الفصل 9

11 0 00

ذهبنا إلى دمشق مجموعة من الطلاب الجدد والراسبين لتقديم امتحان الكفاءة وقادنا محمد عبد الوهاب إلى فندق "أبي الفداء" في الحريقة لأن فندق "زهرة الربيع" في حيّ العمارة أُقفل. كنا ثمانية فأُعطينا غرفتين، وكان من نزلاء الفندق مغنية تدخل دخول النجوم، وتخرج خروج النجوم لاتحيي أحداً ولا تردّ على تحية أحد، تعمل في سينما النصر أثناء الاستراحة بين فصول المسرحيات الهزلية التي تتناوب على عرضها بعض الفرق "عبد اللطيف فتحي" و"سعد الدين بقدونس" و"محمد عبده" وكان جمهورها الصاخب من ناس الحضيض الوافدين للعمل في دمشق. وشابة سمراء جميلة قصيرة منمنمة البنية همس ابراهيم نادل الفندق أنها تعمل "مومس حرة" وأخرى شابة حمراء رشيقة ترتدي بنطالاً وقميصاً وشعرها قصير قريب من شعر الفتيان قال إبراهيم إنها تعمل مومساً في "دار البغاء" وهي الآن في إجازة ولم يكن لدينا من استجابة سوى الدهشة والإحساس الدفين بمزيج من الاحتقار والأسى على تردي مثل هؤلاء النساء. أما انكماشنا عنهن فإن لم يكن بسبب الحشمة فبسبب أن ما يحمله واحدنا من النقود لايزيد على إجرة الفندق وقيمة "عرائس" الفلافل.. إلا محمد عبد الوهاب الذي لايزيد علينا إلا جرأة هلامية تشبه الوقاحة. كان من نزلاء الفندق رجل دين اشتبك محمد معه في النقاش وكان كعادته يحبُّ توكيد نفسه بالأفكار المناقضة لمحدِّثه. قال لرجل الدين فجأة "أنا ملحد" انجذبنا مأخوذين بيد أن الشيخ تبسّم وبدا أنه مثقف. سأله:

- هناك كَوْن وهناك نظام أيهما وُجد قبل الآخر؟

- الكون.

- لا.

- النظام.

- لا. مامعنى أن يكون الكون بلا نظام؟ وأن يكون النظام بلاكون؟

- الاثنان معاً.

- حسناً. من الذي خلق الكون والنظام؟

- المصادفة سؤال: إذا كان كلّ شيء مقدراً والإنسان مسيَّراً ألا يعني هذا أن الله ينحاز إلى عبادٍ قَدَّر عليهم الإيمان ودخول الجنة، وآخرين قدر عليهم الكفر ودخول النار؟

- الإنسان مخيّرٌ بقدرته مسيَّرٌ بقدرة الله.

- هذا يشبه كلام الذين يتحايلون على القانون.

- حسناً هل العاهرة الساقطة التي تبيع نفسها بمنتهى إرادتها..؟

فتدخلتْ المومس الحمراء التي كانت تصغي إليهما مستندة إلى الجدار مقاطعة "شيخي هذا قَدَرٌ من الله لامفرّ منه" فتصدى لها الشيخ محتدّاً "اسكت أنت ياولد" فانفجرنا بالضحك جميعاً وحملق الشيخ مشدوهاً مستنكراً وخلال لحظات لم يبق في الردهة سواه.

كان مركز امتحاني في القنوات، وكنت أخرج يومياً من الامتحان إلى مئذنة الشحم عبر سوق الحميدية والبزورية أبحث بعينين لاهفتين وأدخل إلى حارتها "بديعة" وألمح من بعيد النوافذ المقفلة وأعود كمن يسير بلا قدمين ولا ذاكرة إلى مقرِّ جريدة "ألف باء" وسعيد ربيع يتصدر مكتب رئيس التحرير سألته:

- ماذا تعملُ بالتحديد؟

- محرر.

- أقطع يدي إن كنت تستطيع كتابة عشر كلمات بلا أخطاء.

أخذني إلى عيادة طبيب وتسلل بي إلى غرفة الانتظار ليريني شابة قصيرة كالحة الوجه على عينيها نظارات سميكة ينوي أن يخطبها فقدمني لها وقال "هذه خولة" وإذا بها لبقة مهذبة حلوة الكلام.

ذات أصيل تواعدنا أن نخرج من الامتحان إلى حديقة السبكي ندرس ونتمشى ففوجئ بنا "ذيب العتر" وفوجئنا به. جندي إذا عَقدَ شجاراً مع مدني يُخرج زناره الجلدي ويهاجمه وخلال لحظات ينضم إليه عددٌ من الجنود ويفتحون معركة لاتنتهي إلا بطحن الخصوم ومداهمة شرطة الجيش فيولي الجميع هاربين. رحبّ بنا ذيب وقال "سآخذكم إلى أماكن يستحيل عليكم أن تروها وحدكم"

مضى بنا إلى منطقة البرامكة وكانت قاعاً صفصفاً ليس فيها سوى بعض البيوت المتفرقة وبعض الدكاكين وجلسنا على كراسي نتحلّق حول عربة الشاي وكان يجلس في الزاوية عريف في الجيش ومعه شاب آخر يتبادلان امتصاص دخان (السيكارة) الموضوعة بمبسم منمنم تفوح منها رائحة غريبة مختلطة بدخانها. غمزنا ذيب بعينه هامساً "يتعطيان الحشيش" ثم سألَنا "من يعرف منكم بين النهرين؟" أجابه محمد عبد الوهاب متباهياً "في العراق بين دجلة والفرات" فابتسم ساخراً وقال "امشوا معي"

دخلنا منطقة مظلمة بين البساتين لولم يكن ذيب معنا لما تجرّأنا على دخولها، وسمعنا بعد خطوات رجع كلمات وهمهمات فتقدّمَنا ذيب نحو مجموعة من الرجال رأيناهم يتكاثرون حول امرأة مشتبكة مع رجل قالتْ بصوت منزعج "أدخليهم أختي أم عدنان أنا تعبتْ" فأحسستُ بالغثيان، وانزويتُ جانباً أفرغ مافي معدتي. ثم مضى ذيب بنا إلى بناء مؤلف من طابقين قائلاً:

- هذه دار البغاء.

أحسسنا إحساس من يوشك أن يُلقى به في تنور ملتهب قلنا باصوات متفرّقة "لا لا " فرمقنا باستخفاف قائلاً لمحمد خضرة يقول خالك الشيخ عبد العلي "تعلموا السحر ولا تعملوا به" وتابع بشموخ "الشاب إن لم يحاول أن يعرف كلّ شيء فسعره بسعر الأبله الغشيم" فتصدى له محمد عبد الوهاب قائلاً:

- وإذا رآنا أحد ممن يعرفوننا من الكبار؟

- صدقني سيتوارى ويهرب.

- وإذا قال للناس إنه رآنا؟

- معنى ذلك أنه يفضح نفسه.

رأينا على الباب شرطياً من جيرود يدقِّق بطاقات الهوية للداخلين فانجذبنا وتوقفنا نهم أن نتراجع. قال ذيب "انتظروا" وتقدم من الشرطي صافحه وهمس في أذنه، ورفع يده يدعونا إلى الدخول. صافَحَنا الشرطي مرحباً وأشار لنا بيده أن ندخل.

إنه عالمٌ جديد. رجال يقتحمونه كالمستَلَبين، وسماسرة يحثون الناس بعبارات مسبوكة ونساء يعرضن لحمومهن مستسلمات يؤمنَّ بما سمعناه من زميلتهن في الفندق "هذا قَدَرُنا لامفرّ منه"

وعدتُ إلى جيرود وعند مدخل الحارة فوجئت بطلاع ومعه سعيد قادمين من نحو بيتنا جمدتُ مكاني مأخوذاً "إن هذا البوم ليس في جعبته سوى الأخبار السيئة. قال لي سعيد "صاحبك طلاع جاء يبحث عن عمل، وسآخذه معي منذ الصباح لتعبئة البطاطا. صافحني طلاع باندفاع وعانقني بحرارة والفرح يتلألأ على وجه أردفته ورائي على الدراجة ومضيت به إلى المزرعة قال:

- عندما ركبتُ في باص جيرود سألتهم عنك فرحَّب بي المعاون ورفض أن يأخذ مني إجرة، وعندما ترجلنا نادى على ولد وطلب منه أن يدلّني على داركم.

- أقفل فمك ياطلاع حتى نصل إلى المزرعة. أريد أن أعرف بالتفصيل ماذا حلَّ بجُلنار.

- أخباري كلها جيدة اطمئن.

جلسنا على حافة المسطبة وأخذ مصطفى يعدّ لنا الشاي. قال طلاع:

- يجب أن تعطيني حلوان.

- تكلّم مباشرة ماذا حلّ بجلنار؟

- جلنار؟ حبسها أهلها في الدار ثم زوجوها غصباً عنها لرجل فوق الخمسين ضرةً على زوجتين.

- تركماني؟

- طبعاً. وكم فرح أهلُك؟

- بماذا؟

- بزواج جُلنار وخلاصِك من مشاكل أهلها. وقلتُ لهم إنك كنتَ تريد أن تتزوج ظبية فنصحتك بالابتعاد عنها ففرحوا أيضاً، لكن أمك غضبت على الصينية المعرّقة لأن عطا الله أخذ أغراضك كلها وباع بعضها واحتفظ بالباقي ليستدّ دينه منك.

صعقني هذا الأبله، ولاك لساني شتائم مقذعة أزمعتُ أن ألطم وجهه بها لكني تمالكتُ نفسي. قال طلاع متوجِّساً:

- أراك زعلت؟

- والله لو قلت لي إن جميع تركمان الكرة الأرضية يلاحقونني لكان أهون عليّ من أنك تباسطتَ مع أهلي ورويْتَ لهم كل أسراري.

قال بحماسة:

- فرحوا. أتعرف ماذا قال أبوك لأمك؟ قال لها يجب أن نزوجه بأقرب وقت حتى لايتورط مثل هذه الورطات.

- والله لولا أنك ضيف لكنت حفرت قبرك ودفنتك هنا يا غبي يا أجدب. قم. قم انصرف من وجهي واذهب إلى بيت عمي.

عدتُ من المزرعة أتهيأ لاشتباك مع أمي وأبي. دخلتُ دار خزنة أستطلع فوضعت أمامي طبقاً من "الكبة الحيلة" قائلة "يشهد الله أنني تركته خصوصاً لك لأنك تحبها. كل يا أخي محلّ مايسري يمري" وفي المساء كان "لابدّ مما ليس منه بدّ"

عدتُ ألى البيت فألفيتُ أمي وابي مستنفرين قال أبي بحزم "اجلس" جلست. سألني بلا مقدمات"ما رأيك بحليمة بنت فضيل؟" تدخَّلتْ أمي قائلة " قالتْ لي أمها خذوها بثيابها وذهبها"

- أنت مقتنعة بها أمي؟

- بعد ماسمعت نعم.

- ولكنها أميّة كالحة.

قال أبي بانزعاج:

- وهل اللواتي كنت تريد أن تخطبهن بلابل في القراءة والكتابة؟ هذه على الأقل نعرف أصلها وفصلها.

- أنا أرفض.

- ونحن سنخطبها لك غداً.

ومنذ صباح الغد تسلَّلتُ إلى دمشق أحس أن العالم مطبق على صدري هذا العالم الذي يسير مجانباً كسرطان الماء ذي الذراعين اللتين تنتهي كلٌّ منهما بإظفرين غليظين حادين كالكُلاب كثيراً ما نراه في حثالات الماء في جيرود ويسمونه (السُّلْطعان) ويقولون "إذا أمسك بذراعيه أحداً لايفكُّه إلا إذا صعد الحمار إلى المئذنة؟ " أفكر بهذا الغبي طلاع الذي عبَّر لي عن إخلاصه بأسوأ مايكون التعبير أفسد علاقتي بأمي وأبي.

ذهبتُ مباشرة إلى محاسب المعارف واقتضيتُ آخر رواتبي (350) ليرة سورية وضعتها في جيبي وكأنها ثروة باذخة. كان أبي يستلم رواتبي ويحاسبني على القرش ليس عن بخل وإنما بسبب ضيق الحال. كان يصرّ أن أسجل له عندما أذهب إلى دمشق لاستلام الراتب أو لأيّ سبب آخر مصروفي على ورقة "لابأس: اكتب أجرة المقهى، أجرة باص، ثمن سندويشة... كلَّ شيء وأعطني الورقة لأراها" كان يريد أن يعوِّض ولعه بالتجارة بتلك التُّرَّهات. وإذا اهترأتْ ثيابي واضطررتُ لشراء قميص أو بنطال أو حذاء يذهب معي بنفسه يترك لي خيار الانتقاء ويساوم البائع حتى يُضجره أما الحذاء فيجب أن يكون بنيّاً كان يكره الأحذية السوداء لمّحتُ له "أنا معلم" وثيابي بدأت تتهرّأ يجب أن أشتري ثياباً لائقة فقطب واستنكر واضطرني أن أكذب: اشتريتُ بنطالاً وقميصاً وحذاء بحوالي العشرين ليرة اقتطعتها من الراتب وقلت له "هذا كل راتبي" وخبأتُها في بيت أختي أرتديها عندما أذهب إلى عملي وأعيدها قبل عودتي إلى البيت. وبقدر ما كنتُ أحس بالقهر وبما يشبه الذل كنت أحس بالإشفاق عليه "ما كان هذا أبي"

اشتريتُ الآن طقماً كاملاً بخمسة وسبعين ليرة واشتريتُ محفظة من الجلد الصّناعيّ وتناولت وجبة غداء كباباً مشوياً ومسبَّحة. أحسستُ كأنني مارستُ الفجور وأنا متجّه إلى بيت أختي الشقيقة الكبرى. أخبرتها بماجرى بين وبين أمي وأبي، وطلبت من زوجها أن يدبِّر لي عملاً. قالتْ أختي:

- لا. أرجوك يا أخي عد إلى أهلك أبوك بحاجة إليك.

- وأتزوّج حليمة بنت فضيل!!!؟

- أبوك يا أخي مريض وكل مُناه أن يزوِّجك ويرى أولادك قبل أن..

وأخذتْ تنتحب. فقال زوجها بحماسة:

- قم معي قم. على علمي أن فايز بك بحاجة إلى شاب نشيط.

قالت أختي مستنكرة:

- لا لا

- اسمعي يا أختي إما أن يدبر لي هذا العمل أو أطفش إلى مكان لن تعلمي به أنت ولا أهلك.

رحب المتعهد بي وقال إنه سيسلمني مكان ابنه إبراهيم مشرفاً على دوام العمال في طريق يعفور واتفقنا على مياومة بخمس ليرات أي مئة وخمسين ليرة شهرياً. وقال لنائبه أبوهيثم "خذه معك في الصباح وسلِّمه جداول العمال" وقال "أنا أحبّ الدقة في العمل".

اشتريت نظارات شمسية جديدة ومضيتُ إلى بيت أختي أرقص وأغني وجلس زوجها يحس بالانتصار ويصفق معي. أعطيتُها مئتين وخمسة وعشرين ليرة، وقلتُ: "أرسلوها غداً لأبي واحذروا: إذا علم أين أنا فسأطفش بالتأكيد إلى لبنان ولن يراني أحدٌ منكم بعدها" قالت أختي باكية "وفّقَك الله ولكن لاتنس أهلك"

في الصباح المبكر ركبتُ إلى جانب أبي هيثم بالشاحنة الصغيرة "البيك آب" ورحتُ أنظر إلى ملامحه الصارمة؛ عينان زرقاوان حادتان دقيقتان وشعر أشقر كثيف ووجه لوحته الشمس متوقِّعاً أن يكون نَفوراً وسرحتُ أراقب شجر الحور على ضفاف بردى وأتنشق الهواء الرطب المنعش. سألني أبوهيثم:

- أنت من جيرود؟

- نعم. كيف عرفت؟

- أبوعاطف صهرك يقال إنه متزوج من عائلة محترمة موسرة من جيرود.

- كانت موسرة.

- العمل شرف للشاب.

وكما يقال "مفتاح الحديث كلمة" أخذ أبوهيثم يحدثني عن نفسه. بدأ العمل عند فايز بك بالحفريات، ثم رقّاه إلى رئيس ورشة ثم صار ينوب عنه في المشاريع يثق به أكثر من ابنه ابراهيم. توقف في دمر وسألني قبل أن يترجّل:

- ألا تشتري ما تحتاج من مواد غذائية؟ أنت ستنام في المشروع.

- طبعاً.

- تفضل معي.

وتابعنا على طريق بيروت صامتين. يقال "إن القلوب قد يتنافر ودّها أو يتآلف منذ اللحظة الأولى" فأحسستُ أن بوادر الأُلفة بدأت تربط بيننا مثل بذرة انشراح وتفاؤل وأن حياتي تتجدد وتتبلور.. وانعطفنا إلى المشروع على بعد حوالي العشرين متراً من الطريق العام فرأيت العمال منتشرين في ورشات على طول الطريق المؤدي إلى يعفور سلَّمني أبو هيثم جداول العمال قائلاً "من المفروض أن تتفقّد العمال بعد بداية الدوام وقبل نهايته وفي أي وقت آخر تراه مناسباً وأقترح أن تبدأ مرة من أول المشروع ومرة من آخره" وسلَّمني (براكة) من الخشب والتوتياء فيها سرير بجانبه نافذة خشبية تطل على الورشات وطاولة صغيرة للكتابة وأخرى أكبرعليها بعض أواني الطبخ والشاي و(بابور) كاز وجرة ماء وطاسة للشرب وزير للغسيل على قاعدة، وفانوس للإضاءة وقال "انت محظوظ هذه كانت لإبراهيم بن فايز بك" وخرج.

شعرتُ كأنني في جزيرة منفيّة تتفرد بعالمها الزخمٌ المجلو بشمس صادقة الشعاع معطِّرة بالعزلة منقطعة عن عالم بني آدم الذي تركته وراء ظهري بأحلامه وخيباته. تفحصتُ جداول العمال وهي لأربع ورشات حملتُها وأقفلتُ الباب ومشيتُ إلى العمل أتعثّر بارتباكي متهيِّباً أنني أمارس عملاً كبيراً يتطلّب الحكمة والدراية واليقظة فشددتُ همتي. وعندما مررتُ ببراكة أبوهيثم استوقفني قائلاً "أعطني مفتاح البراكة سأرسل بنتاً لتنظفها وتؤمن الماء وتحضر طعامك"

بدأتُ بورشة الإسفلت فحياني رئيسها أبو حسن وعرفني على العمال ومعظمهم من الصبورة ويعفور. ثم انتقلتُ إلى ورشة فرش الحصا والرمال ومعظمها من الرحيبة فاستقبلني رئيسها أبو سعيد بحرارة. وعندما وصلت إلى ورشة رصف الحجارة (البلوكاج) لوّح الجميع بأيديهم وتهللوا وهتفوا ففوجئت أنهم من جيرود فعرتني قشعريرة جعلت الشعر ينتصب في رأسي. وتقدم مني رئيسها بدر الدين قائلاً "نحن نرفع رأسنا بك" فأحسَسْتُ من حيث لا أشعر أنهم أهلي الحقيقيون. وإذا بشاب مغبرّ الوجه يلفُّ رأسه بشماغ يتراكم عليه الغبار يتقدم مني. صافحني بحرارة: خالد جاموس كان زميلي في المدرسة وكان معنا في فريق كرة القدم رغم أنه بطَّل منذ الصف الرابع ليساعد أباه في نحت الحجارة قلت له "يجب أن أراك كل يوم ياخالد".

في ورشة الحفريات رأيت أبا شفيق في نحو الستين من العمر أبيض الوجه أشيب يرتدي بنطالاً وسترة (جاكيت) وعلى رأسه كوفيّة وعقال يتحدّى الكهولة بظهر مستقيم. حيّاني بإيماءة عابرة وظلّ منهمكاً في قراءة مخطط الطريق ورسم حدوده وحواشيه وضبط ميوله وبين يديه عدد من العمال ينتظرون أوامره. وما اعتداد أبوشفيق بنفسه إلا لأنه الوحيد في المشروع الذي يتقن هذا الاختصاص، والوحيد الذي يعرف استعمال الأدوات الهندسية (الجالون والنبليت) بل لأن أمثاله في البلد نادرون يتسابق المتعهدون لإغرائهم بأفضل الأجور. ورشة الحفريات عمالها من الديماس ووادي بردى حياني رئسها أبوعلي وقدم لي كأساً من الشاي. جلست أنظر إلى النساء يغطي الغبار وجوههن الكالحة وحواجبهن ورموشهن وأيديهن المخرشة يحملن قفف التراب والحجارة وسطول الماء يتحدّين التعب والقهر برشاقتهن تارة يرفعنَ رؤوسهن كالأفراس الأصيلة وتارة تلوي المشقة بأعناقهن فيكشرن متصديات للقمة العيش بصبر يذيب الحجارة تعمل إحداهن جنباً إلى جنب مع رجلها زوجها أو أخيها أو أبيها لكن هذا لايعفيها من الطبخ وغسيل الثياب. ولئن كان قدرهن قاسيأ فإنه ليس برحيم على رجالهن. إن أرواحهم جميعاً رجالاً ونساء وأطفالاً تسيل على صخور القدر بهفوة جماعيّة واحدة هي الحصول على لقمة العيش. ورأيتُ شاباًً قادماً من خارج المشروع يحمل جريدة يريها لأبيه وأمه فتنطلق الزغاريد والهتافات. قال لي أبوعلي "يبدو أن ابن عبد الله نجح بالكفاءة هنيئاً له لقد نجّاه الله من هذا القهر الذي نعيشه. طلبت الجريدة وانزويت أبحث عن اسمي بين طلاب الدراسة الخاصة فلم أعثر عليه. تجلّدتُ وقرأته مرة أخرى فأيقنتُ أن الرسوب صار عادة تلازمني وأنني صرتُ مفرَّغاً من داخلي كالطير المحنّط المحشوّ بالقش.

مضيت إلى البراكة وجرحي ساخن نازف لا ألتفتُ إلى أحد ولا أحيي أحداً لقد أدمنت الرسوب وليس أمامي سوى التوقف عن الدراسة. إنني أسخر من نفسي أتقدم كلَّ عام إلى الامتحان بلا استعداد كاف ولا ثقة بالنفس إلا ذريعة أنني قويٌّ بالمواد الهامة العربي والانكليزي والرياضيات ولم أَتَرَبّ أن كل المواد تؤهل للنجاح أو تمنّي بالرسوب. دخلتْ البراكة سارحاً ففوجئت بفتاة تفاجأت بي هي الأخرى فجمَّدتِ الوهلة كلينا وأزاغت نظراته لحظات لكن الفتاة بدت أكثر ثباتاً. ابتسمت مرحبة بي "أهلين أستاذ" ولستُ أدري ما إذا عرفت نتيجتي بماذا تخاطبني، وقالت بولاء "نظّفتُ كل شيء ورتبتُه وملأتُ الماء. أتمنى أن يعجبك عملي" وعندما رأتني أقف جامداً ارتسمت على وجهها ابتسامة مجاملة راغت عنها تحس بالخيبة وتشاغلت بمتابعة عملها.

جلست على الكرسي سارحاً غاطساً في همومي متوثِّباً كأنني خارج من شجار. سألتني "هل تريد أن أعدّ لك الشاي أم أبدأ بالطبخ؟ "قلت ضائعاً "نعم؟" فأشعلت الموقد وبدأت بإعداد الشاي تتمالك نفسها بأصابع مخشوشنة رشيقة. فابتلع هدير الموقد هواجسي. ورحت أختلس النظر إلى جسمها الرشيق ووجهها المُغْبَّر وثيابها الريفية المهلهلة فواجهتني بعينين عسليتين صافيتين قائلة:

- كأني أراك منزعجاً غاضباً.

- مااسمك؟

- راجحة.

- من أين أنت؟

- من ورشة الحفريات.

فابتسمت قسرياً وإذا بها تحس بشيء من الحرج. قلت مازحاً:

- وقبل ورشة الحفريات؟

- فهمتُ قصدك. أنا من الديماس. هل تحبّ الشاي ثقيلاً أم خفيفاً؟

- ثقيلاً جداً.

وفيما تابعتْ راجحة إعداد الشاي أيقنتُ ضرورة أن يكون للرجل امرأة هي التي تشعره بأهميته سواء أكان في القمة أم في الحضيض وأن جمال المرأة الحقيقي هو فيما وراء شكلها الظاهري رغم ذلك فأن راجحة لو اغتسلت في حمام دافئ لا على عتبة الغرفة، ولبستُ ثوباً يلف بدنها ويعبِّر عن نهديها البارزين وخصرها النحيل، وسرّحتْ شعرها الأشقر لبدت كأميرة. وما أنوثة المرأة وصوتها العذب ونظراتها الحالمة إلا جرعات من ماء الحياة السرمدي. وضعتْ راجحة إبريق الشاي أمامي مغطّى بمنشفة وقالت" الشاي جاهز أأصبُّ لك؟" صببتُ قليلاً في الكأس ونظرت إليه وتذوَّقته. سألتني:

- أعجبك؟

- جداً. سلمت يداك

- ويداك. متى تريد أن أطبخ لك؟

- ليس بعد.

- أتريد شيئاً الآن.

- نعم لا أريد أن أشرب الشاي وحدي. اجلسي.

جلستْ على حافة الكرسي بشيء من الحذر والاحتشام وصبت كأسين قدمتْ لي واحدة "تفضل" ورشفت من الأخرى ووضعتها أمامها.

- هكذا كان يحبه أبي.

- كان؟

فانفعلتْ ببكاء قسري ولملمت آهاتها وابتسمت قائلة:

- أبي مصاب بالشلل.

- هل لك أخوة؟

- نحن خمسة صبيَّان راجح في الصف الثالث ورابح في الصف الأول وثلاث بنات بطّلنا جميعنا من المدرسة رابحة ومفيدة تساعدان أمي في البيت إنها لاتستطيع التحرك من جانب أبي وأنا أعمل هنا في المشروع مع بيت خالي أساعد أهلي.

- كم هي أجرتك؟

- يعطون الرجل ثلاث ورقات والحرمة ورقتين.

- أبوك ماذا كان يعمل؟

- ابي كان معلم أجرته أكثر من ست ورقات.

- جهزي الغداء راجحة ريثما أعود.

- ماذا تريد؟

- أيّ شيء.

وخرجتُ إلى مكان يطل على المشروع فرأيتُه مثل الغباشة. بيد أن راجحة فرّجت عن همومي وأعجبتْني ببسالتها في مقارعة الحياة. وغدت بديعة بعد هذا الرسوب نجمة كلما حدَّقت إليها تضاءلتْ وازدادت إيغالاً في حضن السماء. يجب أن أنساها وأجتثّ هذا الحلم من وجداني وأتشبّثُ بواقعي الحقيقي ولكأن الأحلام هي التي تذروني في الهباء لكن مشكلتي ستبدأ عندما أعود إلى جيرود راسباً مأفوناً مهيض الجناح. رجعت إلى البراكة متثاقلاً أداوي هذه الجروح بعيني راجحة الصافيتين. فشممتُ رائحة أسالت لعابي. بادرتني راجحة:

- طعامك جاهز وما زال ساخناً. هل تريد شيئاً آخر؟

- نعم أن نتغدى معاً.

فجفلت كالفرس الشقراء الرهيفة تقول:

- شكراً شكراً ألف صحة وعافية.

- راجحة إن لم تتغديّ معي سألقي الطعام من النافذة.

- لماذا تحرجني؟

وعندما رأتني مقطباً مصراً وضعت الطعام على الطاولة وجلست على حافة الكرسي تشاركني مشاركة رمزية.

- راجحة هل أنت مخطوبة؟

- ومَن لأهلي؟ وأنت؟

- أنا فقير يا راجحة.

- أنت معلِّم المعلمين هنا.

- لكنه عملٌ إضافيّ مؤقت.

- هل لك عمل آخر؟

- معلم مدرسة.

- وتأخذ معاشين؟

أومأتُ برأسي أن نعم. قالت بإعجاب:

- يخزي العين. وتقول إنك فقير؟

- أساعد أهلي يا راجحة.

قالتْ وهي ترفع الطعام:

- معناها أنت مُرضي. متى تريدني أن آتي؟

- منذ بداية الدوام وحتى نهايته.

- وال وال والورشة؟

- إذا أزعجك أحد بكلمة واحدة فسأقص لسانه.

فحرَّكتْ راجحة رأسها وعينيها حركة ظبية، وحيّتني وانصرفت.

قمت بجولتي الروتينية المعتادة على الورشات وأنا بحالة انعدام الوزن حالة حيادية بلا أفكار بلا أحلام بلا هموم. أثناء عودتي تبعني خالد جاموس ومشى إلى جانبي معتداً "أنا مدعوم لا أحد يجرؤ على سؤالي لماذا أترك العمل كهذه الغزالة" وأشار إلى راجحة التي تمرّ قريبة منا مقطبة جادة.

- ماذا تُراها تفعل عندك طوال النهار؟

- لاشيء.

- كم قبلة قبلتها؟

- إخرس خالد.

- يعملن أنفسهن شريفات.

- قلتُ لك اخرس خالد. إنها منذ أن تدخل البراكة وحتى تخرج منها يكون الباب والنافذة مفتوحين طوال الوقت؟.

في المساء تصبح الحياة في المشروع بلون آخر تبدو عامرة حول البراكات في ساحة الإدارة تدلّ على نفسها بمواقد الطبخ وكؤوس الشاي وحبال الغسيل. وأبوشفيق جالس على طراحة بجانب إحدى البراكات يتكئ على حشيّة من قش يدخن الأركيلة ويشرب الشاي تحيط به بعض البنات يغنجن ويتحدثن بأصواتهن الناعمة تلقائياً فيذوب شعاع نظره فيهن.

قال خالد هامساً:

- انظر انظر هذا الكهل الماكر يكاد يأكلهنّ بعينيه.

- لعله يعشق إحداهن.

- بلا عشق بلا زفت. هذا فرغت بطاريته من زمان.

بعد صلاة العشاء ينطرح الرجال والنساء كلٌّ في براكته تمتصّ الغبطة شقاءهم بأن العمل متوفّر إلى حين بيد أن التوجّس من أنه سينتهى مهما طال يشوش هذه الغبطة، وينتهبهم الكرى حتى يوقظهم وهج الفجر.

سمعنا في إحدى البراكات صوت تمثيلية من تمثيليات أبو رشدي والقهقهات تعلو وتنخفض. سألتُ خالد:

- لمن هذه البراكة؟

- لعمال جيرود والرحيبة.

- عندهم راديو!؟

- امشِ معي.

وإذا بعلي حسوني على الباب يؤدي التمثيلية مقلداً أصوات الممثلين جميعاً فانسحبت قائلاً "دعهم حتى لا نفسد جلستهم" وتابعنا إلى البراكة. وعندما وصلنا دخل خالد وأخذ يراقب الزوايا، ووقف في إحداها والتصق بالجدار قائلاً:

- هنا تستطيع أن تعلق بها فلا يراك من الخارج أحد.

- أقسم لك لم أمسها ياخالد.

- إن الله يطعم الحلاوة لمن ليس له أضراس.

- زعلت؟ لا أحد كالعاشق يحب الكلام عن عشيقته.

- لكنها ليستْ عشيقتي يا خالد.

وحملنا كرسيين وجلسنا خارج البراكة. وأعدّ خالد الشاي وأحضره وفيما أخذ كل منا يحتسي من كأسه مرّ سائق الشاحنة يتأبط قدوماً، شعره أشقر داكن رأسه ولحيته مشعَّثان كأنه لايعرف المشط وموسى الحلاقة، والشعر على صدره وزنديه يجعله مثل الجدي.

- السلام عليكم.

- وعليكم السلام. تفضل.

جلس على حجر قريبٍ منا. سأله خالد:

- تشرب شاي؟

أخرج (البطحة) من جيبه وغبّ منها وتلمظ قائلاً:

- هذا مشروبي حليب السباع لا أشرب غيره. أنا اسمي علي السباعي من حمص.

- أعرفك ياعلي.

- من أجل الأستاذ.

- وأعرف أنك تزوجت مرتين.

- بل ثلاث مرات وطردتهن لأنهن تافهات. أنا احتقر النساء.

- في هذه السن لا ترغبُ في النساء؟

- من قال لك؟ أنا اصطاد كل يوم واحدة، آخذها من حضن صاحبها، واحدة تكفيني كل يوم. انظر هذا سلاحي.

وفيما أشهر القدوم سمع صوت منبه سيارة من جهة طريق بيروت فغمز بعينه ونهض بهمة وتسلل في الظلام. قال خالد:

- أتصدِّقه؟ الحمارة لاتقبل به. دائماً تفوح من فمه رائحة العرق والبصل والثوم، وجسمه نتن لايغتسل إلا كل ثلاثة أشهر. قم بربك قم لنكتشف كذبه.

تبعت خالد واندسسنا في الظلام نتسلل نحو بداية الطريق فقدمت سيارة ودارت تكمن في الزاوية. رأينا علي يتطامن بخفة متوارياً خلف الصخرة، وعندما أطفأت السيارة أنوارها وعمّ الظلام الداكن اقتربنا منه بضعة أمتار فرأيناه يرفع رأسه ويطل على السيارة ثم يختبئ، وأخيراً أضيأتْ أنوار السيارة فانبطح على الأرض حتى استدارتْ واختفى ضوؤها وعادت إلى طريق بيروت. تسللنا راجعين إلى مكاننا وعاد عليّ يحمل القدوم كما يحمل العسكري سلاحه وجلس مزهوّاً. كرع جرعة عرق وقال متباهياً:

- ملكة جمال قالت "دخيلك. خذ ماشئت ولا تخبر زوجي أنا زوجي رجل مهم لكنه يهملني"

- وحدها؟

- كان معها رجل عندما أشهرتُ القدوم هزّه الرعب ورفع يديه لا يجرؤ أن يفوه بكلمة واحدة. قلتُ له "اخرج من السيارة" خرج " قف هناك وأدر ظهرك وإياك إياك أن تلتفت إلى الوراء" ومددت رأسي من شباك السيارة قالت "دخيلك خذ ماشئت" أريدك أنت أنت فقط" وفتحت باب السيارة وأكلت سمكاً بلا حسك.

وتابع طريقه يكاد يتعثّر بقدميه. ومضى خالد نحو المشروع وبقيتُ وحدي يبتلعني هذا الليل الساجي ببرودة منعشة ومن حيث لا أشعر بدأتُ أستعرض حياتي بشمولها ثم أدخل بعض التفاصيل مرغماً واستيقظ فيّ الأرقُ.

العائلة جميعاً ينددون بي مهما عملت. كأن تفكيري بنفسي وبشيء من المتعة جحود وكفر، إن علموا أنني أكلت لحماً مشوياً أو اشتريتُ قميصاً يثبون في وجهي لائمين "أبوك" وليس على ألسنتهم سوى "أبوك" "أبوك" كأنني قادر على تسيير الرياح ليبحر مركبنا المتعثر فما سيَّرتُها، أو كأنني قطّعت حبال الشراع.. بعد فشلِ مشروعات العائلة وتبدّد مطامح أبي وبدء انهيارها وبعد رَوَغان اسماعيل بن عمي بدأ المرض يتسلَّل إلى أبي وأخذت غضبته تنصبّ على اسماعيل فتمحّك بيت عمي وانفصلوا عنا، فلم يبقى أمامه سوى صهري محي الدين لينصبّ عليه الغضب غضب التعويض عن الإحباط والانزلاق، فأخذ محي الدين زوجته وأولاده وانسحب. صرتُ أنا وأمي في مواجهة التيار؛ أمي كانت تعمل على ماكينة الخياطة وتصبر، تقوم على شؤونه وشؤون مرضه وتصبر تأكل الشتائم المقذعة وتصبر. وغدا أبي إنساناً آخر وغدا كأنه القضاء والقدر وأنا مهما فعلت كأنني أعلن العصيان. مرةً انصب عليّ مهتاجاً في المضافة لأنني اعترضت على موقفه وقال لي:

- لو أنك متُ منذ أربع سنوات لأقمت لك مزاراً.

- ياليتني أموت الآن لترقص على قبري.

فأشهر الملقط الفولاذي هو الذي لم يمدّ يده علي حتى بلغتُ السابعة عشرة وانهال بكلِّ

قوته يوجهه إلى رأسي فاضطررت أن أمسكته من يده لأتفادى ضربة معفِّرة وإذا به يرتمي على الأرض يصيح "ابني يحاول أن يضربني" فهرع إل المضافة عمي وانتهره قائلاً "محمد هل جننتَ يامحمد" دون أن يعرف شيئاً.

ذهبت إلى دمشق يرافقني بازيد بجيبه الفارغ، دفعت أجرة الباص عني وعنه ولم يبق معي سوى ثمن عروس فلافل واحدة تقاسمناها ونمنا عند محمد البوشي أحدنا على الكراسي والآخر على الأرض. في الصباح وجد لنا بازيد عملاً في الحفريات وحمل كلُّ منا "قزمة" وأعترف أنني لستُ مهيَّئاً لمثل هذا الشقاء، لكن بازيد أنجز عملي وعمله بحذق وتمرس. لم أكن أدرك معنى أن أبي مريض بالقرحة، ولم أكن أعرف أن القرحة تؤدي إلى العصاب، وأن عليّ أن أصبر وأحتمل. ولئن كنتُ أرجع إلى نفسي وأسامح أبي فماذا أقول في بقية أفراد العائلة الذين سرعان مايقلبون لي ظهر المجنّ لائمين "أبوك أبوك" اشتريتُ رقاقة ساخنة "رغيفاً مشروحاً" وقرصاً من الجبن وأنا أتضوَّر جوعاً ومضيت إلى بيت الشقيقة الكبرى وما إن دخلتُ حتى اندفعتُ آكل بنهم إلى أن استوفيت الرقاقة والجبن. كانت الأخت الصغرى عندها تعاونها بتعزيل البيت ولم تقلْ الشقيقة سوى عبارة استنكار واحدة "أكل الخبز والجبن كله ولم يعطِ أخته لقمة واحدة" أمضيتً أنا وبازيد أسبوعاً نلتُ فيه من أرباب العمل مهانة واحتقاراً ظلَّ مخزوناً في ذاكرتي الباطنية. قلت في نفسي ليفعل أبي مايفعل فهو أبي وعدت إلى جيرود وعندما رآني عانقني بعينين دامعتين قائلاً "افعل ماشئتَ وقل ماشئت ولكن إياك إياك أن تغادر دارك " ولستُ أدري كيف غرقت في النوم حتى أيقظتني راجحة تحمل طردين قائلة بمودة صافية صفاء عينيها:

- صباح الخير.

- صباح الخير.

- غريب منك أن تنام حتى الآن إنهض سأعد لك الفطور.

وفتحت الطردين فرأيتُ في أحدهما ثلاثة أرغفة ساخنة وخمس بيضات مسلوقات وقرص من الجبن. وفي الطرد الآخر ثيابي الداخلية مغسولة نظيفة لست أدري متى أخذتها.

لم يخطر ببالي وهي تعدّ الشاي سوى أن أخطبها وأسافر معها إلى مكان قصيّ معزول لولا أنها تعيل أهلها. ولستُ أدري كيف انطلقتُ بشكل قسري أحدثها عن حياتي بصدق تام بالكثير من تفاصيها الدقيقة، وأنني ساقط بالكفاء للمرة الثالثة وأحسستُ أنها تصغي منجذبة متعاطفة وعندما انتهيت قالت:

- إن ما يجمعني بك هو التعاسة، وترك الدراسة، ومرض الوالد، وإعالة الأهل لكني أختلف معك في أن أهلي فقراء لا يملكون شيئاً وأهلك عندهم دار واسعة وأملاك كثيرة.

- ليست كثيرة ياراجحة.

ورغم أن علاقتنا أصبحت بليدة اعتيادية أصبحتُ أحسّ أن كلاً منا يتماهى في الآخر وأن كلاً منا يحب الآخر ويشتهيه لكنه يقف منه موقف الصائم من الطعام والشراب جائعاً ظامئاً صابراً حتى يحين أذان المغرب، لكن الأذان الذي ننتظره بُّحَّ ولا يعلم إلا الله متى يشفى من بُحاحه. وقد نصبح نارين ملتهبتين فنقضم مشاعرنا كمن يقضم الصوان. وقد نصبح ماءً فاتراً فتنثال مشاعرنا على الأرض بيد أن الأُلفة سكنتنا سكنى مطلقة كأخٍ وأخت. قالت راجحة مضطربة مستنكرة:

- لست أدري كيف صرت أحسُّ كأنك أخي كأنك محرَّم عليّ بيد أن هذا الإحساس يعذبني يقهرني

- لماذا؟

- لست أدري. لقد اقتربت نهاية المشروع. أحس أنها غول سيقضم عظامي. أنقذني أرجوك

- ممَ أنقذك؟

- من نفسي من تعاستي من ويلات حياتي.

- دلّيني كيف؟

- لوكنت أعرف ماسألتك.

وقبعنا وكلٌ يدير ظهره للآخر. قالت هامسة بصوتٍ راجف معذب:

- سامحني لأنني بدل أن أداوي جروحك وجدتُ نفسي أحمِّلك جروحي.

وإذا بأخيها الصغير قادماً همس كلاماً في أذنها فصاحتْ مصعوقة "ولي" ممتدة تملأ الفضاء:

- راجحة ما الأمر؟

- مات أبي يانور عيني مات أبي.

صافحتها وقدمت لها العزاء وقلت لها "عودي إلى البيت" وأنا حائرٌ في عبارة "نور عيني" أتقصدني بها أم تقصد أباها؟

في اليوم التالي قبضتُ من المحاسب مئتين وخمسين ليرة أجرة خمسين يوماً وأخذت طروداً رمزية من السمن والأرز والقهوة الحب ومضيت إلى دار راجحة. جلست مع خالها وبعض الأقارب وقدمت واجب العزاء، وخرجت فاستوقفتني راجحة مددتُ يدي أصافحها وأقول بصوت راجف "أستودعك الله ياراجحة أنا ذاهب إلى لبنان ولست أدري هل نلتقي مرة أخرى" فقبضتْ على يدي وأمطرتها وابلاً من القبل ومرغت وجهها بها ومسحت دموعها فجعلتني أرتعش وأهتز وإذا بأمها تقف قريبة منا متوثبة، قالت لي باستنكار واحتقان "نحن لانغرِّب بناتنا" وأمسكتْ راجحة من شعرها وجرتها الى الداخل كأنها نعجة تساق للذبح.

خرجتُ مهزوماً إلى دمشق أعطيتُ صهري نصف المبلغ "أرسله إلى أبي" وقبل أن يوجه لي أيّ سؤال أسرعتُ إلى مركز انطلاق سيارات بيروت وركبت في التاكسي وانتبذتُ من دمشق منساباً على طريق بيروت. عندما وصلت السيارة بي إلى الربوة بدأتُ أشعر بالغربة وتذكرت "أبوهيثم" عندما ودعته. سألني مجاملاً:

- هل أنت عائد إلى جيرود؟

- بل إلى بيروت.

- بيروت؟

- طافش من أهلي.

- دون أن أعرف السبب أريد أن أوجِّه لك نصيحة: إن أقسى عقوبة يمكن أن يوجهها ابن لأهله هي أن يبتعد وينقطع عنهم خاصة إذا كانوا لايعرفون أين يكون. إنها أقسى بكثير من أن لا يعاونهم وأن لا يعطيهم مصاري. أخي اختلف مع أبي فغادر دمشق فأحرق قلب أمه وأبيه وقلوبنا جميعاً.

ولكن فات الأوان، صحيح أنني مشتاق لأهلي وأحبهم لكن إصرارهم على إرغامي أن أتزوج حليمة بنت فضيل جعل كفتيّ الحب والسخط متوازيتين. أريد أن أبني مستقبلي وفق رغبتي وإرادتي مستعداً أن أتقبّل النصيحة وأناقشها غير مستعدٍ أن أمتثل لأوامر تتناقض مع أهدافي في الحياة. عندما توقفت السيارة بجانب مكتب الأمن العام طلب المسؤول بطاقات الهوية وموافقة وزارة الداخلية، والحقيقة أنني أعرف أن مثل هذه الموافقات تطبّق أحياناً وتلغى أحياناً أخرى وفق طبيعة العلاقة غير الثابتة بين سورية ولبنان، ولم يلفت سائق التاكسي نظري إليها لكن مسؤول الأمن العام أصر أن أترجّل فترجَّلتْ وأطلق السيارة، منعني من السفر فجلست على عارضة خشبية أمام المكتب أشعر بخيبة مطلقة وأنتظر وسيلة أعود بها إلى دمشق. ماذا أفعل إذا عدت؟ وأين أذهب؟ بعد بضعة وعشرين يوماً علي أن ألتحق بشعبة التجنيد لأداء الخدمة العسكرية التي أراهاً منفرجاً طويل الأمد لكن مشكلتي هي الانتظار. هل أذهب إلى النبك؟ ولكن أهلي سيعلمون. وتوقفّ باص مليء بالركاب وصعد إليه المسؤول فسمعتُ ملاسنة كلامية بينه وبين امرأة اقتربت من الباب فرأيته يقول لها: عندما يمرّ نائب إدلب أؤدي له التحية وأقول له تفضل، لكن التعليمات لاتجيز لي أن أسمح لزوجته وابنه بالمرور. فاضطربت المرأة وأخرجت من محفظتها أوراقاً قدّمتْها له قائلة بأسى واحتقان "انظر. مريض أنا ذاهبة به إلى المستشفى" ففكر الرجل قليلاً ثم أشار للسائق أن يتابع طريقه، وعاد إلى مكتبه، بعد دقائق نقرتُ الباب ودخلتُ عليه وقلتُ بعتاب مهذب "أنا لستٌ ابن نائب إدلب" فأطرق قليلاً وأشار بيده على مضض أن "اذهب".

توقفتْ سيارة لبنانية فخمة يقودها رجل تخطى مرحلة الشباب انتظرتُ حتى فرغ منه مسؤول الأمن. سألته:

- أتأخذني معك؟

- إلى أين؟

- إلى أي مكان. أنا ذاهب إلى بيروت.

- تفضل.

رأيت الرجل يمد ساقه اليمنى إلى اليسار، ويقود السيارة بقدم واحدة ويفتح البنزين بساعد صغير مثبت على المقود صامتاً حياديّ الملامح، أسمر واسع العينين يبدو مترفاً عريض الثراء. توقَّف على أحد المفارق قائلاً مشيراً بيده "طريق بيروت من هنا وأنا ذاهب من هنا" شكرت له مساعدتي وترجلتُ، ويالها من رحلة متعثرة. إن المسافة بين دمشق وبيروت تسعون كيلو متراً وها أنذا أقطعها على مراحل كمن يقطع خبزاً يابساً بالسكين. وجاءت سيارة تكسي أشرت لها فتوقف السائق إلى جانبه سيدة أربعينية مبرقشة الوجه واليد واللسان. رحب بي فجلست في المقعد الخلفي وانطلق وعادت السيدة تتابع بحيوية واعتداد حديثاً انقطع فيما يبدو متباهية بعملها وعلاقاتها الاجتماعية، تلاشى حديقها من أذني وتلاشتْ هي من عيني وأنا أمعن النظر إلى الجبال والأودية الأنيقة وأمدّ عنقي لعلي أرى البحر. جيرود على تخوم البادية انفساح أجرد يمتدّ إلى الأفق كباطن الكفّ وإن اعتلت الشمس ترى السراب يوهمك بالماء الغزير فإن تابعتَه تصل إلى حدود العراق لاتدركه. لبنان يشكل التطابق الجغرافي لتلك البادية انفساح مائي يتصلّ بالأفق وليس أحبّ على ساكني البادية من رؤية الماء أفقتُ من شرودي على يد السيدة تقدم بطاقة صغيرة "إننا نرحب بالمدام بالأوقات المحددة يكفي أن تسأل عن صالون جورجيت في تلّة الخياط" فعلمتُ أنها قصّاصة شعر تجزُّ رؤوس النساء كما يجزّ الراعي صوف الغنم. وتساءلتُ كيف تظنني متزوخاً وأنا في العشرين ومعظم من أعرف من المسيحيين لايتزوجون قبل الثلاثين، أقدَّرتْ أنني مسلم بناء على لهجتي السورية وقسمت سورية إل مسلمين ولبنان إلى مسيحيين، أم منحتني عشر سنوات إلى الأمام؟

وتساءلت أتهكم على نفسي أية (مدام) تعني؟ صالحة، جُلنار، راجحة، حليمة بنت فضيل، وأطلّ طيف بديعة تمد لسانها ساخرة أنها الوحيدة التي تجوز عليها دعوة جورجيت. ولاح البحر، وشمس الغروب تلملم أشعتها البرتقالية غاطسة في مستقرها، وهبطنا إلى بيروت وكأنني نازل ضيفاً على جبران خليل جبران "الأجنحة المتكسِّرة" وميخائيل نعيمة "السبعون" وإلياس أبو ماضي "الطلاسم: جئت لا أعرف من أين ولكني أتيتُ" وبدأت الحرارة المشبعة بالرطوبة تجعل العرق يتقطَّر من حجاج عيني وعنقي.

بيروت هي أقرب مدينة إلى دمشق وثاني مدينة أزورها خارج الحدود السورية بعد طرابلس. وهما أول مدينتين أعرفهما على الإطلاق بعد دمشق، حتى حمص فقد مررت بها من طريق خارجي عندما كنتُ أزور طرابلس في مرحلة الطفولة.

تتميّز بيروت بأنها مدينة حديثة تحاكي مدن أوروبا كما يقولون لأنني لم أرَ أوروبا. ثمن فنجان القهوة من جهاز "الإكس بريسو" فيها خمسون قرشاً تباع على الرصيف، وثمن العروس (السندويشة) العادية لايقل عن خمسين. وفي دمشق بهذه الخمسين قرشاً تتغدى وتتعشى وتشرب القهوة العربية أو الشاي في المقاهي. دمشق التي تتطابق مع بيروت بأنها أقدم مدينة عامرة على وجه الأرض تفوح من أسوارها رائحة الرومان ومن أحيائها القديمة رائحة معاوية أدهى دهاة العرب، ومن أسواقها رائحة السمّاق والقرفة والزنجبيل والكمون. دمشق أم الفقراء.

حجزتُ غرفة بساحة البرج في "نُزل" الحجاز الكلمة المستعارة من كلمة (Inn) الإنكليزية التي تعني "الفندق الصغير" ووضعتُ محفظتي وخرجتُ أستطلع بيروت التي يتنفس فيه السوريون كلما صاقت صدورهم. تحدَّرتُ إلى الكورنيش بين العائلات والناس ووقفتُ عند "الروشة" التي لا أعرف عنها إلا أنها وردت بأغنية للفنانة "صباح" وأن الراغبين في الانتحار يتسلقونها ويلقون بأنفسهم منها.

في بهو الفندق رأيتُ امرأة غير متقنة الصباغ لمحتْ في جيب قميصي الشفاف علبة دخان من النوع الفاخر فأخذت تغني بصوت أجش "هات سيجارة" وهي أغنية شائعة لمطرب لبناني ساخر يوجه نقداً لاذعاً للذين يدخنون بنهم من جيوب الآخرين. وتذكّرتُ جيراننا أهل "العطنة" في الريف يدخنون عادةً من الدخان "المفروط" يضعونه في علب معدنية ويلفّون السجائر بأنفسهم، وعندما تنعقد الجلسة بالمضافة في العطنة ويغلي فيهم النهم إلى التدخين يصبرون ويقهرون أنفسهم وتبدأ فيما بينهم لعبة عضّ الأصابع سرّاً حتى إذا فقد أحدهم الصبر وفتح علبته ولفّ سيجارة وهمّ بها يدسّها في جيبه ربت جاره في المجلس على العلبة فيقدمها له طائعاً وقبل أن يعيدها لصاحبها يربت الجار الآخر على العلبة وهكذا تدور على جميع الجالسين حتى تعود إلى صاحبها فارغة.

في اليوم التالي ذهبت أتمشى على (البلاج) أتفرج على النساء بلباس البحر، ودخلت مسبح "سان جورج" وخلعت ثيابي وألقيت بنفسي في البحر، ورحتُ أسبح بسرعة أتصور أن جميع من في المسبح يراقبونني فوجدتني فجأة بسبب انقطاعي عن السباحة والرياضة فترة طويلة وبسبب التدخين أُصاب بالخوَر وخفقان القلب بحيث يتعذر عليّ الرجوع وملأني رعباً مرور القوارب السريعة التي تجرّ العائمين على العوارض الخشبية (السكي) ويستحيل عليهم رؤية سابح جنح إلى ساحة استعراضهم. انقلبت على قفاي وتحرّكت بتؤدة عائداً نحو عوامة خشبية أستريح عليها.

في اليوم التالي ذهبت إلى طرابلس وتابعت طريقي إلى "العبدة" إلى بيت العمّ مصطفى هزيم الواسع الضخم المحاط بأشجار البرتقال والليمون. استُقبلتُ بحفاوة وخَصَّصَتْ لي الأم غرفة تطلّ على البحر. في المساء أخذني محمد لزيارة أحد أصدقائه في مخيم البداوي فالتقينا ببعض الشبان الفلسطينيين قدمني إليهم على أنني معلم مدرسة ودار الحديث عن بروز عبد الناصر وتأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي على مصر (انكلترا وفرنسا وإسرائيل) في تموز (يوليو) من العام الماضي وكيف تحولّتْ انكلترا وفرنسا من دول كبرى إلى دول من الدرجة الثانية بعد أن ثبت أن الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي هما الدولتان الأقوى، وعن تشتّتْ الفلسطينيين وضرورة إنشاء مؤتمر أو منظمة تضمهم. في الحقيقة أنهم يستشهدون بأرقام وأحداث لم أكن مطّلعاً على تفاصيلها فجلستُ صامتاً أصغي إليهم يحتدون ويهدأون ويختلقون أكثر مما يتفقون فأشار أحدهم إليّ قائلا:

- لم تقل كلمة واحدة والمعروف أن المعلمين يجيدون الكلام.

- ولكن المعلمين لايتكلمون إلا مقابل أجر.

فضحكوا وكانت مزحة خفَّفتْ من حدة الجلسة. في اليوم التالي ذهبتُ مع محمود وأحد أصحابه إلى طرابس وأكلنا حلاوة الجبن التي لامثيل لها إلا في طرابلس وذهبنا إلى السينما حضرنا فيلم "الحبّ في خطر" لمحمد فوزي وصباح ومن حيث لا أشعر انشغلتُ عن متابعة بعض مشاهد الفيلم بالنظر إلى فتاة مرحة الأعطاف لبنانية الحضور قلما نجد مثيلات لها عندنا كانت تجلس أمامنا على بعد عدة صفوف. قال صديق محمود معلِّقاً:

- سرقتْ عينيك تلك الفتاة؟

- ذراعاها كالشمع.

- هذا كلام شعراء.

في اليوم التالي استأجر محمد سيارة ومضى بي إلى زغرتا ومنها تسلقنا عبر مفاوز الأرز الضيقة بتلك السيارة التي بدا عليها الجبروت نحو "سير" وكلما ارتقينا في الصعود خطوة أصبحت الأودية السحيقة أكثر هبوطاً وأدعى إلى الرعب، وجلسنا جلسة حميمية مع ناس أحسسنا أنهم من خيرة أصدقائنا نتغدى حول نبع "سير" الذي تترقرق مياهه على الحصى فذكرني بأبيات تُنسبُ إلى شاعرة أندلسية اسمها زينب:

وضعنا بطيخة في النبع فما لبثَتْ أن انفجرتْ وطاب مذاقها. قيل لي "هل تستطيع أن تقبض على يدك وتغمسها في الماء وتعدّ إلى العشرة؟" قلتُ لامبالياً "نعم" وضعتها وعددت إلى العشرة وهم ينظرون إليّ مشدوهين وأخرجتها وإذا بها خمرية اللون متشنجة فسارعوا إلى دعكها حتى عادتْ إلى طبيعتها.

كلما عدتُ إلى غرفتي أجد ثيابي مغسولة مكوية وتطلُّ سميرة تسألني " هل تريد شيئاً ابن عمي؟" ورغم أنها تميل الياء إمالة (طرابلسية) محبَّبة أحسّ أنها أختي صبحية لما بينهما من شبه. وأمضي كل ما أستطيع من وقت منداحاً على أمواج البحر، وأخلع ثيابي أحياناً وألقي بنفسي أسبح وحيداً على مسافات قريبة. لاحظتُ أن الذين يجاورون البحر يحسون به إحساساً اعتيادياً كما نحسّ نحن بالطرقات والجدران تمنَّيتُ ألا أغادر المكان، أن أبحث عن عمل وأعيش هنا لولا العسكرية. لقد بدأ العدّ التنازلي وعلي أن أسلِّم نفسي إلى شعبة التجنيد يوم السبت العشرين من تموز (يوليو) واليوم هو الأربعاء السابع عشر.