التحقتُ بشعبة تجنيد القطيفة في العشرين من تموز (يوليو) مع أبناء جيلي من جيرود فساقونا إلى مركز التدريب وزجونا في ذاك "الخان" القديم ذي الأسوار العالية وخلطونا بمن سيقوا من جميع مناطق سورية. وسُمينا بازدراء "الأغرار" وكأننا فاقدوا الأهلية الشرعية وشرع الجميع يتسلطون علينا: المجند الأقدم والجندي المتطوع والجندي الأول والعريف، وكان الرقيب يبدو كأنه الزعيم أما المساعد فكان زعيماً حقيقيّاً إذا وقع الغرّ بين يديه يحس كأنه واقع في حفرة، وأما الضابط فكنا نحسّ به عندما نرى الجميع كأنما لفحتهم ريح عاتية، ثم نراه من بعيد مقطِّباً مختالاً ترتجّ الأرض تحت قدميه تكاد أن تميد وعلى كتفيه تلتمع نجمة واحدة أو نجمتين أما أصحاب الرتب الأعلى والنجوم المتلألئة فكان يستحيل علينا أن نراهم رأي العين.
سلموا رؤوسنا في البداية للحلاقين يقصون شعرنا. ذكروني بحلاقي الأرصفة في دمشق، يضع الحلاق الزبون على جذع شجرة ويفتح محفظة متآكلة، ويشحذ الموسى على جلد زناره ويهمّ بالزبون مقابل عشرة قروش، وبما يقال عن حلاقي السعودية يبطحون الزبون ويجثم أحدٌ على صدره يمسكه بيديه حتى لايتحرك لأن أدوات الحلاقة المثلمة تقضم الشعر أو تقتلعه دسستُ بيد الحلاق - كما قيل لي - ربع ليرة حتى حتى لا يجزّني على (الصفر) وعندما نهضت دفعت أصابعي إلى رأسي فتزحلقتْ. غطيتُ رأسي بمنديل أحس بالمهانة، وسيق "ناس الحضيض" أؤلائك الذين جاؤوا من تحت الأرض الفضاء، من تحت خطّ الفقر، وخطِّ الحضارة؛ من تحت كل الخطوط لا يحلقون شعرهم إلا بمقصات جزّ الخراف كلَّ شهرين أو ثلاثة، ولا يغتسلون ويغسلون ثيابهم إلا بالمياه الجارية أو المخزنة بصهاريج في الصخور، لا يعرفون الصابون ولا أيّ نوع من المنظفات. في جيرود كان يقول لنا الأستاذ عندما كنا في الابتدائية "ليس عيباً أن ترتدي ثياباً مرقّعة لكن العيب أن تكون ثيابك وسخة" وكانت النساء في الأوساط الفقيرة ينظفن أواني الطعام بالرماد أو "الأشنان" وهو نبات يتوفَّر حوالي جيرود بغزارة يقطفه الناس ويبيعونه لمعامل الصابون في دمشق فيتحول عندما يحرق إلى "الصودبوم" الذي يصنع منه الصابون، ويستخدم أهالي جيرود جريش "الأشنان" في الاغتسال. كنا في العائلة آنذاك نشتري الصابون من طرابلس وكانت أمي تجمع البقايا وتعالجها بالماء الساخن وتصنع منها قطعاً متعددة الأشكال تغري بالاستعمال.
عندما حان موعد الغداء لأول مرة في المركز. وُزِّع الطعام وهو من النوع الشهي اللذيذ والخبز من النوع الفاخر في قصاع تخصص القصعة لخمسة أشخاص فهجم "ناس الحضيض" وهم لايعرفون من الطعام سوى حشائش البرية، وخبز المَلّة (الذي ورد ذكره في قصيدة للشاعر المخضرم الحطيئة) وأخذوا يتصارعون ويتضاربون رأيتُ أحدهم يسطوا على قطعة لحم يمدّ يده ويختطفها، فيتصدّى له آخر ويوّجه له لكمة قوية ورغم أنها أدت إلى وَرَمٍ في حجاج عينه واصطباغه باللون الكحلي قرفص جانباً وأخذ ينهشها بنهم.
كان الأقرب إليّ من أبناء جيرود اثنان: محمد السيد من زملاء الدراسة، وعبد الودود شاهين من أبناء الحارة وهما أكبر مني سناً كانا قد تطوّعا بصفة جندي لكنهما سُرِّحاواستُدعيا الآن لاستكمال الخدمة الإلزامية فتآلفتْ معنا ثلة من أمثالنا "حاملي الشهادة الابتدائية وراسبي الكفاء" معظمهم من أبناء مدينة دمشق أو من "كفرسوسة" و"داريا" نُزجي الوقت بالمرح والمزاح متوارين في الزوايا عن أصحاب "الرتب!" حتى لا تُمتَهنُ كرامتنا وكنتُ أقول دائماً " يارب ليتهم يأخذوننا إلى الجبهة" فيعترض علي أحدهم مستنكراً:
- إلى الجبهة يارجل؟ لوكنت تعرف شقاء العسكريّ في الجبهة لما تمنّيتَ هذه الأمنية
- كلّ شيء إلا أن يضعوني حاجباً في مكتب من المكاتب وتُمتَهنُ كرامتي.
- ليتهم يضعونني حاجباً.
في الصباح شرعوا يخضعوننا لسلسلة من الأعمال الإدارية والفحوصات الطبية استعداداً لتوزيعنا على قطعات الجيش. واستُدعينا بحسب مكان الولادة نتقدم واحداً واحداً نحو مساعد أول يجلس وراء الطاولة بين اثنين يساعدانه برتبة رقيب ورقيب أول سألوني عن عملي قلت:
- معلم وكيل.
- ماذا!؟
- معلم مدرسة.
- ما الشهادة التي تحملها؟
- راسب كفاءة.
كنت أرى هذا الإنجاز "راسب كفاءة" مثل عاهة كمن بُترت ساقه أو ذراعه وأُجبر أن يتعايش معها وأسخر من نفسي أن يكون الرسوب إنجازاً. وفي الفحص الطبي النهائي أدخلونا مهجعاً واسعاً وطلبوا منا أن نخلع ثيابنا ونتقدم نحو اللجنة الطبية عُراة كما ولدتنا أمهاتنا، بدونا كالقادمين من التاريخ قبل أن يتعرّف الإنسان إلى الثياب.
ووُزِّعتْ علينا الألبسة العسكرية والأحذية دون مراعاة مقاساتنا، واندفعنا يتبادلها بعضنا مع بعض ولم يبق إلا شبيهو الأقزام، وغليظو العظام الذين أطرقوا أمام باب المستودع كأنهم اقترفوا الذنوب فألقى "ناس الحضيض" ألبستهم المدنية الزرية المهترئة، وأحذيتهم المقطَّعة على الأرض إلا من كان حافياً ليجمعها عناصر الخدمة ويلقوها في براميل القمامة متذمرين. وصار العسكر جميعاً متساوين في الشكل والمظهر مثل حبات الحمص لا تكاد تعرف واحداً من الآخر. وتحار في موقفك من "ناس الحضيض" أتسخر منهم أم تشفق عليهم أم تسخط على الأحزاب"التقدمية!" الذين استقرّوا في العاصمة أوفي مدينة حلب "عاصمة الشمال" يتصارعون على الرتب والمناصب، وتركوهم في قراهم النائية والمتطرفة حتى في بعض المناطق القريبة من العاصمة يتوارثون واقعاً اجتماعياً متخلفاً، ويزدادون تخلّفاً.
إن الشيوعيين يزدرون الفلاحين ويقولون "إن الفلاح مستعد أن يثير معركة مع الآخرين من أجل الحصول على شبر من الأرض" ويحاربون أصحاب الملكيات الخاصة مهما صغُر شأنها ويركِّزون اهتمامهم - في بلدٍ النسبة العظمى من أبنائه يعملون في الزراعة - على الطبقة العاملة "البروليتارية" والتجمعات العمالية حول عدد محدود من معامل الغزل والنسيج في دمشق وحلب في محاولة "لاهثة" للتبشير بأولى الخطوات نحو الاشتراكية "ديكتاتورية البروليتاريا" فيما كان شعار البعثيين "العامل والفلاح" وكانوا ينتشرون - بحدود ضيقة - في بعض الأرياف ومعظمهم من المعلمين يلقون الخطب الحماسية في الدعوة إلى تلازم "الوحدة والحرية والاشتراكية".
أرسلتُ ثيابي المدنية إلى أهلي مع أحد أبناء جيرود ونحن نستعد لمغادرة المركز وقبيل الغروب وضعونا في سيارات عسكرية شاحنة تحركت بنا في طريق دمشق، ثم تابعت إلى المزة وعندما خرجنا منها توقفتْ بمحاذاة مشروع "المساكن الشعبية الجديد" وكان مايزال حفراً وتلالاً من الأتربة ووزعوا علينا الخبز والمعلبات وأعطونا استراحة قصيرة.
كانت ثلّتنا كاملة ملتمّة في سيارة واحدة نركب معاً ونترجّل معاً يتزعّمنا عبد الودود ومحمد السيد باعتبارهما الأكبر، والأقدم، والأوسع تجربة. قال محمد السيد "ليس أمنامنا سوى طريقين: قطنا أو القنيطرة " وبعد أن تخطينا مفرق قطنا قال عبد الودود "نحن ذاهبون إلى القنيطرة إلى الجبهة" فاغتم بعضهم، وتهلَّلت أنا وحدي. وتابعت بنا السيارات إلى الرفيد وانعطفت نحو اليمين وتوغَّلت حتى توقفتْ بنا في مساحة من الأرض واسعة ملأى بالأخاديد والصخور والحجارة والأشواك نُصِبتْ فيها الخيم العسكرية قريبة من قرية لم يعرف أحد اسمها سوى أنها تابعة لمنطقة الزوية في محافظة درعا. وزعوا علينا البطانيات وقبل أن يوزعونا على الخيم ثار عليّ أفراد "الثلة" منددين ساخطين "ماذا تتمنى بعد؟ أن يأخذونا إلى جهنم؟"
دخلت الخيمة مع بعض أفراد الثلة وأضيف إلينا آخرون وأخذنا نقتلع الأشواك بالحجارة فتلسعلنا بإبرها الحادة تدمي أيدينا. قال أحدنا يمتصّ إصبعه المدمّى " لعنها الله ما أقسى وخزها" قلت "لكن الحشرات المختبئة في هذه الشقوق لسعها أقوى" فبتنا على حذر وتوجس حتى أشرق الصباح.
في بداية آب اللهاب (أوغسطس) قسمونا إلى سرايا وفصائل وحضائر وبدأتْ دورة "الأغرار" وكان برنامجنا اليومي النهوض في الصباح المبكر بادئين برياضة الجري تحت إشراف ضابط الرياضة، نجري حتى يحين موعد الفطور، نشرب الشاي ونحلق لحانا ونهبّ مسرعين إلى الاجتماع الصباحي.
وضعوني في الصف الأول "صف القدوة"في فصيلتي وعندما صاح المساعد بصوته المجلجل "استا - رح" "استا - عد" ضربت قدمي بالأرض وأسبلت يديّ وشددت قبضتيّ. ويبدوا أنني الوحيد الذي نفّذ هذه الحركة، وإذا بالملازم أول عثمان قائد السرية يستدعيني، تقدمت نحوه مهرولاً وعلى بعد ثلاثة أمتار أديت له تحية عسكرية صارمة ووقفت باستعداد سألني:
- هل عندك خدمة سابقة؟
- لا. لكني معلم مدرسة وقائد فرقة كشفية.
سألني عن اسمي وفيما صرفني أدّيتُ له من حيث لا أشعر تحية كشفية بعقد الإبهام فوق الخنصر وإطلاق الأصابع الثلاثة قال:
- تعال تعال. ماهذه التحية؟
- تحية كشفية.
- ماذا تعني؟
- الإبهام فوق الخنصر أي الكبير يعطف على الصغير، والبنصر والوسطى والشاهد تعني وطن شرف إخلاص.
- أنت الآن عسكري.
- أنا آسف سيدي.
وبدأ التدريب اليومي على "النظام المنضم" وطفق الرقباء والرقباء الأولون يساعدهم العرفاء يتعاملون مع العسكر بصرامة وقسوة متجهمين يقدح الشرر من عيونهم كأن بيننا وبينهم ثأراً. وإذا بعدد من "ناس الحضيض" يخلطون بين يدهم اليسرى واليمنى وبين قدمهم اليمنى واليسرى، يعيقون التدريب. يتعرضون لعقوبات "الزحف" أو "التقلب" على الأشواك والحجارة أو "الجري" حول المعسكر بلا أية فائدة وأطلق عليهم كالعادة "مساطيل".
بعد أول استراحة صاح بي الملازم الأول عثمان أن أجمع السرية وأقدمها له فقمت بالمهمة خير قيام فاستدعاني بعد أن بدأ التدريب وسألني:
- كنت معلم مدرسة وقائد فرقة كشفية إذاً.
- نعم سيدي.
- ما رأيك أن تدرب المساطيل؟
- حاضر سيدي.
- تدريب عسكري لاكشفي.
اتبعتُ مع المساطيل طرقاً تربوية تعتمد على الصبر والتكرار "التكرار يعلم الحمار" وبدأت أسألهم عن أوضاعهم في محاولة للتقرب منهم وإنقاذ ما أستطيع إنقاذه قال لي أحدهم متباهياً إنه يعمل سائق جرار، وإنه من قرية "حوّارين" - التي تم فيها اغتيال الخليفة الأموي "يزيد بن معاوية" - وقال آخر إنه من قرية شمسين يعمل بائعاً متجوّلاً وآخر في نقل الرمل على الحمارة، لكن المفاجأة كانت من محمد السيد وعبد الودود شاهين رأيتهما يحقدان عليّ لأنهما الأجدر مني بهذه المهمة كما يريان.
كانت الخطة العامة لقيادة الجيش أن تهيّئ الجندي لخوض المعارك بادئة بألف باء العسكرية، تعوِّده على الخشونة وتنفيذ الأوامر الصارمة بلا تردد أو تذمر "نفّذ ثم اعترض" والمحافظة على الشرف العسكري وكتمان السر، وأن من "يدسّ" على رفاقه يعاقب معاقبة قاسية. وتعلِّمه على الاحترام المطلق يخاطب الرقيب والرقيب الأول بكلمة "حضرة" والمساعد وما فوق بكلمة "سيدي" وتعلمه أن يؤدي التحية العسكرية جاداً مقطباً، وتكلّفه بأعمال قاسية كحفر الخنادق يقول الضابط "إنك في المعركة تضطر أن تحفر بيديك وأظافرك لتتّقي رصاص العدوّ" وتفرض عليه إذا خرج من المعسكر التقيّد باللباس العسكري النظيف والنظامي والهندام اللائق، وكانت دوريات الشرطة العسكرية تسحب المخالفين من الشوارع وتزجُّهم بالسيارة. كانت تقدم للمجند ثلاث واجبات وافية، ويمنح راتباً شهرياً في حدود عشرليرات كافية لشراء شفرات الحلاقة وركوب وسائل النقل المدنية، وكان يُوزَّع نوعٌ جيدٌ من الدخان "خصوصي للجيش" ونوعٌ جيدٌ من الصابون "صابون الجيش" بأسعار رمزية. إن حياة الجيش تامة الرفاهية وبالخصوص عند "ناس الحضيض" يشربون الشاي ويأكلون حتى الشبع من قطع اللحم، والفواكه، والحلويات.
قبل بزوغ الشمس انقضّ علينا بشراسة ونحن نائمون في خيمنا بعض الرقباء والعرفاء يشتمون وينتهرون أيقظونا "قوموا، مازلتم نائمين أيها التنابل" وتقاسمونا حسب الفصائل، واقتادونا إلى "وادي السمك" نتحدر إلى قاعه عبر المفاوز كالمعزى إلى جزر بين المياه الضحلة يشرئب فيها "قصب البربار" متماسكاً منغرساً في الأرض "ليقتلعْ كل منكم حزمة، أسرعوا" وحملنا الحزم نجرها على الأرض ونتسلّق المفاوز كطيور اللقلق فاردة أجنحتها يملأ قلوبنا التوجس والحذر نثبتُ قدماً ونقدم الأخرى لنحافظ على توازننا خشية السقوط لأن من يتقلقل ويهوي تدقُّ عنقه، ويوحل العرق المتصبب من أعناقنا مختلطاً بالتراب، ويتفشى لهاثنا بالرطوبة فنصل إلى حدٍّ من الإرهاق يفصل برهافة بين الصبر والسقوط، ورغم أنني لم أعتدْ مثل هذه المشقة في حياتي لكني عاقرتها بالتحدي والرضى عن النفس. إن الشقاء ضربٌ من الرجولة، واقتادونا إلى أطراف "العال" نحو مجموعة البيوت المستأجرة التي يسكنها بعض ضباط الصف وألقيناها بجانب بيت "وكيل الدورة" المساعد الأول جابر الشديد الصارم الذي لم ينجُ أحدٌ من لسانه السليط وشتائمه اللاذعة وسطوته التي تتطاير من عقدة حاجبيه وتكشيرته وانقضاضه علينا كلّ صباح للتفتيش على هندامنا وحلاقتنا ولمعان أحذيتنا. أصبحنا مثل جسد واحد متماسك، وكأن كل واحد منا عضو فيه. حاول بعضنا أن يترامى على الأرض يلتقط أنفاسه فانتهرونا بغلظة" هيا إلى المعسكر" سأل بعضُ الفضوليين العرفاءَ "ماذا يفعلون بكل هذا القصب؟" فتلقينا إجابات بحسب مزاج كل منهم:
- لتتعلموا الرجولة والتماسك.
- يحتاجونها في قيادة اللواء.
- اخرسوا ياتنابل.
وهمس في أذني أحد العسكريين "ليعمِّر بها المساعد جابر مطبخاً يضيفه إلى بيته" بيد أن هذا الكمّ الكبير لوكان صحيحاً لايعني إلا ما يعنيه الطماع الذي يملأ القصعة بالطعام حتى الغصص ليأكل منها ملء الطبق. وفي يوم الجمعة التالي كنا نتناثر على مجرى الماء في وادي السمك أنصاف عراة كطيور الكركي نغتسل ونغسل ثيابنا. ودأبنا على هذه "جمعة" للقصب وجمعة للغسيل.
نفضتُ من رأسي الماضي وتماهيْتُ في هذا الجوّ الرومنسي الحميمي وبدأت الأحلام وحالات لوم النفس الممضّة تكسد. لكن الاشتياق إلى أبي وأمي وأخواتي أصبح يستيقظ في نفسي ويزداد يقظة ويبعث فيّ خيطاً من الحنين الحاد كالألم، أحسستُ أن معاملة أبي الشديدة والمتوترة حتى ظلمه لو ظلمني أرقّ من الماء النمير. في المساء كتبتُ له رسالة ملتهبة العاطفة وأرسلتها بالبريد.
لقد ملأتني العسكرية بالرضى عن النفس، وأصبحتُ أتمتع بخشونتها وأشعر أن جسمي غدا أكثر رشاقة، وأنني تعلَّمت المعنى العميق للإحساس بالذات، وبالآخرين والاعتماد على النفس، وتحرير الإرادة. إن العسكرية هي أهم مدرسة يكفي أن الشاب يتعلّم فيها "حقيقة الحياة".
خلال فترة الغداء طلبني حارس المدخل وقال "أبوك يسأل عنك" قلت ذاهلاً:
- أبي!!؟
- نعم أبوك.
وجدته يتكئ على حافة الوادي منهكاً وإلى جانبه محفظة ثياب مصفحة بالتنك وبطيخة حمراء كبيرة. كانت مفاجأة صاعقة: ارتميت على يده أقبلها فاستوى جالساً وضمني وقبلني تتقطر من عينيه الدموع فيمسحها بطرف كوفيته البيضاء. هو تمالك نفسه وراح يبتسم وأنا انتهبتني قشعريرة انتصب فيها شعر رأسي بهبّة من الفرح الشديد والألم الأشدّ. قال" لقد ذكرتني بشبابي. العسكرية يا ابني رجولة خاصة أنكم تخدمون بلدكم بلد آبائكم وأجدادكم" ووضع يده على رأسي الحليق تحت السيدارة وضحك. وسألني "أمازلتَ غاضباً منا؟" فأطرقتُ حائراً قال:" أما أحسست بالندم؟" كدت أجهش بالبكاء فتمالكتُ تفسي قال:
"نحن أحسسنا بالندم وسامحناك" قلت خافضاً رأسي "وأنا مستعد أن أفعل ما تشاء ولا تغضبُ عليّ"
- الحية لاتعضّ بطنها ياابني.
- أبي كيف عرفتَ أنني هنا؟
- صهرك حاتم لمحك وأخبرنا.
تذكرت أنني لمحته مرة في سيارة النافعة أوقفوها فمررنا أثناء التدريب على "النظام المنضم" وأخذ أبي يحدثني عن أخواتي وبكائهن عندما يُذكر اسمي وقال "حاولْ أن تأخذ إجازة في أقرب وقتٍ تستطيع إن لم يكن من أجلنا أنا وأمك فمن أجلهنّ" وغادر العال.
عندما انتصف أيلول (سبتمبر)، وقبيل انقضاء فصل الصيف الذي أتمرغ على لهيبه فأترامى على بقعة ظلّ ولو كانت بحجم طرّاحة صغيرة أراها كأنها جنة من جنان الخلد لأن الحرارة في منطقة الزوية تفوق الحرارة في جيرود بكثير وتُعدّ جحيماً بالمقارنة مع النبك، ومع اقتراب فصل الخريف فوجئنا يوم الجمعة مفاجأة اقتلعتنا من قسوة حياتنا وزجّتنا في حلم جميل لم يكن يخطر على بالنا مكان اسمه "الحمة" كان أقصى مانعرفه عن الحمة أنها مياه كبريتية وتحرّكت بنا الشاحنة العسكرية التي عبّأونا بها، وعند أول المنحدرات قيل لنا "تمسكوا جيداً" وأخذت السيارة تتحدّر في تلك الطريق المتعرّجة ذكرتني بطريق "حاجولة". عند "سوية سطح البحر" وصلنا إلى منعطف صعب لم يتسع لعبور السيارة، فاشتبك معه السائق في مناورة حذرة يتراجع ويتقدم ليعدِّل مسار السيارة حتى يقدر على العبور فحقنَ الذعرُ الدماءَ في رؤوسنا ونحن نرى الوادي السحيق على طرف الطريق ونتمسك جيداً بحوافي السيارة لأن السقوط يعني الموت ببساطة، وكان أسعدنا من يقف في صدر الصندوق. تجاوز السائق المنعطف وراحت السيارة تتهادى فانطلقت منا دفقة من الهتاف والتصفيق. وعندما اقتربنا من الحمة زخمت أنوفنا رائحة كرائحة البيض المسلوق، ولاحت لنا الحمامات والبيوت المتناثرة حواليها بين أشجار الخرنوب التي رأيتها لأول مرة في حياتي. وصلنا إلى تلك الزاوية التي فيها ثلاثة مواقع: الحمة السورية، والحمة الفلسطينية المحتلة، والحمة الأردنية. وكانت "حمتنا" أوسعها وأجملها، طالعتنا فيها ثلاثة مسابح أطلقونا فيها وحددوا لنا موعداً للعودة. تعرفتُ إلى الثلاثة وسبحت فيها بادئاً بأولها: "البلسم" وحرارة المياه فيها أقلّ من حرارة الجسم، ثم "الريح" وحرارته تشبه حرارة الحمام العادي أعلى من حرارة الجسم بقليل. أما "المَقْلى" فقيل لنا "إذا دسّ أحد منكم يده أو قدمه في الماء فإنه يخاف النزول. ليلقي كلٌ منكم بنفسه دفعة واحدة" وراح بعضنا يلقي بنفسه وبعضنا يتماسك على الحافة يمدّ يده حتى تقترب من صقال الماء فينجذب ويسحبها.
كان الذهاب إلى الحمة كأنه العيد، يتفنَّن كل منا بالغطس والسباحة والصبر على "المقلى" الذي يخرج منه واحدنا محمرّ الوجه كأنه خارج من مقلاة.
مع بداية فصل الشتاء بدأ المطر يمزج ثيابنا وأقدامنا بالطين البنّي الغامق اللزج، فأثقل كاهلنا وزاد متاعبنا مع المساعد الأول جابر الذي يلقي الأوامر الصارمة التي لاتخلوا من الشتائم "هندامكم، أحذيتكم، لحاكم ياكلاب، ياتنابل" لا يميز بين صحوٍ أو رذاذ أو عاصفة رعدية. وصعبت عملية التدريب، برامجها لم تتغير دقيقة واحدة سواء أهطل المطر مدراراً وتجمع في الحفر، أم تدفق في الطرقات أم هبّت الريح وصارت السيدارة تطير من على الرأس. يقول المساعد جابر "كلما تحركتم شعرتم بالدفء وتبخر الماء من ثيابكم"
قبيل انتهاء الدورة زار المعسكر النقيب زياد الحريري رئيس أركان اللواء بوجهه الأبيض الطافح الموحي بالاطمئنان يرافقه ضابطان ويقف إلى جانبه قائد الدورة وقائد السرية. وطُلبنا نحن راسبي الكفاءة للمقابلة، وجاء دوري، وقفت أمامه فنظر إليَّ ملياً وسألني:
- أنت شركسي؟
- لا. عربي.
- كيف عرفت؟
- أمي وأبي عربيان، والسماء فوقي والأرض تحتي عربيتان، ولغتي عربية.
فابتسم برضى. سألته:
- هل يقربك الأستاذ محمد الحريري إنه يشبهك.
- أخي.
- كان أستاذنا في ثانوية القلمون في النبك.
- أنت من النبك؟
- أنا من جيرود أخوالي من النبك.
- بلد العميد أمين النفوري؟
- نعم سيدي.
كان أمين النفوري معاون القائد العام للجيش والقوات المسلحة وسألني النقيب زياد:
- كيف أنت باللغة الإنكليزية؟
- لابأس.
طلب من الملازم الأول وليد أن يمتحني فسألني بعض الأسئلة وقال:
- لابأس.
- سجلو اسمه ورقمه العسكري.
جاءتني رسالة من أبي تطلب مني بإلحاح الذهاب إلى جيرود في أقرب فرصة شغلت بالي لكني لم أقرأ بين سطورها مايقلق وفيما هممتُ أن أطلب إجازة منحونا جميعاً إجازة "نهاية الدورة" ثمانية أيام لكن بعضنا وبخاصة "ناس الحضيض" آثروا البقاء ليرتعوا بالتهام قطع اللحم والرزّ والخبز الناضج الطريّ وفطور زاخر بالشاي والزبدة والمربيات والبيض المسلوق. قال لي أحدهم مسوِّغاً بقاءه "أنا من منطقة القامشلي أحتاج يومين ذهاباً ويومين إياباً وكل مامعي من مصاري لايكفيني اجرة طريق " قلتُ في نفسي يجب أن نعترف أننا جميعاً أبناء الحضيض لكنّ فينا الهابطين إلى الدرك الأسفل يلوّحون بأيديهم المتعبة ويطلبون النجاة بأصواتٍ بُحَّتْ بلا أمل وفينا السائبين على سقف الحضيض؛ جميعنا نتمتّع بطعام الجيش وكل لقمة نزدردها نشتهي أن يشاركنا فيها الأم والأب والأخوة لأن أهلنا ببساطة لاقدرة لهم على تأمين طعام كهذا.
ركبتُ أنا وأبناء جيرود من العال بسيارة فيق عاصمة الزوية. وفي القنيطرة خيّمتْ حبال المطر على المدينة وطمست معالمها. وجدت نفسي وأنا متَّجه إلى كراج باصات دمشق أمرُّ بموقف سيارات واسط، خفضتُ رأسي بلاشعور وتقدمت نحو بائع "سندويتش" استظلُّ بواقية دكانه اشتريت واحدة وأخذت آكلها. صحيح أن "أم الطيور" صارت في عالم الماضي لكنها لم تلج عالم النسيان، وإذا بيدٍ تربتُ على كتفي التفتُّ منجذباً ففوجئتُ بعسكريٍّ ينظر إليَّ مبتسماً لاهفاً "عويّد":
- عويد!!!؟
- أستاذ!؟
ضعت في ملامحه وقلبي يخفق بجذل، ولاحتْ "أم الطيور" ترنِّق بأبنيتها المتناثرة وتخبِّئ تحت جناحيها فتاة شقراء ممشوقة القوام خضراء العينين اسمها "جُلنار" وفتاة سمراء تمور بدفق من الحيوية اسمها "ظبية". سألني عويد:
- أنت مجنّد؟ أين؟
- في القطاع الجنوبي. وأنت؟
- في قطنا، والآن ذاهب في إجازة إلى القرية.
- كيف حال أم الطيور؟
- مشتاقة إليك.
- أريد أن أسألك، ولكن..
- عن جلنار؟ صار عندها الآن ولد.
- كيف عرفت أن سؤالي عنها؟
- أستاذ أنت تسرعت. لماذا تركت أم الطيور فجأة؟
- علمتُ أن أهلها أقاموا الدنيا لأنها كانت تتمشى معي وهدّدوا بالقتل.
- من قال لك؟
- طلاع.
- ألا تعرف أنه يخترع الأكاذيب ليجعل لنفسه قيمة؟ صحيح أن أخاها الكبير غضب وزمجر وضربها بالكفّ، لكن الأب والأم تصديا له.
- تزوَّجت؟
- منذ ستة أشهر وهي الآن حبلى. أمازلت تفكّر فيها؟
- من الذي تزوجها؟
- شاب من القرية، أنت لاتعرفه لأنه كان يؤدي الخدمة العسكرية عندما كنت عندنا
ودعتُ عويد وركبت الباص مع أبناء جيرود متَّجهين إلى دمشق وأنا مصمم أن أشبع طلاع ضرباً أمام الناس وأطرده من جيرود إذا كان لايزال فيها. كان الغروب يرشّ هُباب الظلام في جميع أرجاء الكون. وصلنا إلى دمشق وأنا في حيرة من أمري لايزال لي في ذمة مديرية المعارف مبلغٌ في حدود ثلاثة أشهر وليس ملائماً أن أدخل على أهلي خالي الوفاض ثم أعود إلى دمشق غداً لأقبضه. مضيتُ مع رفاقي إلى كراج جيرود ومازلت حائراً قيل لنا "الباص في التصليح. انتظروا أنتم وحظّكم" وإذا "بأبوعاطف" صهري في المقهى هبَّ إليّ عندما رآني وأخذني إلى البيت قائلاً "سافر في الصباح" فحلّ لي تلك العقدة. وهمست أختي في أذني " أهلك في حالة صعبة والديون تتراكم على أبيك" فهرعتُ إلى محاسب المعارف قبضتُ ثلاثمئة وخمسون ليرة ولم يعد لي عندهم قرش واحد. اشتريت من مدخل المناخلية كمية من لحم الرأس تأكدتُ أنه رأس خروف لأرضي الوالد، وكيلو "عوامة" وكيس برتقال وركبتُ بأول باص إلى جيرود.
دخلت الدار فهب أخي وأخواتي يتهللون مأخوذين، يعانقونني ويمطرونني بالقبل وتمسك فيصل والأخت الصغرى بذراعيّ. أعطيت كلاً منهم ربع ليرة، وأعطيتُ أمي بعد أن قبلتُ يدها مئة وخمسين ليرة؛ لاحظتُها عندما قبضتْ عليها تحسّ أنها آلافٌ مؤلفة. وترقرقت دمعة الفرح على عيني خالتي مريم التي قبلتني ولهفتُها تضوع كنفحة عطر بريّ.
وضعتُ الهدية على الطاولة وفردتُها، وشمَّر أبي عن ساعديه وقال مبتهجاً: "اقعدوا هيا" وراح يقطِّع اللحم. أحسستُ بتمام السعادة أن المرض أعفاه من الألم لولا الغضون تتضافر على قسمات وجهه، وعنقه، وأصابعه. وأزاح التئام شمل الأسرة حول أبي وأمي الهموم والعثرات من نفسي، وأمتعني أنهم يأكلون بشهية. سألتُ أبي عن الرسالة فقال "يوم الخميس عرس أختك وطفا وصبحية" فأغضيتا كلتاهما، ولاح على الوجوه شبح الفراق الذي لامفرّ منه. زوج وطفا من عائلة فقيرة في جيرود لكنه يعمل ناطور بناية في دمشق وسيأخذها لتسكن معه، وزوج صبحية عريف بالدرك في محافظة دير الزور وسيأخذها لتسكن معه. أبوه من أصدقاء أبي القدامى وهو من أبرز ملاكي الناصرية أمه نبكية متوفّاة وزوجة أبيه نبكية أيضاً لكنها امرأة قاسية الطباع عصبيّة على عكس أبيه الهادي بل الشديد الهدوء، وهذا ما يفسِّر انتسابه للدرك. كلنا نعرف العائلة عن كثب منذ كنا صغاراً ونتبادل معهم الزيارات، نعرف تفاصيل حياتهم ودورهم وأملاكهم ويعرفوننا مثلما نعرفهم. لكن المفاجأة التي لم أكن أتوقّعها هي زواج سعيد. كان يحدثني عن فتاة أعجب بها، أهلها من أصدقاء العائلة، وأعرف أنه متقلّب. قال لي عندما جاء يسلّم عليّ وكأنه يعتذر أنه تزوّج في غيابي "جدي هو الذي استعجل الزواج وأجبرني".
في المساء زارني أصدقائي في "الينيوع الأدبي" يسلمون عليّ وإذا بنشاطاتهم قد خفّتْ وأخذت بالتلاشي، والخلافات طفقتْ تنهشهم فقرروا انتخاب لجنة إدارية جديدة ومحاولة الانطلاق. حددوا الاجتماع صباح الغد وألحوا علي أن أحضر لأشرف على الانتخابات باعتباري حيادياً. وفي الصباح تمّ انتخاب يحيى رئيساً وهو شاعر وطالب جامعي، وأحمد نجيب نائباً للرئيس وهو من عائلة ثرية، وفؤاد دعاس مديراً للألعاب وكان قد حصل على المرتبة الثانية على مستوى سورية بقذف الكرة الحديدية.
بعد الاجتماع تفقَّدتُ المكتبة فهالني مارأيت... الفوضى والغبار ومعظم الكتب مفقودة منها بعض كتبي التي قدمتها هدايا فجمعت ماتبقى منها وأخذتها معي غير عابئ بمحاولات إبقائها.
وجاء يوم الخميس، فزيَّنتُ الليوان بالمصابيح الكهربائية والشرائط الملونة يساعدني خير وسعيد وزفت العروسان وقامت في البيت مناحة عقدتها خالتي وخزنة والصغار. وعدتُ إلى العال منتَهَباً مغبوناً أحمل أهلي في وجداني وبخاصة الأصغرين رويدة وفيصل، وأحمل في محفظتي عدداً من كتبي وبعض أواني الطبخ.
فرزتُ إلى قلم الشعبة الثانية في قيادة اللواء وأهم ماكان فيها عندي أنني صرتُ (مبدل) أتقاضى (45) ليرة بدل الطعام. عاملني رئيس القلم المساعد الأول أبوماهر بمودة كأخ أصغر وهو شاب وسيم أنيق من مدينة حلب. ولم يكن في المكتب سوانا والحاجب "موسى" مجند من الجولان من أصل بدوي طيب ونشيط. تطلب منه مثلاً أن يأتيك ببيضتين مسلوقتين من مطعم "أبو قدرو" يسألك "على البنزين أو على الكهرب" إذا قلتَ على البنزين يذهب مستعجلاً، وإذا قلتَ على الكهرب يذهب جرياً يقفز بين الحجارة يكاد يطير فوق الأرض.
في البداية كانت مهمتي الوحيدة مرافقة المراقبين الدوليين من مشارف القطاع الجنوبي وحتى المنطقة المحرمة من السلاح وتسليمهم لضابط الارتباط". في أوّل مهمة ركبت بجانب أحد المراقبين الدوليين واتجهنا نحو البطيحة، فأخذ يتكلم بجهاز "اللاسلكي" ثم توقف على يمين الطريق عند مزرعة "عز الدين" يتابع اتصاله. أنا شخصياً أرتاب بالمراقبين الدوليين، ولا أبرّئ أياً منهم أن يكون جاسوساً لإسرائيل؛ الغرب هو الذي وضع إسرائيل، والغرب هو أضرى أعدائنا، والمراقبون الدوليون من دول الغرب. أطال الاتصال وأنا حائر ماذا أفعل؟ مهمتي محددة "المرافقة" ولم أبلَّغ بشيء آخر قلت له:
- متى نتابع؟ (when we go ?)
كرّر عليّ السؤال (when we go ?) مرتين بعجرفة واستنكار فزادني حيرة، لكني آثرت الصمت حتى سلّمته للنقيب وليد، سألتُه فقال لي "ليقف أينما شاء المهم أن لاتسمح له بدخول أي معسكر أو الوقوف للإطلال عليه" والحقيقة أنني تمتّعتُ بالمهمة وأحسستُ أن لي وزناً، لكنها كانت مهمات متقطعة لا مواعيد ثابتة لها فكثرت أوقات فراغي.
عندما لمس أبوماهر أنني أحبّ الأدب، وأحاول كتابة (القصة) و(الخاطرة) وأنني "راسب كفاءة" اهتم بي وأفسح لي المجال أن أتعلم على الآلة الكاتبة، وعلمني على جميع أعمال السكرتارية: تسجيل الوارد والصادر، وإنشاء الرسائل الرسمية، وتصنيف البريد وإعداد "الفيش" وهو تصنيف المشتبه بهم ولمحة عنهم، وقراءة تقارير الرصد واختيار المهم منها وإعادة صياغتها. ثم علمني على "الضابطة العدلية" ضبط إفادة المتهمين واستخلاص النتائج، وضرورة تحكيم الضمير في التعامل مع الناس. وأعطاني غرفة صغيرة متآكلة تسمى مجازاً غرفة قائمة على حافة حفرة فيها مياه ملوّثة وسلحفاة تخرج من الطين ثم تعود فتنزلق إلى الماء، وفيها ما ليس يُدرى من حشرات ساعدني موسى بتنظيفها فأنرتها بمصباح كهربائي بلا مفتاح ووضعت فيها سريراً عسكرياً ومحفظة (التنك التي أحضرها أبي) على قاعدة من الحجارة وصففتُ عليها "البيان والتبيين والبخلاء" للجاحظ و"الجريمة والعقاب" لدستوي فسكي، وبعض كتب جبران خليل جبران، وروايات نجيب محفوط.
كانت مهمة "الشعبة الثانية" محددة في أمرين "الاستطلاع" في مناطق العدو تقوم به مفرزة مخصصة، ومحاولة اكتشاف الجواسيس في منطقة القطاع الجنوبي. وكان للشعبة مخبرون تعرفتُ إلى الكثيرين منهم بعضهم يعملون خلف صفوف العدو وآخرون ينتشرون في القرى الحدودية.
وسُرِّح فجأة المساعد "أبوماهر" ودَّعته بمرارة وهو يحمل أمتعته ويسافر إلى حلب فعُيِّن بدلاً عنه المساعد الأول "أبوعلي" جيء به من "الصفّ" لايعرف شيئاً عن الأعمال المكتبية أو أعمال الاستخبارات، لكنه رجلٌ خلوق دمث قال لي بتواضع "عدّني أخاك الأصغر وعلمني على كلِّ شيء " هنا صرتُ ذا صولة وجولة لدى رئيس الشعبة الملازم الأول فؤاد وكان دمشقياً مهذباً، ولدى قيادة القطاع حتى تعرفتُ عن كثب إلى العقيد يوسف قائد القطاع وهو دمشقي مهيب قويّ الشخصية، كان يحبّ الرياضة، فأمر بإنشاء ملعب "للكرة الطائرة" بجانب قيادة اللواء وكلفني أن أجمع الضباط وضباط الصف والمجندين الذين يتقنون اللعبة، ليشاركونا في مباراة يومية.
مرة كان يقوم بجولة فرأى غرفتي وأدهشتْه الكتب. قلتُ بحرج وارتباك "تفضل سيدي" ففوجئتُ به يدخل ويجلس على السرير ويحمل أحد الكتب قائلاً بدهشة:
- أنت تقرأ هذه الكتب!؟
- نعم سيدي.
كان عندي سرحان معلم مدرسة من "كفر حارب" وكنت أعدّ له الشاي فقدمت للعقيد كأساً أخذه وهو يتصفّح أحد الكتب وقال "شكراً" احتساه بتؤدة ثم وقف وحياني بإيماءة وخرج. لم يكن العقيد يضع رتباً على كتفيه لاقماشية ولانحاسية. سألني سرحان:
- من هذا المساعد؟
- هذا العقيد يوسف.
فانجذب وقال باستغراب:
- معقول!!!؟
قال أبومحمد الحواط "كنا متمركزين في الخنادق في منطقة القطاع الشمالي (كما تسمى الآن) فرأيت العسكر يتحركون فرادى نحو جرف في الجبل ويخرجون وإذا بهم ينزون على امرأة، قاطعه أبو علي فضة قائلا "كانت تقول تعالوا تقدموا، أنا وهبتُ نفسي للجيش السوري" فغرقنا في الضحك.كنت أتمتع بالجلوس مع السائقين القدامى الذين يقتربون من التقاعد أولئك الذين حضروا حرب فلسطين. قال الحواط "مرة رأى المقدم مارين عسكرياً شعره طويل فقال له "اتبعني " وذهب إلى الحلاق وقال له "احلق لهذا الحمار" والتفتَ إلى الوراء فلم يجد العسكري، لقد هرب فجلس المقدم مارين على كرسي الحلاقة وأشار إلى نفسه "احلق لهذا الحمار" وقال أبوعلي "مرة تأخر المقدم مارين خمس دقائق فعاقب نفسه" وفجأة جاء ملازم أول يمشي منفوخاً كالديك متباهياً، سألنا "هذا قلم الشعبة الثانية؟" وقفنا جميعاً. قلتُ:
"نعم سيدي" قال متباهياً:
- معي ثلاثة جواسيس أريد أن أسلِّمهم.
- أنا أستلمهم.
- أنت؟ مارتبتك؟
- مجند.
- مجند!!!؟
- أتريد أن أنادي المساعد الأول رئيس القلم؟
- أين رئيس الشعبة؟
- مسافر.
- أنا لا أسلمهم إلا لضابط؟
- لا أظن أن في قيادة اللواء الآن أي ضابط.
- لاتظن؟ قائد اللواء موجود؟
- لا أعرف.
- أين مكتبه؟
- أشرتُ إلى المكتب.
فمضى يخبط الأرض بقدميه. قال أبومحمد ساخراً "قبض على ثلاثة جواسيس يعني حرَّر فلسطين. قال أبوعلي "القبض على الجواسيس لعبة؟ "
وعاد الملازم الأول ومعه ثلاثة جنود يقتادون ثلاثة جواسيس معصوبة عيونهم وأيديهم موثوقة من المرافق خلف ظهورهم. سألني "أين تضعهم؟" فأدخلتهم غرفة بجانب المكتب كنا نستعملها "سجناً مؤقتاً" وراقبني حتى أقفلت الباب، ودخل المكتب، سلمني مغلفاً ختمَه بيده مكتوباً عليه "سري جداً. وأملى عليي نص إشعار مفصل موثق باستلام التقرير والجواسيس وانصرف كأنه حرَّر فلسطين كما قال أبو علي. قلتُ "يجب ان نفكّ وثاقهم،حرام" ودخلت ُ غرفة السجن وإذا بالحواط يهرع إلى أحدهم ويرفع العصبة عن عينيه مصعوقاً "أبو عمر؟" فقال أبو عمر بصوت محتقن "أنا جاسوس ياحواط" وتعانقا وأجهش أبو عمر بالبكاء وهم به أبوعلي فضة وعانقه مصعوقاً هو الآخر "أبوعمر". قال لي الحواط " العريف محمد عمر كنا في سرية واحدة أثناء حرب فلسطين، وقال فضة لأبي عمر "أنا أهب نفسي للجيش السوري. هل تتذكَّرها يا أبو عمر؟" هزَّ رأسه قائلاً.
- الدنيا كلها مُسحتْ من رأسي يافضة.
- أعرف أنك صرت متقاعداً من أكثر من خمس سنوات.
- صحيح، أنا أعمل الآن مستخدماً مدنياً في قيادة الجبهة.
- من هذان اللذان معك؟
- جنديان من سرية المقر بقيادة الجبهة يعاوناني في العمل.
- ماذا تعمل؟
- على سيارة المبخرة.
وغُصّ بالكلام قائلاً
- وهذا سبب ما أنا واقع فيه؟
يجولون بسيارة المبخرة على قطعات الجيش، يستلمون من مندوب السرية البطانيات وحتى لاتضيع البطانيات يكتبون عددها واسم السرية. قال أبوعمر:
- كنا منهمكين بعملنا وفجأة داهمنا الملازم الأول يغلي غضباً "أنتم جواسيس"
- ألم يحقّق معكم، يتأكّد من شخصياتكم؟
- لاشيء، أخذّ يعدّ أنفاسنا.
ورنّ الهاتف في المكتب، سألني عامل المقسم عن اسمي وقال "يطلبك القاضي الفرد العسكري" وقال عبر الهاتف "تفضل سيدي الخط معكم" لوأن هذا الملازم الأول التعيس ذهب بالطائرة إلى القنيطرة ليبلّغ القاضي الفرد العسكري لما استطاع وحياني الصوت عبر الهاتف وقال بتصنّع:
- ألم تعرفني؟
- آسف.
- أنا ربيع الجيرودي.
هكذا كان يسمي نفسه أسوة بأغاوات جيرود.
- تقول القاضي الفرد العسكري ياكلب؟
- أنا لا أكذب، أنا أعمل في مكتب القاضي الفرد العسكري.
- حاجب.
- المهم أريد أن أراك لسبب ضروري جداً جداً.
- إذا كان من أجل المصاري أنا آسف جداً جداً.
وجاء سعيد ربيع، وجلسنا نشرب الشاي، فاستلّ مغلفاً من جيبه وأخرج منه رسالة بحركة استعراضية وقدمه لي "إقرأ" رسالة غرامية من فتاة متيمة به تتحدث عن لواعج الشوق واللهفة إلى لقائه بأسلوب أدبيّ جميل. قلتُ:
- لعبة جديدة؟
- والله رسالة حقيقية من فتاة تحبني وأحبها.
- سعيد!
- أنا آتٍ إليك من أجلها.
- من أجلها؟
- أريد أن تكتب لي رسالة جوابية.
كان طلباً عجيباً، وسعيد عندما يلحّ يلحُّ ببلادة وإصرار لا يتراجع حتى يحقَّق طلبه. كتبتُ له الرسالة فقرأها وأحسّ بالزهوّ وطواها ودسها بجيبه "سأبيِّضها بخطي وأرسلها" وهبّ واقفاً مبتهجاً وودعني وانصرف.
كنت أقوم بجولة على بعض المخاتير وفق برنامج محدّد. أجلس على النافذة في مضافة مختار كفر حارب أطلّ من ذاك المرتفع على "بحيرة طبريا" وأرى في الأسفل بعض المستعمرات الإسرائيلية: "هاأون" "عين جيف" "ديجانيا آ" "ديجانيا ب" أعرف أسماءها ومواقعها من تقارير الرصد عن كثب أحسُّ أنها محشوّة بالبارود، وأشتمُّ رائحة الغرب الذي زرعها في مقل عيوننا، أحسُّ أنني غدوتُ كتلة من اللهيب. وبدل أن أحقد على اليهود والغرب أحقد على العرب، على تخاذلنا وشرذمتنا.
مرة أخرى هبطتُ إلى البطيحة، ودخلتُ مضافة مختار قرية "الكرسي" أشرب القهوة المرة. رأيتُ ثلاثة كهول أجسامهم ضامرة دقيقة، ووجوههم سمراء شديدة السمرة وملامحهم متشابهة. قال لي أحدهم وهو مرح كما يبدو "دقِّق النظر وحاول أن تعرف من منا الأب ومن الابن ومن الحفيد " فابتسمتُ على أنها دعابة قال" أنا أكلمك بجد" إنهم ثلاثة نسخ عن رجل واحد يتمايزون بتلك التجاعيد الخفيفة والشعر الملطّخ بالشيب تهامستُ مع فياض سائق سيارة الشعبة فمدّ إصبعه إلى أحدهم قائلاً "أنت الابن وهذا الأب وهذا الجد " فضحك الرجل وقال "أنا الأب" وأشار إلى الآخريْن قال عمن ظنّ فياض أنه الابن قائلاً "هذا أبي " وعمن ظنّ أنه الجد "هذا ابني".
ذهبنا إلى شاطئ طبريا إلى الحيِّز التابع للأراضي السورية وجلسنا بين صيادي السمك المنهمكين بالصيد بقوارب مخلّعة وشباك مهترئة، يضعون سمك "المشط" الشهير في أحواض خشبية، قالوا لنا "يحرّمون علينا أن نتقدم إلا في حدود ضيقة، وأحياناً يطلقون علينا النار" رحت أنظر إلى "طبريا" المدينة الصغيرة الأنيقة تتدرج من بطن الجبل إلى الشاطئ المقابل واليهود يسرحون ويمرحون على "البلاج" وفي الزوارق التي تعتلي ثبج البحيرة وتلهو على مياهها الزمردية. إن الإقامة على الحدود ورؤية اليهود في الأراضي المحتلة تستفزك، تستفز مشاعرك. راقبت الأمواج الناعمة وهي تتلاشى على رمال الشاطئ فنهضتُ وخلعتُ ثيابي وقلت لفياض "هيا" وألقينا بأنفسنا في الماء نتمتع بلمساته الناعمة كأنها أنامل صبية تمسد العنق.
في المساء خلوت بنفسي وكتبتُ قصة استوحيتُها من هذه المشاعر المنغصة، وعندما أعدت قراءتها في الصباح وجدت أنها مزيج من القصة والمقالة القصصية شبيهة بأسلوب إبراهيم عبد القادر المازني الذي قرأت كل ما استطعت من كتبه. عرضتُها على "نشأت حلمي" رقيب أول يكتب أحياناً في مجلة "الجندي" قال"لابأس. يجب أن تقدمها لضابط الثقافة في اللواء يقرؤها ويرسلها إلى المجلة" قرأها الضابط وأعادها لي وقد ذيَّلها بقراره الصارم "ضعيفة لاتصلح للنشر" مزّقتها رغم أنني أشك "بثقافة" هذا الضابط أكثر مما أشكّ بنفسي.
سُرح المجند موسى وجاؤونا بحاجب جديد "محمد" من القرى التركمانية التابعة لمنطقة الحفة؛ قصير وجهه عجيني، سريع الخاطر، إذا انتهرتَه لأيّ سبب يبكي. لاحظتُ أنه يبيع رغيف الخبز المخصص له، والدخان، والصابون يحاول أن يجمع مايستطيع من النقود. سألته "لماذا يا محمد؟" فبكى.
كنت أجلس أحياناً عند تاجر أقمشة فوق الخمسين من العمر يملك محلاً فخماً أنيقاً نشرب الشاي ونتسامر فدخلتْ عائلة تتسوّق، تقدم منه الأب والأم يستعرضان الأقمشة وجلستْ جانباً فتاة ملتفّة بالزيّ الحوراني الجميل شقراء مزهرة الوجه. التقتْ عيناي من حيث لا أشعر بعينين عسليتين صافيتين صفاء العسل في نظرة قّدَحتْ كالزَّنْد سرتْ فيّ بقشعريرة قسرية جعلتْها بكتلتها العطرية الممشوقة فراشة ترفّ بجناحين ملونين زاهيين، وجعلتْني أتناثر كالهباء ثم أجدُني مشتبكاً معها بنظرة أخرى هي أغضت عني بخفر قاتل، وأنا رغتُ عنها بحياء وارتباك وحضنتها بقلبي. وعندما خرجوا لملمْتُ نظري الذي انساق خلفهما وتماسكتُ فقال لي صاحب المحل "هذه العائلة من طفس من أواسط حوران" وَوَقَرَتْ طفس في أعماقي جزيرة خضراء يحضنها بحر غواربه ناعمة رقيقة، وأملٌ كنور الفجر عسى أن أزورها يوماً أنقِّب عن عينين لم أرَ أجمل منهما في حياتي لكن الحظ لم يَجُدْ عليّ بهذه الزيارة، بل جاد بحلم ضاع في عثراتِ أيامي زادني قناعة أن الرجل بلا امرأة كجذع شجرة أجوف.
في الصباح أيقظتني قبل طلوع الشمس امرأة أربعينية فرعاء يلطخ الشَّعَثُ مسحة الجمال على وجهها المقطب ترتدي قميصاً بنصف كمّ، قائلة لائمة "أمازلتَ نائماً؟ قم " وجلستْ على حافة السرير قائلة بإصرار:
- الآن الآن أريد أولادي.
- أرجوك انتظري خارج الغرفة حتى أرتدي ثيابي.
- لن أتحرك من هنا حتى تحضروا لي أولادي.
التفَفْتْ بالبطانية وحملتُ ثيابي بيدي وهربت منها إلى المكتب، أقفلته من الداخل وشرعت أرتدي ثيابي فراحت تخبط على الباب منادية "افتح الباب" وعندما فتحتُ الباب انقضتْ إلى الداخل فاعتصمتُ وراء الطاولة وقلت لها مشيراً إلى كرسيّ جانبي:
- تفضلي اجلسي وأفهميني ما حكايتك؟
- قلت لك أولادي أولادي
- ماحكايت أولادك.
- اختطفهم أبوهم.
وأجهشتْ بالبكاء، جعلتْني أحار في أمرها أهيَ امرأة غير سوية، أم ثمة ما أفقدها اتزانها؟ وفجأة هرعت إلى الباب وغادرت المكتب. بعد أقل من ساعة دخل المكتب مساعد أول لاهف يتلفَّتُ حواليه زائغ العينين وقال كالمستجير؟
- قالوا جاءتْ إلى هنا.
- مَنْ؟
- زوجتي.
- تفضل اجلس. ماحكاتيُها؟
جلس متحِّزاً وقال بأسى:
- هي زوجتي. منذ فترة ظهرت عليها بوادر الخلل العقلي. عندنا أربعة أولاد صارت تمزّق ثيابها، وتلقي بالطعام على الأرض. أخذتُ ألاطفها أسايرها وعاونتني زوجات زملائي بلا فائدة، وصارتْ تغادر البيت فجأة فأجري وراءها أبحث عنها. وضعتُ الأولاد عند زوجة أحد أصدقائي وقررتُ أن آخذها إلى الضيعة، استيقظتُ اليوم صباحاً فلم أجدها. هل تعرف أين ذهبتْ؟
- لا أبداً.
اتصل بي القاضي الفرد العسكري وقال سعيد ربيع "أنا قادم إليك بعد الظهر" وأقفل السماعة. فقدّرتُ أنه استعمل الهاتف خلسة. أعادني اتصاله إلى دمشق حين ذهبتُ للتسجيل على آخر امتحان "للكفاءة" قبل العسكرية فزرتُه وكان يعمل نادلاً في فندق "سميراميس" في ساحة الشهداء، وحين وصلتُ قال لي باهتمام:
- امشِ معي.
- إلى أين؟
- سوف تعرف.
ذهب بي إلى السوق الطويل، وانعطف إلى طريق فرعي، وطرق باباً يبدو تقليدياً ففتحتِ الباب فتاة حياها بخبث وغمزها بعينه "أين الوالد" قالت "لحظة من فضلك" فشقّ الباب كهلٌ رحّبَ "بالأستاذ" ربيع الجيرودي مدرّس اللغة العربية ورحب بي فقدمني إليه "أستاذ اللغة الإنكليزية بثانوية القلمون في النبك " دعانا الرجل إلى غرفة الضيوف، ونادى على ابنتيه إحداهما طالبة "كفاءة" والأخرى طالبة "ثانوية" لنراجع معهما دروس العربية والإنكليزية استعداداً للامتحان. وجلس جانباً يراقب. همستُ في أذن سعيد معترضاً لائماً:
- ما هذه الورطة ياسعيد أنا راسب كفاءة وأنت راسب في الصف السابع؟
- لكنك قويّ باللغة الإنكليزية.
- مدرس!؟
- لاتفضحنا. الأب أمي.
- والبنات؟
- لا تلقِ بالاً.
- يجب أن تعرف أن الأب هذا الذي أمامنا يحمل النطاق الأسود بالكارتيه.
ودعا سعيد طالبة الكفاءة لتجلس بجانبه، وطالبة البكالوريا لتجلس بجانبي. ففتحتُ كتاب اللغة الإنكليزية وبدأتُ أقرأُ على غير هدى، وفتح سعيد كتاب النصوص وأخذ يقرأ إحدى القصائد يرفع المنصوب وينصب المرفوع فاطمأن الأب إلى حسن سير العملية ونهض واقفاً وتحرك نحو الباب وما إن خرج حتى قال سعيد "متى تريدان الذهاب إلى السينما؟" قالتِ الكبرى "في الثالثة" قال سعيد "بعدها نذهب إلى آخر خطّ المهاجرين"
ودخل عليّ المكتب سعيد قائلاً بلامقدمات "أولاً أنا جوعان" قلت "وثانياً؟" فاستلّ من جيبه مغلّفاً وأخرج الرسالة وتنشّق رائحتها بشغف ووضعها أمامي قائلاً "رسالة جديدة تأخذ العقل".
في الليل أويتُ إلى غرفتي وخلعتُ ثيابي وفيما حلَلْتُ المصبح الكهربائي واستلقيتُ على السرير أحسستُ بشيء سقط من السقف على البطانية. نهضتُ متوجِّساً لعله حشرة وأضأتُ الغرفة وبحثت بدقة فلم أجد شيئاً. نفضتُ الوساس من رأسي واندسستُ في سريري، وفي غمرة الليل وأنا مستغرقٌ في النوم أحسست كأن سيخاً من النار يلتمع في قدمي تحت الكاحل فاستويت جالساً وضغطتُ على البطانية وناديت بأعلى الصوت "ياحرس ياحرس" دخل المجند عبد اللطيف وهو من رفاقي في دورة الأغرار حمصي طيب النفس وكان يزورني أحياناً. قال لاهفاً "ما الأمر؟" "أشعل النور أولاً" وقفزتُ عن السرير وإذا بعقرب أسود صغير يدب في طريق مستقيم مشهراً إبرته. صاح عبد اللطيف "عقرب عقرب" وجهّز الساموبال موشكاً أن يطلق عليه النار.
بعد الظهر لفت نظري أن عدداً من العسكريين يتواردون إلى مكان وسط الساحة وإذا بهم يتحلّقون حول رجل يلفُّ حنشاً أسود على ذراعه وخصره ويترك وراءه بقية الحنش بطول متر. قال "هذا حنش أذاه في أنه يضرب برأسه وأعلى جسمه وإذا ضربَ شجرة أصابها باليباس. إنه ذكر لايلسع ولا ينفثّ السمّ الأفعى السامة هي "الرقطا" همهم بعضهم "معقول؟" قال "انظروا" فقرب فم الحنش من كفِّه ففتح فمه إلى أقصاه بحيث صار فكاه على استقامة واحدة، وتركه يملأ فمه من جانب كفه ويعضّ ثم أخرجه وعرض علينا مكان أنيابه نقاطاً يقطر منها الدم. ثم قال "ابعدو" فأمسكه من جهة الذَّنَب ودار على نفسه دورة كاملة يلوّح به في الهواء وضربه بالأرص على بطنه وإذا بالحنش يغدو جثّة هامدة.
رآني عمي مرة أحاول أن أقتل "خنفساء" فمنعني وقال "احملها بالملقط، وارمها في الطريق" كان يمنعنا من قتل الحشرات قائلاً "لم يخلق الله مخلوقاً إلا وفيه نفع إلا العقرب إنه كإبليس ما منه إلا الضرر، اقتلوه أينما وجدتموه".