جلس محمد مع فوزي في قهوة "مسمار" يشربان القهوة وطلب أركيلة وبدأ يحدِّث فوزي عن الهموم التي يسأله عنها فوزي كلما رآه شارداً. قال فوزي بنبرة صدق ومودة:
- اسمع يا أبو قاسم. الفتاة رأيتها، وسمعت نتفاً مما يتحدث فيه الناس عن علاقتك بها.
- طيب طيب مارأيك بها؟
- الحب يامحمد لا يعترف بالمقاييس والأوزان.
- ومشروع زواجي مارأيك فيه؟ افرض نفسك مكاني.
- أنت تعرف يا أبو قاسم نحن النصارى لايحقّ لنا أن نتزوج سوى امرأة واحدة. فإذا كان عشقك طارئاً قابلاً لصحوة ضمير فلا تُضَّحِ بالسيدة أم قاسم فإنها لاذنب لها ولو أنها ما عادت قادرة على استيعاب وضعك الاجتماعي.
أحسّ محمد أن إجابة فوزي مبطنّة، وأنها مبنية على موقف ديني يمنعه أن يوافق على زوجتين، لكنه رأى في عينيه أمراً آخر لايعني الرفض، فشعر بنوع من راحة الضمير أثلجت صدره. ثم مالبثت مراجله تغلي وعبارة " غدرات الزمان" ترنّ في أذنيه. إنها آخر فرصة زواج يمكن أن تتحقق له بمثل هذه الشروط وهو الآن يتخطّى منتصف الأربعينات. تستطيع أن تشتري بمالك مهرة، داراً، أن تتزوج امرأة تطمع فيك لكنك لن تستطيع أن تفوز بمثل أمينة.
خديجة حائرة فيما يدور، تزوجت أمينة لكنها ماتزال تعمل في الورشة، وبدأت الشكوك تتسرب من الألسنة، وراحت خديجة تسأل أمينة وتلحف بالسؤال "مامعنى أن تزوَّجك وتركك في عملك؟" "هل تختلفين معه يا ابنتي؟ " "هل قرّرت الانتظار في الانتقال لبيته إلى حين؟"هل.. قررت أن تتركيه؟" لكنّ أمينة انغلقتْ على أمها تلوذ بالصمت.
وأحسّتْ خديجة أن حاجزاً نشأ بينها وبين ابنتها، ومازالتْ بأية حال على أمل أن تصحو أمينة من غفلتها وتطلب الطلاق، إن الذي حلَّل حرّم. واشتد غليان المراجل في محمد فأخذ يعدّ الأيام بالساعات والدقائق ويجول على الورشات يحضّ العمال على الإسراع بإنجاز العمل، وطفقت قدماه تقودانه نحو الورشة التي تعمل فيها أمينة، يلثمها من بعيد بنظرة تنهنها الجروح وذات يوم فاجأته عند مدخل الورشة تتربص به، وقالت بضيق:
- دخيلك يا محمد ابتعد عن ورشتي. أكلتني عيون الناس.
- أنتي زوجتي على سنة الله ورسوله.
- ليس أمامك إلا الصبر.
- لم أعد أطيق الصبر يا أمينة.
- بالصبر يتفاضل الرجال يامحمد.
وسلَّمتْ مريم أمرها إلى الله، إنها ليست قادرة أن تمنعه من الزواج، ولكنها ترجو الله ألا يرميها في الطريق إذا ما حكمتْ عليه هذه الذئبة الخبيثة الماكرة الطامعة في ماله والتي بعمر أولاده، وقالتْ له "طلّق مريم" قالت لها أم ابراهيم:
- اسعي إليه في الفراش. تقربي منه عسى أن يبتعد عنها.
- المكتوب ما منه مهروب يا أم ابراهيم.
وحار هزيم وهو ينظر إلى أخيه يراه صامتاً ساهياً إلا عن تحريض العمال بالإسراع في إنهاء العمل، لماذا ألحّ على هذه الزيجة؟ لماذا تزوّج وجمَّد زواجه؟ يسأله فيتهرَّب من الإجابة تباً لهذه المرأة التي غيّرت محمد وبدّلتْ طباعه، جعلتْه شخصاً آخر، وحفرت خندقاً عميقاً بين أخٍ وأخيه.
انتهى العمل في مطالع أيلول (سبتمبر) وتمّ تسليمه قبل الموعد المحدّد فسُرَّتِ الدولة وأثنتْ على محمد واغتبطَ الأمير يحيى. ترك محمد أبو حسين في البيت المستأجر في دمشق وعاد الجميع إلى جيرود. وفي الغداة طلب محمد من هزيم أن يذهب معه ويأخذان وجاهة لإحضار أمينة من النبك. فقال هزيم راضخاً:
- اللهم لاحول ولا قوة إلا بالله.
منذ وطئت قدم أمينة أرض الدار وأمسكها محمد من يدها وأدخلها مزهوّاً إلى (البيت الوسطاني) تجمع أهل الدار يرمونها من بعيد بنظرات ثاقبة محتجّة، أحسوا أنها قطرة زيت تعوم على صقال الماء، وتحرّكت الكراهية في نفوسهم وتحرك الاستنكار أن تقتحم دارهم شابةٌ نبكيّة تعكر حياتهم الآمنة إلا مريم التي انكفأت في الغرفة صامتة.
وتسربت نساء الحارة يتبعهن الأولاد إلى الحرملك يستطلعون بفضول وانضموا إلى أهل الدار وتجمعوا معهم. قالت تبارك ساخطة:
- مادام مصراً على الزواج أما كان يجدر به أن يأخذ امرأة تناسبه من جيرود؟ وهل جاءنا بهذه النبكية وهي بعمر أولاده ليدلّلها (فَتُجَلْوِحُ) على أكتافه ليفلتها على كيفها فتركبنا وتقلب حياتنا فوقاني تحتاني؟ منذ اليوم لا أَكْلُها من أكلي ولا أكلي من أكلها. الله لايخليني إذا خلَّيتُها في هذه الدار.
قالت حمدة مستخفة:
- صحيح ما يقوله المثل "مركب الضراير سار ومركب السلايف وقّف واحتار" كفاك يا تبارك كفاك يا أم إسماعيل أنت تعرفين سلفك إذا طاب له شيء لايتركه حتى يسوّيه.
وجاء هزيم يستغرب هذه الجلبة، فاندفع إلى تبارك قائلاً "ادخلي إلى غرفتك وأطبقي الباب خلفك، وإياك إياك أن تحاولي بذر الشقاق بيني وبين أخي وإلا والله ألقيتك في الطريق" والتفت إلى النساء والأولاد قائلاً بعصبية "هيا اخرجوا لا أريد أن ترى عيني أحداً منكم" وفيما تحركوا نحو الباب ظلّت حمدة في مواجهته وقالت عاتبة " تطردني ياهزيم؟" واستدارتْ تهمُّ بالخروج فهرع إليها وأمسكها من يدها "أرجوك سامحيني خالتي أم محمود. أفقدَتْني تبارك صوابي. تفضلي تفضلي لك صدر الدار".
ركنت خزنة في الزاوية والدموع تنثال من عينيها، تعبِّر عن عذاباتها التي سكنت قلبها وكأنها هي الضرّة لا أمها ثُم أحست أنها صارت يتيمة الأب، ثم عرتها قشعريرة هزَّتها هزّاً فتمتمتْ "لاسمح الله" ثم قالت بقهر "ولكن لماذا تزوج؟" ثم هرعت إلى أمها فوجدتها قابعة في الزاوية.
- أمي. النار تشتعل في دارنا، قومي افعلي شيئاً.
- المكتوب مامنه مهروب يا حبيبتي.
قالت خزنة مستنكرة:
- المكتوب المكتوب. إن مسكَنَتَك هذه جاءتك بضرة، ضرة يا أمي وأنت ساكنة راكنة وكأن القط لم يأكل لكِ شحمة.
- لقد وقع الفاس في الراس يامهجة قلبي، إهدئي وكوني عاقلة أبوك هو أبوك.
غادرت خزنة الدار وهرعت إلى حمدة متوترة قائلة:
- خالتي أم محمود، أكاد أطقّ، قولي لي ماذا أفعل:
- اجلسي واهدئي يا ابنتي، تزوّج أبوك ومن حقِّ أي رجل أن يتزوج.
- سأعيد له كل ما اشترى لي من هدايا، سأقاطعه لا أكلمه أبدا.
- خزنة أنت عصبية كالمرحومة جدتك كانت تثور وسرعان ماتهدأ لكنها كانت أعقل النساء أَأَقول لك الحقيقة ياخزنة؟ لو كنت رجلاً لطلَّقتُ مريم قبل أن تلدك. لقد صبر أبوك عليها صبراً مُرّاً لكنه لم يقصر معها في شيء.
- طيب لماذا تزوَّجها ما دامت بهذه الحال؟
- أية حال يا خزنة أية حال؟ أخمِّن أن أباك لو كان يعرف أمك على هذه الحال لآثر أن يعيش عازباً.
- تضعين كلّ البلاوي في أمي؟
- خزنة. أمك طيبة، وبنت عائلة، وتحبّ أباك من أعماق قلبها، وهو يحبّها.
- يحبها؟!
- نعم يحبها ولكن كما يقول الكبار هذا الطربوش لايليق بهذا الرأس. أنت ذكية يجب أن تفهمي كلامي. إذهبي إلى دارك يا ابنتي واخزي الشيطان وكوني حمامة لا غراباً.
أحس محمد أنه الآن يضم الدنيا من أربعة أركانها وأحسّ أنه يولد من جديد. لقد صبر فظفر. قال لأمينة:
- السلملك كله تحت تصرّفك اطلعي على كلِّ شيء غداً على ضوء النهار وخذي وقتك وفكري وبعد غد بإذن الله آخذك إلى الشام ونشتري كل ماتريدين..
- لا أريد سواك وسوى رضاك عليّ.
- لاتنسي أنك زوجتي ومقامك من مقامي، سيدخل بيتي أكابر الناس فما يمنعني أن أكون مثلهم؟
- وأحسن منهم ومن آبائهم وأجدادهم بإذن الله.
- لقد ذكرتني يا أمينة بالمثل القائل " امرأتك وابنك الصغير يظنان أنك على كل شيء قدير" نحن مازلنا في أول الطريق.
ومضى إلى المضافة وجلس في مكانه بين صحبه فأخذوا يتغامزون ويقولون:
- ما شاء الله عريس يملأ العين.
- ما توقَّع أحدٌ منا أن تأتي لتسهر معنا.
- هل نقول لك مبروك؟
- انتبه. لاتكثر من لعق العسل إنه يحلُّ الظهر.
- لاتنس أنه جمع لانبع.
قال محمد بعصبية:
- من استطاع أن يفعل مثلما فعلت فليفعلْ يا أوباش. أبو علي أدر القهوة عليهم، وصبّ لي، مسعود جهّز لي نفس أركيلة يملأ الرأس.
ركنت أمينة في (البيت الوسطاني) تعيش حلماً أكبر من أحلامها، إنها تؤمن أن قوة الرجل وضعفه، غناه وفقره، وكل شيء فيه من امرأته. فقرّرت أن تحقق لزوجها كل رغباته وطموحاته في كسب المال والوجاهة الاجتماعية، وزادت على ذلك أن تحاول إقناعه أنها صديقته الحميمة وملاذه الآمن في الفرح والترح.
وطُرِقَ الباب وصاح رجل "أبوقاسم" ردَّ عليه هزيم "تفضل" وإذا أبو ذيب (زَلَمة) سليم آغا الدعاس يدخل المضافة ويلقي التحية، ويقول وهو مازال واقفاً بالعتبة "ابوقاسم. أرسلني سليم آغا يريدك صباح الغد لأمر هام" قال هزيم:
- تفضل أبو ذيب اشرب قهوة.
- قهوتكم دايمة يا أبو اسماعيل.
- ماذا يريد الآغا من أبو قاسم؟
- أنا آكل وأشرب ولا أعرف غير هذا. أبوقاسم ماذا أقول للآغا؟
- سأكون عنده بعد طلوع الشمس.
قال فاضل: "علمت أن سليم آغا يريد فتح قناة في الحبيسة وقناة في الركنية" وقال زعل متهِّلاً "هذه بشارة خير" قال أبوحسين "على وجه النبكيّة".
بعد صلاة الصبح وقبل أن يستيقظ محمد خرج هزيم بلباس العمل ومرّ على محي الدين ابن خاله وأخذه معه ليعاونه في استصلاح أرض البرية وأحسَّ محمد بأنامل تداعب شعر رأسه ففتح عنينيه وإذا بأمينة جالسة على حافة السرير مبتسمة:
- صباح الخير يا أبهى الرجال.
- صباح النور يازينة النساء.
- انهض يا روحي. فطورك جاهز، والشمس ملأت أرض الدار.
ومنعته من الخروج للقاء سليم آغا قبل تناول الفطور وساعدته في ترتيب هندامه قائلة "تيسّر رعاك الله بعنايته" ومضى محمد إلى قصر الباشا وجلس في المضافة مع سليم يشربان القهوة المرة. قال سليم:
- ازدادت مساحة كروم العنب، وصارت معظم أراضي الحبيسة والركنية سليخاً أعندك استعداد لنفتح قناة في الحبيسة وقناة في الركنية؟
- عندي كلّ الاستعداد.
- هيا بنا نقوم بجولة على الطبيعة.
خرجت أمينة إلى صحن الدار فوجدت الجميع متوثّبين تقدح عيونهم شرراً. مريم في زاوية غرفتها وقد ابترد جرحها، وخزنة تلطو إلى جانبها، وتبارك قابعة على باب غرفتها، واسماعيل يحملق عند الزاوية مستنداً إلى الجدار. قالت لإسماعيل متقرِّبة - اسماعيل، تعال أريد أن أكلِّمك.
- الذي يريد الآخر يأتي إليه.
تقدَّمتْ منه بخطا وئيدة ومدت يدها للمصافحة فأشاح عنها.
- ألا تصافحني يا إسماعيل؟
أدار لها ظهره، شدَّته من كتفه وأدارته نحوها، ثنى اسماعيل يديه وتحفَّز يودُّ أن يضربها فأمسكته من يده بقوة ولَوَتْ ذراعه وأطاحت به على الأرض. جرت خزنة نحوها مهتاجة "تضربين ابن عمي ياكافرة؟" فلوت ذراعها وأوقعتها هي الأخرى فوقه بلمح البصر، هاجمتها مريم "أكرهك أكرهك وأريد أن أنتف شعرك" أطاحت بها ووضعتها فوق خزنة، هبّت إليها تبارك "ياذئبة يابنت الكلاب" فطوّحت بها هي الأخرى فوقهم وركبت عليهم، واندلعت ولاويل تبارك ومريم. ودخلت النساء والأطفال ودخلت حمدة فرأوا ما أدهشهم. تركتهم أمينة وعادت إلى غرفتها معتدَّة ظافرة وكُسِرت عينُ إسماعيل فتوارى في الغرفة يكاد يبكي، واستدارت خزنة إلى الجدار محتقنة، وانطلق لسان مريم ولسان تبارك بالزعيق والشتائم المقذعة فصاحتْ بهما حمدة:
- البقرة هي التي تغسل وسخها بلسانها. ماهذا الفجور؟ لقد كسرتْ عينكم جميعاً.
في الحبيسة وقف محمد مع سليم آغا على الطرف الغربي يتأمَّل ميول الأرض، ثم طلب سطلاً من الماء صبَّه على الأرض وراح يراقب شدة انحداره. ثم قال "من هنا يمكن أن نبدأ بحفر القناة "وتابع مع الآغا إلى الركنية وكرر المحاولة، وحدد المكان. سأله سليم:
- رأيك أكيد يامحمد؟
- أكيد يا أبوعبد الكريم. لكن الكلمة الأخيرة لميزان الزيبق.
- تعني أنها ليست الكلمة الأخيرة؟
- أعني أن عملنا الفعلي يعتمد على ميزان الزيبق.
- تعال معي إلى القصر لنتفاهم حول التفاصيل.
وخرجت أمينة إلى أرض الدار ونادتْ "أين هذا أبو علي؟" فجاءها مسرعاً:
- نعم خانم.
- لاتقل خانم يا أبوعلي أنا فلاحة بنت فلاحين.
- أأقول لك أم قاسم؟
- مريم هي أم قاسم. قل لي أمينة اسمي لايعيبني.
- لا. سأقول لك معلمتي.
- المهم. من هو أحسن لحام في جيرود؟
- ليس عندنا إلا لحم الجمل.
- جمل جمل يا أبوعلي. من هو؟
- المعلم يشتري اللحم من دكانة علي محمود.
- بأسرع ماتستطيع هات لي رطلاً هبرة للكبّة، ورطلاً مفرومة للحشوة، ونصف كيلو شحمة بطن. هل فهمت أم أكتبها لك على ورقة؟
- فهمتْ فهمتْ.
- أعدها عليّ.
وسمعت بالمصادفة صوت تبارك تقول بعصبية واستنكار:
- قلتُ لك لا يا إسماعيل. بسكليت لا، حتى تنكسر ساعدك أو ساقك أو يصيبك مكروه لاسمح الله؟ لا لا لا.
- أمي أنا لا أريد منك شيئاً إلا أن تخبري أبي أو عمي.
- ما دمت ترى أنك صرت رجلاً لماذا لا تتكلم أنت؟
- اسمعي أمي إن لم تشتروا لي بسكليت جديدة قطع المقص فسأترك لكم الدار ولا ترون وجهي بعدها.
- ويلي. صبَّرني الله عليك ياكاسر ياعاسر.
وتحرَّك إسماعيل بعصبية يهمّ بالخروج. تراجعت أمينة بخفة، والتفَّت نحو الباب الآخر الذي يطلّ على السلملك فرأت اسماعيل يمرّ مزمجراً. نادت:
- اسماعيل. تعال ارجع.
- ما دخلك أنت؟
- ألا تريد دراجة؟ اتركها عليّ أنا.
وفي مضافة القصر جلس محمد مع سليم الذي بدا مرتاح الضمير متفائلاً قال لمحمد:
- كيف تريد أن نتعامل؟
- نكتب اتفاقاً بيننا نوقِّعه أنا وأنت، وتعطيني سلفة مبلغاً من المال، ونباشر، وكلَّ شهر نُجري كشفاً على العمل بمعرفتك وتُعطيني دفعة.
- كم أجرة العامل هذه الأيام؟
- خمسون غرشاً.
- بعضهم يرضى بثلاثين.
- يا أبو عبد الكريم. إذا أردت من العامل أن يبذل جهداً حقيقياً من الصباح وحتى المساء يجب أن تعطيه خمسين، وعندي معلمين أعطي بعضهم خمسة وسبعين غرشاً وبعضهم ورقة سورية.
- وأنت؟
- ماتراه أنت مناسباً.
- يكفي ليرتان؟
- لا تنس دراسة الميول، والتخطيط..
- محمد. يُجمِع الناس أنك من أمهر مَنْ شقّ الأقنية، وأنك تُخلص في عملك ليكن أربع ليرات. ما رأيك؟
- كما تريد.
- متى ستبدأ؟
- أقوم باستعداداتي وأبدأ بعد يومين.
قامت أمينة من وراء جرن الكبة وتربعت على الأرض، وبدأت عملها وتربَّعت قبالتها أم إبراهيم تعاونها، وأطلتْ تبارك ومريم تستطلعان فأشارت لهما بنزق أن تخرجا ونادت على إسماعيل فدخل بحياء. قبضت على كتلة "كبة نيّة" وقدمتها له قائلة:"ذُقها وشف لي ملحها" تذوَّقها اسماعيل وأخذ يتمتع بطعمها. سأَلته:
- كيف رأيتها؟
- طعمها لذيذ لذيذ جداً.
- أريد رأيك بملحها؟ خذ قطعة أخرى، تذوَّقْها تذوقها جيِّداً، وابعث لي خزنة.
قالت أم إبراهيم هامسة " ألم نَذُق ملحها أنا وأنت؟ "
دخلت خزنة مكشرة فقدمت لها "كتلة" قائلة:
- خذي ذوقي ملحها وأخبريني.
- أنا لاعلاقة لي.
- ياخزنة أنا أريد لك الخير وأنوي أن أعلمك الخياطة والتطريز حتى تعدّي جهاز عرسك بيدك وعلى ذوقك غداً إن شاء الله فلماذا تضمرين لي الشر؟
- تناولت خزنة الكتلة وأخذت تتذوَّقها حالمة.
حمل محمد كيس النقود تحت إبطه، ونسخة الاتفاقية واتجه إلى الحارة يحسّ بالانتصار؛ كان يحمل همَّ الديون كيف يسدِّدها، وكان صعباً عليه أن يقعد بلا عمل لكن الله يسَّرها "على وجهك يا أمينة" كانت أمه تقول "وجوه وعَتَبات" تقول: "يأتيك الحظّ على وجه امرأة تتزوَّجها، أومولود جديد، أودار تشتريها أو تبنيها" ودخل الدار فاستفزّته رائحة الكبة المشوية "هذه أولى بوادر أمينة" تابع إلى المطبخ فوجد إسماعيل يروّح بالهواء على الأقراص، وخزنة تحرك اللبن في قدر على النار، وأم إبراهيم تقلي بالزيت "ياله من غداء كبّة مشوية، ومقلية، وبلبنيّة، فلوَّح بكيس النقود لأمينة المنهمكة بإعداد الكتل قائلاً "أبشري أمينة رزقتك جاءتْ معك" فنهضت واقفة وقدَّمت له قرصاً مشوياً.
- مبروك.
- بارك الله فيك.
- أطال الله عمرك، وأعزنا تحت جناحيك.
اجتمع محمد مع رجاله في المضافة مساء، ووزِّع عليهم أمكنة العمل والمهام، وحدِّد معهم عدد العمال المطلوبين وأعطى كلاًّ منهم خمس ليرات دسّوها في جيوبهم وهم يشعرون أنه استقرَّ في أعماق قلوبهم واسطةً للقمتهم ولقمة عيالهم.
في الصباح أخذ أمينة إلى دمشق فأصرتْ أن يرافقهما إسماعيل. اشترى لها كلَّ ما طلبته من أثاث جديد للمضافة العربية، وللبيت القبلي "مضافة الأكابر" وللبيت الوسطاني غرفتها الخاصة، وماكينة للخياطة والتطريز ولوازمها، وهدايا لتبارك ومريم وخزنة، وحلويات وفواكه. وهمست أمينة في أذنه"لاتنس الدراجة" سأل اسماعيل:
- هل تعرف ركوب الدراجة؟
- أعرف عمي.
- كيف؟ متى؟
- كنت يا عمي أستأجر كل يوم دراجة من عند الشاغوري مدة نصف ساعة حتى تعلمتُ وصرتُ أحسن من الجميع. أتريد أن تتأكّد؟
- وهل تفهم بأنواع الدراجات يا إسماعيل.
- نعم عمي نعم. ولكن أريدها جديدة.
- امشِ معي واختر واحدة كما تريدها.
واشترى له دراجة اختارها بنفسه وجهزها كما يريد واشترى لها "عُدَّة" كاملة وأدوات زينة ومصباح وجرس وحاول بإلحاح إن يرجع إلى جيرود راكباً عليها فمنعه عمه وأخذه معه بالسيارة الشاحنة التي استأجرها لنقل الأثاث وما إن وصلوا وتوقفتْ السيارة على باب الدار وبدأ العمال ينقلون الأثاث إلى الداخل بإشراف صارمٍ من أمينة، وتوافد كلُّ من في الحارة من نساء وأطفال وبعض الرجال يتفرجون وصل رسول من الأمير يحيى. قال لمحمد:
- يريدك الأمير.
- الآن!!؟
- قال غداً أو في أقرب وقت.
عاد محمد إلى دمشق بالسيارة نفسها، ودخل على الأمير بعد صلاة العشاء قال له:
- سألني المسؤولون عن "جمعية التمدن الإسلامي" عن رجل كفء يسلمونه رئيساً لفرع الجمعية في منطقتكم فرشّحتُك أنت. مارأيك؟
- ماذا تفعل هذه الجمعية؟
- أهدافها التوعية الإسلامية والحضارية، وتفتيح عقول الناس للتلاؤم بين الإسلام والتقدم العلمي، وتعليم الأولاد، وتوزيع الصدقات بحسب المبادئ الإسلامية.
- ومواردها؟
- من أهل الخير. وأنا سأساعدكم بمبلغ كبير.
في جيرود اجتمع محمد مع أخيه وأصحابه وضموا إليهم عدداً من رجال الدين والوجهاء وشكلوا "لجنة إشراف" برئاسة محمد وقرروا جعل المقر في دار أبي هاشم، وافتتاح مدرسة لتعليم الأولاد، وكلَّفوا الشيوخ عبد العلي الصالح، ومحمد عبد النور، وعلي خير الله بهذه المهمة، والغريب في الأمر أن محمد لم يكن أيامها يؤدي من الفرائض الدينية سوى صوم رمضان.
أدرك إسماعيل سن البلوغ وبدأ صوته يغلظ معلناً عن رجولة مقبلة مازالت أقل من أن تتجلّى فيه المشاعر نحو الصبايا، وإنما بدأتْ تغزوه أوائلُ الميول غير المتبلورة نحو الأنوثة. مشّط شعره وردَّه الى الخلف ونظر إلى المرآة، إنه كما يقولون صورة عن جده سميِّه وعن عمه محمد بوجهه الأبيض المزهر وحاجبيه الكثيفين بأناقة وعينيه الشهلاوين، وشعره الأشقر الناعم نظف دراجته من بقايا الغبار التي علقتْ بها أمس وراح يتمتع بلمعانها وإذا بتبارك تدخل قائلة مستنكرة:
- كلما نظرتُ إلى هذه الدراجة يغلي الغيظ في بدني.
- صار لها عندي سبعة أشهر وعشرين يوماً يا أمي.
- ليكن مئة. أنا لا آمن عليك منها ومن غدرها.
قبض إسماعيل على يد أمه التي صارت تُضطَرُّ أن ترفع رأسها لترى وجهه عن كثب فقد أصبح أطول من أبيه بنحو الشبر وجرَّ الدراجة باليد الأخرى ومشى بها نحو الباب الخارجي وهي تنتهره متوترة "اتركني اتركني" فتبعتهما مريم وخزنة وأم إبراهيم تستطلعن، وتجمَّع في الحارة النساء والأطفال ووثب إسماعيل على الدراجة وراح يطوف بها في الحارة متمايلاً ذات اليمين وذات اليسار والأطفال يصفِّقون والنساء يردّدن:
- ماشاء الله.
- يخزي العين.
- الصلاة على النبي.
وجمدت تبارك تنتهبها مشاعر الإعجاب والتوجس تتلو سورة "قل هو الله أحد" وقالت:
له خزنة متقدِّمة نحوه:
- ركِّبني وراءك اسماعيل.
فشدتها مريم إلى الخلف قائلة بغضب وهلع:
- سكِّري فمك يا بلهاء.
لكن اسماعيل اقترب منها وشدَّها من يدها وأردفها خلفه قائلاً:
- خزنة احذري أن تقرّبي قدميك من الدولاب.
وطفق يجول في الحارة بحذر مسيطراً على نفسه وخزنة تتمسك به خائفة.
وقالت امرأة تمّط شفتيها مستغربة "عيش كثير بتشوف كثير" ودخل الحارة موكب عيدو الذي يبدو عليه الإنهاك يقود الحمارة البيضاء من رسنها وعليها خرج عيناه ممتلئتان ومعه امرأتان خمسينيتان بالزيّ الجبليّ متينتا البنية أُخليَ لهما الطريق فتوارت تبارك ومريم وراء الواقفين وهمستْ تبارك لمريم:
- أتعرفين من هذه النبكية التي مع خديجة؟
- من أين لي أن أعرف؟
- هذه داية نبكية جاءت بها لتولِّد ابنتها. هذا تكبُّر علينا أن تدعو داية جيرودية. مالها السرمينية داية شاطرة وبرية اليد.
كانت أمينة في شهرها التاسع ومن حسن حظِّها أن تأتي أمها ومعها أم يونس أمهر داية في النبك. كان الجميع ينتظرون الحدث الهام، وليَّ العهد المؤهل لإحياء ذكر الأب ويكون صنو إسماعيل. خزنة تتلهَّف لرؤية أخ لها "ما أسعد من كان لها أخ" واسماعيل يتمنى أن يكون له ابن عم يعلِّمه على الدراجة ويكون عزوته.
جلس محمد في المضافة مع صحبه يدخِّن الأركيلة حالماً بوليّ العهد خافق القلب ونفض رأسه من التوجس واحتمال انتكاسة مفاجئة وردَّد لنفسه بخشوع "لا سمح الله" وأغضى يطرق أذنيه نتفٌ من كلام صحبه يقولون ها نحن على وشك أن ننتهي من الحبيسة والركنية وعلى أبوقاسم أن يدبِّر لنا عملاً جديداً "الحياة لا ترحم" وعلا فجأة صراخ أمينة أعقبه بكاء الوليد فانجذب محمد قسرياً ثم ركن ينتظر من يبشره ليعطيه ليرة ذهبية، لكنَّ تأخُّر "البشارة" جعلهم يقفون ويهمون بالخروج فآلى عليهم هزيم ألا يخرجوا حتى يأكلوا من "سفرة الخلاص" التي تعدّها أم ابراهيم. همس فاضل في أذنه:
- معناها بنت يا أبو إسماعيل.
- يا أبو محمود قال الله تعالى في سورة النحل"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم: وإذا بُشِّر أَحَدُهم بالأنثى ظلَّ وجهُه مُسْودّاً وهو كظيم. يتوارى من القوم من سوء ما بُشَّر به أَيُمسكُهُ على هونٍ أم يدسُّه في التُّراب ألا ساء ما يَحكُمون صدق الله العظيم"
ولفحت الخيبة وجه أمينة وأمها. وقالت أم يونس برصانة:
- بشروا الأب.
- ببنت؟ لا. دخيلك لا.
- وهل نُخبئها؟ احمدوا الله على تمام الخلقة.
رضخ محمد لإرادة الله ولولا ولعه بأمينة وقناعته الراسخة في أعماقه أنها لابد أن تحقق له هذا الحلم بالابن الذكر يوماً لكان في الموضوع أمر آخر، ولكن كيف له أن ينسى حبها واندفاعها للحياة معه ومقاومتها أهلها من أجله؟ أمينة!؟ تمتم "الحمد لله" وغادر المضافة وعيون أصحابه تتابعه بدهشة.
نقر باب الغرفة، ونادى "أين أمينة؟" ودخل فوجدها مطرقة حزينة وأمها تمسح دموعها. قال بصوت واثق "أمينة الحمد لله على سلامتك، سلامتك أنت هي الأهم عندي، ارفعي رأسك وابتسمي أنت الأغلى" ورفعت أم يونس الطفلة وقالت بطلاقة:
- مبروك. انظر إلى وجهها كتمام البدر، بيضاء شقراء صورة عن أبيها.
فنظر إلى وجه الصغيرة الذي مايزال معتماً وابتسم وأعطى أم يونس ليرة ذهبية وتقدم نحو الباب. همست أم ابراهيم في أذن أم يونس:
- الطفل لا تنجلي ملامحه إلا بعد الأربعين.
- إخرسي أنت.
توقف محمد عند الباب واستدار قائلاً:
- نسميها فاطمة.
قالت خديجة معترضة:
- بنتها الأكبر اسمها فاطمة.
- هذه ابنتي.
وخرج بخطوات واثقة. فتابعت أم يونس تنتهر أم ابراهيم:
- هذا أب لاهف يجب أن نجعلها زينة البنات في نظره، وأقطع يدي إن لم تكن كما وصفتها وعلا صوت محمد من خارج الغرفة ينادي "عيدو أم ابراهيم" فخرجت أم إبراهيم مسرعة "لتكن سفرة الخلاص ذبيحة كاملة، وحلاوة دبس تشعشع بالسمن العربي".
ودخلت حمدة وقالت له بمودة وهو يتَّجه إلى المضافة:
- مبروك يامحمد.
- بارك الله فيك خالتي أم محمود.
وهرعت مريم إلى حمدة قائلة:
- أرأيتِ مكره وحجته أنه يريده ذكراً وهاهي جاءته بنت يكاد عقله يطير فيها؟
- ألا يحبُّ خزنةَ ويدلِّلها وهي بنت يا ذنب الحمارة؟
وابتردت الشماتة على تكشيرة تبارك ومريم واحتلت مكانها دهشة منغِّصة.
قالت تبارك لمريم مشمئزّة:
- ياعجبي كم يدلِّلها كأنه نسي أنه كان ينتظر صبياً؟
- لقد سلبته عقله هذه النبكية ياتبارك.
- لكن لابأس لو انها ولدت صبياً لما وسعتها الدنيا، دعيها لقد كُسِرَتْ عينها.
ورأتْ خزنة أن فرحة أبيها هي الأهم عندها وفرحتْ هي الأخرى أنْ صار لها أخت من لحمها ودمها، وفرح إسماعيل أنه مايزال الفارس المدلّل في العائلة.
ونودي على محي الدين. قال له محمد "افتح كفَّيك" فوضع فيهما حفنة من النقود قائلاً "وزِّعها على المحتاجين في الحارة" ورغم أن هزيم استاء من هذا التبذير لكنه لم يشأ إفساد فرحة أخيه. ونودي على الإمام الشيخ عبد النور ليؤذن لها فقال "يامحمد أنا لولا كرامتك لا أؤذن للبنات" ووضع فمه على أذنها وتلا أذاناً كاملاً بصوته العذب. وطُرق الباب فدخل أحد المغاربة وألقى السلام وقال:
- بوعلام أرسلني لأقول لك يا أبوقاسم يريدك الأمير غداً صباحاً لأمر هام.
- ألا تعرف ماذا يريد؟
- لا. لكني سمعت أنه يريد حفر قناة في الضيعة.
- أكرِموه. قدِّموا له الغداء، وحلاوة الدبس.
وتألَّقت البهجة على العيون، وراح التفاؤل يدغدغ أحلامهم. قال فاضل "هذا على وجه فاطمة. قَدَمُها مُبَاركة"
نهض محمد من نومه مع بزوغ الشمس وودَّع أمينة وقال لها "ادعي لي ياأمينة" وجمع كل من في البيت وأوصاهم جميعاً أن يلتفّوا حولها ليل نهار يلبّون كل ماتطلبه منهم وإلا... وحمل عدّته فألفى فاضل وزعل وأبوحسين والحاج صالح ينتظرونه، تواعد معهم أن يلتقوا في الغوطة وذهب لمقابلة الأمير بقصره في دمشق. قال الأمير:
- مياه بردى أخذت تشحّ هذا العام يامحمد وكثيرون يتوقّعون أن يزداد شحُّها مع الأيام. أريد أن نفتح قناة أو اثنتين.
- واحدة تكفي أفندم.
- أنت تقدِّر ذلك. اذهب وافعل ماتشاء. خذ.
وأعطاه كيساً من النقود.
اجتمع محمد مع معاونيه وقاموا بجولة في الضيعة وقرروا فتح قناة واحدة كبيرة أنهوا العمل فيها بعد عام وولدت أمينة طفلة أخرى استدعيت لها أم يونس سمَّوها آمنة. كان وقع هذه الولادة لفحة يأس على أمينة، واغتم محمد من حيث لايشعر وقالت أم يونس لأم إبراهيم وهي تتأمل وجه الفتاة:
- انظري. هاهو وجهها كوجه أبيها وشعرها أشقر بلون شعره.
- ولكن عينيها عسليتان.
اضطجع محمد في المضافة مساء يدخن الأركيلة يشنِّف أذنيه بإيقاع المهباج يتراقص بيد أبوعلي هارباً من أنه صار أباً لثلاث بنات، فدخل هزيم وجلس بجانبه قائلاً:
- احمد ربَّك يا أخي على الصحة والسلامة والرزق الغامر. ضع عينك بعين الله وأسأله أن يجبر خاطرك يا أخي، امرأتك في مقتبل عمرها والله سبحانه وتعالى كريم.
- أنا والله ياهزيم ليس زعلي إلا من أجل أمينة.
صارت فاطمة تدرج على الأرض، وخزنة تحملها وتطوف بها في أرجاء الدار بشغف ولهفة فرحة أن صار لها أختان اثنتان تحلم بأن تكبر آمنة ليسمحوا لها بحملها هي الأخرى، ودخلت خزنة بفاطمة إلى المضافة، وأطلقتْها تدرج نحو أبيها تنادي "بابا. بابا" فاعتدل محمد في جلسته وضمَّها وقبَّلها، فدفعته خزنة كي يضطجع ووضعت فاطمة عليه تركبه، والرجال يتواردون على صوت المهباج، وطرق الباب أحد العاملين في النافعة من أبناء جيرود وأعطى محمد رسالة من فوزي بك يطلب منه أن يراجعه في مكتبه بالنافعة صباح الغد.
رحب به فوزي وطلب منه أن يجلس، وأعطاه ورقة وقلماً وقال:
- اكتب يامحمد: شكري بك القوتلي. نسيب بك البكري. عطا بك الأيوبي. فخري بك البارودي. هؤلاء يريدون فتح أقنية بضِيَعِهم في الغوطة لأن سوية المياه الجوفية بدأت تنخفض فرشَّحتُك أنت. مارأيك يا محمد؟.
- مستعد فوزي بك.
- أربع أقنية يا محمد.
- ألا تثق بي فوزي بك؟
- بلى. لكني أريد أن ألفت نظرك إلى أن هؤلاء هم أهمّ أربع شخصيات سياسية واجتماعية في دمشق.
- وليكن فوزي بك. ماذا يريدون غير أن يكون العمل نظيفاً؟
- وهم جميعاً متساوون بالمكانة أو متقاربون.
- فوزي بك لايقطع الرأس إلا الذي ركبه.
- أعني يامحمد يجب البدء بالأقنية الأربعة في وقت واحد حتى لانصاب بالحرج. هل أنت مستعدّ؟
- مستعد بعد أن أكتب اتفاقيات معهم وآخذ سلفة مالية.
- سأتصل بهم وأحدّد معهم مواعيد ونزورهم واحداً واحداً.
- وأنت شريكي.
- لا يامحمد لا أنا مكلَّف بالإشراف ولي أجر خاص.
كبر فوزي في عيني محمد رجلاً شهماً صديقاً صدوقاً، وهو الذي جعل قيمة محمد تتعزَّز في الأوساط الرسمية وسميَّ "خبيراً" بهندسة الرِّيّ مسجلاً يُرجع إليه في جميع المشاريع ويتقاضى أجوراً عالية، وكبرتْ مع فوزي عائلته وكان محمد يزورها أو يُدعى لزيارتها بين حين وآخر يحمل لها من جيرود العنب والزبيب. ومع نماء الصداقة أعجب محمد بدماثة النصارى ووفائهم وصار يقول عنهم "النصارى أصحاب وداد"
عندما بلغتْ آمنة شهرها الرابع أصابها إسهال شديد لم تنفع فيه الأعشاب المعروفة ففارقت الحياة. كلف هزيم محي الدين أن يحفر لها قبراً بجوار قبر جدتها خزنة وحملها على ساعديه ودفنها وصلى عليها صلاة الحنازة مع بعض العابرين وقرأ الفاتحة وبعث رسالة إلى محمد في الغوطة استهلها "كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا تُرجعون" وبكتْ خزنة وازدادت حرصاً على فاطمة. وفي العام التالي استدعيت الدّاية الجيرودية أم نهيدة فوضعت أمينة طفلة أخرى وُلِدتْ عليلة سمُِّيَتْ آمنة أيضاً مالبثتْ أن ماتت في أسبوعها الثاني.
أَحَستْ أمينة أنها كالمقطوع على الطريق ينتظر واسطة ليستأنف رحلته فلا يمرّ سوى جَدْيٍ أو خروف، وأفرغت همومها بالتعلُّق بفاطمة والولع بتمشيط شعرها الناعم الذي أخذ ينسدل لامعاً كخيوط الذهب وقد بلغت الرابعة. وازدادت شماتة العائلة بأمينة شماتة صامتة يغلب عليها الإشفاق وكان هذا الإشفاق على أمينة أقسى من ابتلاع الصبر المرّ.
بنى محمد كياناً جديداً راسخاً للعائلة قائما على التجارة والزراعة يليق بمقامه بعد امتلاء صندوق أمينة بالأموال، وأسند إلى اسماعيل إدارة المركز التجاري تحت إشرافه وأنشأ دكانة مركزية لبيع جميع مايحتاجه الفلاحون من مواد غذائية وأقمشة، وتوزيع السلع على الدكاكين الصغيرة بالجملة، وجمع محصولات القرية من الزبيب والفائض من القمح والشعير وتصديرها إلى عملاء محدَّدين من تجار دمشق، ووكالة شركة شلّ للمحروقات في منطقة القطيفة، وكلف محي الدين بإدارة المزرعة يشرف عليه هزيم ويعمل معه يداً بيد.
قام كيان الأسرة على ركيزتين أساسيّتين: اسماعيل وكان يرتدي منذئذٍ وحتى آخر عمره لباساً خاصاً به: بنطال خيالة منفوخ فوق الركبتين من الجانبين الخارجيين وقميص وجاكيت، وكوفية وعقال. ومحي الدين وكان يرتدي لباساً فلاحياً عادياً ثوب طويل وجاكيت وكوفية وعقال. وبقدر ما كان إسماعيل أَنِفاً مقطِّباً وبخاصة وسَط العائلة كان محي الدين بسيطاً متواضعاً وكثرت الحاشية وتدفّق الخير، وصار الضيوف من خارج القرية يشاركون أهل الدار فطورهم وغداءهم وعشاءهم. وكثرت البيوتات التي تُنقل إليها طرود المساعدات في الغسق من أيادي ترفض الإعلان عن المصدر، وازداد ولع محمد بأمينة إشفاقاً عليها وعلى نفسه وسلم بأمر الله وركَّز مستقبل العائلة على اسماعيل.
وأخيراً حملت أمينة وعلا بطنها من جديد. فأحضرَ محمد أمها من النبك مع أم يونس يوم الثلاثاء العاشر من شهر أيار عام 1938 الموافق الحادي عشر من ربيع الثاني 1357 هـ أي ليلة عيد المولد النبوي جاءها المخاض وعلا صراخها واستغاثتها فقبع في المضافة وأغلق الباب على نفسه لايريد أن يرى أحداً. قبع متوجساً واضعاً حياته تحت عينيه يفكر فيها؛ إذا خسر أمينة فسيخسر حياته، ومجده، وأبهته دفعة واحدة. ليس سهلاً على المرء أن يظفر بامرأة صبية طفرة تملّكت مفاتيح نفسه ببراعة وأحقّيّة. إنه لايريد أن يحلم، أن يفكر. يتمنى لهذه التي تصرخ من شدة الألم أن تنجو بنفسها سالمة. إنه في انتظار أن يراها تدرج بين يديه كحمامة والباقي عند الله وبعد المغرب بساعة واحدة لعلع بكاء طفل وما لبث باب المضافة أن اندفع بقوة حتى كاد يهوي على الأرض، وهرعت إليه بعض النساء يتسابقن لاهفات يكاد بعضهن يصطدم ببعض تتقدمهن القابلة أم يونس التي سبقتهن "بشرى لك أمينة وضعت مولوداً ذكراً (هوكاتب هذه السطور) فوثَب واقفاً ونقد كلاً منهن ليرة ذهبية.
واندفعتِ النساء جميعاً بمن فيهن مريم وتبارك يتبارين بإطلاق الزغاريد تجلجل في الآفاق وهرع الرجال إلى المضافة، والنساء إلى الحرملك ودخلت خزنة على أبيها تكاد تطير فرحاً. قبلت يده وقالت له:
- أبي بارك لي صار لي أخ. أريد أن أسميه أنا.
- كما تشائين ياخزنة.
فتدخَّل هزيم قائلاً:
- لا يا ابنة أخي هذا الاسم حرام.
- عمي أنا مصرة.
- سنسأل الشيخ عبد العلي يا ابنتي.
- أنا مصرة مصرة مصرة
وغادرت المضافة. وتربع محمد وقد اكتملت حياته بزوجة كالحلم، ووليّ عهد يحفظ استمراره في الحياة قدم إليه بليلة فضيلة، فوزع النقود والفرح على الجميع، وتربعت أمينة على عرش العائلة ملكة، تشعر أن زوجها ملك الزمان، وذُبحت الذبائح ووُزعت الحلويات. وفي اليوم التالي امتلأت ساحة الدار بالرجال وتصدر الشيخ علي يقرأ قصة المولد النبوي الشريف، وراح الشيخ عبد النور بلحيته الكثّة ووجهه الأسمر الطافح بالهيبة يؤدي الأناشيد الدينية بصوته القويّ العذب الذي فاح من الدار وانتشر في الشوارع والأحياء.كان صوت الشيخ عبد النور يصل إلى العطنة وهو يؤذن لصلاة الصبح، وكانوا يفطرون في رمضان على صوته يؤذن المغرب.
في غمرة الفرح بالوليد فوجئت أمينة وأمها والقابلة أن حليبها تأخر، فاغتمّت وراحت تنظر إلى الطفل برعب وكأن يدين شيطانيّتين تمتدان نحوه تحاولان اختطافه، "يا إلهي لاتقتل الفرح في قلبي" وانكفأت على نفسها تبكي وتدعو الله أن ينقذها وينقذ ابنها، وحفّت بها أمها وأم يونس والدموع تتقطَّر من عيني كل منهما وأخذت أنامل الجدة تسوق حبات مسبحتها ذات المئة حبة وحبة متوترة تقول بحرقة مع كل حبة "ألف ألف لاإله إلا الله" وركنت أم يونس تقرأ "آيات الكرسي" كأنها تستحثُّ الله أن يجد لها مخرجاً، وغسلتْ حمدة يديها بالماء والصابون واندفعَتْ تغطّ إصبعها بمحلول السكر المعطَّر بماء الزهر وتضعه بين شفتي الوليد فيلعقه ويلاعبه بلسانه الصغير ويبتلعه، وجيء بآمنة الضحى أحرقت البخور وراحتْ تطوف بأمينة وابنها تمتمتم كلاماً لايفهمه أحد، وتماسكت يدا محمد في المضافة يشدّ على أسنانه وقبضة يديه، فقال له هزيم بورع "سلم أمرك إلى الله ياأخي" بدا له الزمن وكأنه توقّف وغارت الشماتة في نفوس الشامتين وحلَّ محلَّها الإشفاق على وليد بريء كأنه غارق في اليمّ يتغالب الموت والحياة في عينيه العجينيَّّتن. ووضعت مريم يدها على بطنها وكانت حبلى في شهرها الخامس تتمنى من الله أن يطعمها صبيّاً يكون أخاً مكافئاً لابن أمينة ويجعلها ضرة مكافئة لضرة نبكية. وفجأة طرقت رأسَ "أم يونس" فكرةٌ ثاقبة كصبابة ماء شَبِم في فم الصادي الموشك على الهلاك، فانتصبت وصاحت بثقة "هاتوا لي نعجة من خيار الغنم" فسارعت الأيدي تقدم إليها الأغنام. اختارت إحداها وغسلت ضرعها بالماء والصابون ووضعت الوليد عليه فراح يرضع "بنهم" وكأنه الخروف. وفيما شرعت ألسنة النساء تزغرد بسطت أم يونس يدها ورفعتها في وجوههن تزجرهنّ، وهبّ محمد وأخوه يحملقان إلى الوليد يمتص الحليب بشغف ففغر محمد فاه مشدوهاً وردَّد هزيم " اللهم لا حول ولا قوة إلا بالله" وتناوبت نساء الحي مع الغنمة على إرضاعه أسبوعين حتى جاء حليب أمه التي انتشت منتصرة وسرحت ترى حمائم بيضاً ترفرف بأجنحتها وتهدل هديلاً يروي ظمأ الروح، وفي العام نفسه وضعتْ مريم ابنة أنثى تشبهها شبهاً لافتاً سُمِّيَتْ "وطفا" تصغر أخاها بأربعة أشهر.
في أواخر العام 1939 صار عمر ابن أمينة عاماً وستة أشهر وعلمتْ العائلة أن المطهِّر الحاج إبراهيم في جيرود. فاختلى محمد بهزيم "مارأيك بمناسبة الختان أن نقيم عرساً كبيراً نزوِّج إسماعيل ونزوِّج خزنة لمحي الدين فهو أمين ومخلص وابن خالنا على أن يقيم معنا؟ قال هزيم "عين العقل" وخرج إلى تبارك يتشاور معها، وجيء بمحي الدين إلى المضافة ففوجئ وأطرق خجِلاً والعرق يتصبّبُ من وجهه وقال: "نعم" كلمة واحدة لم يزد حرفاً عليها. إن محي الدين بقدر ما هو نشيط بارع في أيِّ عمل يقوم به كان قليل الكلام، وجيء بخزنة ففوجئت هي الأخرى. تسمَّرت قبالة أبيها، ونكّستْ رأسها ولم تنبس ببنت شفة. قال:
- خزنة يا بنتي تكلمي. قولي ما شئت فالرأي رأيك.
- كما تريد يا أبي.
- أريد كلمة نعم أو لا.
- نعم.
وهربت، واتفقت العائلة على خطبة فاطمة بنت عبد الرحمن لإسماعيل أبوها رجل شهم من إحدى العائلتين الدينيّتين المعروفتين، وقام عرس العائلة التاريخي سبعة أيام كاملة، دعي إليه عدد من الوجهاء والأقارب من النبك ومن سائر قرى المنطقة. وسال دم الذبائح قيل ثمانية وعشرون وقيل ثلاثون، وقرعت الطبول وعزفت المجاوز وتراصَّتْ صفوفُ الدبكة في الأصائل وعقدت حلقات الرقص في المساء، وسار في جيرود موكب العرس في دورة بسلسلة موصولة من العراضات وركب على ثلاثة أفراس مزينة العرسان والصبي الذي ألبسوه ثوباً أبيض مطرَّزاً وكوفية وعِقالاً مقصَّباً.
ومنذ العام 1940 بدأ السباق في إنجاب الأولاد بين أمينة وخزنة وفاطمة (الكنّة) ورزقت العائلة بصبحية من أمينة وسعيد بِكر فاطمة ومحمد خير بِكر خزنة.
وأولع الصهر محي الدين بابن حميه يضعه أمامه على الإكديشة ويأخذه معه أينما ذهب، يغني له ويروي بعض الحكايات. وعندما بلغ الخامسة أُرسل إلى "الكُتّاب" شأن جميع أبناء جيرود فاختارت أمُّه "شيخة" من أصل "نبكي" مثلها. كان المتعارف عليه في جيرود أن يقول الأهل للشيخ "لك الهبر ولنا العظم" عندما يسلِّمونه ابنهم، بمعنى اضربه مهما ضربته المهم أن يتعلّم ويبقى على قيد الحياة. أما أمينة فقد حَذَّرت "الشيخة" وكم كانت قاسية! ألا تمسّه بيدها، وأن ترعاه لا تنتهره ولاتترك أحداً يحاول أذاته. فكانت الشيخة تضعه في حضنها وهي متربعة وقد سهَّل مهمتها أنه ختم القرآن خلال أربعة أشهر.
طلب محمد من هزيم والشيخ عبد العلي أن يُجريا له اختباراً فأدى أول امتحان في حياته متهيِّباً وإذا بهزيم والإمام يعلنان نجاحه ويشيدان به عندئذٍ لعلت زغاريد النساء ووزعت الهدايا والنقود وكوفئتْ "الشيخة" مكافأة لم تكن تحلم بها، وأقيم احتفال كبير ذُبحت فيه الذبائح للضيوف والأتراب من الأطفال، والمعتفين.
ذات أصيل عاد محمد من دمشق ودخل الدار مبتهجاً ومعه اثنان يحملان صندوقاً خشبياً كبيراً وُضع في المضافة فتجمع أهل الدار ينظرون مستطلعين. ونادى على إسماعيل ناوله ورقة وقال له "خذ إقرأ هذه الورقة وافتحه ودبِّره" وخرج.
رمى إسماعيل الجميع بنظرة زاجرة ملأت قلوبهم بالرهبة وأشار بيده أن اخرجوا فخرجوا مذعنين ساخطين وراحوا يختلسون النظر بفضول من الباب والنوافذ. فأطبق الباب بانزعاج وأرخى الستائر، تركهم يتحركون جيئة وذهاباً بين أجزاء الدار يغلي فيهم الفضول حتى سمعوا صوت الغناء والموسيقا فتكوَّموا على باب المضافة ذاهلين وإذا بإسماعيل يفتح الباب فلفحتهم صورة وجهه يتبسم متباهياً وقال "ادخلوا" طالعتهم خزانة صغيرة بارتفاع زنّار إسماعيل فوقها جهاز "بيك أب - غرامافون" عليه أسطوانة تدور فيخرج الغناء والموسيقا من أذن نحاسية صفراء فتحتُها واسعة، فأقعَوا حواليه ذاهلين. قال إسماعيل "هذا اسمه صندوق سَمَع". جعل هذا الصندوق وزن الدار يثقل في عيون أهلها ويملؤهم مرحاً فوّاحاً. ثم نقله إسماعيل إلى ساحة السلملك وأطلق صوته فتدفق أهل الحيّ وركنوا قريباً منه يصغون إلى الغناء والموسيقا مشدوهين وكلما صمت الجهاز يقلب إسماعيل الأسطوانة أو يبدِّلها هو وحده وليس مسموحاً لأحد أن يمسه برأس أنملته.
في المساء دخلتْ خزنة على أبيها قلقة متوترة:
- أبي أذنّ المغرب ولم يأت محي الدين.
- انتظري حتى يؤذن العشاء.
وأذن العشاء، وغَلتِ النار في قلوب النساء، وهرعت خزنة إلى المضافة هلعة.
- أبي أذن العشاء.
- أين إسماعيل؟
فأرسله للتأكد على محي الدين ولسببٍ ما طلب مني إسماعيل أن أرافقه. تأكّد اسماعيل من مصباح الدراجة وعجلاتها وأردفني وراءه قائلاً "تمسك بي جيداً" وعندما وصلنا إلى القادوس واتخذنا الطريق الضيق المحاط بجدارين جانبيين نعبر المنعطفات الخاوية يلفنا صمتٌ ثقيل مرعب، وعند شجرة التوت التي يُقال إن الجن يعششون بين أغصانها ليلاً تقلقلتِ الدراجة تحتنا حتى كدنا نطيح على الأرض. ثبّتَ اسماعيل قدميه وتوازن وقال لي مؤنباً "ثبّتْ نفسك جيداً كدتَ توقعنا على الأرض" فابتلعتُ دهشتي لهذا التأنيب، وانعطفنا يساراً باتجاه "توت الحشّاش" وقبل وصولنا إلى شجرة الجوز الهرمة "المسكونة" التي تبدو في الظلام قبة سوداء. توقف اسماعيل وأشعل "سيكارة" وقال متذمِّراً "ما أشدَّ بلادتك يا محي الدين. ماتُراك تفعل حتى الآن في البرية؟" وأطفأ السيكارة وتابعنا حتى وصلنا إلى البرية المنفلتة، ووقفنا في أول مزرعتنا. قال إسماعيل بضجر "هانحن وصلنا أين محي الدين" وراح ينادي، ويضيء مصباح الدراجة ويوجهه إلى عمق أرضنا بلا جدوى. أشعل (سيكارة) وابتلع مجّة من الدخان ثم كرر النداء، وكرر إضاءة مصباح الدراجة وقال ممتعضاً "قمنا بما علينا" وامتطى الدراجة وقال لي بحسم "اصعد"
نامت العائلة على قلق شديد "أين محي الدين؟ " "كيف اختفى محي الدين؟" وهمسات ذعر "هل أكلته الضبع لاسمح الله" لكن خزنة وخالتي مريم كانت كل منهما تكبوا جالسة، وتنجذب مذعورة حتى سرقهما النوم.
في صباح اليوم التالي وأبي يتهيّأ للذهاب إلى الدكان فُتح الباب الكبير ودخلتِ الإكديشة بلا برذعة ووراءها محي الدين. هبَّ الجميع يحفون به مشدوهين سأله أبي:
- أين كنت؟
- فكّت الإكديشة قائمتها من الحبل وهربتْ. تبعتها لأمسكها، وكلما اقتربتُ منها تخبّ هاربة حتى وصلت إلى الناصرية، ثم صعدت إلى "حاجولة" وتخطَّتْها متابعة طريقها باتجاه النبك تقفز عن الأرض كانها مشتبكة في مطاردة واختفت من أمامي. تابعت طريقي إلى النبك فأدركتُ أنها لا بدّ أن تكون في بيت "أبوسعيد" الذي اشتريناها منه.
أزمع أبي الذهاب إلى الشام فألحّحتُ عليه أن يأخذني معه فوافق، قفزتُ عن الأرض أكاد أطير من الفرح، وأدخلتني أمي الحمام و(كوت) أختي الكبرى ثوبي الأبيض الجديد (الجلابية) ومشطت لي شعري، ومشيت مع أبي ومرافقيه إلى (البوسطة) وعيون أترابي تتكسر على زهوي.
لم تكن المرة الأولى التي أزور فيها دمشق وثارت فيّ أحلام الرفاهية: (الفلافل) و(العوامة) و(لحمة الرأس) و(الكباب) وخبز (الطابون - السندويتش) الطريّ و(شراب السوس) و(التمر هندي) و(ماء الفيجة) الرقراق البارد من صنبور (جامع المعلق) وغفوت حتى أيقظتني عند (جسر تورا) أصوات مختلطة: أجراس الترام تقرع أذنيّ برنينها النحاسي ففغرتُ فمي وأنا أرى الترام ينساب على السكة وتذكرت يوسف الذي كان يسألنا: "ماالفرق بين الترين والحمار؟" وعندما نعجز يقول "الترين ذَنَبه إلى الأعلى والحمار ذَنَبه إلى الأسفل". ودخلنا (مزّ القصب) والنجارون منهمكون بصنع السلالم الخشبية وعصيّ الأدوات الزراعية، والحمالون يمخرون الطريق هذا بحماره وآخر (بكرّاجته) وهي عربة بلا عوارض يجرها حصان أو أكثر بحسب ما يُحمّل عليها، والبائعون الجوالون يعلنون عن مبيعاتهم:
- إبر، خيطان، شكّالات دكك..
- حمرة وريانة يابندورة.
- حموي يامشمش.
- والله مابلبلته بلبل حاله هالخيار)
وابتعلتني الشام: دراجات عادية تتلوى في الزحام، ورجل يعتمر (الطربوش) الأحمر والقنباز الحريري، ورجل حاسر الرأس يرتدي بنطالاً مشدوداً بحمالات إلى كتفيه، ونساء يلتففن بالبراقع السوداء... وطفقتُ أعيش الحلم مجسداً، أعيش طقساً كأنه العيد.
ترجل أبي من (البوسطة) على عجل ومضى مع مرافقيه عبر (المناخلية) (فالعصرونية) (فالبزورية) يتسوق ويجمع البضائع وأنا أقّلب ناظريّ فيما حولي ذاهلاً، أمام باب المسجد الأموي المطلّ على (المسكية) وكأن كل كتب الدنيا تتكدس فيها، كاد التعب يهدني فاشترى لي أبي كأساً من شراب (التمرهندي) البارد احتسيته فأحسستُ بالانتعاش، وعندما ولجنا (سوق الحميدية) رأيت دمية عبد أسود يعتمر طربوشاً أحمر جالساً على قرص كهربائي يدور به يميناً ويساراً وقفتُ أمامه منجذباً فشدني أبي من يدي "عجل لاوقت لدينا" مشيتُ معه لكنني توقفتُ عند (صالون البوظة) فدخل بي مكرهاً وجلسنا نأكل (السادة والمشكّل).
كلما زرتُ دمشق أشعر أنني أراها للمرة الأولى بواجهات محلاتها الزجاجية المتلألئة بألوانها الزاهية.. شعرت أنها ناعمة طرية لكنها غارقة في لجة من الصخب والزحام حتى في أزقة (حي العمارة) المتشابكة ككبة الخيوط، والمتسولون يقبعون في الزوايا كل يضع بجانبه منديلا مفتوحاً يحاول أن يستدرّ عطف الناس فيعرض عاهته ويطلق صوتاً ذليلاً كأصوات الباعة المتجولين، أعطاني أبي (فرنك) وقال: "أعطه لتلك المتسولة العجوز" ثم ولجنا سوق الطويل (سوق مدحت باشا) ورأيتُ البائعين في محلات بيع القماش يتربعون على مصاطب خشبية، وخلفهم بضاعتهم يستديرون إلى الخلف ليتناولوها ويعرضوها على زبائنهم الذين يجلسون أمامهم على كراس خشبية صغيرة - لقد استيقظت في نفسي هذه الصورة في الهند بأوائل التسعينات وأنا أرى أمثلة حيّة لها في بعض شوارع (دلهي) -.
في شارع النصر وقفتُ أمام آلة تصوير (على الماء) وأخذ لي المصور الأرمني صورة وأنا واقف بثوبي الأبيض أحمل بيدي سلة صغيرة.. ومع مرور السنين فنيت الصورة ولم يفن خيالها، ثم أخذني أبي إلى أحد المطاعم في باب الجابية لنتناول وجبة (الحلم) وهي (الكباب) المزين بقطع البصل والبندورة، والبقدونس، والملفوف بالرقاق الأبيض (الخبز المشروح).
اشترى لي أبي كلّ ما اشتهى من قطع الحلوى وكؤوس الشراب حتى رأيت دكاناً تبيع قوارير صغيرة فطلبتُ شراء واحدة. قال "هذا كازوز لاتستطيع أن تشربه" لكني أصررت فاشترى لي قارورة بنصف ليرة! وعندما تذوقتُها أحسست بالاشمئزاز فوبخني وأعطاها لأحد العابرين.
دمشق لاسماء لها، لقد أخفتها البنايات العالية وسقوف الأسواق ورصت بناءها بعضه إلى بعض بالأزقة والمعابر الضيقة (المسقوفة!) فبدتْ لي على رحبها منكمشة على نفسها كأنها متمنِّعةٌ على اللمس.