الفصل 20

11 0 00

في نهاية العام الدراسي بعد امتحان الشهادة الإعدادية كلفتُ بالإشراف على تصحيح مادة اللغة العربية "ممثل فرع" في مركز التصحيح في الحسكة. ومن غريب المصادفات أنني فوجئتُ "بدنيا" بين المدرسين والمدرسات، وعندما اصطدمتْ عينانا للوهلة الأولى أحسستُ بالذكريات تتجمع في عينيها وتلون خديها بلون الورد ثم مالبثتْ أن أشاحت عني مرتبكة متوجسة بيد أنني بادرتها باللامبالاة حتى لا أحرجها فاطمأنّت وصارت تتحيَّن الفرص لتبادلني أيّ كلام. أما زوجها فقد استقبلني بالعناق على ذكريات سنوات الجامعة. وجاءت قمة الحرج عندما دعاني للسهرة في بيته أنا وزميل آخر على قدح عرق ولقمة تبولة من يد "دنيا" قال مشجعاً " ألا تعرفها؟ كانت زميلتنا في الجامعة".

لئن كانت الأفعى تبدّل أثوابها كل عام، لئن كان المنافق يبدل مظهره في كل مجلس.. فإنني رأيتُ نفسي في تلك السهرة أفعى ومنافقاً محشوّاً في نفسي ولساني معقود حتى أحسستُ أنني على أرض لاهبة، واختلطت كل ذكرياتي بعضها ببعض، وصغرت الدنيا في عيني وأصبحتْ كحصاة تسدُّ الحلقوم.

في نهاية العام الدراسي اخترت تصحيح أوراق "الثانوية" في أحد مراكز دمشق وعدت مع زوجتي وأولادي لنقيم وحدنا في بيت أهلها وكانوا مسافرين. في اليوم الأول ذهبنا لزيارة أخي فيصل وفيما جلسنا نتابع إحدى مباريات محمد علي كلاي سمعنا صخباً وولولة وإذا بمناع وكان في العاشرة كثير الحركة والحيوية يقع عن السطح ويصاب بكسر في عظم الفخذ وعظم الساق. كانت ساعة من أقسى ساعات حياتي حملته لاهفاً مصعوقاًً وخرجت به إلى الشارع ملتاعاً فساق لي الحظ سيارة تكسي أسعفته بها إلى المستشفى الفرنسي، وانقطعتُ عن العالم كله.

لفّ الطبيب بالجص جسم مناع من منطقة الزنار إلى الورك ممتداً إلى فخذ رجله المكسورة فساقه حتى أخمص قدميه. فُرض عليه أن يستلقي على قفاه لا يقوى على أية حركة سوى عينيه تدوران في محجريهما أو تذبلان وتتوهان، فُرض عليه أن يصبر على الألم وحماوة الجص وقيد الحركة، وفرض عليّ وعلى أمه ألا نتحرك من البيت، نغصّ بالألم، ونبتلعه وكأنه المُدى المثلَّمة. إنه منظر يرتسم في الذاكرة على شكل هوّة في القلب أقسى من ألم الجروح النازفة. كانت عطلة صيفية كامدة مقيتة وقد أقعدتني ضربة مناع في البيت لأحمله عند الضرورة وهو ممتلئ الجسم لاتستطيع أمه أن تحمله. مكثتُ لا أبارح البيت إلا لتأمين ضرورات العيش فانعكفت على كتابة رواية "الياقوتي" بأسلوب تبدو به الأحداث عارية كأشجار الخريف، ويتداخل فيه الزمان بأبعاده الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل، والمكان بجهاته الأربع.. كما كان الشأن في عزلتي الشبيهة بالسجن المؤبد.

في تلك المرحلة تتجلّى الضرورة إلى الأهل والأصدقاء، سعيد ابن عمي يسهر عندنا يومياً حاملاً أركيلته، والأقارب الآخرون وبخاصة أخي وأخواتي وبعض الأصدقاء لم تنقطع زياراتهم يخففون عني وعن أمه هول تلك الكارثة التي غدا فيها مناع بقيده المحكم استطالة لجسم كل منا وروحه. خمسة وأربعين يوماً أخذته بعدها إلى المستشفى لفكّ الجصّ ثم حملناه إلى جيرود لإجراء تدليك مع الطلاء بالزيت مرتين كل صباح ومساء لتلين عضلاته.

وابتدأ العام الدراسي 1976- 1977 وكان لابدّ من الذهاب إلى القامشلي وانتظار صدور التشكيلات "التنقلات" التي لاموعد لها، ربما تنقضي بشهر أو شهرين أو ثلاثة، إنها البيروقراطية التي تستحكم فيها الفوضى. في الجزائر كانت تصدر تلك التشكيلات قبل انتهاء العام الدراسي بما لايقلّ عن شهرين، وكانت البرامج داخل المدرسة تعلن ويعرف الطلاب والمدرسون برامجهم اليومية في العام القادم.

ذهبتُ مع الأسرة إلى القامشلي بالطائرة، وعدنا للإقامة مع أم جورج في بيتنا المستأجر وعدتُ إلى عملي في ثانوية القادسية، وعاد الأولاد إلى مدارسهم. وبدأتْ زينب بمرحلة جديدة من المرض الغامض سرعان ما تحول إلى وهن في الجسم فأخذتها إلى عيادة الدكتور المجاورة لبيتنا. اختليت به قبل أن يباشر بإجراء الفحص وقلت له "أرجوك دكتور أن تقوم بإجراءات المعاينة وتقول لها إن مرضك بسيط، وتعلمني بيني وبينك عن كل شيء لأن زوجتي مصابة بوسواس المرض" وجلستُ في مكتبه أنتظر نتيجة المعاينة. عندما خرج خاطبني بحضورها بكل حذق ومكر قائلاً "إنه مرض نسائي خطير، لا آمن عليها ان تنام إلا هنا تحت إشرافي المباشر" وكانت عنده ثلاث غرف مخصصة للمرضى يتقاضى أجور الإقامة فيها مع أجور العلاج وثمن الدواء، وقال "سأبعث خزعة من الرحم إلى دمشق لتحليلها" ملمِّحاً أنه يشك بإصابتها بالسرطان فاصفر وجه زينب وذبلتْ وعجزت عن القيام بأية حركة وتراخت كمن يستسلم لموت وشيك. دفعتُ للدكتور أجرة المعاينة وقلت له "شكراً" وقلت لها "هيا قومي" وأسندتها لأخرج بها من العيادة. سألني باستغراب واستنكار:

- إلى أين؟

- إلى البيت.

- أحذرك.

خرجتُ دون أن ألتفت إليه، واضطررتُ أن أستأجر تكسي لأوصلها إلى البيت رغم أنه لا يبعدّ إلا عدداً من الخطوات، وتهالكتْ زينب على السرير وجمدت حركتها إلا من عينين ملتاعتين وقالت مرعوبة متهالكة:

- لماذا أعدتني إلى البيت؟

- سأتركك إلى الصباح على مسؤوليتي وإذا متِّ كما يزعم الدكتور سأكون أنا المجرم.

فاستسلمتْ للموت بطاعة وورع، وفقدتْ قواها النفسية التي تحرّض المرء عادة على الأمل وحب الحياة، بدت يائسة يأساً مطبقاً كمن يدسّ رأسه في خابية مظلمة. في اليوم التالي أشار علي بعض الزملاء أن آخذها لطبيب نسائي معروف، فحصها الطبيب بعناية وقال "ليس فيها أي مرض نسائي لكنها تشكو من فقر الدم. يجب أن تأخذها في أسرع وقتْ إلى المستشفى الوطني في الحسكة ليزوّدوها بالدم"

انتعشتْ زينب بعد أن تزوَّدتْ بالدم وركزت على أنواع من الأغذية حددها الطبيب، وصار مناع يمشي جيداً على ساقيه يجري ويلعب مع الأطفال، وبدأ في حياتنا انفراج لم يكن قادراً على رفع معنويات زينب إلا بقدر ضئيل، وصدرت التشكيلات وعدنا بالطائرة إلى دمشق، واستلمتُ تعييني مدرساً للغة العربية في ثانوية جيرود، واندمجنا جميعاً مع الجيران والأهل والزملاء وبخاصة حينا الذي يشبه داراً واحدة.

في اليوم الأول زارني الرفاق في قيادة الفرقة الحزبية وقالوا:

- اتخذنا قراراً أن تستلم أنت إدارة الثانوية.

- وتعزلون المدير الحالي؟

- طبعاً.

- الآن والعام الدراسي في منتصفه؟ لماذا تريدون أن تحرقوا الحزب وتحرقوني؟ المدير رجل متديّن يخطب في الناس يوم الجمعة وما أكثر أصحاب النفوس المريضة الذين سيحاولون استغلال ذلك. أنا لا أوافق.

- أولا أنت كنت من أكبر الساعين لإنشاء الثانوية في جيرود يوم كان هو ينام ملء عينيه، وثانياً كنت مديراً لأكبر ثانوية في القامشلي وكنت ناجحاً وليس لهذا المدير خبرة في الإدارة.

- أنا غير موافق.

- أمر حزبي.

- أرفضه وأتحمَّل النتائج.

بيد أن المدير رغم مظهره المتزن وسنه المتقدمة يكبرني بأكثر من خمس عشرة سنة أخذ يتحسس من وجودي، وأخذ بعض الانتهازيين من المدرسين والإداريين يحرِّضونه ضدي ويحاولون أن يضيِّقوا عليّ، يشنون حملة في الأوساط الاجتماعية ويشيعون أن البعثيين علمانيون لا يؤمنون بالله، حتى إن أحد الموجهين نقر باب الصفّ العاشر وفاجأني مرة وأنا ألقي الدرس. فتحتُ الباب فقال لي بسحنة صفراء:

- أريد أن أحضر الدرس.

- بأية صفة؟

- سمِّها ماشئت.

خرجتُ من القاعة وأطبقتُ الباب خلفي حتى لايسمع الطلاب، وقلتُ محتداً مهدّداً "لا تستطيع أنت، ولا أكبر منك أن تقتحم الدرس على المدرس إلا المفتّش المختص يحضر بعد الاستئذان امضِ من هنا" ولولا علاقتي الطبيعية مع الناس ومع الطلاب لكان في الأمر إزعاجات أخرى. لكن الضربات على أم الرأس قد تأتي مجتمعة أما بوارق الأمل إذا أتت فلا تأتي إلا فرادى. لقد اكتشفتُ أن مخطوطة روايتي "العنكبوت" التي قدمتها للاتحاد قد اختفتْ فضاعتْ مني أربع سنوات الإعارة وكل مابنيتُ من أحلام وآمال على هذا العمل الجديد لأرسخ به خطواتي في الوسط الأدبي والثقافي. ضاعت.. لو رقصتُ لو انقلبت رأساً على عقب لوصرختُ لو اهتززتُ. ضاعت.

في هذه الفترة تأُسَّستْ جريدة "تشرين" وأُسندت رئاسة التحرير لجلال فاروق الشريف أبرز رجال الصحافة والأدب في سورية، وأسندتْ أمانة التحرير لعادل أبو شنب. ظهرتْ تشرين بأسلوب جديد وانطلقتْ انطلاقة واسعة واجتذبت جمهوراً عريضاً. كان زكريا تامر ومحمد الماغوط يتناوبان على زاوية يومية ناقدة ساخرة باسم "عزف منفرد" في الصفحة الأولى والدكتور غسان الرفاعي يكتب زاوية جذابة "يوميات نزقة" في الصفحة الثقافية، واختارني رئيس التحرير بين عدد من الكتاب وجميعهم أكثر رسوخاً لكتابة زاوية حرة باسم "شيء ما" في الصفحة الأخيرة. فسلطتُ منها هجوماً عاتياً على اتحاد الكتاب وعلى رئيسه حافظ الجمالي آنذاك. كان حافظ الجمالي يردّ عليّ أحياناً لكنه تقبل نقدي اللاذع بمودة، وأعرب عن أسفه وعدم قدرته على فعل شيء لضياع روايتي.

وتوالت أحداث العام 1977 حلوة حامضة. في أواخر شهر آذار ألزمني مخاض زينب أن أنقلها إلى أحد المستشفيات في دمشق وفي السادس والعشرين من شهر آذار ولدت سلافة خامسة القطين صفراء الشعر بيضاء مشعة، وغدتْ بهجة البيت.

وفي اتحاد الكتاب عُيِّن علي عقلة عرسان وهو مخرج وكاتب مسرحي معروف نائباً لرئيس الاتحاد بتوجيهات من القيادة القومية رغم أنه لم يمض على انتسابه سوى وقت قليل، وعُيِّن مكتب تنفيذي جديد اختير من كتاب متعددي المشارب مع وعود قاطعة بأن يعقد في الأعوام القادمة مؤتمر يتم اختيار قياداته بالانتخاب.

في أوائل الستينات عاد إلى الوطن ثلاثة مسرحيين هم: أسعد فضة وخضر الشعار وعلي عقلة عرسان بعد أن أتموا دراسة المسرح في مصر وأوفدوا إلى فرنسا لحضور دورة إطلاعية فساهموا بتأسيس الحركة المسرحية في سورية وتجذيرها وساهموا في النهوض بها ممثلين ومخرجين وحققوا حضوراً متميِّزاً فأخذتْ المناصب تتدفق عليهم خضر الشعار مديراً للتلفزيون وأسعد فضة للمسرح القومي وعلي عقلة عرسان مديراً للمسارح في وزارة الثقافة، ثم معاوناً للوزير وكان ملتهباً بالحماسة وله مشروع ثقافي ينبني على "الرأي والرأي الآخر" ولم يكن له من المؤلفات سوى مسرحية واحدة، لذا كان تعيينه نائباً لرئيس الاتحاد مفاجأة.

وفي غضون العام صدرت روايتي الجديدة "الياقوتي" وأخذتْ طريقها إلى التوزيع فأُجريتْ معي مقابلات في الصحف والإذاعة، وكُتِبَتْ عنها مقالات نقدية في بعض الصحف والمجلات العربية في تونس والجزائر والمغرب، وفي العراق.

في تشرين الثاني عقد المؤتمر العام للأدباء والكتاب العرب الحادي عشر ومهرجان الشعر الثالث عشر في ليبيا، وعيِّنَ علي عقلة رئيساً للوفد وعُيِّنتُ عضواً فيه. في ثانوية جيرود كان الوضع قد بلغ ذروة التأزّم بيني وبين المدير، وعندما حاولتُ أن أرفع طلب إجازة عن طريقه إلى مديرية التربية للسفر مع الوفد رفض على أنه لا يجوز للمدرس الحصول على إجازة خلال العام الدراسي إلا في حالة الزواج أو وفاة أحد الأصول أو الفروع، فلم أبالِ وسافرتُ مع الوفد وقد بُلِّغتُ أن وزير التربية منح المدرسين المشاركين في المؤتمر إجازة لمدة خمسة عشر يوماً عمِّمتْ على مديريات التربية والمدارس. وحلَّقتْ بنا الطائرة إلى طرابلس الغرب ومعنا محفظة فيها عدد من الكتب من منشورات الاتحاد لتوزيعها هدايا على أعضاء الوفود العربية وُضعت باسمي. ومن طرائف تلك الرحلة أن أبا صفوان المدير الإداري جهز جوازات السفر والبطاقات الصحية للجميع وكتب عليها اللقاحات ونسي الموظف أن يدون التلقيح على بطاقتي وعندما استُقبلنا في المطار استقبالاً رسمياً أصَّروا على تلقيحي. حاولتُ أن أفهمهم أنني لُقِّحتُ مع باقي أعضاء الوفد وأن الموظف في وزارة الصحة نسي تدوين اللقاح على بطاقتي الصحية، وأن اللقاح يسبب لي مضاعفات وارتفاع حرارة لمدة يومين فلم يتراجعوا. لقَّحوني وعندما سلمتُ محفظتي الشخصية قيل لي محفظتك الأخرى أي "محفظة الكتب" سترسل إلى الفندق غداً وارتفعت حرارتي والتزمت السرير في غرفتي لمدة يومين فتغيَّبتُ عن حضور الافتتاح وعن عرض فيلم "الرسالة" لمصطفى العقاد، وعن الذهاب إلى جامعة بني غازي للقاء مع معمر القذافي، أما محفظة الكتب فظلت كلمة "غداً" تتكرر حتى غادرنا ليبياً ولم نعثر عليها. إن أبرز ما يميّز المؤتمرات العربية العامة هو تلك الخلافات الحادة في الجلسات العامة بين أصحاب وجهات النظر المتباينة الكتاب "المشارقة" بثقافتهم التي تعتمد على مشارب متنوعة "انكليزية" و"فرنسية" يستقيها معظمهم من مصادر "الكتب المترجمة" والكتاب "المغاربة" الذين تعتمد ثقافتهم على المشارب "الفرنسية" ومعظمهم يتقنون "الفرنسية" وينهلونها من المصادر "الأم"، والأهم هو تلك الجلسات الجانبية التي يتجلّى فيها التعارف بين الكتاب عن كثب، والجلسة التي عقدها "معمر القذافي" في جامعة بني غازي مع المؤتمرين والتي شرح فيها مشروعه الثقافي في "الكتاب الأخضر" وعندما علَّق الشاعر المصري "أحمد عبد المعطي حجازي" على اللوحات القماشية التي تعرض على طريق المطار مكتوباً عليها "من تحزَّب خان" وتساءل أية تقدمية يمكن أن تقوم على غير الأحزاب والتعددية "الفكرية والسياسية" أجابه القذافي أن الحل عنده هو "المؤتمرات الشعبية" التي تبدأ من القاعدة الشعبية العريضة وتتدرج حتى القمة لذا أطلق على ليبيا "الجماهيرية العربية الديمواقراطية الشعبية الاشتراكية " وعندما أطلقتْ أمريكا "فيما بعد صاروخاً من أسطولها في البحر على الحي السكني الذي يقيم فيه القذافي وهو "سكن الضباط" في طرابلس وأصاب غرفة نومه ونفذت في سريره دون أن تلحق به الأذى أضاف إلى ألقاب ليبيا كلمة "العظمى" الذي اكتسبته من منطق أن ليبيا لو لم تكن "عظمى" لما أطلقتْ عليها دولة عظمى ذاك "الصاروخ" وصارت الوفود الليبية "الإعلامية والأدبية وسواها" بعد تلك الحادثة تحتج بحرارة إن لم تُذكر كلمة "العظمى" في سياق اللقاءات والمناقشات وصار يُكتفى أن تقول "الجماهيرية العظمى". كما أن التسوق في ليبيا كان من أبرز مايميز ذاك المؤتمر وعلى الخصوص المحلات الفخمة المفتوحة على البضائع الإيطالية والفرنسية والإنكليزية والإسبانية يترامى عليها المؤتمرون خلال أوقات فراغهم كما تترامي الطيور على شجرة وارفة.

عندما عدتُ إلى جيرود محمَّلاً بالهدايا تحلّق حولي الأولاد مبتهجين، والأصدقاء والزملاء مرحبين مستطلعين، وفي الثانوية فوجئت أن المدير رفع كتاباً للتربية يطلب أن أعدّ بحكم المستقيل لأنني غبت أكثر من خمسة عشر يوماً فلم أبالِ ولم ألتحق بالعمل حتى تكتمل إجازة وزير التربية وفي مطلع العام الدراسي 1977- 1978 سافر إلى السعودية ليعمل مدرساً وصرت مديراً للثانوية، في تلك المرحلة أُعفي جلال فاروق الشريف من رئاسة تحرير جريدة تشرين وكُلف غسان الرفاعي بدلاً منه وغسان كاتب مهم وصحفي كبير لكن طبيعته المنعتقة من القيود لا تؤهله أن يكون بديلاً لجلال، وأخذتُ أكتب في تشرين سلسلة مقالات عن "السفارة" في التاريخ العربي منذ الجاهلية وحتى العصر الإسلامي لفتت الأنظار.

صدرت بموافقة الرقابة في اتحاد الكتاب العرب مجموعة شعرية مسفّة جملها ركيكة مفككة وفيها عبارات ناقدة بذيئة لرجل في عقله خلل، مُنحتْ الموافقة على الطباعة، وبعد الطباعة مُنحتْ الموافقة على التداول، وعندما اكتُشفت جُمعت من المكتبات وتقرر إتلافها كما تقرر إنهاء تكليف القيم على الرقابة، فبعث الرفيق جورج صدقني عضو القيادة القومية المسؤول عن الاتحاد يحيى قزموز مدير الإدارة وطلب مني أن أراجعه منذ الغد، وفي جريدة تشرين ترك العمل الناقد محي الدين صبحي رئيس القسم الثقافي فاتصل بي مكتب وزير الإعلام أحمد اسكندر أحمد يطلب مني مقابلة الوزير في أقرب فرصة.

قابلتُ الرفيق جورج فعرض علي التفرغ في الاتحاد واستلام مكتب إدارة المخطوطات، وقابلت وزير الإعلام فعرض عليّ استلام القسم الثقافي في جريدة تشرين. في الواقع رأيتُ العرضين مغريين ويشكل أيٌّ منهما نقلة جديدة من عالم التعليم إلى عالم الأدب والثقافة لكنهما جاءا في وقتٍ واحد، وبعد استشارة بعض الأصدقاء فضلتُ الاتحاد لأن وضع الصحافة عندنا متقلقل. تركت التعليم والتحقتُ بالاتحاد وكان في أول شارع مرشد خاطر قريباً من السبع بحرات، وصرتُ آتي إلى دمشق صباح كل يوم وأعود إلى جيرود بعد الظهر لعدم توفر السكن في دمشق.

في العام نفسه صدرتْ روايتي الجديدة "الصخرة" وعرض مسلسلي التلفزيوني "الهراس" بإخراج علاء الدين كوكش وهو أول عمل ينتج في التلفزيون بالألوان.

في غضون العام كنت ماراً من "جسر فيكتوريا" فتوقّفت إلى جانبي سيارة جيب عسكرية، وترجل منها ضابط برتبة لواء، هرع إليّ يعانقني وإذا به "نخلة" قال لي بتواضع ومحبة "كانت خدمتي معكم في العال درساً أفادني في كلّ حياتي. أنا أقرأ مقالاتك يوم الأربعاء في جريدة تشرين وقرأت رواياتك وشاهدتُ مسلسلك التلفزيوني "الهراس". لكم تمنّيتُ لو أرى "يونس" وأخبره، لكني لم أره منذ سرحت من الجيش.

طفقتُ أتلقى شهرياً عدداً من الرسائل: من يحيى بوشقور (الزبير) يبلغني تحيات خالد وبن يوسف، وجلول، ومن عبد القادر يبلغني تحيات بغدادي، وسوداني، ومن عدد من الطلاب، وأردُّ عليهم جميعاً.

والمفاجأة رسالة جائتني من مليكة تقول فيها إنها هامت بي حبّاً من الوهلة الأولى، لكنها صُعقتْ لما رأتني أميل إلى خديجة. قالت "أنت تزداد لهفة وتوقاً إلى خديجة وأنا أزداد قهراً وغيظاً وغيرة، وأتفق مع نفسي في المساء والتفكير فيك يهدُّني أن ألفت انتباهك إلى أن خديجة على علاقة بشاب آخر، فآبى أن أكون مفسدة.

تقول مليكة: "وعندما انزاحت خديجة من طريقي تنفست بارتياح ولبثت أنتظر مبادرة منك ثم قررت أن أجازف وأبادر، وإذا بك تقع في حبّ نادية". "كنت أتمزّقُ إشفاقاً عليك لأنني أعرف أن نادية تورطت مع شابٍ فرنسي قبل عامين" تقول مليكة "وهاجرتْ نادية. ولبثتُ أعيش على أمل أن أسمع كلمة طيبة منك، لكنك لم تبادر. أفكرُ في الليل أن أصارحك، ويأتي النهار فتأبى عليّ نفسي أن أكون رخيصة فاستسلمت إلى ما تقوله عجائزنا: كله نصيب" وقالت مليكة: "أتمنى لك عيشاً رغيداً ومستقبلاً سعيداً".

بعثتُ لها برسالة جوابية أعترف أن حظي كان عاثراً، وقدري ساقني إلى علاقتين فاشلتين مُنِّيتُ منهما بالخيبة، لعلي كنتُ غبياً أو قصير نظر لكن هذا الذي كان، وتمنيتُ لها السعادة والمستقبل الزاهر. بيد أن الحب التهب بيني وبينها على صفحات الرسائل بما لايقلّ عن رسالة كل ثلاثة اشهر، حبٌّ الأمل فيه أوهى من غشاء البصلة.

وأعود إلى حياتي اليومية... كانت سلافة الصغيرة قد بلغت العام تلفت النظر بشعرها الأصفر ووجهها الأبيض المشع وطفولتها الملأى بالحيوية، تداهمني كل صباح إلى غرفة النوم وتندس بجانبي في الفراش وتعانقني حتى أصحو وأنهض لاحتساء القهوة والتهيّؤ للذهاب إلى دمشق. لقد منحت هذه الصغيرة جو الأسرة حميمية واستقطبتْ اهتمام الجميع. كان هذا خروجاً عن روتين الحياة اليومية بشكل ما، ومع إطلالة الخريف منتصف أيلول من هذا العام 1978 أدرج اسمي عضواً في وفد اتحاد الكتاب إلى الاتحاد السوفياتي لحضور الاحتفالات بمرور مئة وخمسين عاماً على ميلاد الكاتب الروسي الشهير "ليون - ليف - تولستوي" صاحب روايتي "آنا كرنينا" و"الحرب والسلم" المولود في العام "1828" والمتوفى في العام 1911، وكنا نمثّل ثلاثة أجيال: من جيل السبعينات رئيس الوفد أنطون مقدسي رجل الفكر العميق والانغلاق على الحياة الاجتماعية بجدية صماء وتكشيرة لا تفارق شفتيه، وكنتُ أستفزه أحيانا إلى ابتسامة تبدو نادرة طارئة على سلوكه الخشبي. ومن جيل الخمسينات الشاعر التقليدي عبد الرحيم الحصني الذي تلاءمتُ معه أكثر بسبب مرحه وإقباله على الحياة، وكنت من جيل الأربعينات.

استُقبلنا في مطار موسكو واتجهنا إلى المركز إلى فندق "بكين" ببنائه التقليدي المتواضع في شارع "مكسيم غوركي" ولم يكن في مقدورنا أن نرى سوى أضواء الشوارع، وهمس انطون مقدسي قائلاً ونحن نتحلّق حول مائدة العشاء "احذروا مجاراة الروس في الشراب لئلا يلعب الثمل برؤوسكم إنهم يسرفون كثيراً" فقال عبد الرحيم باعتداد "لعيونك، إنني أتحداهم" فارتسمت ابتسامة استخفاف سادرة على شفتي انطون.

أحسستُ منذ يومنا الأول أننا زُججنا في حياة دقيقة التنظيم إيقاعاتها شاملة صارمة رتيبة كدقّات الساعة، وخيِّل إليّ أن الناس وشرطة السير وسائقي التاكسي والجدران وقارعة الطريق كلها منظمة في الحزب الشيوعي، ويلفت النظر أولئك العجائز على بوابات الفنادق لايسمحن لأحد بالدخول إلا إذا كان يحمل إذناً خطياً.

استيقظت في الصباح المبكر أنا وعبد الرحيم قبل موعد وصول المرافق بحوالي الساعتين وكلٌّ منا تهيج فيه نزعتان الأولى إلى السيكارة مع القهوة، والثانية إلى رؤية الشارع والناس بالإضافة إلى تلك الهفوة الكامنة في نفوسنا "العربية" إلى المرأة. لقد ملأ رؤوسنا من سبقونا إلى موسكو ومن سمعوا حكاياتهم أنك بهدية بسيطة أو علبة دخان "أمريكية" أو بضعة دولارات تستطيع أن تقتنص حورية من حوريات الجنة شقراء كالوعلة وتظفر بها، كانت حكايات كأنها ملخَّصات عن ألف ليلة وليلة.. ورغم صعوبة تصديقها ساقتنا أحلامنا إلى "سوق الحميدية" غرفنا عدداً من الطعوم دسسناها بين ثيابنا كي لا نمنّى بالندم، بيد أننا لم نجد في الفندق أيّ مرفق نلجأ إليه لتلبية النزعة الأولى نزعة الشعور بالتوازن، باب المطعم مقفل، ولا مقهى ولاشيء وليس فيه نظام خدمة الغرف (room sirvice).

خرجنا إلى الشارع فألفيناه خالياً إلا من عدد قليل من السيارات والمارة ومن عاملات التنظيف منهمكات بمكانسهن ينظفن الأرصفة، إنها إحدى أبواب المساواة بين الرجل والمرأة أن تكون عاملة تنظيف. مشينا هائمين صعوداً على الرصيف حتى سمعنا جلبة خفيفة أثارت فضولنا دخلنا وإذا بمقهى صغير متواضع تقدم فيه القهوة بكؤوس بلاستيكية "على الواقف" يروده كما رأينا العمال العابرون إلى عملهم. أنعشت قلوبنا رائحة القهوة فاشترينا كأسين من الساقية وهي امرأة عجوز ووقفنا جانباً نرشف القهوة بشغف وأشعل كل منا سيكارته وملأ صدره من دخانها نحسّ كأننا نحلق في الفضاء فقطعت علينا تلك المتعة تلك العجوز ترطن مشيرة إلينا بعصبية مفجرة عينيها. أخذ كلٌّ منا ينظر إلى الآخر حائراً ثم تابعنا احتساء القهوة والتدخين لامباليين، وإذا بها تتقدم نحونا متوثِّبة وتشير إلينا أن نطفئ السيكارة.

قال عبد الرحيم "اللهم قنا شرّ العجائز" فكرعنا ماتبقى من الكأس وخرجنا نتابع التدخين في الشارع.

انضممنا إلى عدد من الوفود العالمية، ولم يكن من العرب سوانا، وبدأ برنامج الرحلة بزيارة ضريح لينين. رأينا على امتداد الساحة الحمراء رتلٌ رباعي يتقدم من بنية الضريح قيل لنا إنهم أشخاص انتقوا من مختلف أصقاع الاتحاد السوفياتي وكوفئوا بهذه "الحجة" فزحفوا اليها ينعمون - كما بدوا لنا - ببركاتها خاشعين، والله وحده يعلم ما في القلوب. مررنا بتماثيل من الحجر لرؤوس أبرز القادة السوفيات بمن فيهم "ستالين" ثم قطعوا حبل الرتل باعتبارنا ضيوفاً وأدخلونا "المقام" طُلب منا قبل الدخول أن نسوي هندامنا: ربطة العنق، ياقة القميص، إقفال أزرار الجاكيت، وأن ندخل بمهابة ندور حول الضريح "المحنط" نلوي أعناقنا ملتفتين إليه خاشعين لنخزّنه في ضمائرنا، ونتابع طريق الخروج كالتماثيل. يقول كارل ماركس "الدين أفيون الشعوب" لكن زيارة "ضريح لينين" أوحتْ لي بالبداهة أفكاراً أولية أن الشيوعية طرحتْ نفسها بشكل أو بآخر ديناً بديلاً في محاولة لمنافسة المسيحية التي ترسختْ في النفوس عبر 2000 عام، وأنها استخفَّتْ بفكرة المخلّص الذي يبعث لينقذ الإنسانية من مآسيها، وطرحتْ نفسها "خلاصاً" بديلاً، وأن "المادية الديالكتيكية" التي اتهمتْ الطروحات الاشتراكية الأخرى أنها "طوباوية" كانت أكثر "طوباوية" منها وأنها قضت على الإقطاع ورؤوس الإقطاعيين، ولئن كان الإقطاعيون يملك كلٌّ منهم "إقطاعة محددة" فإن القادة الاشتراكيين الذين تربعوا على القمة حلوا محلّهم وأصبحوا يملكون كل شيء "بالشمول" محتفظين بكراسيهم حتى الموت.

لقد أسس الاتحاد السوفياتي دولة عظمى قوية قادرة، ومدّ يده لمساعدة الشعوب المقهورة، وساعدها على الإطاحة بالقوى الاستعمارية على حساب حياة المواطن السوفياتي العادي الذي كان يعيش بشظف وأحادية فكرية وسياسية قسرية عطلت فيه المبادرة الفردية.

لم يكن الاتحاد السوفياتي "صراعاً طبقياً" و"ديكتاتورية الطبقة العاملة" وإنما كان وجهاً حضاريّاً شموليّاً راسخاً منه تظاهرة الاحتفال بذكرى "تولستوي" وبدأ برنامجنا بزيارة مسقط رأسه قرب قرية "ياسنايا بوليانا" التي أقيم فيها المتحف الخاص به لنعيش يوماً من أيام حياته الحافلة وهي تبعد عن موسكو حوالي (170) ك. م.

انطلقتْ بنا الحافلة عبر مروج خضراء تشرئب فيها الأشجار الحراجية الباسقة وتعرفنا خلال الرحلة في استراحة قصيرة إلى بعض الأدباء السوفيات مثل "سيمونوف" وكم تمنينا لو رأينا "ميخائيل شولوخوف" صاحب رواية "الدون الهادئ" الرائعة فقيل لنا إنه لايغادر مسقط رأسه. وعندما أقبلنا على بيت تولستوي الذي تحول إلى متحف يروي حياته بالوثائق والصور قال لي عبد الرحيم وهو يتوه في تلك البقعة التي تزهو بالورود "بربك لو وضعنا الحمار هنا ألا يغدو شاعراً؟".

وفي موسكو أقيم لنا حفل استقبال استهله "بريجينيف" برفع كأس "الدعوة إلى السلام والإخاء بين الشعوب" ثم عرضت على منصة المسرح مشاهد حية من الأوبرا التي استلهمت من أعمال تولستوي الروائية، وتابعنا البرنامج فزرنا "لينينغراد" التي كان اسمها "بتروغراد" أو "بطرسبورغ" نسبة إلى القيصر "بطرس الأكبر" الذي يفتخرون به وبإنجازاته الحضارية وزرنا قصر زوجته "كاترين" ثم "الإيرميتاج" الذي يعد من أهم المتاحف وأكبرها في العالم، فلم نستطع خلال يوم كامل أن نرى إلا جزءاً يسيراً منه. رافقتنا دليلة سياحية طلقة اللسان باللغة الإنكليزية لتطلعنا على المواقع التي انطلقت منها "الثورة البولشفية" وأنا أراها وأتذكر كتاب "عشرة أيام هزت العالم" للكاتب الأمريكي "جون ريد" الذي عاصر الثورة وعاينها من الداخل.

ثم انتقلنا إلى "ريغا" عاصمة جمهورية "لاتفيا السوفياتية" التي تتميز بالأحجار الكريمة كالكهرمان والعقيق والياقوت وتباع بأسعار بسيطة. دخلنا متجراً صغيراً فيه بائعتان إحداهما طويلة شقراء فيروزية العينين تشبه نجمة سينمائية قادمة من "هوليوود" أحسست منذ التقاء العينين أن كلاً منا تسلّق على شعاع النظرة إلى عمق الآخر وكأننا بذاك الوميض غدونا كتلة واحدة. ومن حسن الحظ أنها تجيد الكلام بالإنكليزية فارتفعت تلك الستارة الوهمية التي كان من المحتمل أن تفصل بيننا وتحولتْ إلى ألفة حمامتين تهدلان في حلم صيغ كلمعان البرق، ووافقتْ أن يأخذ لنا المرافق "أندريه" لقطات بآلة تصوير سينمائية اشتريتها من موسكو تعمل على النابض ونحن نمشي باتجاه العدسة، ووافق أندريه أن أدعوها إلى مشاركتنا في العشاء والسهرة في مطعم بضواحي ريغا عبر طريق تسمى "خمسة عشر كيلومتراً من شيكاغو" ولم يكن إعجابي بشكلها أكثر من إعجابي باسمها "نادية" فقضينا سهرة بالرقص وتبادل الحديث الشفاف كالبللور لكنها أثارت غيرة عبد الرحيم الذي كان يتأفّف من وحدة قسرية لأنه لا يتقن الإنكليزية. وتواعدنا أن نلتقي نحو العاشرة من صباح اليوم التالي حسب ظروف عملها. في الصباح أيقظونا في الثامنة لنتأهب لزيارة منتجع يبعد عن "ريغا" نحو ثلاثين كيلومتراً مخصص لمنح المتفوقين من العاملين في سائر أنحاء الاتحاد السوفياتي إقامة أسبوع. اعتذرتُ متذرعاً بألم في البطن فهموا أن يستدعوا طبيباً لمعالجتي، قلت لهم إنني أعالج نفسي كل مرة بدواء احتفظ به بمعرفة طبيبي الخاص، ولبثت في ردهة الفندق أنتظر "نادية". في موسكو لايسمح للنزيل في الفنادق أن يستقبل ضيفاً إلا بإذن خاص من إدارة الفندق، حتى النزيل نفسه لايسمح له بالدخول إلا ببطاقة تعريف يزودونه بها منذ إقامته إن لم ترها البوابة العجوز ترفض دخوله فلبثتُ أراقب الباب لأهبّ إلى نادية عندما أراها فنخرج معاً إلى أيّ مكان واضعاً احتمال الخيبة في أن يكون موعد نادية خلبيّاً كمواعيد الحسناوات، وإذا بها تتمثل أمام ناظري بتحية وابتسامة ناعمة اقتلعتني ونثرتني على ألق رموشها، وإذا بجمهوريات البلطيق "لاتفيا، واستونيا وليتوانيا" تبدو مثل مقاطعات "أوروبية غربية" لا تضع قيوداً على أبواب الفنادق.

عشتُ يوماً منذ صباحه وحتى مسائه أحسّ فيه أنني ظفرتُ بشقي الآخر الحقيقي، يوماً كأنه حياة بأكملها تجسدتْ فيه أحلامي وآمالي وكأنني خرجتُ به عن سياق الحياة مع امرأة فاتنة رقيقة، وفجأة أطبق الليل، وتلاه صباح أعجف كذيل ثور، وغادرنا ريغا واقتُلع الظَّفَر من نفسي وعاد اليها الخواء.

في موسكو طلبنا من أندريه أن يأخذنا إلى مطعم متواضع على أطراف العاصمة لنرى وجهاً آخر من وجوهها، أخذنا بسيارته الصغيرة المتواضعة إلى حد المدينة الأقصى. يبلغ طول قطر موسكو خمسة وأربعين كيلومتراً، وفيما ولجنا مدخل المطعم لاحظنا أن أندريه تأخّر عنا قليلاً ثم تبعنا إلى أقرب طاولة اخترناها وهو يرتعد خوفاً. سألناه عن السبب قال إن كتفه اصطدم عرضاً بكتف أحد (الزعران) فهدده وتوعده أن يبطش به. قال له عبد الرحيم بحماسة "لا يهمك نحن معك" أجابه أندريه مرعوباً "كيف لايهمك، إن أمثاله يحملون المدى ولا يثنيهم رادع عن البطش المجاني بالآخرين" وأخذ فكه الأسفل يرتجف، وأكد مخاوفه أن النُّدل في المطعم تجاهلونا تماماً ورفضوا أن يقدموا لنا أيّ شيء. نهضتُ إلى رئيس الندل وراء حاجزه الخشبي فرأيت شابين أسمرين يبدو أنهما على علاقة مودة معه، كانا يتكلمان العربية باللهجة الليبية حييتهما فأشاحا عني، قلتُ لأحدهما محتجاً "أنت عربي لماذا لاتكلمني" قال بعجرفة "أنا أفريقي" وأدار لي ظهره. وقفتُ لحظات حائراً أفكر بهذا المأزق الذي وقع فيه مرافقنا وأوقعنا معه فسمعت صوتاً عربياً يكلم آخر باللهجة المغربية وإذا بطاولة عامرة عليها حوالي عشرة شبان سمر تقدمت منهم وقدمت لهم نفسي فقال أحدهم بحماسة "نقص عنق هذا الأزعر إذا حاول الاعتداء عليكما أو على مرافقكما" وقال لي إنهم من موظفي السفارة المغربية في موسكو، وانضم أربعة منهم إلى طاولتنا وطلبوا لنا على حسابهم ما نريد، عندئذٍ تحرّر أندريه من مخاوفه وقال إن الأزعر اختفى عن ناظره لكنه مايزال يخشى أن يتبعنا مع جماعته عندما نخرج، فرافقنا المغاربة بسياراتهم حتى أدركنا الفندق.

إن هذه الظاهرة تدعوا إلى الاستغراب في عاصمة الاتحاد السوفياتي الذي قيل إن ذبابة ظهرت خلال مهرجان الشبيبة العالمي فأثارت الدهشة. وذات ليلة التقينا بعدد من طلاب الدراسات العليا اليمنيين في بهو الفندق فتهلَّلوا لنا واصطحبونا إلى الساحة الحمراء بالميترو. كانت تجلس إلى جانبنا بالمصادفة فتاة حنطية اللون فحاول أحد السكارى التحرش بها وبلمح البصر أحاط به اثنان من رجال الأمن وساقوه.

وانتهت الزيارة وعدت إلى جيرود أحمل الذكريات والهدايا وأحني رأسي لأخوض نفق الحياة المظلم أتعثّر بحجارته المخرشة وحفره الطينية. حاولت مراسلة نادية فلم تجب. بعد حوالي ثلاثة أشهر اتصل بي الرفيق جورج صدقني عضو القيادة القومية وسألني "هل تريد الذهاب إلى الاتحاد السوفياتي بوفد حزبي إطلاعي؟" نعم نعم قلت نعم بقلب راقص كغصن الزيزفون لعلي أظفر برؤية نادية.

كان الوفد مؤلفاً من خمسة أعضاء برئاسة أحد أمناء الفروع وعضوية مسؤولين على مستوى عضو قيادة فرع، وكنت أقلّهم شأناً في تلك الحسابات. غادرنا دمشق في منتصف كانون الثاني (ديسمبر) وعندما هبطنا سلم الطائرة في مطار موسكو أحسست أن رئتي تمتلئ بهواء بارد جعلني أشهق، أحسستُ كأنني مندس في ثلاجة. كانت درجة الحرارة في حدود (25 مئوية) تحت الصفر، وكنت الأكثر تحملاً بين الرفاق لأنني قضيتُ معظم فصول الشتاء في النبك طالباً ومدرساً، وأذكر في شتاء العام 1967 أن المياه الساخنة التي تبرّد محرك التوليد الكهربائي قريباً من ساحة المخرج تتجمد لدى خروجها من فوهة الأنبوب وتسقط على الأرض عل شكل حبال بللورية، قيل يومها إن درجة الحرارة بلغتْ (17 مئوية).

بدأ الفرق بين أن تكون في وفد أدبي أو وفد حزبي منذ هبطنا سلم الطائرة ووجدنا السيارات الرسمية الفخمة تنتظرنا، غادرنا المطار دون أن ندخل "البهو" إلى فندق "اللجنة المركزية" الأنيق في أحد مناطق موسكو الراقية وهو مؤلف من عدد قليل من الطوابق تنظف ممراته فاتنات شقراوات بمكانس يدوية عادية حتى لاينزعج النزلاء من صوت المكانس الكهربائية، وجلسنا في بهو الفندق للتعارف، ثم وزعونا على غرف أنيقة متجاورة، ثم تناولنا العشاء في جوٍّ من المراسم: يرفع أحدهم كأسه شعاراً يحيي به الصداقة السورية السوفياتية، ثم يتعاقب رفع الكؤوس بالتناوب واحد منهم وواحد منا، ويتعاقب رفع الشعارات.

في الصباح فطور جماعي (برتوكولي) ثم إلى السوق المركزي - جناح اللجنة المركزية - من باب خاص يطل مباشرة على الساحة الحمراء، ليقدموا لكل منا ألبسة تتناسب مع شتاء موسكو: ثياب داخلية صوفية، ومعطف، وشال، وقبعة. أحد أعضاء الوفد خشي ألا يعطوه معطفاً فخلع معطفه وذهب (بالجاكيت) وأسنانه تصطك من البرد الشديد. ثم تركوا لنا المجال أن نشتري على حسابنا الشخصي مانشاء من سلع قد لا نجدها في السوق المركزي العام، وإن توفّرتْ يصعب الحصول عليها في الزحام الشديد.

دخلنا البرنامج المقرر بدءاً من زيارة ضريح (لينين). لقد كانت نظرتهم إليّ منذ البداية متميِّزة باعتباري كاتباً، وتساهلوا معي في موضوع المراسم، ودعوا عضواً من العاملين في اتحاد الكتاب السوفيات للقاء بي خارج حدود المراسم مما أثار غيرة بعض الرفاق.

زرنا كالعادة معالم موسكو وبعض المنشآت التعليمية، ثم أُخذنا لزيارة جمهورية جورجيا السوفياتية مسقط رأس "ستالين" ولاحظنا أن صوره ماتزال على الجدران. ونزلنا في أحد فنادق العاصمة "تبيليسي" التي بدت لي تشبه النبك. قال أحد المسؤولين في جورجيا "إن الجورجيين مولعون بشرب النبيذ وقراءة "الفارس في إهاب النمر" لأهم شعرائهم "شوتا روستافيللي". وأخذت المراسم تركّز على الأخوة الروسية/ الجورجية بشيء من المبالغة في معظم الجلسات أكدتْ لي أنها نوع من المداجاة. وزرنا بعض معالم "جورجية" واستضافونا في مطعم تقليدي، الطاولة والمقاعد فيه من أرومات الأشجار واستدعي الأديب الجورجي "يوسف نانشويلي" رئيس اتحاد كتاب جورجيا فعقدت معه عدداً من اللقاءات. وفي الرابع والعشرين من كانون الأول (ديسمبر) غادرنا موسكو أي قبل عيد الميلاد بيوم واحد الذي بانت تباشيره الحذرة على الوجوه.

عدت إلى جيرود محملاً بالهدايا التي ملأت قلوب الصغار بهجة خاصة سلافة الصغيرة التي أحضرتُ لها لباساً مصمماً من لباس رواد الفضاء بدت فيه كالأعجوبة، وعدت إلى سياق حياتي الراكدة أخرج من البيت كلَّ صباح متجهاً إلى شارع الأربعين لامتطاء الباص إلى دمشق والانخراط في عمل هادئ كأنه فراغ بليد أو كاستراحة من ماض منهك فأعوّل على علاقات جديدة نشطة أدخل منها إلى جو الأدب والإعلام، وأعود في المساء إلى جيرود للانخراط في حياتي العائلية الكاسدة فأهرب منها إلى حياتي الاجتماعية النشطة أقضي هزيعاً من الليل في السهر مع الأصدقاء والزملاء، وهزيعاً في عالمي الخاص عالم الأدب أقرأ أو أكتب، وهزيعاً للنوم. وماتزال مشكلة المقدمات الخاطئة في الخطبة والزواج والعيش المستقلّ تعكّر حياتي، وتؤدّي إلى نتائج خاطئة في العيش المشترك وسيرورة الحياة الزوجية، مايزال ذاك الخط غير المرئي الذي يفصلني عن زوجتي، تارة يبدو واهياً وكأنه الوهم وما يلبث أن يتلاشى بسبب النجاح في إنجاب الأولاد، وتارة يتضخّم ويغدو سداً عاتياً يؤكد الإخفاق في هذه الحياة الزوجية الشبيهة بثوب خلق فيحرضك على البحث عن الذات، وهذه الذات ليست سوى نصف آخر ضائع، ومازالت مشكلة البحث عن "حواء الأزلية الضائعة" مثل من يسحب ورقة يانصيب وهو يعلم مسبقاً أن الأمل في ربحها أرقّ من جناح ذبابة.

ذات يوم من ربيع العام 1979 اتجهتُ بعد الظهر إلى ساحة العباسيين عائداً إلى جيرود فصعدتُ إلى سيارة "الميكروباص" أتجه نحو مكان فارغ في مقعد تجلس عليه إحدى الفتيات التي يبدو أنها لاترى إلا نفسها ولفيفاً من أهلها الذين ترافقهم وبدل أن تتحرك إلى جانب النافذة لتفسح لي مجال الجلوس وقفتْ فاضطرتني أن أخفض رأسي وأنثني لأتسلل بصعوبة نحو النافذة وأجلس تحت أقفاص الأمتعة التي تحيط بسقف السيارة. وعندما ترجلتُ ترجَّلتْ خلفي فتاة تسلك الدرجة الأولى في سلم العشرينات ملفوفة القوام وسارتْ إلى جانبي وأنا أغادر شارع الأربعين نحو حارتنا بجرأة وتلقائية واعتداد تبدي عن استنكارها لتصرف الفتاة الأخرى. سألتُها:

- ما اسمك؟

- نعيمة.

- هل تعرفينني؟

- كيف لا؟ كنت أستاذنا في الصف السابع، وأنا أتابع مقالاتك في الصحف وأستمع إلى كلمتك الصباحية الأسبوعية في إذاعة "صوت الشعب" وإلى تمثيلياتك الإذاعية وتابعتُ مسلسل الهراس في التلفزيون.

- هل أكملتِ دراستك؟

- أنا خريجة دار المعلمات الابتدائية.

- وماذا تعملين الآن؟

- مديرة مدرسة البنات على أطراف حيِّكم.

أعجبتني أنها مديرة على صغر سنها، وأنها تعتد بي وتتعاطف معي بجرأة ضد عائلة من طبقة ترجلتْ عن أمجادها منكسرة لكنها لم تترجل عن أوهامها والتشبّث بماضيها العريق! كالأمة العربية المهزومة التي تتشبّثُ بصبوات التاريخ الذي مضى بغير رجعة.

عند منعطف الطريق إلى بيتها ودعتني بمرح وحيوية، فتابعتُ طريقي وأنا للمرة الأولى في حياتي تعترض طريقي فتاة من جيرود أجدني منساقاً إلى أن أحملها في غمرة حلم يجعله واقعي العائلي مشوباً بالوهم بل مستحيلاً.

في الصباح التالي رأيتها مقبلة إلى مدخل الحارة تسعى إلى عملها برأس مرفوع وجسم منتصب، تمشي بخطوات متوثبة نشطة كأنها العصفورة مجبولة بالطموح والأمل فأشملها على غير تعمّد بنظرة عفوية فتهرب عيناها من عيني في خَفَر تلقائي وتبادلني تحية حيادية يجعل الاحترام شبح ابتسامتها كأنها بلا معنى وتجعلها أحلامي المستباحة فراشة تهيم بجناحين أبيضين في حديقة كأنها معلقة بين السماء والأرض أتخيل رائحة ورودها دون أن أتنشقها.

ومثلما "وماتدري نفسٌ بأي أرض تموت" ليس يُدرى كيف تنتش "بذرة" صغيرة فتغدو بين عشية وضحاها شجرة وارفة متعددة المزايا، نافلة كأنها تجمع المتناقضات تمزجها بعضها في بعض تشدك إلى أن تَطعم من ثمارها وتتفيأ بظلها وتحس بالراحة والأمان والطمأنينة التي افتقدتها طوال حياة متقلقلة مخلوط أولها بآخرها.

في إطار النشاط الثقافي لاتحاد الكتاب عقدنا أمسية أدبية في مركز شعبة الحزب في القطيفة شاركتُ فيها بمحاضرة عن الوضع الثقافي في المنطقة، وشارك فيها ثلاثة شعراء متعددو المشارب: عبد المجيد التجار وهو لواء في الشرطة ومحافظ متقاعد شاعر تقليدي "حماسي"، ومحمد الحريري الذي يجمع بين حداثة المضمون وتقليدية الشكل وكان أيام كنا في المرحلة الإعدادية مدرساً في ثانوية القلمون معروفاً في المنطقة كلها، واسماعيل عامود من رواد "قصيدة!" النثر "الأنيقة!" في سورية.

استوقفتُ نعيمة في الصباح ومعها اثنتان من زميلاتها وأعطيتها عدداً من بطاقات الدعوة لحضور الأمسية التي نجحتْ بكل المقاييس: بعدد الحضور الذين ملأوا القاعة وتزاحموا على الباب، وبتجاوبهم مع فقراتها: عبد المجيد التجار الذي ألهبهم حماسة وألهب أكفهم بالتصفيق، ومحمد الحريري الذي أهاجهم بأشعاره الطريفة كقصيدة "لاعبة البينغ بونغ" ولم يتجاوبوا معي إلا لأنني ابن المنطقة والساعي إلى الأمسية كالمضيف "المعزِّب" الذي يمثّلهم، أما تجاوبهم مع اسماعيل عامود فكان على سبيل المجاملة.

قرَّبتني هذه الأمسية من نعيمة وصرنا نتبادل التحية بشيء من اللهفة المبطنة بالحشمة، وصار كل منا يتعمَّد هذا اللقاء الصباحي الذي غدا عادة كغسل الوجه وتناول قهوة الصباح وأخذ تفكيري بها يتعمق، وأحلامي تنمو: تزهر وتورق، والرغبة تهيج بي لأقتحم أسوارها التي بدتْ مثل سياج من أشجار الزيزفون. استوقفتها وكان "لابدَّ مما ليس منه بدُّ" وقلت بصوت سيطرتُ فيه على رجفة المغامرة:

- أريد أن أراك لأمر هام.

- تفضل لزيارتنا أنت صديق أبي.

- على انفراد.

قالت بدهشة "على انفراد؟!" وهي تنظر حواليها بهاجس المرأة التقليدي الذي يجعل الحقيقة الكامنة تدخل وعيها من العمق، وتتجاهل "بمكر المرأة أيضاً" أنها بريئة خالية الوفاض قلتُ:

- متى تذهبين إلى دمشق بحسب برنامجك؟

- بعد يومين.

- أنتظرك في مكتبي من الساعة العاشرة وحتى نهاية الدوام.

أبوها كان صديقي فعلاً وكان يحبني ويحرص على لقائي كل يوم، وكانت تجمعنا "أفكار عامة" اجتماعية وسياسية، وما عدا ذلك فهو "حدادُ ماهر وناجح" يعمل نصف نهاره الأول موظفاً في القطيفة، ونصفه الثاني في محلّه بمقارعة الحديد، و"اللحام الأوكسيجيني" يلبي رغبات زبائنه الكثر، وكان يحب المتعلمين ويسعى بكل جدية إلى تعليم أولاده.

إنه يكبرني بأكثر من عشر سنوات وكان معجباً بسيرتي في المجتمع وبأفكاري وآرائي بالقيم الأخلاقية فسبَّبتْ لي هذه العلاقة حرجاً كبيراً منذ البدء ورأيتُ من الجنون أن أطلب منه يد ابنته وقد نويت الزواج منها فلا بدّ من كسر الحاجز النفسي باتصالي بها اتصالاً سرياً سوَّغتُه لنفسي لاستطلاع رأيها فإذا وافقتْ وكان أملي بموافقتها مايزال غائماً اندفعتُ إلى الخطو درجة درجة للوصول إلى غايتي وإلا فلأرتد إلى نكوصي الذي لا ينتهي.

دخلتْ مكتبي في الساعة العاشرة تماماً كوردة برية بكراً قياساً إلى فتيات دمشق وكنت أنظر إلى لباسها وكأنه قوقعة تضمّ لؤلؤة ثمينة. سألتها دون مقدمات:

- ماذا تعرفين عني؟

- كل شيء.

- وحياتي الزوجية؟

غمغمتْ وراغتْ بعينيها عني وهربت بهما إلى النافذة حائرة ضائعة. وضّحتُ سؤالي:

- تفاصيل حياتي الزوجية؟

ارتسمتْ على وجهها علامة استغراب وأشاحت عني ذاهلة. قلت بصرامة وحماسة:

- أنا غريق وأتوسّم فيك أن تنقذيني.

وشرحتُ لها كل شيء بصدق، فأطرقتْ وبدت ساكنة كأنها عاجزة عن الإحساس بما حولها قلت:

- أرجوكِ تكلمي.

- فاجأتني.

- من الطبيعي أن تتفاجئي، وها قد تمت المفاجأة. أريد رأيك بصدق، وهل أنت قادرة على المجازفة مستعدة لها؟ إن قلتِ "نعم" أحسّ أن حياتي انطلقتْ من عقالها، وإن قلتِ "لا" لا ألومك.

- أمهلني بضعة أيام.

- كما تشائين.

وانسابت خارجة وانسابت لهفتي وراءها وأحسستُ أن مصيري بين يدي هذه الفتاة التي جائتني من عالم الغيب. وأعود إلى نفسي أراجعها: إنك كلما تعرفتَ إلى امرأة، وأُشبعتَ بها تكون حالتك الشعورية الراهنة أنها وفدت إليك كالفجر تلاشتْ في وهجه النجوم فجبّت ماقبلها. تحاشيتُ اللقاء بها أسبوعاً كاملاً ثم اعترضتُها في الطريق ونظرتُ إليها نظرة تساؤل فقالت " غداً أزورك في اتحاد الكتاب" وجاء الغد بطيئاً سمجاً ثم انفرج في الساعة العاشرة والنصف بدخولها التلقائي وجلوسها قبل أن أدعوها، وقالت بحرارة الصدق:

- أنت في نظري رجل كبير جداً، وأرى أن انتمائي إليك انتصار ولكنني أرفض أن أبني سعادتي على أنقاض سعادة الآخرين.

- سعادة "الآخرين" منهارة منذ عشرين سنة، وأنا الطرف الخاسر والمنهار وحدي.

- مستحيل أن أتزوج على ضرة.

- أرجو أن توقني أن في صدري قلب واحد يستحيل أن يخفق إلا لامرأة واحدة.

- سوّي أمورك ودعني أنا الأخرى أسوّي أموري لأنني على ذمة رجل في السجلات المدنية عقد عليّ في المحكمة الشرعية وبعد خلاف حادّ انفصلنا قبل الزواج ورغم أنه تزوج من أخرى وأنجب منها ولداً يرفض للمكايدة أن يطلقني، وهذا ماجعلني أرفض كل الذين تقدموا إلى خطبتي.

- هل أنا في حبٍّ إشكالي مؤجل؟

- إنني أعاهدك أن أرتبط بك إلى نهاية حياتي، وأن أكون مخلصة لك إلى الأبد لكني أرجوك أن تؤجل كلّ الإجراءات الشكلية حتى أجد الوقت المناسب وأخبرك به لأنني أتوقَّع أن تقف في وجهنا عقبات كبيرة يجب أن نقضي عليها.

إن نبرة الصدق في كلامها جعلتني أحسّ أنها أصبحتْ بين يدي وأتوقع أن تستمر هذه الراهنية زمناً قد يزيد على ربع القرن وأسأل نفسي بهدوء: أهو لميزة فيها وهي مجردُ امرأة كغيرها من النساء فيها ما فيهن من ترَّهات، أم لأنها قبضتْ على مجمل مراحل حياتي بإحكام وعصرتْها وسقتني شرابها المعطر فأعادتْ صياغتي وردّتني إلى الوراء ثماني عشرة سنة مزجتْ فيّ مطلع الشباب ببداية أفوله في جذوة متوهّجة وقد تجاوزتُ الأربعين أتمتَّع متعة صوفية بهذا المزيج. أم هو لوقار طرأ عليّ وبتَّ أهفو إلى الاستقرار؟

في هذا العام 1979 صدرتْ روايتي "المتألق" ولأول مرة أقدم إهداء على رواية ظهر مطبوعاً بخط يدي وهو "إليك مادمتِ تنظرين إليّ بساريتين خضراوين". كانت لقاءاتي بنعيمة تعتمد على المصادفات التي تتحينها فتأتي من جيرود مرة كل أسبوع على الأقل، تتصل بي عندما تصل إلى دمشق فتكون وحدها أو مع إحدى زميلاتها.

في مطلع تشرين الثاني (نوفمبر) شكلت القيادة القومية لجنة برئاسة الرفيق جورج صدقني من أجل التحضير للمؤتمر العام للأدباء والكتاب العرب الثاني عشر ومهرجان الشعر الرابع عشر في دمشق الذي سينعقد بدءاً من الثلاثاء 14 حتى الخميس 20 من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 1979 وعينتُ عضواً فيها.

ورغم أن عمل اللجنة استمر بضعة أسابيع لم تنقطع لقاءاتي بنعيمة. كانت تتصل بعوض في اتحاد الكتاب فيتصل بي عوض إلى القيادة فأترك الاجتماع من أجلها. كانت مراهَقة ممتعة وكأن كلاً منا يقوم بتمثيل دور في عمل درامي مندمجاً فيه اندماجاً كلياً ممثلاً ومتفرجاً في وقتٍ معاً، كأنه فراشة تنفلت من شرنقة ملفوفة بخيوط من الحرير وتهيم في الفضاء. وفجأة يتجهم في وجه كل منا واقعُه الأليم ويمسكه من خناقه يجره إلى صراع مرير يكاد يشلّ اندفاعه إلى لقاء أبدي يجعله ينوس بين الأمل واليأس، وعندما جنح بنا الخيال إلى شاطئ عاصف قررنا أن نحرق سفينة "طارق" على الملأ ونعيش قصة حبّ معلن متكافئة في نظرنا مختلة في نظر الكثيرين الذين راحوا ينددون بفارق السن ويبالغون فيجعلونني فوق الخمسين من العمر وبخاصة الشباب "المتعلم" في جيرود الذين يسمون أنفسهم اعتسافاً "مثقفين" يحركهم أولئك الذين تقطَّعتْ بهم الأسباب وهم يحاولون التقرب إليها وخطبتها، ويحركون أهلها وأقاربها أن يتصدوا لها.

زُججنا من حيث لانشعر بحالة من التحدي العاصف وحيدين أمام جحفل من "العاذلين" وقلة قليلة من "المؤيدين" فأصبحت علاقتنا قصة حبٍّ خيالية تقليدية مجتزأة من التاريخ العربي الزاخر بمثل تلك القصص والحكايا على مداه الواسع بدءاً من آدم وحواء إلى حكايا "ألف ليلة وليلة" حبّ مقدس في نظرنا كلانا يشاكه الحب العذري أيام جميل بن معمر وقيس بن الملوح.

وصرت أصوغ مقالاتي "الدورية" في الصحف على أسلوب الشعر الجاهلي فأستهلها بالتغزل بالعينين الخضراوين، وبالتنديد "بالمثقفين" في جيرود الذين يعيشون حياة متخلفة لايمتازون بها من العامة بل يتحدَّرون عنهم. وتمترس كل منا في خندق على أرض معركة حامية الوطيس.

كان الصديق طالب عمران يراسل جريدة الأقلام العراقية فأجرى معي لقاء خص جانباً وافراً منه بالحديث عن العينين الخضراوين وفتح الباب أمام زملاء آخرين من المحررين في لقاءات أخرى لجهات أخرى.

فاجأتني تلك الشابة التي نبتَتْ في جيرود وهي من أصل تدمري والتي تبدو مثل وردة يكاد الطلّ يلوي بها أن أرى واحدة مثلها تتمتع بصلابة "زنوبيا" "جدتها" وباستعدادها للتضحية مهما كان المصير، وبإيمانها بي وبذلك النبض الروحي الخفيّ العميق الذي جعل منا كتلة واحدة هي "آدم وحواء" وجعل العالم كله وراء التخوم.

ورغم كل العقبات لم يهتزّ أملنا لحظة واحدة بساعة الظفر، نمارس حياتنا الاعتيادية وكأنها هامش على أحلامنا المضاءة وحياتنا الواعدة، ونغفر لمن يشوشون علينا ونشفق عليهم لأن كل سلاطتهم لم تزد فيما نرى على أنها كطنين الذباب وأزيز (الزلاقط والدبابير).