسك ياحبيبي" ولم تزد كلمة واحدة وإنما طفقتْ غضونُ وجهها ترسل تعبيرات كثيرة يغلي فيها الأسى والمرارة. وعدتُ أندحر في غرفتي في "البختيار" أحسُّ كما يحسُّ رجل أعزل يرى بعينيه عزيزاً على قلبه تمزِّقُه أنياب الضواري، وأتخيَّل بيتها كالحصن المنيع ذي الأسوار العالية، وأنا غير قادر على اقتحامه إلا بمنجنيق أو مدفع، لكن الحلم لايموت والأمل لايموت.
وطفق الجرح يبترد وأنا أتجه صباحاً إلى ساحة الحجاز أرى الناس ليسوا ناساً ومعالم البيوت ليستْ معالم أرى النساء فقاعات على صقال بحيرة، سألني توفيق ونحن في السيارة ذاهبين إلى المعمل:
- مالي أراك تعتكر يوماً بعد يوم؟
ثم قال:
- إنني أدعوك مساء اليوم إلى أكلة تبولة من يد "لور" وكأساً من العرق ينفض كل ما في رأسك من هموم.
في المساء مرّرتُ ببيت أختي وأنا في طريقي إلى القصاع، قالت أختي غاضبة:
- تفو على بديعة وعلى أهلها. أتعرف ماذا قالوا لجدتي؟ قالوا لها لو خطبها عليٌ ابن عاتكة أعطيناه لكننا نأسف أن نعطيها لابن أمينة.
وتابعتْ بمرارة:
- والله لأخطبنّ لك واحدة تساوي رأسها ورأس أهلها؟
- هل هناك عدواة بين أمها وأمي؟
- لا. لأن بيت خالتي صاروا على زعمها أثرياء.
وصلتُ في البداية إلى مرحلة انعدام الوزن، مرحلة اللامبالاة والتوق إلى الانعتاق من كلِّ القيود، ولواستطعت لخرجتُ من اسمي، ووجدتني فجأة أشدُّ على قبضتيّ وأفكرّ بالانتقام ثأراً لكرامتي. ولكن ممن؟
استقبلتني المدام "لور" بلهجتها اللبنانية مرحِّبة محتفية وكأنني ابنٌ لها أو أخٌ أصغر، ووضعت التبولة من تصميم "مشغرة" التي تغني لقمرها "فيروز" ومنذ الكأس الأولى تحدّثتُ عن إخفاقي في الخطبة. قالتْ لور:
- هي هي لماذا سكتَتْ؟
- أهلها طغاة.
- لوكانت تحبك حباً صادقاً لوقفت في وجههم مهما كانوا.
فأطرقتُ ضائعاً. قالت لور متعاطفة:
- ضيعانك تكون مسلم. لوكنت مسيحياً لخطبتُ لك بنفسي أجمل منها، ومن أهل خيرٌ من أهلها.
بعد الكأس الرابعة أحسستُ أنني بلغتُ الذروة لكنّ عقلي مايزال في رأسي مشحوناً بالهموم ولم أفعل شيئاً سوى الصمت رغم أنني لأول مرة أحتسي العرق بهذا المقدار.أوقفتُ تكسي إلى البختيار وعندما ترجَّلتُ وأخذتُ أهبط الدرج أحسستُ بدايةً بقدميّ تكادان تتعثران، فسيطرتُ على نفسي حتى دخلتُ غرفتي واستلقيتُ على السرير وإذا بالسرير ينقلب بي رأساً على عقب. جلستُ أحافظ على توازني وعندما استلقيتُ على ظهري من جديد عاد السرير ينقلب أمضيتُ ليلتي مترنّحاً بين الكبو نصف الكبو، والاستيقاظ نصف الاستيقاظ حتى وجدتُني أصحو وأمضي إلى العمل صباحاً.
في إحدى الأمسيات ذهبت إلى سينما الدنيا وحضرتُ فيلماً أمريكياً بعنوان "حصار طروادة" أشاد به الناقد السينمائي صلاح دهني الذي كنت أتابع برنامجه الإذاعي وعندما أطلَّتْ بطلة الفيلم الإيطالية "روزانا بوديستا" بوجهها الأبيض الريان وشعرها الكستنائي وعينيها الزرقاوين خيِّل إليّ للوهلة أنني أعرفها، ثم حلّتْ مكانها "خديجة" زوجة بديع كأنهما توأمان. لم أدقِّق النظر إلى خديجة مرة واحدة لكنني الآن أمام صورتها جلية أخاذة ولئن أدهشني أن تكون واحدة من بنات جيرود على هذا النحو من الجمال وأن تكون من الضفة الشرقية للبحر الأببيض المتوسط وقرينتها من الضفة الغربية، لكن مالم يدهشني معنى أن يضحّي بديع بأهله من أجلها، وأن يعاف السكنى في بيت أهله الفخم ويعيش معها في غرفة مستَأجرة في القيمرية مضحيّاً بحياته الناعمة ليعمل سائقاً بالأجرة. وافقوا على زواجه منها أول الأمر ولكن على مضض، وعندما أسكنوها معهم لم تستطع أن تتحمل غطرستهم.
خرجتُ من السينما تتسابق قدماي إلى بيت خديجة، أمشي وكأنّ غيري هو الذي يمشي، تخيَّلت مسفِّهاً تخيُّلي أن يكونوا تراجعوا عن موقفهم لكن خديجة قالت لي:
- أتدري ماذا فعل أولاد الحرام؟ طلبوا الإسراع بزواجها، وحددوا العرس يوم الخميس القادم.
فحُسم الأمر وغدتْ بديعة نقمة حياتي، وبتُّ كمن يمشي على الجمر لايحس بالنار تحرقُ باطن قدميه وتذكرتُ ماقالت أسمهان على لسان أحمد شوقي في مقطع من مسرحية مجنون ليلى:
ويـح قيـس تحرَّقـتْ راحتـاه وما شـعر
بعد أيام كانت سيارتنا متعطلة فجاء بنا باص معمل الذخيرة إلى الهامة، وأخذ ركاب المعمل والمديرية. وعندما توقف بجانب مستشفى المواساة ترجَّلت فتاة طويلة رشيقة قال لي توفيق:
- أتعلم أن هذه الفتاة كانت تلفّ رأسها بمنديل أسود وتغطّي وجهها؟ انظر الآن إنها تضع الإشارب وتكشف عن وجهها؟
- مارأيك بها؟
- أعرف أنها مهذبة محترمة. هل أعجبتك؟
- نعم.
- امشِ معي.
تبعناها حتى وصلتْ إلى منطقة المساكن الشعبية، سأل توفيق طفلاً عن اسمها واسم أهلها وقال لي " تعال معي إن القابلات خير من يستكشف حقائق البيوت" ودخلنا أحياء المزة االقديمة ذات الأزقة المتداخلة الملأى بالأقذار وأوراق الشاي المسفوحة على أبواب البيوت، ودخلنا بيت امرأة خمسينية رحبت بنا وصاحتْ على ابنتها "مارسيل هاتي القهوة" أعطاها توفيق الاسم وطلب منها أن تطلع على أحوال الفتاة وأهلها، وأن تجسّ نبضهم قال ملحاً:
- اذهبي اليوم اليوم وغداً نأتيكِ في مثل هذا الموعد.
- على عيني.
ودَّعتُ توفيق في ساحة المرجة وتدرجتُ تلقائياً باتجاه "كراج جيرود" أتساءل: هل يكون زواجي من فتاة "المزة" ثأراً لكرامتي؟ لكن المدام "لور" قالت "لوكانت تحبك حباً صادقاً لوقفتْ في وجه أهلها " وكان صمت توفيق دليلاً على تأييدها.
عند مدخل "سوق الهال" فاجأني "تيسير" متهلِّلاً بعينين ماكرتين وصافحني قائلاً "مبروكة الوظيفة" ثم غمز بعينه قائلاً:
- أنت تعلم أن لي بذمة والدك أربعمئة وعشرين ليرة.
- والدي مريض.
- البركة فيك أنت. أعطني من راتبك كلّ شهر خمسين ليرة..
- مستحيل.
- لو كان شخص غيرك لجأت إلى ابن خالتي رئيس الوزراء وأخذتُها غصباً لكن ما بيننا من خبزٌ وملح يمنعني.
وصار مدخل "سوق الهال" منطقة محرمة مزروعة بالألغام منضافاً إلى زاوية مسجد الأقصاب. تيسير كان يبيع البطاطا على البسطة عند مدخل سوق الهال "كيلو البطاطا بربع ليرة يا أخونا" وشيئاً فشيئا دخل في أكبر تجار السوق "حمدي" وصار في البداية يبعثه إلى جيرود أثناء جمع المواسم ليشرف على تعبئة أكياس البطاطا فينام عندنا طوال الموسم آكلاً شارباً معزَّزاً مكرماً. كنت أساهم في وضع الموائد، وتقديم الشاي والقهوة. وشيئاً فشيئاً بدأ تيسير يمارس من وراء ظهر معلمه أعمالاً تجارية بسيطة، ثم استقلّ عنه وصار تاجراً.
نمنا أنا وأبي ليلة واحدة في غرفته وهو يسكن مع أخوته الخمسة في بيت في حارة "زقاق البركة" البائسة في منطقة "باب السريجة" وهذا يدلّ على استحالة أن تكون أمه أختاً لآذن وزير. لم يشغلني تهديده ولا لؤمه، لكن الذي هدَّني هو هذا الوبال الذي أوقعتني فيه هذه الوظيفة الجديدة، وجعلتْ عددا من التجار يرونني خروفاً فيستلون سكاكينهم، امتنعوا عن مطالبة أبي لأنه مريض، فانقضوا عليّ وكثرتْ المناطق المحرمة المزروعة بالألغام.
أتحاشى المرور عبر "القباقبية" حتى لايعثر عليّ الحاج أبوزهير الذي يشكو القلة والذلة يوهمك أنه على وشك أن يفتح يديه للتسول فأغيِّر طريقي من جهة مكتب عنبر إلى مئذنة الشحم. وأتحاشى المرور من وسط "البزورية" ليطالعني "الحاج أحمد" الناعم السلس الذي يحثُّك على نصرة الوالد فأتخذ الطريق من جانب قصر العظم. وأتحاشى المرور من "سوق النسوان" حتى لا يفاجأني "أبو صلاح" ذو الظهر المنحني والعينين اللتين تبدوان ضائعتين لكنهما قادرتان على رؤية دبيب النمل. كما أخشى عبور سوق الأحذية "الصرماتية" المجاور للجامع الأموي حتى لايتصدى لي أبو عبدو "الصرماياتي" الذي دعا أبي مرة وكنت معه على غداء "قصاقيص الخياطة" وهي رقائق من العجين تطبخ مع قطع من البطاطا والبصل والحبوب. أومن "وسط سوق الحميدية" وفهمي "بك" ذو المال والجاه تاجر القماش الشهير وعضو مجلس إدارة "معمل الإسنت" فيلتقطني بعينيه الحساستين وذاكرته اليقظة، بعث بأحد خدمه فاعترض طريقي بتهذيب أسوأ من الوقاحة قائلاً: "فهمي بك يريدك لأمر ضروري" كان يمكنني أن أقول له "راجع بعد دقيقتين" ولكن طبيعتي أنني أفضل المواجهة وتحمّل عقابيلها على الهروب والكذب، وبارك لي "البك" الوقور بالوظيفة وذكرني بمبلغ بسيط (1200) ليرة وتساهل معي أن أدفعه بالتقسيط المريح، فصرتُ إذا دخلتُ سوق الحميدية أضطر إلى العبور عن طريق "سوق الخجا" أو عن طريق "الحريقة" نحو "العصرونية".
إن أولئك التجار ما عدا "فهمي" من الطبقة المتوسطة أو تحت المتوسطة، وقد توثَّقَتْ معرفتنا بهم عندما يأتي واحدهم إلى جيرود ليرى عملاءه من أصحاب الدكاكين ونحن من بيئة تنطبق على قول "المقنَّع الكندي":
أو قول "حسان بن ثابت":
فإذا ما دخل ضيف على الفلاح يقدم له خير ماعنده "على الميسور" ولو كان صحناً من الدبس أما في بيتنا فتُخصَّص للضيف غرفة للنوم ويكون فطوره وعشاؤه مائدة عامرة بالبيض المسلوق والزبدة البلدية والجبن الطازج وحليب الغنم، والمعقود "مربى المشمش" بأنواعه ودبس الزبيب "الدربلي" الأشقر، وغداؤه الرز بالسمن البلدي مع طبخة من الخضراوات العامرة بقطع اللحم، وسهرته الزبيب والجوز والفستق والقهوة المرة المعدّة وفق تقاليد العائلة والتمتع بالهدوء والهواء النقي في فسحة الدار السماوية، وفي أيّ صباح يشاء تُؤَمَّن له وسيلة للركوب ومرافقون للتنزّه في المزرعة. أذكر كيف أن أحدهم تماهى في ذاك الجو الرومانسي في الليل وهو يسهر مع أبي وحيدين وأنا جالس في الزاوية، وأطلق صوته الشجيّ "ياليلي ياليلي" وغنى موالاً لعبد الوهاب "بالبحر لم فتّكم" ثم أغنية "بلبل حيران".
يعلن واحدهم عند قدومه أن زيارته لن تزيد على ليلة أو ليلتين، لكن طيب المقام يجعله يمدِّدها إلى أسبوع أو عشرة أيام يعدُّها إجازة ترفيهية ينعم فيها بالهدوء. إن تلك الطبقة من التجار - تحت الوسط - هي طبقة نفعية انتهازية في الغالب.
وأخذتْ دمشق تضيق عليّ بعدد المناطق المحرمة المزروعة بالألغام، فأمشي كالمتَّهم مطأطئاً حذراً من عينين تصوَّبان إليّ، وأُقفلتْ دمشقُ، ولست أدري ما إذا صارت هذه الوظيفة فخّاً؟ ولستُ أدري أأحقد عليها؟ ولكن من أين أعيش أنا وأهلي؟ أأحقد على أبي الذي كبّل نفسه وكبَّلني بالديون؟ ولكن أليس السبب مرضه؟ أأحقد على المرض وهو قدره؟ أأحقد على الدائنين؟ ولكن ماذنبهم أن يطالبوا بحقهم؟ فلا أجد من أحقد عليه سوى نفسي.
قررتُ بحسم وأَلَم أن أترك هذه الوظيفة التعيسة وأهاجر إلى بلاد الله الواسعة ورحتُ أستطلع أراء معارفي ومَنْ عندهم خبرة فتبيّن لي إمكان وجود وظيفة في التعليم ببعض دول الخليج خاصة وأن عندي خدمات سابقة، وأن الراتب أضعاف راتبي الممزَّق المتناثر وأنني أستطيع أن أساعد أهلي بمبالغ أكبر، وأن أشتري بيتاً.. وعندما ذهبتُ إلى جيرود يوم الخميس، ورأيتُ مرض أبي وتهافته، وتعاسة أهلي، والتفافهم حولي يحيطونني بنظرات ينزلون بها الهموم عن كواهلهم أدركتُ أن الموضوع ليس موضوع مساعدة مالية بقدر ما هو الحاجة إلى رعايتي ووقوفي إلى جانبهم فلفظتُ فكرة الهجرة من رأسي وأشفقتُ أن أخبر أبي وأمي بتسلّط الدائنين.. قال لي أحمد برازي وهو يجلس كالعادة على كرسيّ بجانب طاولتي:
- أتدري أن قيمة الرجل عندي هي بقدر ما عليه من ديون؟
- أهي مجاملة يا أحمد؟
- بل حقيقة. سأوجه لك بعض الأسئلة على أن تجيبني بلا أو نعم. هل يعطي دائنٌ لمدين مبلغاً إلا إذا كان يثق به؟
- نعم.
- أليس الدَّيْن مغامرة؟
- نعم.
- هل يغامر إلا الشجاع؟
- لا.
- على هذا فالمدين شجاع وأهل للثقة. لو كنت تعرف مقدار الديون التي تتراكم عليّ هان أمرك.
- ألا يطالبك الدائنون؟
- صارحتهم منذ البداية أنني لا أملك سوى راتبي، وراتبي من حق زوجتي وأولادي فيئسوا وانصرفوا عني. إنني أترك العالم وراء ظهري وأجلس مساء كل يوم في شرفة بيتي بالطابق الرابع أطلُّ على شارع الصالحية وأمامي كأس العرق، وأختار أغنية لفريد الأطرش يطيب لها مزاجي فأهيم فيها أغنيها لنفسي بصوت ناعم وأعزف على العود.
أحمد ضابط صف متقاعد في العقد الخامس، ربعة أميل إلى البدانة، أنيق وسيم يمشِّط شعره إلى الخلف على طريقة فريد الأطرش، يعمل في مكتب المحاسبة ويزورني يومياً في مكتبي يروي لي حكايات عن مغامراته؛ واقع في "غرام" سيدة "رائعة الجمال" لايحبُّ غيرها ولا تحبّ غيره "كنت جالساً معها كل منا يهيم في عيني الآخر نتحدثُ كمن يلعق العسل، وفجأة جاء زوجها فخبَّأتْني بالسقيفة، كتمتُ أنفاسي حتى غرق زوجها في النوم فتسللتُ هارباً" وأَقْسمَ أن حبه طاهر وأنه لم يمسسْها ورغم أنني لا أصدق مايقول لكنّ حضوره المتميز، وصوته المبطّن "ببحّة" يجعلك تتابعه وتصغي وهو ينقل إليك عدوى الشغف المؤتلق على عينيه.
كيف لي أن أصدق حباً عذرياً في هذا الزمان وقد أنكر " د طه حسين" وجود قيس بن الملوّح مجنون ليلى ويرى إن مايُنسب إليه من شعر "ملحون" صاغه الرواة، وينقل "ابو الفرج الأصفهاني" قولاً عن أحد بني عذرة سأله "هل قيس منكم" أجابه "أنى يكون لنا بني عذرة هذه الرِّقة ونحن غلاظٌ شداد؟" وينطبق موقف أحمد على قول "جميل بن معمر" عن "بثينة":
لكن أحمد ليس مثقفاً ولا أظنه يعرف - إذا كان يعرف - عن أيٍّ من هذين الشاعرين سوى اسمه المُتَداوَل، لكن موقف "جميل" انتقل إلى أحمد بالتخاطر عبر التاريخ.
إنني أعطي أبي كل شهر مئة ليرة من راتبي ويبقى لي ثمانٍ وثمانون أدفع منها اجرة غرفة وثمن الطعام وشراء الثياب فهل أسدد منها الديون أيضاً؟ أَوَليس حقي أن أعيش، وأفكر بمستقبلي بهذا الشحّ الذي لايكاد يبلّ الريق؟ ولأعترف الآن أن استجابتي لرغبة بديعة والتقدم لخطبتها كان تسرّعاً بل خطأ فادح ورغم أنني كنتُ أتوقع بشكلٍ ما أن تكون إجابة أهلها الرفض لكن ما لم أتوقعه هذه الإهانة في الردّ، وهذه الطعنة القاصمة للظهر فزادتني ويلاً على ويل ونبهتني ألا أتهالك على الأحلام والتطلعات "لوتقدم لها ابن عاتكة وافقنا" والمعنيّ ابن خالتي عليّ رغم أنه أصغر مني ومن بديعة بعامين، وعليّ صديق لي حميم بغض النظر عن القرابة، أحبه وأحبّ خالتي وهو يحبني ويحب أمي أكثر من أمه بسبب تزمّتْ خالتي وطلاقة أمي.. كما أن بيت خالتي بعقليتهم المحافظة لايرضون أن يزوجوا ابنهم من فتاة "سافرة" وعليٌّ واقع تحت سيطرتهم، ومهما يكن من أمر فإن هذا الموقف لجمَ أحلامي وأحلام بديعة وجعلها مفرغة من الروح
زوج خالتي من أصل نجدي وعائلته "الوهيبي" من جماعة آل سعود. عندما حصل عليٌّ على الشهادة الابتدائية أرسله أبوه إلى الرياض إلى "البني خيه" كما يسمي عائلته فانضمّ عليٌّ إلى أبناء جيله "السعوديين" وانتسب إلى الكلية العسكرية وكان برنامجها تدريس مواد الشهادة الإعدادية العامة والشهادة الثانوية العامة مع دراسة العلوم العسكرية وتخرج برتبة ملازم. كان بيت خالتي يعيشون على الكفاف عندما كنا نلعب بالنقود واليوم انعكست الآية نحن نعيش على الكفاف وهم في بحبوحة.
إن استفزاز أم بديعة وغطرستها وكيدها لن يغيّر شيئاً من قناعاتي أن بديعة اغتُصِبتْ مني وغدونا كلانا مجنيّاً علينا، ومشكلتي الآن هي كيف أتحرَّر منها نفسياً لأن مبادئي الصارمة في الحياة تحظّر عليّ التفكير بامرأة متزوجة.
دخلتُ غرفتي وارتميت على السرير غاضباً: أنا لا أقبل أن أكون مظلوماً ولا حتى ظالماً ولكن قدري المحتوم أن "تجري الرياح بما لا تشتهي السفن" قال الشاعر:
أي أن تكون "مرناً" قادراً على التكيف مع ظروف حياتك لا "متحجِّراً" ينطح الصخر. لكن هذا تسويغ وإشفاق على النفس، وقناعات غدتْ ركاماً وبقايا، وعواطف تُوشك أن تدخل في سُبات كبعض مخلوقات الله من الحيوانات واستسلام كما يقول الشاعر:
أحسّ الآن بفراغ عاطفي، وتوق إلى امرأة أبوح لها بآلامي فترأب صدوع نفسي، وتقف إلى جانبي في التصدي للصعاب وما أكثر الصعاب. لن أستسلم مادام الأمل عامراً في نفسي لأن متعة الحياة في المغامرة وتحدي الصعاب.
بعد ظهر اليوم التالي طرقنا أنا وتوفيق باب القابلة لنعرف نتيجة زيارتها الاستطلاعية قدمتْ لنا وهي تدقِّق النظر إليّ معلومات تظاهرت أنها حيادية وإن بدتْ لاتعني الرضا ولاعدم الرضا فإنها تشي بعدم القبول وبتعمُّد المجاملة. قدمتْ لنا ابنتها مارسيل ذات العنق العاجي والذراع البيضاء القهوة قائلة بطلاقة "تفضلوا" ورمتني بنظرة عابرة متفحصة وخرجتْ تدرج كالهدهدة. قالت القابلة إمعانا في المجاملة والحياد "أخذتُ لك موعداً أن تزورهم غداً بعد الظهر إن شئت!"
طرقتُ الباب فاستقبلني أخوها وجلس يستعرض مهاراته المتعددة في الرسم الغوغائي ونظم الشعر الرثّ، وصولاته في التمثيل وتطلُّعه إلى الإخراج، ولم يفسح لي أن أحرك لساني بكلمة واحدة. ثم دخلت الأم ورحَّبتْ بي وجلستْ توجه لي أسئلة ماكرة فأجيبها باقتضاب وبشكل عفويّ وعندما انزلق لسانها تصفني أنني من أهل "برّا" انجذبتُ لاشعورياً أفكِّر بالانسحاب قبل فوات الأوان لكنها تمسّكتْ بي ربما على مضض لأنني فيما يبدو فرصتها الوحيدة. ودخلتِ الفتاة تحمل كؤوس العصير وجلستْ باحتشام وعاد الأخ يصول ويجول وأنا منغلقٌ مطبقٌ فمي لا خاطبت الفتاة بكلمة ولا خاطبتني لكنني أعجبت بها ورأيتُ هذا كافياً كانت نظراتي ونظراتها محتشمة متكسِّرة رغم أنها متفحصة، كنت بلا شعور أروزها وأضعها في كفّة مقابلة لبديعة وسائر من عرفت من بنات حواء. ورحت أصوغ حلماً بأن أمامي بحراً من العواطف ماعليّ إلا أن ألقي بنفسي فيه وأتمرغ على مويجاته الناعمة قبل أن تهيج الرياح.
وعدتُ إلى غرفتي أسوّي حسابي مع نفسي: لقد نشأتَ من حيث لاتشعر مزدوجَ الشخصية:
مشروع مثقف نزاعٍ إلى حياة "طوباوية" موقناً بأنه ليس في العالم "حقيقة مجردة"
ومشروع كائن اجتماعي "فلاح محافظ" نشأتَ تحمل مسؤولية أخواتك باعتبارهن "عِرضك" فغضضتَ الطرف منذ مطلع حياتك عن بنات قريتك حتى إنك لم تكن تذكر لون عيني واحدة منهن، ولعل هذا ما حدا بك أن تختار زوجة "دمشقية" لكن عبارة الأم "أهل برّا" مازالتْ تهزّني.
حتى بطاقة "هويتي" متناقضة اسمي الأول "محمد عبد النبي" مركَّب من ثلاث كلمات بطبيعته، كنت في الصفِّ السابع عندما ذهبت إلى "القطيفة" أستلم بطاقة الهوية ووقفتُ أمام أحد كتاب الأحوال المدنية "النفوس" الذي لايكاد بؤبؤ عينيه يبدو جلياً من خلال نظاراته السميكة ولا تزيد معرفته بالقراءة والكتابة كما أرى من خطه على "فكِّ الحرف" فجعل اسم الأب مركباً "محمد اسماعيل" مضيفاً إليه اسم الجد، وجعل اللقب مركباً "هزيم حجازي" وجعل تاريخ الولادة في العام 1937 كله بسبب بعر الذباب على أوراق السجلات المتآكلة الموروثة من العهد العثماني، حاولت أن أصوِّب كتابته فأبى وزمجر يكاد يأكلني بلا ملح إنه ابن "حكومة" وضعتْ ثقتها فيه فألجأتها الضرورة كما أرى أن تشدّ على الكلاب بدل الخيل. وكم كنت أرى الكثيرين من الناس من تبدّلتْ أسماؤهم مثل عائلة (عبد الحيّ) صارتْ (دلحي) ومثل أحد زملائنا في الجامعة اسم عائلته (الأشقر) فصارتْ (الأبرص) لكن المستغرب أن تسند تلك الوظائف الحساسة "ضبط سجلات الأحوال المدنية" إلى مثل أولئك الموظفين.
كان عندنا مصحف كبير جعل عمي إحدى صفحاته البيضاء الأولى أرشيفاً يكتب عليها جميع وقائع العائلة الزواج والولادة والوفاة باليوم والساعة. وجاء مقابل اسمي وضعتْ أمينة زوجة أخي محمد مولوداً ذكراً سمي محمد عبد النبي في الساعة الواحدة (بحسب التوقيت العربي القديم أي بعد المغرب بساعة) من يوم الثلاثاء العاشر من شهر أيار 1938 الموافق الحادي عشر من ربيع الأول 1357هـ ليلة عيد المولد النبوي الشريف.
كانت أمي بطبيعتها صارمة في تربيتنا تضمر الحب القوي في قلبها ولا تفسح مجالاً لأيٍّ من أولادها أن يتباسط معها في الحديث وكانت منشغلة دائماً بأمرين: الخياطة والتطريز لتأمين مصدر معيشة للأسرة، وبالعناية بأبي المريض، فعوَّضت الشقيقة الكبرى فاطمة هذا النقص بتربيتنا والعناية بنا، وبعد أن تزوجتْ غدت مرجعاً لأخواتي توجههن وتعيد صياغة تربيتهن وتعوضهن عن "حنان الأم" وكان زوجها حاتم يتفهم حالنا ويتعاطف معنا جميعاً برحابة صدر كأخ أكبر، لايتدخّل بشؤوننا إلا بالقدر الذي تتطلّبه الضرورة، كما كان بيتها في دمشق بعد مرض الوالد وانتكاسة الأسرة استمراراً لاستقطاب الأقارب خاصة من أهل الوالدة تستقبلهم هي وزوجها وتتبادل معهم الزيارات. أما أنا فكانت مستودع أسراري وهمومي ألجأ إليها كلما ضاقتْ بي الدنيا، وكم كانت بعض تصرفاتي لاتخلو من أخطاء ندمتُ عليها بعد فوات الأوان رغم أنها لم تعكِّر علاقتي بها أو بزوجها. من هذه الأخطاء أنني زرتها مرة في القنيطرة بضعة أيام وكان بيتها يحتوي على غرفتين ومعي محمد بكار. وأثناء خدمتي العسكرية شاءت المصادفات أن يكون عمل زوجها في القنيطرة وكان سهلاً عليّ زيارتها بين حين وآخر وعندما بدأتُ عملي الوظيفي وسكنت في دمشق كان زوجها قد انتقل إلى مقر وزارة المواصلات. كان من خريجي مدرسة المراقبين الفنيين وتنقّل في عدد من ورشات الوزارة في محافظة دمشق حتى أصبح من أوئل المساعدين الفنيين في الوزارة. كنت أضع ثيابي في خزانتها وأبدّلها عندها، حتى إنني كنت أجمع الأواني المتسخة بمحفظة وآتيها بها لتنظفها أثناء إقامتي في السبع طوالع، وكنت أقضي معظم السهرات في بيتها ألعب الورق وأتسامر مع زوجها الذي كان ينفتح قلبه لزيارتي واتخذ مني صديقاً، وكان "عاطف" ابنها البكر مولعاً بي كنت أحمله منذ أن بلغ الرابعة وأجول فيه ببعض الدكاكين أشتري له ما يفرح به الأطفال، وهكذا كان ابنها الثاني وسائر أولادها يتهلَّلون لزيارتي وكأنها موسم فرح.
وعندما تحمِّستْ لفتاة "المزة" تحمَّستْ معي مراعاة لمشاعري ورداً لاعتباري وتعويضاً لانتكاستي ببديعة فذهبت معي هي وزوجها إلى "المزة" ودار حديث جلا الكثير من الأمور سألهم حاتم عن الأب قالوا إنه مصاب بسرطان الرئة خاضع لمسكِّنٍ قويّ لا يحسّ بالآخرين وبعد أن خرجنا قال لي "عائلة متواضعة" وقالت أختي "لا بأس ولكن يجب أن يأتي أبوك وأمك" أمي قالت بعناد واستنكار "أنا لا أخطب لك شامية" قلت "إنهم أكراد" قال أبي "أكراد لابأس" وحاول أن يقنع أمي فأصرتْ على الرفض. قال لخالتي مريم "هيا معي"
وقال لي "ليرونا من القاع" يعني أن خالتي مريم ترتدي ثياباً فلاحية ولا تجيد الحديث في شيء. كانت زيارة أبي الأولى استطلاعية حضرها خالها وأخوها الأكبر (غير الشقيق) واتفق مع الأم وهي الناطق الوحيد باسم العائلة على المهر، وفي المساء قال لي ونحن في بيت أختي "أنا لم أخذلك لكن البنت يا ابني رقيقة لاتحملك" أجبته أنني مصر، وانفردت بي أختي وقالت:
- أبوك يقول الحقيقة. أنا وأبوعاطف لم نشأ أمسِ أن نجرح مشاعرك.
- موقفكما ملون بالتردُّد، أنا مصرّ.
- أخشى أن يكون موقفك ردة فعل.
- نعم هو ردّة فعل، بل إعادة اعتبار. لماذا تقفون جميعكم في وجهي؟ أنا أريد أن ابني مستقبلي كما أشاء.
انفعلتُ فارتفع صوتي، سمعني أبي فناداني وقال:
- ما الأمر؟
- أنا مصرّ على موقفي.
- وأنا سأبرّئ ذمتي وأكتب لك رسالة أضعها في المصحف.
جلستُ مقطباً متحفزاً متحدياً متوثباً مستنكراً أن يرفض أهلي البنت التي ارتاح لها قلبي. شعَّتْ أمارات الحنان على وجه أبي لعله تذكر كيف أجبر أهله أن يخطبوا له ويزوجوه "مريم" وهو في السابعة عشرة. واستيقظ فيه التوق أن يرى أحفاده بعد أن طعن في السن. قال لي "أوصلني الآن إلى بيت الحاج حسن، وتعال في الصباح"
كان لأبي عمّان اثنان هما أحمد وعلي وبالأصح أبوهما هو ابن عمه، أحمد له ابنان يوسف وحسن وعلي له ابنان محمد وحجازي وفي نحو العام 1925كان الأربعة يعملون معه في "نبع بردى" وكانوا في حدود العشرين من العمر وباستثناء يوسف كان الثلاثة يروغون ويتهربون من العمل فيطلب إحضارهم، فيعودون إلى التهرب فأمر أن يبطحوا على الأرض وساطهما بخيزرانته "فلقة" أمام العمال وعند طلوع الفجر هربوا ثلاثتهم إلى مكان مجهول. في نحو العام 1950 فوجئت العائلة بقدوم "حسن" يحمل رتبة مقدم في الجيش السعودي ومعه زوجة لم أرها لأنني كنت فوق العاشرة، قيل إنها سمراء كالحة خنّاء شمطاء معروقة اليدين تبدو أكبر منه سناً. وروى أنه بعد وصوله بعامين وكان يحمل الجنسية السعودية ويعمل صفّ ضابط في الجيش السعودي رأى فتاة من أهل مكة في الحرم المكي فأعجب بها. إن النساء في الحرم يكشفن عن وجوههن فتقدّم إلى خطبتها وهو شاب وسيم أشقر أبيض الوجه. سمح له الأهل بحسب الشريعة الإسلامية أن يراها عن كثب ويسمع صوتها، فعقدوا له قرانها، وليلة الزفاف فوجئ أنهم "لبّسوه أختها" فاحتفظ بها لأنها أنجبت له ابنه منير، وراح يتزوج امرأة ويطلق أخرى حتى أصبح عدد مطلقاته عشراً. ومنذ وصوله في العام 1950 جاء وكأنه يبحث عن زوجة.
صباح اليوم التالي تلاحقتْ مجموعة من الإجراءات السريعة. اصطحبني أبي ومعه أمي والحاج حسن وقمنا بزيارة أهل الفتاة. بعد أن شربنا العصير والقهوة قال أبي للأم "هاتي ابنتك وامشي معنا" فاشترى لنا خاتمين وطلب كل منا أن يضع الخاتم في إصبع الآخر وقال "مبروك" فقبّلنا يده. ودعانا الحاج إلى الغداء في مطعم معجنات "صفيحة" ثم دعا أبي الأم وابنتها إلى جيرود وفي المساء طلب من الشيخ أن يعقد قراننا "كتاباً شرعياً" من أجل الحلال والحرام واختارت الفتاة أبي أن يكون وكيلها بحسب الأصول الشرعية فأجلسني الشيخ أمام أبي وطلب مني أن أقول له: "زوجني وأنكحني" وانتهت المراسم بهذه البساطة وصار لي "زوجة" شرعية حقيقية لكنها "خطيبة" على عيون الناس حتى الزفاف، وبقدر ماكان أبي منشرحاً منطلقاً أن يخطب لأول أبنائه بدتْ أمي مغلوبة على أمرها صامتة.
كنتُ أزورهم في الغالب يومياً وأتعرف إلى عائلتها خالها الكبير وخالها الصغير، وأخويها غير الشقيقين أحدهما لأبيها والآخر لأمها. عندما أزمعتُ الخروج معها أول مرة تنطّعتْ أمها لمرافقتنا فوافقتُ مكرهاً معروف أن الخطبة هي مرحلة اختبارية ومحاولة لاكتشاف الآخر واكتشاف الفوارق والاختلافات والسعي إلى تحقيق حدٍّ أدنى من التقارب والانسجام، فكيف لي أن أتعرف إلى خطيبتي عن كثب إن لم نكن وحدنا؟ كنت أنوي أن آخذها بأول خروج لنأكل "البوظة" عند بكداش في سوق الحميدية أو نأكل "النابلسية" في بوابة الصالحية، لكن قدميّ ساقتاني إلى حديقة السبكي وجلسنا ننظر إلى الناس رائحين غادين فرادى أو مثاني أو جماعات. نرى أماً تمسك بيد صغيرها فنحلم بولد نخرجه معنا، لقد كسد ذاك الخروج من وجهة نظر الأم ومن وجهة نظرنا.
في المرة الثانية رفضتُ بإصرار أن ترافقنا الأم فنشأ أول خلاف بيننا. كان إحساسي أنها لاتنوي الخروج لأسباب "رقابية" لأن ابنتها مكتوب كتابي عليها، رأيتُ أن غايتها ليستْ سوى الفضول وأن تندس "بين البصلة وقشرتها" غير عابئة أن يكون فضولها استهانة بمشاعرنا، ولم يكن خروجنا إلا الذهاب إلى السينما أو التنـزّه بالحدائق العامة أوالمشي في الأحياء الراقية، وإذا زاد على ذلك فزيارة بيت أختي، أو بيت خالها. كان هذا الخلاف مؤشراً آخر لكلمة "برّا" التي قذفتْها في وجهي فملأتْ نفسي وساوس وقلقاً خاصة أن الخطيبة لم تقل كلمة واحدة، ولم تكن نتيجة إصراري تهمني ساعتها ولو أدتْ إلى خلع الخاتم، ويبدو أنها أحسّتْ بالخطر فابتسمتْ ابتسامة خلبية وسكتتْ على مضض.
بدت لي الخطيبة فتاة فاضلة جذبتني بحشمتها وعقلها "المحافظ" وأفاضتْ لي بكل مافي قلبها ونحن جالسان في الشرفة العالية في مقهى "ابوشفيق" نطل على الحور البلدي والرومي ذي الأوراق الخضراء والبيضاء يشرئبُّ على ضفتي بردى. فتذكرتُ أحمد شوقي عندما تبيّن له أن دمشق هي "جنة الخلد":
والحَوْر في دمَّرٍ أو حول هامتها حورٌ كواشفُ عن ساق، وولدانُ.
صارحتني الخطيبة أنها تتذمر من حياتها بين أسرتها هم يعيشون في فوضى واستهتار وهي تحب الهدوء والنظام.
بدأتُ أعيش "خطبة" ممتعة حالمة على سجيتي أحسّ لأول مرة أن امرأة دخلت حياتي وصارت بين يدي، لكنني سرعان مابدأتُ أحسّ باختلاف جوهريّ مع أهلها. أنا من أسرة "ريفية" متوسطة عندي مشروعي الثقافي أبنيه بالاطلاع والمعرفة والثقافة العميقة، وهم أسرة فقيرة لاشأن لها بالثقافة وكل مفهومها الحضاري أنها "أسرة دمشقية" تستعمل "فرن الغاز" في الطبخ وتشتري الخبز "المرقّد" من المخابز. وبدأ حاجز التناقض يعلوا بيني وبينهم لكن الأمر يختلف مع الخطيبة إنها متواضعة طيبة هينة تذهب معي لزيارة أهلي يوم الخميس في جيرود معظم الأحيان، وتتقرب من أمي وأبي وبقية الأقارب، ورغم ليونتها أراها أحياناً عنيدة سريعة التقلّب، وأزعجني بعض الاختلاف في الأمزجة بيننا فهي مثلاً لاتحبّ السير على الأقدام لنقص في لياقتها البدنية، وعندما شرعتْ ثقتي بها تهتزّ قررتُ أن أخاطب الجوانب الإيجابية فيها.
سمعت في برنامج "صلاح دهنى" الإذاعي عن فيلم أمريكي رومانسي جميل "نزهة" للنجمين الشهيرين "وليم هولدن" و"كيم نوفاك" فاشتريت تذكرتين وذهبت لأحضرها وما إن وصلتُ إلى الباب حتى سمعتُ عويلاً من أصوات نسائية حادة متشنجة "ولي ولي" فوقفتُ حائراً ثم طرقتُ الباب فانشقَّ قليلاً ثم خرجتْ تنتحب قائلة "مات أبي" واسيتُها أحاول التخفيف عنها فبدتْ لي كمن تناول جرعة مخدر رغم أن أباها كان متوقَّعاً أن يموت، وامتلأت الدار بالأهل والأقارب.
في الصباح شاركتُ بتشييع الجنازة والدفن يرافقني محمد خضرة وأبو عاطف وفي المساء "بين المغرب والعشاء" وقفتُ مع خواص الأهل خلال ثلاثة أيام العزاء نستقبل المعزّين ونودعم "عظم الله أجركم" "شكَّر الله سعيكم" عبارات تلوكها الألسن للاعتبار والتفريج عن الحزن مربوطة بعادات متوارثة. وارتدت الخطيبة "الثياب السوداء" وبعد جهود حثيثة خلعتْها لكنها ارتدتْ ثياباً رمادية بدلاً منها لم تخلعها إلا بعد أربعين يوماً وبعد عناء شديد وازداد تذمرها من وضع أهلها وهفوتها إلى الزواج والابتعاد عنهم، وازداد تعلقها بي.
في مطلع العام 1961 تزوجت صغرى الأخوات "رويدة" وانتقلت إلى بيت "البختيار" لتعيش مع زوجها في الغرفة المجاورة لغرفتي. لقد عشتُ مرحلة حرجة حساسة لأن عادتنا في العائلة عندما تتزوج البنت ينبغي أن يكون ولاؤها كاملاً لزوجها. مرة داهمني محمد بعصبية يحاول أن يستنجد بي لأحلّ خلافاً طارئاً بينه وبين أختي فقلتُ له بجلافة وحسم "لا علاقة لي، يجب أن تنسى أنني جاركم" وأنا أعرف أن الزوجين في بداية حياتهما الزوجية لابد أن يختلفا، وترى أمي أن التدخل بينهما هو الذي يسيء لعلاقتهما الزوجية. هذا ما كان مع أخواتي اللائي تزوجن وهو ينطبق بالضرورة على آخر العنقود هذه الصغرى المدلَّلة.
في أيار 1961 جاء أبي يزورني في "البختيار" ومعه أمي أعدَّتْ لنا أكلة "كبة" ساعدتها بها رويدة وكانت الكبة محرَّمة في بيتنا حتى لايشتهيها أبي وتؤدي به إلى مضاعفات خطيرة بسبب القرحة، وفاحتْ رائحة الأقراص المشوية المحشوة بالبصل والشحم، وأكل منها أبي "السترة على الله" وبعد منتصف الليل داهمته نوبة ألم حادة قاسية جعلته يستلقي على قفاه يلهث ويستجير.لم يكن متاحاً "في البختيار" آنئذٍ أن نجد هاتفاً لطلب الإسعاف أو نعثر على سيارة اجرة. فحملته على ظهري الى مشفى المجتهد أتوقَّفُ وأستريح يساعدني محمد خضرة. فحصه طبيب الإسعاف وزرقه بإبرة مخدر سأله أبي:
- هل أستطيع أن آكل ما أريد؟
- نعم كل ماشئتَ ياعم.
ولم أُبدِ سوى احتقار هذا الطبيب الذي أفهمته منذ وصولنا أن سبب هذه النوبة من الألم هو الطعام فلم يعرني أيّ انتباه وكتب وصفة حبوب مسكنة للألم "مورفين" اشتريتها وعدت به إلى البيت.
في اليوم التالي أخذته الى طبيبه "موفق المالكي" فأجرى له فحوصاً كاملة، وطلب صوراً شعاعية لمعدته وأمعائه، وعندما اطلع عليها طلب إدخاله الى مشفى المواساة حالاً وكان رئيساً لقسم الأمراض الباطنية. يومها عرفت أنه مريض بالقرحة في الإثنى عشرية. وأن معه الآن "انسداد بواب".
لم تكن المشافي آنذاك مجانية إلا لمن يحضر وثيقة "فقر حال" من المختار والهيئة الاختيارية في جيرود مصدقة من مدير المنطقة في القطيفة. وكان الحصول عليها قاسياً بسبب ماتجرّه أمام الناس في جيرود "فقر حال بعد العزّ" من شماتة واستخفاف؛ ومستحيلاً بسبب ضيق الوقت لأنه في حالة إسعاف وجميع دوائر الدولة عندنا يشلّها الروتين واندفعتُ وحدي "يقول عمر بن الخطاب: وحدك وحدك ولا قرينٌ صالح" وتدبّرتُ أمري ودفعت سلفة على الحساب على أن تُستكمل عند خروجه. إدارة المشفى لا تسمح بإخراج المريض حيّاً أو ميتاً إلا بعد أن يسدَّد كل ما عليه.
بالمصادفة رأيتُ "علي عباسي" شقيق أحد زملائي في التعليم بين طلاب الطب فاطلَّع على حالة أبي وقال إن حالته خطيرة جداً لأن "انسداد البواب" قد يعرضه لنزيف هضمي "صاعق" يؤدي إلى الوفاة فلا تنفع معه العملية الجراحية.
أصبح أبي الآن هيكلاً عظمياً يده موصولة "بالسيروم" غذاؤه الوحيد يسلط إلى قلبي وخزات من الألم تشبه خوار الروح حتى إنه بدا عاجزاً عن الخروج إلى "الحمام" فطلبتُ من الممرضة أن تسحب إبرة السيروم، وأمسكته من يده ودخلتُ معه وأنا أزداد احتقاراً لهذه الحياة التي جعلته ينتكص، وجعلتنا ننتكص معه.
وطفق الأهل يزورونه يحملون أكياس الهدايا من حلوى وفاكهة. حتى جاء منتصف الليل يوم الأربعاء 17/أيار/1961 فتوفي بنزيف هضمي صاعق - رحمه الله - وانهدّ ذاك الجبل الأشمّ ولم يتجاوز الثانية والسبعين من عمره.
في الصباح اتصل معي محمد خضرة وكنت قد أعطيتُ إدارة المشفى رقم هاتفه. قال مرتبكاً:
- اتصلت معي إدارة المشفى الآن.
- توفي أبي؟
- البقية بحياتك.
اتصلت مع مركز بريد جيرود ورجوت "الحاج علي" أن يخبر ابن عمي إسماعيل، عزاني الزملاء في المعمل وأبدو تعاطفهم معي وأمر مدير المعمل بالوكالة "النقيب زكريا" السائق أن يذهب معي حتى أنتهي واستلفْتُ من المهندس "روبير" مئة ليرة وضعتها في جيبي وغادرتُ يعفور مع "أبوعلي" أشعر بمتعة "العزوة" التي ترشّ على الرأس ماء بارداً وهو يوشك أن يلتهب. ويقال "لماذا تستدين؟" يجهلون أو يتغابون أنني واقع في مأزق لا أحد يمدّ يده ينتشلني منه. وصارت الدنيا في عينيّ تغمغم كطبقة الدبس تغلي في حلّة كبيرة يخرج من فقاعاتها البخار.
كان محمد خضرة ينتظرني على باب المشفى وحيداً لأن صهري حاتم زوج الشقيقة الكبرى مسافر في إدلب. رافقني محمد حتى سدَّدتُ أجور المشفى وذهبتُ لأرى الجثمان. رأيتُ أبي في براد المشفى جثّة هامدة بين عدد من الجثث تمالكتُ نفسي وكشفتُ عن وجهه فأحسستُ بهول الفاجعة وبأن الأرض تميد بي وتخيَّلتُ أخواتي ينتحبن. التفتُ إلى محمد فرأيته دامع العينين، قلتُ له "إن أكثر ما يشغل بالي الآن حال أخواتي، أرجوك أن تأخذهن إلى جيرود" فذهب مسرعاً، وعدت إلى إدارة المشفى فرفضوا تسليمي الجثمان حتى أحصل على وثيقة من مكتب دفن الموتى تسمح بالدفن. قلتُ للمدير "نحن من جيرود " قال بغلظة وإصرار "حتى لوكنتم من استانبول".
ذهبتُ إلى مكتب دفن الموتى ووقفتُ انتظر دوري بين كثرة من المراجعين وكأنني كنت أعتقد أن أبي هو "المُتَوَفّى" الوحيد فقالوا لي "هات لنا شهادة وفاة من المشفى" عبارة خاطفة جافة نبستْ بها شفتان يابستان فرَّغتهما العادة من أيّة ابتسامة مجاملة.
إن الإداريين والخدم في المشفى ومكتب دفن الموتى يتعاملون مع ذوي "الميّت" كما يتعامل بائع البطيخ مع الزبون، وحالتهم الشعورية حيال المنتحبين المعولين ليست سوى استخفاف وهزء بالأرض ومن عليها ومن في باطنها.
اشتريتُ ربطة عنق سوداء وعدتُ إلى المشفى فرفضت الإدارة أن تسلمني الجثمان إلا إذا دفعتُ سبع عشرة ليرة رهن التابوت والملاءة ورضي سائق التاكسي أن يعيدهما ويسترد المبلغ مقابل أجرته وتحرّكتُ نحو جيرود هائماً كالطير نُتِف ريشه وألقي من الأعالي فابتلعتْه سحب دكناء. لقد غدوتُ بلا أب وانهدّ ركن البيت، ومُسِحتْ من رأسي كل الذكريات والتطلعات، صارت الدنيا كلها لاشيء. وعندما دخلتُ الحارة وهاجم عيني حشد من الأقارب والأصحاب بين من يمسح دموعه بطرف كوفيته ومن تغضَّنتْ ملامحه تذكرت أن كل ماتبقى معي من نقود لا يتجاوز ثلاثين ليرة وأمامي نفقات الدفن والعزاء على مدى سبعة أيام، ومعزّون من جيرود ومن خارجها، وموائد تبسط عليها وجبات الفطور والغداء والعشاء للضيوف والمعتفين والمرتزقة من رجال الدين، وكل من ينتهز فرصة المصائب منساقاً إليها مبتهجاً بها.
وأكثر من آلمني أخي فيصل الذي وقف ينظر إليّ بعينين مشدوهتين عاتبتين وكأنما غارتْ المأساة في داخله والتبستْ عليه وقائع الحياة.