الفصل 21

11 0 00

خلال انعقاد مؤتمر الأدباء والكتاب كنتُ مسؤولاً عن العلاقات العامة فدعوت نعيمة لتطّلع على تلك الحياة الثقافية في خضمِّها، وعندما دخلتْ بهو الفندق سيطرتْ بمهارة على الرهبة القسرية التي لا بدّ أن تلتمع في عيني فتاة ريفية تدخل للمرة الأولى فندق "خمس نجوم" بيد أن الحياء لون وجهها وأنا أعرّفها إلى أصدقائي المقربين الذين بدتْ في عيونهم صَدَفة علقتْ بسنارتي وخرجتْ من أعماق البحر تشفّ عن لؤلؤة مشعة وكانت عيون بعضهم تُسلِّط إلينا نظراً مفتوحاً تنقله بيني وبينها وكأنها تسأل "من أين لك هذا؟" وبخاصة فارس زرزور والزوج المطلق الفاشل محي الدين صبحي.

قلتُ في إحدى المقابلات الصحفية إن أجمل ما في هذه المؤتمرات هوامشها واللقاءات الجانبية التي تعمق العلاقات الشخصية بين الكتاب من جميع الأقطار العربية وتوضح بالنقاش المباشر وجهات نظر بعضهم لبعض على اتفاقها وتضاربها، وبخاصة تلك المماحكات بين كتاب نهلوا من الثقافة العالمية عن طريق إلمامهم باللغة الفرنسية مثل "محمد برادة" من المغرب، وبين كتاب نهلوا منها عن طريق إلمامهم باللغة الإنكليزية مثل "محي الدين صبحي" و"خلدون الشمعة" من سورية. وكانت تلك اللقاءات الجانبية استمراراً للبحث في التفاصيل التي طرحت خطوطها الرئيسة في الجلسات العامة. وعلى الهامش كنت أجلس كل مساء في مكتب العلاقات العامة أنا ووليد إخلاصي نزجي أوقاتنا بالمرح والدعابات. كان عدد أعضاء الوفد السوري تسعين وكان القادمون من المحافظات يقيمون في الفندق ولعل بعضهم يقيم للمرة الأولى في حياته بفندق فخم.

إن الأدباء على هول أقلامهم وطولها وعرضها بسطاء بريئون من الحياة المعقدة الرتيبة المعروفة في الأوساط "الراقية". ومن الطرائف الكثيرة على مدى ليالي المؤتمر أن كاتبين كانا يقيمان في إحدى الغرف في طابق علوي هبط أحدهما ومرّ بمكتب العلاقات، سألناه عَرَضاً عن الآخر قال "تركته في الحمام" وانصرف، اتصلنا به أنا ووليد اتصالاً ملحّاً جعله يخرج من الحمام وما إن رفع سماعة الهاتف حتى انهلنا عليه باللوم والتقريع بأصوات غرباء مستعارة على أننا نقيم في الغرفة السفلى وأن الماء يتسرب من غرفته إليها "يا حوش يا متخلفون يا من تسيئون استعمال الفنادق الراقية لأنكم لم تتعودوا أن تقيموا في مثلها هيا أقفل الحمام قبل أن أرفع بحقك شكوى للمسؤولين في الفندق" فارتبك الرجل ثم علمنا فيما بعد أنه قطع الماء وخرج من الحمام وأقفله والصابون مايزال عالقاً على بدنه.

كان المؤتمر يبدو لي ولنعيمة مثل "حفلة عرس" تقام لنا فثابرتْ على حضور جانب من اللقاءات والمحاضرت وحيدة أو مع إحدى رفيقاتها يومياً وكان حضورها والتزامها بصحبتي قد حفزها شيئاً فشيئاً إلى الانطلاق في إعادة تركيب حياتها الشخصية بدءاً من تحديد نشاطها الحزبي والشبيبي حتى وجدتها تنغمس في عالم الثقافة والأدب منذئذٍ تتابع المجلات والمعارض. قالت لي يوماً "أنت بكل مافيك صرتَ معتقدي" كان هذا المستوى "العلويّ" يشط بي عن واقع حياتي وأسرتي وأنا شديد الولع بأولادي أُحسُّ أنهم جزء من نياط قلبي ولم أكن أكره أمهم رغم أن أسباب التلاقي بيننا تقطَّعتْ فنشأت بي ازدواجية مؤلمة ممضّة راسخة مثل القدر.

لم أكن أتصور أنني سأفشل في حياتي الزوجية فألجأ إلى التفكير بتبديل الزوجة على طريقة سباق التتابع، كنت أحسّ أنني بحاجة أن أطير في الهواء وأدور على نفسي كطائر اللقلق وأهبط بريئاً من كل أوشال الحياة. بيد أن مشكلة نعيمة لم تحلّ وزادت في حساسية العلاقة وفتورها، تحولنا لمجرد صديقين يمشيان على الحبل مشياً حذراً منذراً بخشية فقدان التوازن، والهويّ، مؤدياً إلى هشاشة المغامرة وفتورها وسط رفض شمل جميع من حولنا، وتحولت صلابة التحدي إلى حالة انتظار سقيم، ودخلنا مرحلة من الرومانسية تشي بمستقبل مجهول وحبّ مستحيل يكمن في القلب حتى توقظه بادرة خطر. أطبق اليأس على قلبي وأظلم كل شيء حولي وفقدتْ حياتي طعمها وصرتُ مجرد موظف مستلب.

ذات صباح اصطدم الجانب الأيسر من باص جيرود بشاحنة عسكرية وكنت جالساً في المقعد الأول فتناثرت حبيبات الزجاج على وجهي فاضطررتُ أن أترجل في الرحيبة وألجأ إلى بيت أحد الأصدقاء لأزيلها وأغسل وجهي من قطرات الدم ثم أعود إلى جيرود. وفي يوم آخر ليس ببعيد اصطدم بنا باص آخر أثناء تحدّره إلى القطيفة ونحن قادمون من دمشق بجرار وكادت تقع الكارثة لولا أن الاصطدام جعل الجرار يقفز عن الطريق وكأنه افتدى ركاب الباص، وكانت أزمة المرور قد شقّتْ عليّ في معاناة الانتظار الذي قد يزيد على الساعة، وصعوبة الحصول على مقعد صباحاً في جيرود ومساء في ساحة العباسيين، ترافق هذا مع مفاجأة في بيتنا وقد بدأتْ جدرانه الطينية تتآكل وينثال منها التراب إنذاراً بالانهيار والسقوط. تشاءمتُ من جيرود واضطررتُ أن أرحل إلى دمشق، وضعتُ زينب والأولاد في بيت أهلها" لتشبع من أمها" واستأجرتُ شقة صغيرة في منطقة ركن الدين انتظاراً لاستلام بيتنا في ضاحية دمر، وجاءتْ "ندوة الرواية العربية" في المغرب دعاني اليها الصديق محمد برادة رئيس اتحاد الكتاب.

عقدت الندوة في كلية الآداب بجامعة مدينة "فاس" التي تشبه إلى حدِّ كبير حلب القديمة، وكانت تلك الندوة منفرجاً من الضيق الذي كان ينصبّ على قلبي. شاركت فيها بمحاضرة عن رؤية العالم في ثلاث روايات هي "عرس بغل" للطاهر وطار و"جرماتي" لنبيل سليمان، ورواية ثالثة "لمحمد زفزاف" وتعرفتُ خلالها إلى عدد من الباحثين والنقاد العرب إضافة لكتاب الرواية المغاربة الطاهر بن جلون المقيم في فرنسا، ومبارك ربيع، وسعيد علوش ومحمد شكري كاتب الإباحية والانفلات، وعبد الكريم غلاب الشخصية الاجتماعية والسياسية المرموقة وزعيم كتلة "حزب الاستقلال" في البرلمان المغربي الذي دعانا إلى الغداء بدارته الفخمة في ضواحي الرباط، والميلودي شغموم الموظف المكافح من الدار البيضاء، وعز الدين التازي الأستاذ في جامعة فاس. ومن مصر محمود أمين العالم، وجمال الغيطاني، وعبد الحكيم قاسم، وصنع الله ابراهيم، وإدوار الخراط. ومن العراق طراد القبيسي والفلسطيني المقيم في الأردن غالب هلسا ومن السوريين المهاجرين إلى فرنسا برهان غليون وبطرس الحلاق، ومن السعودية عبد الرحمن منيف المقيم في العراق.

كانت تعقد جلسات يومية في مواضيع شتى كنقد الرواية ثم تتطرق إلى قضايا الديموقرطية والحرية وكثيراً ما كان يحتدّ النقاش، وتتصادم وجهات النظر خاصة بين الماركسيين والليبراليين. في المغرب تحدّث ماشئت في الجنس والإباحية، واحذر أن تفوه بكلمة واحدة في السياسة وخصوصاً الاشتراكية والماركسية.

غطى تكاليف الندوة حزب الاتحاد الاشتراكي المغربي الذي يحتضن اتحاد الكتاب بما فيها الإقامة في الفنادق، وقام أعضاؤه البارزون بالدعوة إلى مآدب الغداء وإلى العشاء والسهرة وكانت تعقد جلسات الغناء الممتعة يشارك فيها الجميع أثناء السهرة في البيوت. ثم وزعونا على المدن المغربية فأُرسلتُ أنا وغالب هلسا وطراد القبيسي إلى الدار البيضاء. فأقمتُ في بيت الشاعر السوري محمد حمدان الذي يعمل مدرساً فيها فتفرغ لضيافتي وعرفني إلى معالم الدار البيضاء المدينة الواسعة التي تشمل أحياء أنيقة راقية، وأحياء فقيرة تعيسة.

عقدنا لقاء مفتوحاً مع الجمهور في المركز الثقافي وعندما قال غالب هلسا بإعجاب إنه فوجئ بالجمهور المغربي المثقف والمتفتّح فتصدى له عدد من الحضور بحدة قائلين "أنتم في المشرق العربي مصابون بالغرور والوهم أنكم مصدر الثقافة والحضارة.

في العام 1980 استلمت البيت في ضاحية دمر، وهو أول بيت يسجل باسمي وعندما دخلت أنا وإياد ومناع شعرنا بهالة أول انتصار حقيقي في حياتنا رغم أنه كان أجرد ورغم أن الإكمالات في الطبقات العليا من بنايتنا ومن البنايات الأخرى المجاورة ماتزال تطرق أسماعنا، ورغم أن ركام الأتربة حول البناية فرض علينا أن يكون طريقنا عبر الشرفة فأحضرنا معنا "بطانية" كانت لحافنا وفراشنا و"غازاً صغيراً متنقلاً" وعدة الشاي ومسجلة وضعنا فيها أغنية وردة الجزائرية"أيامنا الحلوة" راحتْ بأصدائها التي تناثرت في أرجاء البيت الخاوي تعبر عن فرحة أترعتْ نفوسنا، وعبر الطريق نفسها أحضرنا أمتعتنا المتواضعة القادرة على تأمين الحدّ الأدنى من المعيشة. وجاءت زينب وبقية الصغار رزام وبشر وسلافة، وبدأنا نعيش حالة من العدمية بمعنى الانقطاع عن العالم وإعادة بناء الحياة لبنة لبنة وكان لتلك العدمية متعة لم نعهدنا فينا من قبل متعة أن نعلّ وننهل من نبع ثرٍّ ماؤه نمير نغمض عيوننا ونصم آذاننا عن العثرات التي عصفت بنا.

أيقظتني زينب في عزّ الليل تعاني من آلام مبرحة غامضة جعلتني أخرج من البيت هائماً على وجهي أبحث عن وسيلة نقل - شبه مستحيلة في تلك الساعة - وبالمصادفة عثرت على سيارة شاحنة صغيرة نقلتها بها إلى مستشفى المواساة لإسعافها، ودخلنا في طور جديد: نزيف هضمي غامض وحاجة ملحّة إلى إمدادها بالدم بدأتْ على مراحل: في البداية كل شهرين، ثم صارت تتناقص بنقلات سريعة حتى صارت عشرة أيام، ثم تطورتْ إلى ضرورة يومية فيها صعوبة قضم الصوان ولم يعد أمامي سوى إرسالها إلى "لندن" لتقيم عند أختها وأخيها على أن أتدبر قيمة بطاقة الطائرة والنفقات الضرورية لمعيشتها هناك.

استدنت ولملمتُ المبلغ وأرسلتها مع سلافة الصغيرة التي لم تكد تبلغ عامها الثالث، وبقيتُ مع الأولاد أتحمل عبء إعداد الطعام وتنظيف البيت إضافة لعملي الوظيفي وضرورة "القراءة ومحاولة الكتابة" أدخل المطبخ وحولي أربعة أولاد غير مؤهلين للعمل البيتي مثلي تماما بيد أن الفرق بيني وبينهم هو أنني مضطر أن أتحمّل المسؤولية راغماً وكانت أخواتي يتناوبن أسبوعياً إلى المساعدة في غسل الثياب وإعداد طبخة تكفي ليومين.

عام ونصف العام من المعاناة مع الأولاد وقد أصبحوا يمقتون الطعام الجاهز بكل أنواعه وبخاصة اللحم المشوي، يتذمرون من مساعدتي في البيت أية مساعدة، أما نعيمة فقد ازداد إشكالها تعقيداً في المحكمة الشرعية.

في تلك الأثناء صدرتْ مجموعتي القصصية الوحيدة "حصار الألسن" وكنتُ أكتب مسلسلاً تلفزيونياً بتكليف مع منتج تلفزيوني أردني، فكرتُه وبعض أحداثه مستقاة من رواية عالمية فأُعجب المنتج بصياغة الحوار وطلب أن أدرب ممثلة متواضعة المستوى وغير معروفة على الأداء. في إحدى الجلسات وكنا وحيدين في البيت استفزتني من حيث لا أشعر وأيقظت فيّ تلك الهفوة المكبوتة إلى المرأة وفيما أخذتْ تلك النوازع اللاهبة تحركني دخل الأولاد فجأة، حيوني باستحياء واقتضاب وازورّوا عني ومضوا إلى الداخل. في تلك اللحظة اتخذتُ قراراً نهائياً حاسماً بالزواج، فأن يراك أولادك زوجاً لغير أمهم خير من أن يروك ضالاً منحرفاً تتهافت على النساء. غدا الزواج أهونَ الشرين وغدا قاربَ النجاة، فأن أنجو خيرٌ لي وللأولاد من السقوط، وانقطعتْ نعيمة عن زيارتي، وازداد إشكالها تعقيداً، فنما فيّ من جديد إحساس بالضياع وغدوتُ كالصائم نفِد صبره قبل الغروب بدقائق فهمّ يبحث عن لقمة وجرعة ماء ليقوِّض صيامه. صارتْ أعصابي مشدودة وصرتُ أثور لأية نأمة وبخاصة على الأولاد الذين ازداد ضجرهم وتبرمهم. إن ضياعي بلا امرأة أقسى بكثير من ضياعي مع زواج فاشل بكل معايير الفشل وأدعى إلى نهايات أكثر قسوة. وعندما حُلَّ إشكال نعيمة وجاءتني فرحة بدأتُ بإجراء عملي، ومثل من يتجمّع على نفسه ليغطس في البحر طلبتُ يدها من أبيها وقد كان صديقي وكان معجباً بكل مواقفي وآرائي وسيرتي الاجتماعية، وكان يشكوني همومه كلما تفرّد بي، بيد أن طلبي المفاجئ أصابه للوهلة الأولى بالذهول، سألني:

- والأولاد؟

- عند أمهم.

- لكنها مريضة ومسافرة.

- ستعود قريباً.

- هبْ أنها رفضت إيواء الأولاد بالنكاية مثلاً.

- هي تدرك أنني سأتزوج اليوم.. غداً.. بعد غد، وأنا لايمكن أن أتخلى عن أولادي ولا عنها باعتبارها أمهم. وإذا تركتهم لي فسأتدبّر أموري، أمي قادرة على رعايتهم.

فصَمَتَ صَمْتَ الموافقة المذعنة، ثم وعدني خيراً. في تلك الأثناء أصيب بمرض غامض مفاجئ وتسلطتْ عليه آلام مبرحة في المعدة لم يستطع أن يتحملها إلا بالمسكنات القوية وانسد الطريق إلى أمعائه. وبعد أن أجرى الطبيب "تنظيراً" لمعدته وقف حائراً عاجزاً عن التفسير فوافق على زواجي من نعيمة قائلاً "أتركها أمانة في عنقك" واستنجد بي أن أرى حلاً لحالته التي طفقتْ تزداد قسوة ساعة بساعة، فأدخلته إلى مستشفى "ابن النفيس" وكان المدير، ورئيس قسم الهضمية، وبعض الأطباء الآخرين أصدقائي، بذلوا في علاجه عناية فائقة لم تزد على تخفيف الألم بالمسكنات، وإمداده بالغذاء عن طريق "السيروم".

جاءتْ نعيمة إلى بيتنا تبتغي مساعدتي فأعدت لنا الطعام، وبعد أن فرغنا من الطعام جلس الأولاد مع بشر في إحدى زوايا غرفة الضيوف وكان مصاباً بالرشح، يلاعبونه بالشطرنج، ودخلتْ نعيمة المطبخ ترتبه وتغسل أدوات الطعام أما أنا فأويتُ إلى غرفة النوم لأقيل على عادتي، وما إن استلقيتُ حتى غرقتُ في نوم عميق ولست أدري كيف صحوتُ على يد رفعتني إلى الأعلى ثم هوت بي فوق السرير فأفقتُ مأخوذاً ورأيت شظايا الزجاج منغرسة في وسادتي حوالي رأسي كأن يداً سحرية حمتني منها رأيت الغبار من النافذة التي تكسّر زجاجها يملأ الكون وقطع الشظايا ماتزال تتساقط فهرعتُ إلى غرفة الضيوف رأيت زجاجها مهشماً وشظاياه تنغرس في الأثاث والجدران والزاوية الوحيدة السليمة هي تلك الزاوية التي يجلس الأولاد فيها، وعندما رأتني رزام هرعتْ إليّ ضمتني وهي تبكي ورأيت نعيمة تضع منديل ورق على صدرها مكان الترقوة وقد أصيبتْ بشظية من الزجاج وأخذ جرحها ينزف، وانقطع الماء والكهرباء عن الضاحية وخرج السكان إلى الساحات مصعوقين.

كان "أبو داود" العامل على محرك الكهرباء في الجزيرة يصلي العصر في فسحة صغيرة بجانب غرفة المحرك وكان أصم، وعندما رأى الغبار يملأ الفضاء والشظايا تتساقط والناس يموجون هلعين وشفاههم ترتجف فغر فاه وسأل مشدوهاً "مالذي جرى؟"

لقد أُطلق على ضاحية دمر صاروخ من الأسطول الأمريكي المرابط على السواحل اللبنانية ارتجّتْ له الأرض، وملأ الآفاق دوياً صعق القلوب وهزَّها بعنف، وأعطب 250 شقة معظمها في الجزيرة الخامسة التي هي جزيرتنا، قيل إنه أطلق بالخطأ.

تركت الأولاد بين الناس وأسرعت لإسعاف نعيمة. قال لي الدكتور مطانيوس "أمسكها جيداً" وخاط الجرح بتخدير موضعي، فشدّتْ على أسنانها وصبرت على وخزات الألم صبراً مدهشاً ثم التحقتْ بأهلها فعدتُ إلى الأولاد.

عمّق هذا علاقتنا ووثقها أكثر فيما بدا الأولاد حياديين حائرين، وازداد ألم أبوها وازدادتْ حالته سوءاً فتركوا لي جميعاً أن أتصرف وقد بدوا مترنّحين ضائعين. أخذته إلى عيادة الصديق الدكتور فوزي الشامي فطلب إسعافه إلى أحد المستشفيات الخاصة وأجرى له عملية جراحية ألجأتْه إليها الضرورة. وعندما خرج من غرفة العمليات والجميع ينتظرون مأخوذين انفرد بي قائلاً "سرطان متفشٍّ في البنكرياس، والبنكرياس لايمكن استئصاله. ولا مناص إلا بالمسكنات" وفكر قليلاً ثم قال "حتى يرتاح ضميركم عالجوه بالطبّ النووي" ودلّني على طبيبة مختصة وقال" على كل حال أنصح أن تعيدوه إلى جيرود ينتظر قضاء الله فيه "

أبدتْ الطبيبة استعدادها الذهاب إلى جيرود وإجراء العلاج فنقلناه إلى بيته وقد غامت الدنيا في عيون الأسرة جميعاً مسلّمين أنه مزمع أن يسافر في رحلته الأبدية، فتراموا عليه بلهفاتهم اللاهبة، وأحاطوا به يقارعون اليأس بأمل متصدّع واه.

كان يصحو بين فترة وأخرى كالوسنان يرمق أطفاله الأصغر سناً بعينين تغصان بالدموع فيمسح الدموع ويغمضهما إغماضة الوداع الأبدي المرتقب، وفي إحدى صحواته نقل طرْفه بيني وبين نعيمة وقال لي بصوت كدبيب النمل "اكتب كتابك عليها اليوم إن استطعت" فأحضرت "المأذون الشرعي" جلس الأب وكأنما ارتدتْ إليه الروح وساهم في مراسم عقد القران المعهودة ثم ابتسم ابتسامة بدتْ مثل جرعة مسكن، وقبّل نعيمة وقال بصوت رخيم "مبروك" ثم قال لي "إنها أمانة في عنقك".

وبدأتُ أشتبك من جديد مع صراع حاد ممضّ "هل أنا أنانيّ أضحي بأعز الناس على قلبي من أجل متعتي الشخصية؟" "وهل الزواج متعة أم ضرورة تقترن فيه المتعة بالضرورة؟" "أنا لم أتزوج لأنني أبغض زينب، ولم أقع في حب طارئ أغرتني فيه نعيمة بالزواج" "أنا الذي دفعني اليأس أن أبحث عن نصفي المفقود فسعيتُ إلى غيرها قبل أن أظفر بها وأسعى إليها" وأخذ ينخر فيّ خيط حاد مؤلم من الندم والضياع وفقدان الأمن النفسي، خيط يطلب من جديد أن أضحي، ولكنني أرى من جديد أن ثمن التضحية سيكون باهظاً، ولكن على أية حال فات الأوان.

نعيمة عندما توفي الأب أخذتْ تتعلق بي أكثر فأكثر، وصرتْ حقيقة وواقعاً كل شيء في حياتها، وأحسستُ أنني مقبل على حالة من التمزّق بينها وبين الأولاد، وأنني ملزم ببذل جهود مضاعفة مضنية لأقوم بواجبي نحوها ونحوهم متوازناً، وأحقق سعادتي كمن يمضغ السفرجل.

في الثامن والعشرين من تشرين الأول (أوكتوبر) أرسلتُ الأولاد إلى بيت "جدهم" وزُفَّتْ نعيمة إليّ وكأنها هابطة من جرم سماوي، ودخلتْ بيتي كالحلم المشوّش. بعد بضعة أيام عادت زينب من "لندن" فاستقبلتُها في المطار. رأيتُ امرأة ملوّنة بالشحوب بعد أن أجرتْ عملية جراحية هامة أنقذتها من "موتٍ محقق" لكنها خرجتْ منها كما يخرج الحوت الذي مزقته أنياب القرش، عادتْ شبح امرأة ليس فيها سوى عينين لامعتين وكان لابدّ مما ليس منه بدّ فأخبرتها أنني تزوّجتٌ فغامت على وجهها مفاجأة متوقعة، وقالتْ بورع كما بدتْ لي في ظاهر الأمر "إنها إرادة الله" واستيقظ فيها ركام من القهر والاضطراب والتقلقل، والقليل القليل من السعادة والكثير الكثير من التعاسة عبر حوالي العشرين سنة، توضّع كله على سيمائها.

وفيما أقام الأولاد في البيت معي أخذت معها سلافة التي ثقُلتِ العربية على لسانها واختلطتْ باللغة الإنكليزية بعد ذاك الغياب الطويل أحسستُ أن الأسرة تمزقتْ وكأن حريقاً شبّ فيها أولعته بنفسي ومكثتُ عاجزاً عن إطفائه، أتلظّى به كأنه القدر انصبّ علي انصباباً وعطلّ قدرتي على التوازن. إنه خلل أكبر من قدرتي على الصبر والتفكير ومحاكمة الأمور وانتهاج طريق قويم زلّتْ عنه قدمي. وضعتُ ضياعاً بين الفعل واللافعل بين الإدراك واللاإدراك، ثم حزمتُ أمري أخيراً وتركت البيت - حلم العمر - للأولاد وأمهم، وتشردت أنا ونعيمة من بيت إلى بيت نتمتع بمذاق العسل الممزوج بالزنجبيل نلعقه قطرة قطرة.

في هذا العام 1982صدرتْ روايتي السادسة "المتعدد" أوحى إليّ بها كاتب معروف كان يضطلع بستة عشر منصباً بحسب إحصاء أبوالفتح.

دعاني رئيس تحرير "جريدة البعث" التي كانت تعاني من الكساد في المستوى الصحفي والفني، وهبط توزيعها إلى أدنى المستويات. وأغرقني بالوعود ورغم أنني تعلمتُ ألا أثق "برجال السلطة" لأنهم وجوه متعددة لمضمون واحد قبلتُ فأهداني منصباً فخرياً أرضى به غروري "مدير العلاقات العامة في دار البعث" وهو مثل هيكل عظمي غير مكسوّ باللحم، وكلفني بمهمة شاقة لكنها ممتعة هي الإشراف على "قسم الثقافة والتحقيقات" ومهمة أخرى تحتاج إلى الخبرة والدقة هي تدقيق "ماكيت" الجريدة النهائي مساء فلا يسلّم إلى المطبعة إلا بعد توقيعي عليه "بالحروف الأولى" ثم يوقع "هو" التوقيع النهائي.

اندفعتُ للعمل بصدق معرضاً عن المواضيع السياسية التي تنصبّ انصباباً من علُ وركزت اهتمامي على الجانب الداخلي وجانب الثقافة والمنوعات وشرعتُ بكتابة زاوية "يوميات" بالتناوب مع سهيل إبراهيم أنا أركِّز فيها على القضايا الداخلية وسهيل يركّز على المواضيع العالمية. ولجأتُ إلى شابين مندفعين من خارج العاملين في الجريدة يتمتعان بموهبة تحتاج إلى صقل هما "نادر أصفهاني" و"علي جمالو" الذي أخذ يستفزّ بمواضيعه بعض المسؤولين الكبار الذين أعلنوا علي النكير في مرحلة ارتفع فيها صوت "النقد" حراً عالياً فذهب سعيهم هباءً.

ومن طرائف تلك المرحلة أنني عندما أزمعتُ أن آخذ الأسرة لقضاء عشرة أيام في اللاذقية على البحر تزامنتْ مع المعسكر الجامعي فراجعتُ مسؤولاً هو "القمة" في مجال التدريب الجامعي أطلب إعفاء إياد من المعسكر أو إلحاقه بمعسكر في اللاذقية فرحبَّ بي مدير مكتبه واستمهلني لحظات ليطلب لي الإذن بلقائه، وعندما دخلتُ مكتبه تهلّل وامتدحني على أنني شاعر كبير!.

تعرفتُ في تلك المرحلة إلى شاب من أهالي قرية "دير قانون" التي تبعد عن دمشق "20" كيلو متراً على ضفة بردى، وفيما كنا نتحدَّث عن حرية الصحافة وإنجازاتها قال لي إن اثنين من النصابين الكبار جمعوا مبالغ طائلة من أهالي القرية بغاية مساعدتهم على تسجيل أملاكهم في الدوائر العقارية الرسمية، فاستغربتُ أن تلك الأراضي التي تجاور العاصمة ماتزال "أملاك دولة". وقال إن ذينك النصابين هربا بالأموال واختفيا وإن أهالي القرية لم يتركوا باباً من أبواب المسؤولين بسائر مستوياتهم إلا طرقوه، وعندما انسدّت الأبواب كلها في وجوههم ولم يحقّقوا أية نتيجة اندحروا في بيوتهم قانطين.

قلت للشاب بحماسة الصحفي المسلح بقلم جارح نحن "صحافة" قادرون أن نوصل صوتنا إلى أعلى المستويات، فسلَّم بكلامي مجاملاً بيد أن مسحة من الإشفاق لونتْ وجهه من حيث لايشعر، وهذا ما زجني بموقف صلبٍ من التحدي، فاتفقتُ مع زميل من قسم التحقيقات أن نذهب إلى القرية ومعنا مصور، هو يجري تحقيقاً شاملاً يعتمد فيه على الأهالي ليُنشر في الصفحات الداخلية وأنا أكتب زاوية "يوميات" في اليوم نفسه ينشر كالعادة في الصفحة الأخيرة.

في البداية رفض أهالي القرية الاستجابة لنا والتعاون معنا وقالوا إنهم يائسون. أعلمناهم أننا " لانريد منهم أيّ "مقابل مادي" أو سواه لأننا "صحافة" نؤدي واجبنا بدافع من ضميرنا المهني، فقال أحد عاقليهم "دعونا نضرب الطينة بالحائط" واندفعنا نحلم معهم بتحقيق نجاح ساحق..

أعدّ الزميل تحقيقاً صحفياً شاملاً مزوداً بالوثائق، وطلب مني أن أنتظر حتى "يبيّضه" ويعدّه الإعداد النهائي. وانتظرت يوماً ويوماً، ثم أسبوعاً وأسبوعاً وهو يقول"غداً"وبعد يومين "خلص هذه المرة غداً" وأنا أترقّب وأعد "الشاب" بذاك الغد الذي تركتُ العمل في الجريدة ولم يأتِ، وقيل إنه حصل على شقة "سكنية" في محافظته.

تعرفت بحسب طبيعة عملي بدار البعث إلى "دافيدوف" مدير مكتب وكالة نوفوستي في سورية فساعدني على إرسال إياد إلى الاتحاد السوفياتي. إياد منذ أن حصل على الثانوية العامة يطالبني بإرساله إلى أي بلد ليتخصص "بالإخراج السينمائي والتلفزيوني" بيد أنني لم أجد من يساعدني لإرساله إلى الاتحاد السوفييتي أو أي بلد اشتراكي، ولم أكن قادراً "مالياً" أن أرسله إلى أي بلد غربي، فاختار الانتساب إلى كلية الاقتصاد والتجارة على مضض ووصل إلى السنة الثالثة ومايزال على موقفه.

في غضون العام التالي سهَّل لنا "دافيدوف" الاشتراك بمعرض الكتاب الدولي في موسكو فأُهدينا "جناحاً مجانياً خاصاً " وزودوني ببطاقتي سفر لي ولزوجتي. اتصلتُ مع دور النشر الرسمية مثل "اتحاد الكتاب" و"وزارة الثقافة" و"الإدارة السياسية" وسواها فزودوني بأهم مالديهم من كتب، وحصلتُ على موافقة شركة الطيران السورية لشحن طرود الكتب مجاناً.

كان الحلم بالسفر يراود نعيمة منذ نزحت مع أهلها بعد سقوط القنيطرة خلال نكسة حزيران (يونيو) 1967 وهي بعد طفلة، كان ينمو معها يصحو ويغفو وكان يطفو على لسانها بعبارات عفوية مقتضبة خلال جلسات الصفاء. وعندما بلّغتُها الخبر بدتْ ذاهلة لحظات ثم تمالكتْ نفسها بمكر، وعبرت عن فرحتها وكأنها هي التي تهدي نفسها للسفر، وسارعت إلى إعداد الحقائب.

كان ركوبها الطائرة للمرة الأولى طقساً من أهم طقوس حياتها، تمتزج فيه الرهبة بمتعة الفضول والترقب، وأقلعتْ بنا الطائرة تتصاعد في الفضاء، تتنازع مع الجاذبية أحشاءنا وقلوبنا تحاول اقتلاعها، وعندما اتخذت سمتها، وتحررنا من الأحزمة أمالت نعيمة رأسها إلى كتفي بوداعة كعصفورة قرَّتْ في وَكْنها.

وأخذت الطائرة تهبط بنا في مطار موسكو وإذا بالوشيش يملأ أذني يعزلني عن كل مايحيط بي. استلمنا حقائبنا وامتزجنا بالناس نتحرك معهم إلى بهو المطار، ونعيمة فاغرة فاها تنظر إلى الزحام وكأن العالم كله تجمع في عينيها على شكل حلم جميل يتجسّد في عينيها وحركاتها المرحة، يعبر عن جماله طيف ابتسامة.

أقمنا في الجناح المخصص للمشاركين في المعرض بفندق روسيا الكبير، وعاملوا نعيمة على أنها عضو رسمي، ثم أُعطينا موقعاً في منطقة من أجمل مناطق موسكو هي "مدينة المعارض" بين عدد كبير من المواقع العربية والسوفياتية والدولية أكبرها جناح إسرائيل الذي يزدحم فيه الزوار توزع عليهم المرطبات والحلوى والهدايا. انضم إلينا عدد من الطلاب السوريين للترجمة والمشاركة في الإشراف، كما التحق بنا إياد قادماً من مدينة "فارونج" التي تبعد عن موسكو اثنتي عشرة ساعة بالقطار أي حوالي (600) ك. م.

أقبلت نعيمة على كل ما حولها بنفس مفتوحة بدت رقيقة شفافة مطواعة، تنهض عن السرير في الصباح وتمنحني ابتسامة، ثم نتناول فطورنا وتمشي إلى جانبي ممتزجة بي امتزاجاً روحياً ننساب إلى بناء المعرض عبر فيلات أنيقة وحدائق كأنها ترانيم رومانسية. لقد هدمتْ القيود الاجتماعية والسياسية التي كانت تتقوقع فيها بجيرود، وانطلقتْ انطلاقة جديدة جعلتها تفكك كل الرموز حولها من أبسطها وحتى أعقدها. تستقبل معي الزائرين ومعظمهم من دارسي اللغة العربية أو المهتمين بها، وكانت زيارة الآخرين على سبيل المجاملة أو حب الاطلاع كرئيس المسرح القومي، وبعضهم زيارات عمل كأساتذة معهد الاستشراق، كما زارنا عدد من الطلاب ينتمون إلى جمهورية أوزبكستان السوفياتية ينددون علناً بالتسلط الروسي.

كان برنامجنا اليومي حافلاً: حفلات عشاء راقصة، زيارات لأبرز معالم موسكو السياحية. وعقدنا اجتماعات مع بعض المسؤولين عن الأجنحة السوفياتية، ووقعنا اتفاقيات لتبادل ترجمة "كتب مختارة" بقيتْ حبراً على ورق. وختمنا برنامجنا بزيارة معهد الاستشراق وكانت الأهم، تبادلنا فيها المعلومات عن التراث العربي الفكري والأدبي، وبيَّن لنا المستشرقون أنهم يعانون من عدم استجابة كثير من الدول العربية للتعاون معهم رغم أنهم يساهمون في تحرير التراث ودراسته.

في تلك الآونة كان ميخائيل غورباتشوف على رأس الحزب والسلطة في الاتحاد السوفياتي، وكان الإعلام منهمكاً بطرح مشروعه المثير (إعادة البناء) (البيروسترويكا) يروج له ويجري الحوارات (الداخلية والخارجية) مع المعنيين، فأُجري معي عدد من المقابلات الإذاعية والتلفزيونية والصحفية. إن الشيوعية لم تستطع تحقيق مشروعها الإنساني ولم تستطع أن تكون البديل للنظام الرأسمالي العالمي الذي تقوده أمريكا، لكنها أسستْ دولة عظمى انحازتْ إلى الشعوب المضطهدة، وخلقتْ توازناً عالمياً عملياً شكم جموح الغرب، فبدا أن مشروع إعادة البناء مشروع حيوي يجدد الدم في عروق الاتحاد السوفياتي الذي ترهَّل وحاد عن طريقه، ويحرّك مياهه الراكدة. بيد أن الحقيقة الكامنة وراء ذلك لم تكن مجرّد حرب باردة، وصراع إيديولجي بين خطين متناقضين وإنما كانت شيئاً آخر هو استطاعة الغرب وبخاصة أمريكا شن حرب إعلامية كاسحة على الاتحاد السوفياتي وحلفائه، وغزوه من الداخل ومحاصرته، ودكّ حصونه، وانفرادها بالسيطرة على العالم كقوة عظمى وحيدة، ومن ثم التمادي في غزو الشعوب في عقر دارها بلا أي رادع.

لقد تسللتْ أمريكا إلى الاتحاد السوفياتي من عدد من نقاط الضعف أبرزها انغلاقه على نفسه، وكانت ثمة محرمات قتلت المبادرات الفردية، وحولت الإنسان إلى آلة، لم يكن يُسمح بالسفر خارج البلاد للسياحة مثلاً، لم يكن يسمح بأي نوع من المشاريع الخاصة التجارية أو الصناعية مهما كانت صغيرة. وكان ثمة تناقض حاد على المستوى الصناعي بين بلد يعدّ أول من غزا الفضاء، وأول من أرسل رائد فضاء (غاغارين) يدور حول الكرة الأرضية.. وبين السلع الاستهلاكية المتوفرة في الأسواق لبساطتها وتدني مستواها وتخلفها، كانت تباع مثلاً ولاعات تعمل على (البنزين!) حجمها كبير إذا ضُرب بها أحدٌ على رأسه تضرج بالدماء. بيد أن ثمة سلع كانت على مستوى مقبول كلعب الأطفال، وأدوات التصوير. وكان سعر الدولار حسب التعرفة الرسمية (67%) من الروبل، فيما كان يباع في السوق السوداء المنتشرة بثلاث روبلات ونصف، أو بأربعة، ولا أظن أن زائراً مهما بلغ به الجنون يعفّ عن هذا الإغراء لأنه يستطيع التسوق وشراء الكثير بمبلغ بسيط، وهذا ما حفز نعيمة أن تقرر حمل الهدايا إلى جميع الأقارب.

في جلسة تباسط ومودة حكى لي أعضاء المنظمة الحزبية عما يعانون عندما يزور موسكو مسؤول كبير. إنه يلزمهم يومياً أن يسهروا معه لوقتٍ متأخر يلاعبونه بالورق (الطرنيب) ونهاراً أن يرافقوه أو يرافقوا أسرته للتسوق، وما أكثر زيارات المسؤولين، وما أغرب ألا يراعي أيٌّ منهم أوضاع هؤلاء الطلبة وأوقاتهم ضيقة وهم يتابعون الدراسات العليا في اختصاصات هامة.

في العام 1988 انتخبتُ عضواً في المكتب التنفيذي، وكلفتُ بإنشاء جريدة (الأسبوع الأدبي) ورئاسة تحريرها، ونتيجة خلاف حاد مع رئيس الاتحاد عُرض عليّ أن أستلم مهمة المدير العام لهيئة الإذاعة والتلفزيون فتردّدتُ في البداية تجنباً للخوض في عمل إعلامي حساس خاصة في مجال الإذاعة والتلفزيون لأن الخطأ فيه سواءاً أكان مقصوداً أم غير مقصود قد يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه من جهة وأنني لن أجد وقتاً أخلوا فيه لنفسي وأتابع مشاريعي في الكتابة وهي الجزء الأهم من حياتي، لكنني وافقتُ على سبيل التحدي ولكي لايفسر اعتراضي على أنه خوف من المسؤولية.

استلمت العمل في مطلع شهر أيار (مايو) جعلتني أدخل في عمق الحياة السياسية وأتعرف إلى أسرارها، فأرى الصغار كباراً والكبار صغاراً. عند افتتاح فندق إيبلا لم يسمح إلا لسيارة الرئيس ورئيس الوزراء بالاقتراب من المدخل وعندما انتهى الافتتاح كان على الجميع أن يتحدروا سيراً على الأقدام مسافة تزيد على ثلاثمائة متر، فأثار انتباهي وانتباه الزملاء ونحن نمشي في المؤخرة رجلاً يقف عند نهاية الرصيف - لم نتبيّن ملامحه عن بعد - يمر به بعض كبار المسؤولين يصافحونه واحداً واحداً ويتبادلون معه القبل، وعندما اقتربنا فوجئنا أنه المصور التلفزيوني الذي يكلف عادة بتصوير جلسات مجلس الشعب واجتماعات مجلس الوزراء وسائر الاجتماعات الرسمية ذات المستويات العالية! إنهم يظنون أنه قادر أن يتجاهل من يشاء بلقطة عابرة، ويبرز من يشاء بلقطة مركزة قد تلفت نظر الرئيس إليه فينال مايتمنى من الحظوة، ولعلهم لو كانوا يعرفون أن المصور يقدم الأشرطة إلى مديرية الأخبار فيُكلف محرر و(مونتير خاص) بانتقاء المناسب منها لما كانت هذه الحفاوة وهذا يؤكد (حساسية) الشاشة، ومستوى بعض من يتقلدون المسؤولية.

قال لي (اسماعيل) و(شريف) من أصدقاء الطفولة "عمري ماحسدتُ إنساناً على عمله كما أحسدك" إن الآخرين يظنون أن (المدير العام) هو سيارة فخمة، وسكرتيرة تعترض المراجعين، وباب مقفل يتفرّد فيه بمجموعة من الفاتنات يتسامر معهن ويزورهن في بيوتهن..

قررت منذ أيامي الأولى أن أترفَّع عن مظاهر الأبهة التي أكرهها في المسؤولين، أحمل محفظتي بيدي وأنتظر المصعد مع الآخرين، وإذا كان مزدحماً أصعد إلى مكتبي سيراً على الأقدام عبر الدرج، وتركتُ بابي مفتوحاً لكلِّ من يريد زيارتي.. لكنني فوجئتُ أن بعض ضعاف النفوس أخذوا يتغامزون عليّ، ويتهامسون عني بكلمة (طيوب). من هنا نشأتْ عندي مشكلة جديدة أنني لا يمكن أن أقود هذه المؤسسة الكبيرة إلا بالصرامة. إنه مرض اجتماعي يتفشى بين الناس يطمس الحقائق، فانتفضتُ انتفاضة واحدة. أقفلتُ باب مكتبي ومنعتُ أن يتقدم لزيارتي أحد إلا بعد موعد مسبق مع (السكرتيرة) وكلفتُ أحدهم أن يحمل محفظتي وآخر أن يوقف المصعد ويشير بيده للآخرين أن يتجهوا إلى الدرج. منعتُ الابتسامة عن وجهي بشق النفس واتخذت سمتَ العبوس، وإذا بالأمور تسير بمهابة وسلاسة. ولقد كانت مشكلتي الأولى منذ البدء أنني أعرف الكثير من أسرار العمل في الهيئة من خلال تعاملي الطويل معها، أعرف بعض المخرجين الذين يقاسمون الممثلين أجورهم وكانت الأعمال المحلية قليلة وفرص العمل نادرة، أعرف مخرجاً تلفزيونياً سطا على ممثل كان ينتظر أن يتقاضى أجره ليأخذ ابنه إلى الطبيب فلم يستطع. وكان ثمة مخرجون إذاعيون يقتطعون من المؤلف والممثلين مبالغ بحجة منحها للفنيين من أجل تجويد العمل. أحدهم احتال عليّ (شخصياً) وابتزني أواخر الستينات بأسلوب شيطاني.. ومنذ استلمت عملي أخذ يتوقَّع أن أبطش به فتجاهلتُه وكأنني لا أعرفه، وقررتُ بحزم أن أمحو من ذاكرتي تلك السفاسف والترهات لأتمكن من تعبئة الجميع إلى انطلاقة جديدة يرتاح لها ضميري.

كانت علاقتي بالوزير شديدة الحساسية، لقد دخل الرجل معمعة الإعلام بلا أي خبرة أو أي هاجس ثقافي أو إعلامي، لكنه قدم من خضم لعبة السياسة التي يتقنها ويعرف مساربها، ووجد نفسه محاطاً بأكثر النجوم لمعاناً من مذيعين ومذيعات، وفنانين وفنانات منبهراً مدفوعاً بالفضول - وهو الآن صاحب الشأن - إلى محاولة دخول عالمها. كان صارماً في قراراته قادراً أن يدافع عنها لدى الجهات الأعلى وهذا ما ساعد على تطوير العمل بشكل ملحوظ ورفع سوية البرامج، وازدهار الدراما السورية وانتشارها في جميع المحطات العربية، وساعد على إنشاء القناة الفضائية.

كرّستُ وقتي كله للعمل حتى اختلط نهاري بليلي، واختلطتْ أيامي بعضها في بعض على حساب كتابتي وعلاقاتي الاجتماعية وأهم منها أسرتي وأولادي فقد طلبتْ مني مرة ابنتي (أنمار) إعراب كلمة فسألتُها حتى أعرف كيف أجيبها "بأي صفّ أنت؟".

في تلك الأثناء زار سورية رئيس الوزراء الهندي (الأنيق) راجيف غاندي ترافقه زوجته، فطُلب منا أن نقيم حفلاً فنياً في نادي الضباط تكريماً له دعي إليها (علية القوم) وضعتُ برنامج الحفل بالتعاون مع دريد لحام، فطلب منا نعيم حمدي أن يقدم فقرة غنائية ترحيبية باللغة الهندية يؤديها أثناء الحفل، وافقنا فأعدها وللتأكد طلبتُ من أحد المصورين الهنود أن يسمعها ويتوثَّق من صحتها، قال "صحيحة" صرنا بعدها نقول لنعيم ممازحين سيزورنا رئيس الصين مثلاً فيبدي استعداده لإعداد أغنية صينية.

في خضم الزيارة جاءتني دعوة من القصر الجمهوري لحضور حفل العشاء الذي يقيمه الرئيس على شرف الضيف، يدعى إليها كالعادة (علية القوم) والمسؤولون الإعلاميون مع زوجاتهم، وورد على هامش الدعوة "لباس الرجال رسمي غامق أي مع ربطة عنق، ولباس النساء طويل" كان ذاك معضلة حقيقية أننا (أنا وزوجتي) لانملك اللباس الملائم ولا يليق بي أن أعتذر عن حضور أول دعوة توجه إليّ، فاستلفتُ مبلغاً من المال واندفعتُ معها نرود محلات بيع الملابس حتى عثرنا على المطلوب بشقّ النفس. وفي المساء دخلنا القاعة الشامية، وأخذت أراقب نعيمة خلسة لأرى انطباعها وهي تختلط للمرة الأولى بسيدات المجتمع "الراقيات" فألفيتها تندمج فيهن باعتداد.

إن مشكلتي الدائمة في العمل الإعلامي هي البرامج السياسية ونشرة الأخبار التي لا تتوافق مع طبيعتي لأنها تُصبُّ صباً من جهات معينة لايُترك فيها لأي وسيلة إعلام بما فيها الإذاعة والتلفزيون مجالٌ للتفكير أو الاجتهاد، رغم هذا لم أيأس.

عقدتُ اجتماعاً مع المعنيين من محررين وفنيين لتطوير نشرة الأخبار من حيث الشكل (على أقل تقدير) فاتفقت معهم أن نبدأها بعناوين رئيسة (HED- LINES) مع صورة ثابتة (سلايد) ثم نتابع التفاصيل بالصور المتحركة. ومنذ أول نشرة كانت فيها أربعة عناوين: العنوان الأول كالعادة عن الرئيس وهو خبر بروتوكولي عن استقبال سفير والعنوان الأخير عن رئيس عربي. وبدأت التفاصيل فرأى (الرائي) آخر عنوان ثم التفاصيل فخُيِّل إليه أن خبر الرئيس العربي سبق خبر الرئيس فدوّى بصوته وأخذت الأصوات تدوي بالاتهامات فسارعتُ إلى دعوة المعنيين أنفسهم لجلسة عمل وقلت لهم سأقول لكم ماقال الرسول (ص) لمن كانوا ينفضون غبار الطلع على النخيل "أنتم أدرى بأمور دنياكم"

إن المواطن العربي من مشاهدي الشاشة ومستمعي الإذاعة يعيش ازدواجية مزاجية حادة تجعله يتمزق بين: نشرات الأخبار بما فيها النشرة الجوية لايصدقها ولا يعبأ بها، وبين أخبار تتناقلها الألسن كإشاعات تَلقى في النفوس الهوى والتصديق. إن نجاح أي وسيلة إعلامية (مرئية أو مسموعة) يعتمد على ماتقدمه من أعمال درامية وبرامج منوعة وما كان أضعف هيئتنا في هذا المجال.

في مجال البرامج المنوعة كان هناك عدد من البرامج السطحية ينتجها ويقدمها بعض المنتفعين فطلبنا ممن يرغب المشاركة تقديم مقترحات وعقدنا عدداً من جلسات العمل لدراستها وتكليف من ينتجها.

وفي مجال (الدراما) كان عدد الساعات التي أنتجتها الهيئة خلال عشر السنوات السابقة (65) ساعة فقط، وكان المبلغ المخصص لميزانية (الدراما) عاجزاً عن سد جزء بسيط من متطلبات الشاشة، فكانت الهيئة تلجأ لاستيراد المسلسلات المصرية، واعتماداً على قرارات الوزير الجريئة شكلنا (لجنة الدراما) لتسريع العمل، واعتمدنا على وسائل جديدة أخرى منها عقد اتفاقات (للانتاج المشترك) مع مؤسسة دبي للأعمال الفنية، ومع بعض منتجي القطاع الخاص المحليين، ورفعنا شعار (الكمّ) لتكريس نجومنا، وطرح أفكار جديدة. كان النصف الثاني من العام 1988 مرحلة استعدادات ووضع الخطط فأنتجنا (250) ساعة بدءاً من بداية العام 1989 وحتى نهاية العام 1990 وقررنا أن يعرض المسلسل السوري في ساعة الذروة.

في الساعة الثامنة صباح يومٍ شديد القيظ من أيام آب (أوغسطس) اللاهبة غادرت دمشق ومعي زوجتي وأولادي أكاد أشغل مكيف السيارة أحمل في جيبي خمسين ألف ليرة سعى الوزير بالحصول عليها من رئيس الوزراء لأقدمها مكافآت إلى العاملين بتوسيع محطة الإرسال وتركيب أجهزة جديدة بخبرات وأيادي سورية. تسلقنا بحذر وأعصاب متوفّزة تلك القمة الشامخة على طريق شديد الانحدار ضيق لا يتسع لأكثر من سيارة وعلى مدّ البصر أودية تهبط إلى قمم أخرى تحملق فيها الصخور بين الأشجار الحراجية الخضراء. وصلنا إلى فسحة المحطة وترجلنا نتنفس بارتياح كمن حقق انتصاراً في أحضان السحائب تتطاير حوالينا بأجنحة بيضاء شفافة ينثر نتفها النسيم، وراحت تلثم شفاهنا وأعناقنا تبعث فينا قشعريرة باردة أجبرتنا على ارتداء ملابس واقية. كان أول ما رأيت كهلاً متين البنية ثابت القدمين يلفّ خصره بحبل مربوط بقمة البرج يساعد الآخرين على تثبيته، قيل لي إنه هو نفسه السائق الذي صعد بالسيارة وأوصل بها البرج إلى هنا فأثار إعجابي بشجاعة فوق حدود التصور.

لم يكن الإرسال التلفزيوني يغطي كامل سورية بسبب وضعها الطبوغرافي فاستعنا بالخبرات الهندسية المتوفرة والتي كانت شبه معطلة لسدّ الثغرات بالتعاون مع بعض الشركات الفرنسية واليابانية التي استوردنا منها الأجهزة والأبراج بادئين بأهمها وهي محطة صلنفة، وصارت تغطيتنا تشمل (35) مليون مشاهد مفترض في سورية والدول المجاورة، وفي مجال التشغيل وضعنا خطة لإنشاء استديو خاص بالأخبار مع ملحقاته، وتطوير استديو المنوعات، واستديو الدراما.

في آب (أغسطس) من العام 1990 ترتفع درجات الحرارة كالعادة ويتوق المرء إلى قضاء ما استطاع من وقت في بلودان أو النبك، بيد أن نعيمة والأولاد يلحون على الذهاب إلى البحر في زحمة مشاغلي في الهيئة، وتردي الأوضاع العربية، فانطلقتُ بسيارتي في الساعة التاسعة ليلاً يوم الخميس الثاني من آب (أوغسطس) إلى اللاذقية لنقضي أسبوعاً على البحر نغسل فيه مايعلق في نفوسنا من تعب وإرهاق، كانت أنمار في السادسة، وبهراء في الرابعة ومحمد في عامه الأول.

في الساعة الثامنة صباحاً جلستُ أنا ونعيمة نشرب المتة على شرفة جناحنا في منتجع الشاطئ الأزرق التي تطل على البحر وكأننا نغسل بمياهه الهادئة الزرقاء ما في نفسينا، وفتحت نعيمة الراديو بحثاً عن أغنية تلوّن بها جونا الحميميّ وإذا بالمذيع يعلن أنه في الساعة الثانية صباحاً عبرتْ الجيوش العراقية الحدود إلى الكويت واحتلتها.

قلت لزوجتي ساخطاً "هيا أسرعي اجمعي الأغراض لنعود إلى دمشق حالاً" قالت "لكن الأولاد مازالوا نائمين" قلتُ "أيقظيهم" وقبل أن أنهي كلامي رنّ جرس الهاتف وإذا بالوزير يقول لي متوتراً لائماً "ألم تسمع الأخبار؟ "سمعتها وها أنذا قادم".

راحتْ زوجتي تشتم صدام ساخطة مندِّدة "كأن هذا المصاب بالجنون يغزو فرحنا وفرح أولادنا مثلما غزا الكويت" ورفضتْ أن تبقى هي والأولاد وحدهم على البحر. في ردهة الفندق الداخلية رأيت رئيس مجلس الشعب يجلس متبذِّلاً مع أسرته. سألني بدهشة "مالك منهمكاً؟" قلت "صدام غزا الكويت" فقال مستاءً "فعلها المجنون". قالتْ لي زوجتي ونحن نركب السيارة مستنكرة " أتراك أهم من رئيس مجلس الشعب؟ هاهو باقٍ مع أسرته ولم تتحرك في رأسه شعرة "