الفصل 3

11 0 00

دخل محمد "جادة النقيب" وطرق الباب الكبير المفتوح على مصراعيه فأطل أحد الخدم بادره:

- أريد الأمير.

- انتظر هنا على المصطبة.

جلس محمد وهو يتجمع على نفسه فساوره شيء من الجزع. أنّب نفسه "لم يرهبْك "يوزباشي" ولا "بين باشي" مالك؟" ثم ساوره شيء من القلق واليأس فانتهر نفسه "الرزق على رب العباد" أطلّ رجل يبدو عليه الاعتداد بنفسه رشيق الجسم أسمر حادّ السمرة عيناه دقيقتان حادتان يبدو في نحو الخامسة والأربعين ملامحه ليست غريبة عن محمد. أهو الأمير؟ سأله:

- ماذا تريد؟

- أريد الأمير.

- ماذا تريد من الأمير؟

- أقول له بنفسي.

- إن لم تقل لي من أنت فلا أسمح لك بمقابلة الأمير.

أطرق محمد حائراً. لم تعجبه هذه الأنفة بيد أن الرجل ينتظر مصرّاً، وما إن عرفه بنفسه حتى هرع إليه يصافحه ويعانقه، وقال معاتباً:

- هكذا نسيتني يا محمد؟ أنا بوعلام، أنا مستشار الأمير ومرافقه. كم كنت تأتي مع والدك لزيارة الأمير.

- خانتني ذاكرتي. لعن الله النسيان.

- تفضل تفضل.

رحّب به الأمير "يحيى" حفيد الأمير "عبد القادر الجزائري" وهو متربّع على سدة مجلسه في صدر الردهة تحت صورة كبيرة لجده تحيط بها لوحتان كتب على إحداها "الله أكبر والعزة لله" وعلى الأخرى "الله مالك الملك" لحيته الطليقة السوداء الموشاة بخطوط بيضاء تطفح بالمهابة، تبسم وأشار له بالجلوس.

- تفضل يا ابني. انت محمد بن أبي هزيم؟

- نعم أفندم.

- ما شاء الله اصبحت رجلاً.

- تحت أمرك أفندم.

- انت الابن الأصغر؟

- نعم.

- أين أخوك هزيم؟

- مازال في العسكرية تحت رحمة الله.

- الحرب انتهت سيعود الجميع، كم عمرك ياابني؟

- إحدى وثلاثون سنة.

- ماذا تعمل؟

- عشرة أعوام بالعسكرية ياسيدي، وعدت منذ بضعة أيام.

- هل أنت ماهر بفتح الأقنية كالمرحوم أبيك؟

- جربني أفندم.

- تعجبني ثقتك بنفسك، لقد جئتني في وقتك، نحن الآن لانريد فتح الأقنية، ولكن اسمع: أريد أن أريح رأسي وأعهد إليك بجميع مواسم ضيعتنا في الغوطة: تقليم المشمش، وكروم العنب، وعزقها، وقطافها. وحراثة الأراضي السليخ وزراعة القمح والشعير وحصادها. والآن نحن بأمسّ الحاجة لقطاف المشمش، وتخصيص جزء من الأرض السليخ وحراثته وزراعته ذرة وخضراوات قبل أن يفوتنا الموسم.

- حاضر أفندم.

- بوعلام هيّئوا فرساً لمحمد كي يذهب معنا إلى الضيعة.

وانطلق موكب الأمير باتجاه الغوطة ومشى بوعلام على يمين الأمير وأشار لمحمد أن يمشي على يساره، وتبعهم اثنان من الخيالة.. انتصب محمد على الفرس الزرقاء الجامحة كفرس "دياب بن غانم" وكأنها تهم أن تطير بقوائمها الرشيقة لتزجّه بين السنونو والعصافير لولا أن خيّالَها قادر على كبح جماحها. حلم؟ بل أكبر من الحلم وعندما وصلا إلى مشارف الضيعة سأله الأمير يسدّ عليه أبواب الحلم:

- أما زلت تذكر ضيعتنا يا محمد؟

- بلى أفندم.

وسعى الوقّافون (النواطير) نحو الأمير وتوزعوا على محيط نصف حلقة تبعد عشر خطوات، وتقدم منه رجل أسمر ممشوق القوام مغربي الملامح (جزائري) وانحنى قائلاً: "مرحبا بك مولاي " تهلّل له الأمير وقال بتواضع الكرام:

- أهلا يا بلحاج. كيف هي الحال عندك؟

- بخير يا مولاي، لولا أن الدبور بدأ يحوّم حول المشمش وقد لوَّح وشبع تلويحاً.

التفت الأمير إلى محمد قائلاً:

- ها أنت تسمع يامحمد.

- يجب أن نقطفه قبل أن يسبقنا إليه الدبور أفندم.

- أحسنت يا محمد، هل تذكر أبا هزيم يا بلحاج؟

- كيف لا؟ رحمه الله.

- هذا ابنه محمد.

- ما شاء الله أمس كان صبيّاً.

- هذا بلحاج وكيلنا في الضيعة يا محمد.

وفيما تصافح محمد وبلحاج بمودة بين يدي الأمير انطلق موكب الأمير في جولته يحفّ به بوعلام وبلحاج ومحمد. وأخذت تلوح لمحمد تلك الأيام عندما كان يرافق أباه، وكان يلعب بين الكرمة ويبني بيوتاً من الحجارة والطين مع أولاد الأقارب. وطفق الغروب يصبغ الأشجار وذرا الجبال باللون الفضي مع نهاية الجولة واتجه مع الأمير إلى دارته المبنية بالحجارة الصقيلة ودخل وراءه الديوان بردهته الكبيرة المُنارة بثريّا تزينها أربعة مصابيح متقابلة تشعّ ذبالاتها بنور مشوب بالحمرة تكشف الأثاث من الطنافس العجمية، وحشيات الصوف، والجِرار الفخارية الملساء المحلاة بخطوط خضراء وزخارف حمراء وصفراء.

تربّع الأمير في السدة يشرب الشاي بالنعناع مع محمد وبوعلام. وقال لبلحاج الذي يمتثل بين يديه:"أعدّوا لمحمد مكاناً لائقاً لإقامته ومكاناً لإقامة الفَعلة والفاعلات دعه يرى كلّ شيء" والتفت إلى محمد قائلاً:

- نم هنا الليلة ووافني غداً بعد صلاة الظهر إلى دمشق. عندي في الصباح اجتماع في السراي.

- حاضر أفندم.

وامتطى الأمير فرسه وعاد إلى دمشق مع بوعلام ومرافقيه، فتحلق النواطير حول محمد يحتفون به وملامحهم تدلّ أنهم مغاربة جاؤوا مع الأمير عبد القادر (الجدّ) فرنا أحدهم إلى محمد وابتسم قائلاً:

- هل تذكرني ياأبا القاسم؟ أنا مُعمّر. كم كنت ألاعبك وأنت صغير.

- أذكرك ياعم.

- رحم الله أباك.

والتفت محمد إلى بلحاج:

- عندنا وقت متسع للعواطف. أنا الآن جوعان يابلحاج.

- عشاؤك جاهز، هلا بك.

ليس من السهل أن تنكشف الأشياء في الظلام، بدا غموضها كغموض ذكريات بعيدة حمل بلحاج فانوساً ومضى مع محمد إلى مكان إقامته: الدار الملحقة بدارة الأمير. دخلا المضافة الواسعة المنارة بثريا ذات مصباح واحد كبير وتربعا حول دجاجتين مطبوختين وبضعة أرغفة من خبز التنور الجزائري الطري السميك. بعد العشاء أدخله غرفة النوم: سرير نحاسي وطاولة وكرسي وجرة ماء بجانبها طاس نحاسي حفرت عليه آية قرآنية وقال له: "تصبح على خير" فجلس محمد وهو يتثاءب وقال في نفسه بحرقة: ما أحوجني إليك الآن ياأخي هزيم.

قبع (الأون باشي) "هزيم" مع رفاقه الأسرى في زاوية القلعة بعد صلاة العشاء يتثاءبون سأله عمر:

- قل لي هزيم كم مضى علينا من الوقت في الأسر؟ أكاد أنفجر.

- أرى أننا سنموت في هذه الأرض ولا نرى أهلنا ياعمر.

- احمدوا الله واشكروه أنهم يقدمون لنا الطعام في إبانه بنفس طيبة يا عباس.

- تكلم هزيم.

أخرج هزيم الورقة من جيبه. دقّق فيها وترنح بأسى، وهم يتكوّمون في عيونهم.

- هزيم!؟

- سبع سنوات وأحد عشر شهراً وسبعة وعشرون يوماً ولنا الله يا شباب.

- لا إله إلا الله. لا إله إلا الله.

وإذا بعسكري يمني يتقدم منهم لاهفاً، وفيما أجفلوا وتوجسوا بشكل قسري. همس قائلاً بحذر: "بشرى لكم يا صَحْب" وانسل مبتعداً. ارتختْ شفاههم واختلط السعد بالنحس بالضياع في رؤوسهم. بيد أن ألسنتهم تحركت تضرع هامسة: "يا الله. يا الله. ياربّ" وإذا بعسكري يهبط عليهم كالسحابة الماطرة:

- أَمَرَ مولاي الإمام يحيى حميد الدين بالإفراج عنكم. ادعوا له بطول العمر والبقاء وتيسَّروا إلى دياركم غداً بعد صلاة الصبح حفظكم الله.

وانصرف فهبّ عمر واقفاً وقال بحماسة:

- قوموا. قوموا نذهب من الآن.

- الآن؟؟؟ اسكت يا أحمق.

- اسكت اسكت اسكت.

فتمدّد على الأرض يعلك الذكريات. علمهم الدهر أن يغدر بهم، علمهم أن ساعاته مفككة لا رابط بينها، قد تأتيك ساعة صفوٍ تليها ساعة كَدر. المهم: أطال الله عمر الإمام. عصي الإمام على "دولة بني عثمان" فأرسل السلطان جيشاً جراراً إلى اليمن لإخضاعه لكن الجيش أخفق في اقتحام تضاريس اليمن الكأداء وانسدت في وجهه المفاوز فخسر أعداداً كبيرة من العسكر بين قتلى وجرحى وأسرى. وبعد انتهاء الحرب عام 1918 واستسلام تركيا وألمانيا وانهيار الدولة العثمانية أطلق الإمام سراح الأسرى وصرفهم إلى بلادهم.

وصل محمد إلى "خان المعلق" في غمرة الضحى وهو يرفع نظره إلى السماء يراقب مسيرة الشمس. وخفض نظره والتفت إلى باب الخان فألفى فاضل على الباب العريض يدور على نفسه متوتراً، وفيما تنحى فاضل عن طريق الفرس الزرقاء متراجعاً قفز محمد عنها إلى الأرض ووقف في وجه فارس يبتسم بمكر. شهق فاضل وقال مأخوذاً:

- أنت؟ ما هذا؟ لماذا؟..

- دعنا من فضول القول. تعال نجلس لأقول لك كل ما معي.

جلست مريم على ركبتيها تدعك عجين الشعير بقبضتيها. بدت متوجّسة قلقة فصبَّتْ قدراً من الماء يزيد على حاجة الطحين، رمقتها خزنة بغضب وقالت مؤنبة:

- مريم ماهذا؟!

- أنا خائفة على محمد يا امرأة عمي.

- ويلك ما هذه الوساوس؟ إنه عند الأمير ومن يذهب للقيا الأمير عودته ليست بيده.

واستند محمد إلى جدار الخان يركّز نظره في مئذنة جامع المعلّق حتى انطلقت عبارة "الله أكبر" فتوثَّب لا شعورياً. ثم تذكر كلمة الأمير "بعد صلاة الظهر" عندها أخذ الانتظار يبدو سقيماً، يجب أن ندفع للعمال سُلَفاً، تعوزنا الدراهم لنفقات كثيرة. هل أطلب سلفة من الأمير؟ ألا يظنّ أنني طماع؟ لكن الأمير ما إن جلس معه حتى مدَّ له كيساً تصلصل فيه الليرات الذهبية، والمجيديات الفضيّة قائلاً: "عدّها. هذه سلفة من أجل أجور الفَعَلة. وأنت لك أجر مميز وفوقه ما تستحقّ من إكراميات، خلِّ الفرس معك واذهب إلى جيرود وتابع عملك على بركة الله".

تلمّس محمد الكيس حتى كاد يتماهى فيه، ثم انتفض معتدّاً وخبّأه في جيوب صدريته الداخلية، وغادر دارة الأمير يخاطب نفسه "لا معنى لفرحك يامحمد إن لم تشارك فيه العائلة. فانعطف يساراً يتوغل في حيّ العمارة الداخلي ساعياً بين سوق الحميدية والسوق الطويل واشترى لكلِّ من أمه وامرأته وامرأة أخيه (قبقاباً) مزخفاً، و(بابوجاً) جلدياً مطعماً بالبرّاق الملون، وقطعة قماش تكفي لثوب غامر، وكوفية بيضاء، وأخرى صوفية سوداء، ومسبحة من عجم الزيتون. ودخل دكانة شوّاء تشدّه إليها ذبائح الخراف الطازجة معلقة فوق خشبة اللحام. تغدى كباباً مشوياً يتقطر منه الدهن، ويتصاعد البخار، ولف طرداً للعائلة، وسعى إلى دكانة الحلواني اشترى الزلابية (العوامة) الشامية المضمخة بالقطر و(البقلاوة) المشعشعة بالسمن العربي، وكيساً صغيراً من البرتقال. ومضى إلى الخان وضعها في عيني الخرج. وانطلق على صهوة الفرس يكدها فتسبح فوق الأرض، وتتطاير حواليه ذرا الجبال، وقيعان الأودية. وراح "هارون" المنادي يطوف في شوارع جيرود وأزقتها يدعو الناس بصوته القوي المجلجل الذي لايخلوا من رخامة يدعو الرجال والنساء أن يسعوا إلى بيت محمد بعد صلاة العشاء،كان نداؤه بشير خير كأنه أذان الصبح. وأخذ الناس يتجمعون حوله نساءً ورجالاً وأطفالاً، وإذا ما تقدم منه أحد ليستفسر بفضول صعَّرَ خده، ورفع عقيرته للنداء ومضى في طريقه.

دخل محمد القرية فرأى النظرات تتراشق عليه لاهفة ترفعه إلى المقام الأعلى كأنه السحاب الماطر وهو موغل نحو باب داره. أوقف الفرس على الباب دون أن يترجّل، وطرق الباب بالعصا. فتحت مريم فتفاجأت بخيال على صهوة فرس شهقت، وأغضّت استحياء، وتراجعت مندسة في الدار، وأطبقت الباب. طرق محمد الباب مرة أخرى بحدة أكبر فانفتح الباب بعصبية وخرجت أمه متوثبة، وفيما أوشك لسانها أن يسأل بحدة "من أنت؟" رأت ابنها بشحمه ولحمه يزهو على متن الفرس فشهقت شهقة المفاجأة غير المتوقَّعة وانطلق لسانها بالزغاريد من حيث لا تشعر.

ترجل محمد عن الفرس وأدخلها بعناية واعتزاز، وربطها في الزاوية والثلاثة يُحطنها بنظرات الدهشة والإعجاب. قال "عندنا تبن. عندنا شعير؟" قالت الأم: "عندنا. لمن هذه المبروكة يا محمد؟ " سأقص عليك كل شيء" وأخرجَ الهدايا من الخرج ومضى بها مختالاً إلى الغرفة وهنّ يتابعنه لاهفات كأنه سيطير.

انتصب محمد في جلسته وفتح طرد الهدايا ووزع لكل منهن هديتها فحضنتها ذاهلة.

أطلقت مريم زغرودة رنانة تبعتها تبارك فيما سرحت خزنة تتذكر أبا هزيم. هكذا كان يفعل وفتح محمد طرد الطعام والحلويات وقال "هيا كلوا. مابالكم؟ "قالت مريم بحشمة "وأنت؟" "أنا أكلتُ هذه حصتكم. كلوا وهيئي لي الأركيلة بعد الطعام يا مريم" سأل أمه "مالك شاردة يا أمي الغالية؟" هزّت رأسها قائلة: "يا خوفي منك يا محمد يدك مثقوبة لا تستقرّ فيها المصاري ما أخشاه منك هذا الطيش في مصروف لا ضرورة له" قال محمد بخيبة: "ظننتُ أنك ستفرحين" وأطرق كسيفاً.

تحرك خيط من الحنان في قلب الأم وحرّك فيه اللوم والأسف، إنها تقتل الفرح في نفس هذا الشاب الطموح، فتبسّمتْ ورَنَتْ إليه قائلة: الخيِّر مرزوق ياابني لقد أصابني ما أصاب ظامئاً جفّ حلقه فصار يخاف من جرعة الماء بوركتَ يامهجة قلبي بوركتَ يا أبا قاسم" وحضنْته تتنسم رائحته وكأنها من عطر الجنة. قال محمد متأثراً "أنت دائماً طيبة القلب وحنون ياأمي الغالية" وقبّل يدها ولّوَّح بكيس النقود وهزه فصهلت الليرات والمجيديات كفرس مطهَّمة وقال "انظري يا أماه هذا كله برضاك عليّ" فغرتْ خزنةُ فمها، وفجَّرتْ عينيها وقالت بشيء من الهلع "هات هات خَلِّه معي" وتناولت الكيس من بين يديه وحضنته. قالت تبارك "أحمدك وأشكرك يا ربي. الله يديم العزّ" وتابعتْ بانكسار "لا ينقصنا إلا هزيم "

بعد أن توضأ هزيم ورفاقه لصلاة الصبح في موقعهم وهموا أن يتحركوا إلى مُصلّى القلعة اعترضهم عمر قائلاً ملحاً "صلوا هنا. هؤلاء اليمنيون يطيلون الصلاة أُمَّنا أنت يا هزيم وشرع عمر يقيم الصلاة. استجاب له هزيم باختيار أقصر السور بيد أنه فتح يديه ضارعاً وهو في ركوعه وشرع لسانه يلهج بدعاء أطاله وأطاله وهم يرددون آمين ويصرفون على أسنانهم وعمر يسعل سعلة مصطنعة يحثّ هزيم أن يكتفي بهذا القدر من الدعاء. وما إن سلَّم هزيم وأنهى الصلاة حتى اندفع الجميع يلملمون أسمالهم. سألوه وهم مضطربون:

- كم يوماً نحتاج حتى نصل من هنا إلى أهلناً ياهزيم؟

- قل مئة، قل مئة وعشرون، حسب تيسير الله، قولوا على بركة الله.

فتسلل القنوط إلى قلوبهم وغضَّن وجوههم وفترت عزائمهم أو كادت لكنه القدر من يستطيع أن يعاند القدر؟ تركوا صنعاء وراءهم وتحدَّروا نحو مرابع الإحساء والعسير يتهادون على أقدامهم التي تعودت الصبر قاصدين الشام. يتسولون قوتهم من عباد الله بين سمحٍ ومعسرٍ ولئيمٍ وينامون في أي مكان "النعسان ينام على كومة حجارة"

في جيرود ما كاد الناس ينتهون من صلاة العشاء حتى تهافتوا على دار محمد كالطيور تتهافت على حفنة حبوب فغُصَّت الدار بالرجال والنساء يجلسون على المساطب والحوافي يرون محمداً منقذهم الوحيد وأن الله سخره لينتشلهم من الذلِّ والجوع والفاقة. إنه وابل من المطر يبلّ نفوسهم الظمأى التائقة إلى الخلاص من حياة تكاد تُنْتِنُ في نفوسهم وتتفسّخ. يضمّونه برفيف جفونهم ويسفحون أمام عينيه اللتين تشعّان بالنخوة والشهامة محبة لا يعكّرها ملق يدعون بالتوفيق والسداد لهذا الشاب أبي قاسم المليء طموحاً واندفاعاً واضعين مصائرهم بين يديه مستسلمين في ولاء مطلق كمن أغمض عينيه لحلم ورديّ.

شعر محمد بأبهة طرقت بابه فجأة ووَقَرَتْ في مخيلته على مداها الأوسع، بدت وكأنه يلمسها لمس اليد مثل بساط الريح يهيم به في أعماق الجو، يرمق الناس وقد ملأوا فضاءه حائراً كيف يتدبّر أموره معهم بأنجع الوسائل أطلّتْ خزنة من خصاص الباب تردد في سرِّها: "ماشاء الله. ماشاء الله" ترى ابنها يتألّق كالبدر المنير. وأخذت تضرع إلى الله أن يمدّ في عمرها لتمتِّع قلبها بهذا العز الغامر.. وما دامت الأم خير من يسبر أغوار ابنها والولوج في عالمه الداخلي بدا لها كمن يمتطي فرساً جامحة تكاد تطيح به من حيث لايشعر فخفق قلبها العليل خفقان من عثر على كنز يخشى أن يطير من بين يديه. فتحت الباب واطلّت وهي أخت الرجال، هتفت "أبو قاسم. تعال ياولدي. أريد أن أكلمك" تبعها محمد إلى زاوية جانبية. قالت:

- أبوك يا محمد كان فخر الرجال.

- وأنا يا أمي؟؟؟

- أنت؟ أنت مازلت في أول الطريق يا نور عينيّ. خير الرجال ياولدي أكثرهم رجاحة عقل. محمد. شاور يا ولدي، شاور من يدلونك على خطئك لا من يزينونه لك. أولئك عزوتك الذين يساندونك في سود الأيام وبيضها. يقول المثل ياولدي "من لايسافرُ معك لا يُحمِّلْ معك" هكذا كان أبوك.

- وأنا لي حياتي الخاصة التي أفكر كيف أتدبّرها يا أمي.

- محمد إياك والغرور يا مهجة قلبي. طريقك مازالت طويلة، لاتتصور أنها كلها مفروشة بالورود.

- بدأتِ بالخوف والوساوس يا أمي؟

أشاحت عنه وعادت إلى مجلسها بين النساء منزعجة. تركته يشتبك مع كلامها الملآن محبة مغلّفة بقسوة المحب، ومن له أصدق من أمه وأغزر تجربة؟ ثم انتحى به فاضل وقال له بنزق:

- الغد على الباب يامحمد، والأيام تتسلّل من بين الأصابع فويل لمن لايرى أبعد من أنفه.

- كلامك صحيح يجب أن نشدّ أعصابنا. ما رأيك أن نكلّف "أبوحسين" بورشة الحراثة وزراعة الخضروات و"زعل" بورشة قطاف المشمش وصناعة "القمر الدين"

- نعم الرأي يامحمد. كنت على وشك أن أقترح هذا عليك. ونترك الخيار لكل منهما أن ينتقي من يراه مناسباً لورشته من الفَعَلة والحريم؟

- ونكلف ابن عمي يوسف يإدخال الناس واحداً واحداً خيراً من هذه الفوضى؟

- نعم الرأي. نعم الرأي.

- ونكلف ابن خالي خالد بكتابة الأسماء وتنظيم القوائم مع زعل. وابن عمي حسن مع أبوحسين.

- نعم الرأي.

- وأنت تشرف على الجميع.

- بعدك يا محمد.

وطفقت خيوط العمل تتشابك تحت عينيه وعيني فاضل وأخذت العجلة تدور بخفة واتساق. وتقاطر الناس إلى تسجيل أسمائهم، وكل منهم ينتظر دوره متوَّثَباً بقلبٍ لاهف يتمنى أن يحلِّق فوق الرؤوس ليكون سباقاً، وفاضل ينتهرهم قائلاً "اهدأوا إننا بحاجة إليكم كلّكم" وهبّت مريم وتبارك تسترقان النظر والسمع من شقوق الباب تستطلعان مشدوهتين

وقبعت خزنة ترنو إليهما كحمامتين وتقول في سرِّها: "هكذا وُلِد العزّ وشبّ عن الطوق ياربي ارفع مقام هذا الولد" وتهدِّئ روعها بتلاوة سورة النصر:"إذا جاء نصر الله والفتح.." وما فتئت النساء يتسلّلن إليها من أقارب وأصحاب ومريدين يتوسلن أن تتوسط لهن ولأزواجهن ويعرضن عليها خدماتهن وكلُّ منهن تشكو الفقر وانقطاع أسباب المعيشة والدموع تغرغر في عينيها فيرقّ قلب خزنة وتقول لهنّ جميعاً "أَبْشِرن" لكن خزنة المتماسكة بدأتْ تحسّ أن قدميها ثقلا فوق الأرض، وأن كلّ حركة تبذلها تسبب لها لهاثاً يكاد يقطّع أنفاسها، تبتسم لكن الألم في صدرها أخذ يذيب الابتسام.

وصاح فاضل في الناس "ليجهّز كلٌّ منكن متاعه وراحلته إذا كانت عنده راحلة ولقاؤنا مع بزوغ الفجر هنا أمام هذه الدار. والويل لمن يتخلّف"وما إن ارفضّ الجمع حتى ركن محمد مع أمه ومريم وتبارك يأكلون الحلويات، وراح يصف لأمه مكان إقامته في الغوطة:

- ليت دارنا هذه مثل تلك الدار.

قالت الأم بسدور:

- أعرفها ياابني أعرفها ولكم أقمت فيها مع المرحوم.

- حسناً. تهيّأن لتذهبن معي.

- لا ياابني لا. أنا لاأقدر. خذ مريم معك.

قالت مريم باندفاع:

- والله لا أتركك وحدك ياامرأة عمي.

قالت تبارك بنبرة احتجاج:

- أنا باقية مع عمتي.

فمضى محمد إلى فراشه غاضباً.

مع خيوط الفجر الأولى؛ الفجر الكاذب والدنيا ماتزال مطلية بلون رصاصي تكامل وصول الفعلة إلى الساحة بنسائهم ودوابهم، ولعل بعضهم جاء منذ ساعة وانتشروا يحف بهم المودعون وكأنهم يجتمعون على بيدر قمح. وانتشرت أصواتهم وهمهماتهم الخافتة تنخل السكون، وتربصوا ينتظرون الأوامر لينطلقوا. وصل فاضل وأخرج ساعته من جيبه وفتحها وأشعل عود ثقاب فوجدها تشير إلى الثامنة إلا ربعاً أي قبل أذان الفجر بأقلّ من نصف ساعة أحسّ بالغبطة وصاح:

- زعل جاهز أنت وجماعتك؟

- نعم أبو محمود.

- أبو حسين؟

- جاهز.

قال أبو زهرة متذمِّراً

- ألا نصلي الصبح ثم نتحرك؟

قال فاضل بغضب وحسم:

- ألا تُصلَّى الصبح على الطريق يا رجل؟ ألسنا في حالة سفر وليس على المسافر حرج؟ أترفس النعمة يا أبو زهرة؟ هيا تحرّكوا تحركوا على بركة الله.

وتقدمهم يتجه غرباً والغرب أكثر قتامة في تلك الساعة، وتهادى كلٌّ منهم يحلم أن يغرف من نهر الرزق نصيبه الذي قيّضه له الله.

وقفت خزنة على الباب متحاملة على وجعها ترنو إلى موكب النصر المؤزر يتأهب لكنها لم تر محمد يقودهم فعرفت أن لهذا الولد ساعات خمول لا يتخلى عنها تراجعت تنادي بعصبية "محمد. أين أنت يا محمد؟" أطلّت مريم وقالت هامسة"مازال نائماً يا امرأة عمي" فاقتحمت عليه فراشه وقد اختلط وجعها بغضبتها "أسفي على الرجال. محمد انهض واذهب مع ربعك" جلس محمد يفرك عينيه:

- سأتبعهم على الفرس يا أمي. سأدركهم قبل أن يصلوا.

- من لا يحضر ولادة عنزته تلد جدياً يا ابني.

- معهم فاضل وهي رحلة طريق. هل تريدين أن أرافق الحمير والجحاش والبيادى (الراجلين) على فرسي الزرقاء، أم أسبقهم وأنتظرهم هناك؟

(أهالي جيرود لا يستخدمون البغال لأن أراضيهم سهلية منبسطة والبغال تستخدم في الجبال والوعر)

- ويلي من لسانك يا محمد.

وجلست متهالكة تحاول جاهدة أن تخفي وجعها.

لاحظ فاضل أن الكثيرين يتحاشون المقدمة وهم يقتربون من التلٍّ الكبير فصاح فيهم غاضباً "أيخاف أنصاف الرجال من ضبع التلّ؟ ويلكم يا أوباش. الضبع لا تهاجم الجماعة هيا تحركوا أمامي جميعاً"

يقال إن ضبع التلّ ماكرة وعلى الأخصّ عندما يكون بطنها خاوياً وهي قادرة في هذا الجوّ القاتم الذي هو الهزيع الأخير من الليل أن تفاجئ عابر الطريق تستفرده وتنطحه من خلف فيطيح على الأرض فإذا ما قام تنطحه ثانية وثالثة حتى يغدو جثة هامدة عندها تبدأ بقضم إليتيه وتتابع طعامها. فاندس الصغار والخائفون وسط الجمع يتحاشون الأطراف حتى كاد الزحام يقيّد حركتهم.

لم تجرؤ مريم أن توقظ محمد وقد تجلى الضحى الربيعي بشمس ساطعة تدور حولها نتف من الغيوم مع لسعة برد خفيفة، فجهزت الماء الساخن ولبثت تنتظر. وإذا بمحمد يهب من النوم فجأة ويضرب يداً بيد. سألته أمه:

- مالك يا محمد؟

- في هذا الوقت من الربيع تذوب الثلوج في الجبل فيفيض بردى وتفيض بحيرة العتيبة التي يصبّ فيها. يجب أن ينحرف فاضل عن الطريق ويلفُّ من جنوب عذرة.

قالت مريم "الماء الساخن جاهز " وأعدّت مائدة فطور زاخرة بالبيض المقلي بالسمن العربي، وفيما تناول محمد بضع لقيمات وطفق يتهيَّأُ للحاق بجماعته داهمتهم خيوط برق ناعمة خطفت أبصارهم، وطفق الرعد يجلجل قادماً من بعيد، فهرعت إليه أمه وتمسكت به:

- لن أتركك تسافر الآن، هواؤنا غربي والعاصفة قادمة.

- أتخافين على من قطع السهول والأودية والجبال من العراق إلى هنا يا أمي؟

- لن تسافر وكفى.

وما كادت تنتهي من كلامها حتى أخذ البرق يتوهج في البصائر ساطعاً يبدل لون الأشياء، يتبعه هزيم الرعد يهزّ النوافذ والأبواب يكاد يخلِّعها، وانداح خرير المطر مختلطاً بأصوات المزاريب تسوق المطر من السطوح المائلة وترنّ رنينا على مصبّاتها في الأرض بجوِّ حميمي تنبض فيه تباشير السنابل وبيادر القمح من آخر شآبيب الربيع الموشك على الرحيل. وأخذ الدلف يتقطر من إحدى زوايا الغرفة. قالت الأم ضارعة:

- ما شاء الله. ما شاء الله. اللهم ابعث الخير. مطر أيار عزيز لكنه إذا هطل هطل دافقاً، اللهم أجرنا من فيضان السهول ولو ان دارنا في مكان مرتفع.

وضعت مريم إناء تحت ماء الدلف، وانزوت هي وتبارك تقرآن: "قل هو الله أحد" مرتاعتين فصاحت بهما الأم وهي تعاني من رِعدة تهزُّها هزاً كادت تعقد لسانها "البرد يقتلني. هيا أضرموا النار في الموقد"ومدَّد محمد أمه على الفراش، وسجاها بالأغطية.

والتفّ فاضل بعباءته المصنوعة من وبر الجمال التي تهرّأت أذيالها والتي استعارها من أحد أقاربه يتقي بها المطر، وراح ينظر إلى الموكب الذي يغوص في الماء والطين، يتحاشون السيول المتدفّقة في أودية "الثنايا" وصاح زعل في الناس "أسرعوا في سيركم حتى تسخن أبدانكم وتنشف ثيابكم"

ملأت زمجرة الرعد قلوبهم رعباً، وخيوط البرق ترسم أشكالاً حمراء متعرجة ومتشابكة قد يغدو أحدها صاعقة تنقض على ظهر الدنيا تقتل وتحرق وتفعل فعلها حتى أنساهم الرعب تعبهم وشقاءهم وحثَّ أنفاسهم الاحتياطية أن تدفعهم في طريق كأنها بلا نهاية، إلى شقاء أدمنوا عليه يمخضهم ويشوي قلوبهم وينسيهم أنهم من بني آدم وأنهم يبذلون الكثير الكثير من الدم والعرق مقابل لقيمات. إنهم كالمقاتلين يفتحون صدورهم للطعن والرصاص، ومهما يكن من أمر فإن المرء يحب الحياة ويتشبث بها أكثر فأكثر عندما يتعرض للخطر ويحسّ أن نفحاً من روح الله يتجلى فيه أماناً أو نكوصاً على قمة الرأس، وأنه زغب عصفور لاشأن له في هذه الدنيا، تحمله رياح الأقدار تهبط به وتعلوا كيفما شاءت. وتبلى الصخور، وتبلى الأشياء وتبقى أرواحهم خالدة، تنظم خفقان قلوبهم.

وأمام زمجرة الطبيعة وطغيانها فترت الخشية في قلوبهم أن يتساقط المشمش عن أمه، وأن يُقبلوا عليه جياعاً ويدبرون جياعاً "لَلْجوعُ خيرٌ من الموت" وتتوثّب أرواحهم وآمالهم اللاهبة تجعلهم قادرين أن يفتتوا الصخر بصبرهم ويتشبثوا بالأمل وليس لهم سوى الأمل ملاذاً. وتتسلل قطرات المطر إلى رقابهم وصدورهم وكأنها أنامل تدغدغها وتبعث فيها رجفات تهزّ أبدانهم.

جلست تبارك ومريم على جانبي خزنة تتهيّآن لأي طلب يتحرك به لسانها وسرح محمد وهو يدخن الأركيلة بجوار الموقد يكلم نفسه بأسى"يا إلهي ما هذا الحظ؟ منذ الخطوة الأولى تداهمنا العاصفة، وتمرض أمي؟"ورأى تبارك ومريم تسندان الأم وتخرجان بها، سأل مندهشاً:

- إلى أين؟

- إلى بيت الخلاء.

وأخذ يعاني من الإحساس بقلق غامض "أهو على أولئك المساكين الذين راحوا يلتمسون لقمة عيشهم فداهمتهم العاصفة، أم على أشجار المشمش التي تتعرض للسقوط والخسران المبين، أم على أرض السليخ التي جعلها المطر طينية تستحيل حراثتها؟" وداهمته قشعريرة هلعٍ مفاجئة "وهذه الأموال التي أعطاه إياها الأمير من أجل مشروع قُصف عمرُه قبل أن يرى النور؟" ضرب كفّاً بكف وإذا بصراخ مريم وتبارك يلطم أذنيه فهبَّ واقفاً مأخوذاً واندفع إلى باحة الدار. رأى أمه تخور قواها وتنحلُّ ركبتاها وتطيح على الأرض ومريم وتبارك تحاولان حملها، فانحنى إليها وحضنها وحملها ومضى بها إلى الغرفة، مدّّدها على الفراش فوضعت يدها على صدرها تقاوم الألم غير قادرة على النطق، وأشارت إلى فمها أنها ظمأى. قالتْ مريم لتبارك هامسة "ارتبط لساتها" وسارعت تقطر الماء في فمها بالملعقة.

لقد وصلت خزنة إلى نهاية المطاف وبدأت تُحتضر ثم تحاملت على نفسها وقالت بصوت متحشرج "آه يا هزيم. أموت ولا أراك؟" وجمعت أنفاسها بمشقة، وقالت "محمد ارفع رأسك يا ابني. أشهد أن لاإله إلا الله وأن محمداً رسول الله" وشهقت شهقتها الأخيرة والتوى عنقها وجمدت عيناها "لقد فارقت خزنة الحياة" وفيما لعلعت ولاويل مريم وتبارك، ركع محمد بجانب أمه ووضع رأسه على صدرها وراح ينتحب. ثم تمالك نفسه وهبّ واقفاً وفتح يديه في وجه مريم وتبارك يسكتهما وبسط كفيه يقرأ الفاتحة. فهرع إلى البيت أخواله ونساؤهم وأبناؤهم وتجدَّدت المناحة، وفتح محمد المصحف وركع بجانب رأسها يتلو سورة "يس" وهتف خاله محمود في الجميع "اسكتوا" وبُسطتِ الأيدي لقراءة الفاتحة. ومسح خاله محمود وجهه وقال "رحمها الله. إكرام الميت دفنه" وهرعتْ مريم تسخن الماء لغسلها وتبارك تخرج الكفن والريحان من صندوق عمتها والتمّ بقية النساء والرجال والأطفال من الأقارب والجيران يلفّهم الصمت جميعاً مخافة عيني محمود الشرس الذي تفرَّد بإلقاء الأوامر، وجيء بمغسّلة الأموات، ثم حُملت على الأكتاف، ثم صُليتْ عليها صلاة الجنازة، ثم وُوري جثمانها الثرى. ثم لُقِنت ثم وقف محمد وأخواله وبعض الأقارب يصافحون المعزِّين، ثم ذُبِحتِ الذبائح وأقيمتْ وليمة عزاء على روحها تناول منها المعزون بضع ملاعق وتهافت عليها المعتفون الذين لا يأكلون اللحم إلا في المآتم والأعراس. وصارت خزنة ذكرى، صارت طوداً شامخاً تنثال من ينابيعه جرعات الحب والحكمة والقوة والعزيمة ثرّة في وجدان محمد طيلة حياته.

وانجلت الغيوم في السماء، وسطعتْ زرقتها بعد أن غسلت الهواء والجدران، وسوقَ الأشجار وأغصانَها البنّية اللامعة، وحقولَ القمح والشعير الخضراء، ومروجَ الربيع الملوّنة بحمرة الشقائق وألسنةَ النبتات الحيلوانية الشهية، وأزالت عنها الغبار. وبدأت الرياح المتقلِّبة تطوف بمناكبها الطرية في جميع الأرجاء تنشِّف البلل.

سار الركب يبذلون مزيداً من اللهاث والجهد وهم ينتشلون أقدامهم من الوحل اللزج حفاة صابرين على لسع الحصا والأشواك ومن كانت معه نعل خلعها ووضعها تحت إبطه أو في خُرج الراحلة. أصبحت نعالهم عبئاً عليهم لكن رواحلهم كانت عبئاً أكبر يضطرون إلى حملها وتخليص قوائمها من الطين. ولبسهم الشقاء فضفاضاً ثقيلاً، الشقاء الذي لم يتخلَّ يوماً عنهم، وتعطلّ التفكير وبارت الأحلام ولم يعد في الرؤوس إلا نفق قاتم يعبرونه إلى نقطة الوصول، وعندما وصلوا إلى الضيعة أطبق الغروب على أربعة أركان الأرض، أدركوها منهكين مبللين جائعين ظامئين. تلقّاهم بلحاج يتبعه النواطير فأقبل عليه فاضل متهلِّلاً حياه وصافحه، وما إن دلَّهم على مكان إقامتهم وألقوا أمتعتهم حتى أُضرمت النار في المواقد تغازل الجوع المخزون في الأعماق وارتفعت ألسنة اللهب ووضعت النساء عليها القدور وتحلق الجميع حولها يمدّون أكفهم يصطلون ويغسلونها بالهواء وانساب صوت أبو عياش الحنون يغني:

وراحوا يردِّدون معه بأصوات راعشة حزينة، وارتفع الدخان يؤكد أن حياةً ما قائمة هنا، ثم أكلَ كل امرئ ماقُسم له،وأوى كلٌّ من الرجال والنساء إلى مهجعه وغاروا في نوم عميق انتشلهم منه صوت المؤذن ينادي لصلاة الفجر.

وفيما هبّوا من رقادهم يبذلون الحركات النشطة لتطبيع التلاؤم مع الحياة الراهنة تبادل فاضل وزعل وابوحسين نظرات الاستغراب "محمد لم يتبعهم أمس كما وعد" قال فاضل "همس في أذني مساء أمس أنه سيتأخر لأن أمه مريضة".

طلعت الشمس ونشرت أشعتها على أشجار المشمش التي تملأ العيون حميمية وبهاء بحبّاتها المصفرّة تتألّق بين الأوراق الزمردية وقد أسبغت على الدنيا منظراً مهيباً أجلى من النفوس كل ما عانته من تعب الطريق ووعثائه وكل ماتراكم فيها من أشكال الخيبة واللوعة، ولعلّ واحدهم يتمنى العلة لنفسه لا لمصدر رزقه هذا الذي شرعوا يحضنونه بعيونهم، وما أبهجهم أن ما تساقط من حبات المشمش لايشكل إلا جزءاً غير ذي بال وصاح فيهم فاضل: "هيا كلكم لجمع سَقَط المشمش من تحت الأشجار" وفيما أخذ بلحاج والنواطير يحملقون إلى العمال اقترب منه فاضل وهمس في أذنه:

- بلحاج. لايجوز أن نمنع العمال من أكل المشمش، الخير كثير. وعندنا يقولون لمن يمرّ بحقل فيه ثمر مشمش وعنب أو يدخله: "كلْ ملءَ بطنك ولكن لانسمح لك أن تحمل حبة واحدة بيديك.

- هذا حق.

- إذاً أرجوك أن تُفهم النواطير.

- هذه العادة يعرفونها.

وفي النبك تتعاقب السنين سنة إثر سنة، وينتهي السفربرّ ويوسف مايزال في علم الغيب وقال أحد العائدين من المهجر من أبناء النبك لخديجة إن يوسف زوجها كان يعمل في "مندوسا" بالأرجنتين عامل حفريات، ثم إسكافياً، ثم بائعاً جوالاً، وإنه مازال يجمع بشقِّ النفس القرش فوق القرش. وقيل لها إنه يرسل مايقدر عليه من النقود إلى أخيه ليسلمه إليها وقال الأخ "هذا كذب" وقيل "بل هو يستأثر بالمال ويخبّئه" وقيل إن الأخ اشترى قطعة أرض في ساحة المخرج وبنى عليها بعض الدكاكين وعليَّة للسكنى" وضاعتْ خديجة التي تنتمي إلى عائلة كانت مترفة لولا أن السفر برّ أطاح بالجميع. لقد أصبحت قمة الترف آنئذٍ لقمة عيش التي تصون البقاء والتي هي الحدّ الأدنى الفاصل بين الموت والحياة. فانصرفت خديجة إلى العمل المضني لتقتنص بقصارى جهدها تلك اللقمة، رغم هذا وضعت ابنتيها في الكُتّاب فتعلمتا قراءة القرآن ومبادئ الخط والحساب، ثم أدخلتهما المدرسة الابتدائية الرسمية لكنهالم تستطع أن تنفق عليهما أكثر من مرحلة الصفّ الأول وكان كافياً لتعلُّم مبادئ القراءة والكتابة، وانصرفت البنتان منذ الطفولة عاتكة إلى قراءة الكتب الدينية وأمينة إلى قراءة ماتقدر عليه من السِّيَر الشعبية.

في جيرود أحسّ محمد برعشة من الخواء تنغل في قلبه من الداخل تجعله ذاوياً كئيباً وأحس أن خيال أمه يملأ فضاء الدار ويكبر به ليملأ فضاء الكون كلِّه. وانكفأت كلٌّ من تبارك ومريم على نفسها وقد انسل منها آخر خيط فرح، تبارك حزنها أكثر تأثيراً؛ خزنة عمتها أخت أبيها، وهي التي خطبتها لهزيم، وهي التي حضنتها ورعتها على مدى السنين الطويلة التي غاب فيها هزيم.

وأحسّ محمد أن الجرح أخذ يبترد ويزداد إيلاماً، أرخى رأسه فطرقت رأسه الذكريات ومازالت آخر عبارات أمه ترنّ في قلبه رنيناً "محمد ارفع رأسك ياابني" ومازال قولها: "أسفي على الرجال. محمد انهض واذهب مع ربعك" وتأنيبها "من لايحضر ولادة عنزته تلد جدياً ياابني" فصاح بامرأته وامرأة أخيه "تهيّآ للسفر هيا" وفيما شعّت عينا مريم بالفرح غامت ملامح تبارك، وقالت متفاجئة مستنكرة:

- نعم؟ وهزيم؟

- لن أترككما وحدكما هنا.

واندفعت مريم تجمع أمتعتها وأمتعة زوجها، وانتفضت تبارك تحتجّ:

- أنا لا. أنا سأبقى هنا أنتظر هزيم حتى يعود بالسلامة.

- يابلهاء. أتخافين ألا يتبعنا هزيم عندما يعود؟

- أنا لا. أنا سأبقى هنا.

- وحدك لا.

- تأتي واحدة من بنات إخوتي تنام عندي.

- والله لولا الحياء للطمتك على وجهك كسرت أسنانك.

- اذبحني. أنا لا.

هيّأ محمد فرسه ووضع حمل الأمتعة على الحمارة البيضاء تساعده مريم، ومالبث أن وقف مشدوهاً وقال ساخطاً "كيف يمكن أن تتلائم مشية الفرس مع مشية الحمارة طوال الطريق؟" قالت مريم بأريحية وكأنه يستشيرها:

- أنا أركب الحمارة.

- ماذا يحلّ هذا من الأمر؟

إن في نفسه قدراً من ضيق النفس يطيش بتفكيره يجعله مهزوزاً وإذا بعلي يطرق الباب المفتوح ويدخل لاهفاً معاتباً:

- تأخذ الناس على الشغل ولاتأخذني يابن عمي؟

- اسمع علي. سآخذك الآن ولكن كما تعرف ماعندي ذقن ممشطة. العمل عمل والقرابة قرابة.

- أنا حاضر يابن عمي. أنا من يدك هذه ليدك هذه.

- اركب هذه الحمارة واتبعنا إلى الغوطة.

وأردف محمد مريم خلفه وغادر جيرود وقد ارتفعت الشمس فوق ذروة الجبل مقدار خيال على صهوة فرسه، فطوَّقتْه مريم تتمسّك به يغني في رأسها حلم جعلها تحسّ أن زوجها صار ملء الدنيا، وراحت تتلو هامسة سورة "الفاتحة" التي حفظتها من القرآن من أجل إقامة الصلاة، وكدّ محمد الفرس فوثبت فوق الأرض كالغزالة. أرجف الهلع قلب مريم وراحت تتوسل إليه:

- على مهلك. أنا لست والله خائفة على نفسي أنا خائفة عليك.

- أقفلي فمك وتمسكي بي جيداً.

فأقفلت فمها وقالت لنفسها "إذا حان القدر عمي البصر"

هبط محمد على موقع العمل وما إن ترجل عن الفرس حتى هرعت أم ابراهيم إلى مريم وسارت بها نحو مقرّ الإقامة، فعلت زغاريد النساء، وانطلق أبو عياش يغني:

واندفع العمال يرددون، ويعملون بحماسة رافعين وتيرة العمل، فاختلط محمد بهم يعاونهم مشجعاً بضع دقائق ثم تراجع وقد أنسوه مصيبة فقدان أمه، وانتحى بفاضل:

- فاضل كيف هي حالكم بعد هذه العاصفة؟

- الحمد لله. كل شدة تزول.

وأمسك فاضل برسن الفرس وسلمه لعيدو وقال:

- هذا عيدو خصصتُه للعناية بالفرس، وكلّفتُ أم ابراهيم لتعاون أم قاسم في الدار، وهي "عشِّيّة" ماهرة وخصصتُ مسعود للأركيلة وأبو علي لإعداد القهوة المرة. وتقدم منه زعل وأبو حسين متهلِّلين يصافحانه بحرارة. سألهما:

- كيف هي الحال.

- بألف خير الجميع سعداء ألقوا شقاء البارحة خلف ظهورهم، وهاهم كما ترى.

وسعى إليه بلحاج مرحِّباً منفرج الأسارير فارداً عقدة حاجبيه الأسودين الكثَّين فعاد فاضل يقول:

- الربيع دائماً متقلب المزاج والبرد الآن ليس شديداً، أترى إلى الشمس؟ كأن أشعتها مستعارة من الصيف، هيّأتُ لك مكاناً للجلوس والإشراف على العمل، تفضل لتستريح من تعب الطريق.

وأشار إلى مصطبة عالية وُضع عليها مَدْرَج من اللباد (الصوف المضغوط) وحشية من الصوف ليتكئ عليها، تتوسطها صبّة من الجمر وضعت على حافتها دلال القهوة لتبقى ساخنة، وجاءه زعل بصحنين من القشّ المضفور وضعهما أمامه في أحدها مشمش كلابي وفي الآخر مشمش بلدي. سأله فاضل بشيء من الحرج:

- مالك على غير طبيعتك يامحمد؟ ولماذا تأخرتَ عنا؟

- ماتت أمي.

ساحت مريم في فناء الدار وغرفها والدهشة ترخي شفتها. قالت في سرها "ليتها لنا إلى الأبد" وقالت لها أم إبراهيم وهي تحفو بها:

- كل شيء جاهز ونظيف. أعددتُ لكم وجبة الغداء من البرغل ولحم الاضأن يا أم قاسم هاهي مازالت ساخنة على النار.

- سأنتظر أبوقاسم.

وأمسك فاضل بفنجان القهوة المرة ورشفه وقال معزياً:

- كلنا على هذا الطريق لن يخلد في الدنيا أحد يا محمد.

- اسمع يا فاضل أنا هربت من الحزن. أرجوكم لاتذكروني وتعيدو الأسى إلى قلبي واتكأ وأمسك بخرطوم الأركيلة وراح يشنف أذنيه بقرقرتها، أحسّ أنه صار زعيماً أو مشروع زعيم أعاد مجد أبيه وفاقه منذ خطوته الأولى، لكنه ما يزال يضرب بسيفه، فهمس صوت أمه في أذنه " محمد إياك والغرور يا مهجة قلبي. طريقك مازالت طويلة. لاتتصور أنها كلها مفروشة بالورود" اعتدل جالساً وقال لفاضل "فرص العمل آخذة بالازدياد يافاضل ومازال الكثيرون عاطلين. أنا مبدئي كما تعلم أن نختار أولاً من الأهل والأقارب، ثانياً من أبناء جيرود، ثالثاً من سائر قرى القلمون وإذا بأحد النواطير يبادره لاهفاً "معلم. الأمير قادم إليكم".

لَفَّ محمد الخرطوم على الأركيلة ووقف متهلِّلاً، وعندما وصل الأمير هتف زعل مع العمال: "عاش الأمير. عاش الأمير " واندفع أبو عياش يغني بحماسة فيسارعون ويرددون معه وبعضهم يتحدّى بعضاً، ويتحدّى التعب:

ترجل الأمير عن فرسه ومدَّ الرسن لبلحاج ومدّ يده إلى محمد فصافحه بثقة واعتداد.

سأله محمد:

- كيف ترى الحال أفندم؟

- عفارم محمد. عفارم.

وراح يراقب العمل وابتسامة الرضا تطفح على وجهه.

"قبة العصافير" على بعد (20) ك. م شرقي دمشق تجمعت الحشود حواليها قادمة من جميع المناطق السورية، ونُصبت الخيام وعُقلت الرواحل وارتفع دخان القدور، وانتشرتْ روائح التوابل تفوح من الذبائح التي يطبخونها احتفالاً بعودة الغيّاب (العسكر) الذين سبقتهم البشائر. عيون لاهبة وقلوب واجفة وألسنة تتضرع بخشوع تدعوا الله أن يصل "غائبها" سالماً، ويدغدغ اليأس بعض المهج والقلوب، وترفرف التقوى على العيون والشفاه، وتتردّد أصوات راجفة معذبة "سلّموا أمركم إلى الله. إن الله قادر على كل شيء" ويضع أحدهم أذنه على الأرض يتسقّط وقع أقدام الغيّاب من رجرجة الطريق فيضع الكثيرون آذانهم. ويعتلي آخر متن دابة أو كومة حجارة ويتجمّع في عينيه ويمدهما نحو الأفق فيبحث آخرون عن وسيلة يعتلونها. وفجأة تداهم العيونَ سجفٌ من الأفق البعيد، فيتكوّم الجميع في قلوبهم التي شرعتْ تَجبُ وجيباً متسارعاً، وأخذت السجف تتمدّد في الأفق تسده: هاهم الغائبون قد رجعوا يملؤون الدنيا من أربعة أركانها، فاشتبك القادمون بالمستقبلين وهاجوا وماجوا، ووقف محمد متوفِّز الأعصاب أمام رجل نحيل ضامر القوام هداه إليه قلبه طالت لحيته وتشعًّثتْ ووشَّتْها خيوطُ الشيب التي امتدّت إلى فوديه. هزيم؟ يبدو كمن بلغ الخمسين وهو لم يجتز بعدُ الأربعين. تعانقا بعصبية حتى لكأن أحدهما ينمزج بالآخر وقد كَلَّ لسانه وبلّلت الدموع وجنتيه وسالت من أسفل ذقنه. ثم انتفض محمد ووقف يرنو إلى أخيه وقال متمالكاً نفسه مبتسماً "كم تبدو متوحِّشاً ياهزيم! كم أنت مصاب بالكلل والهزال!" وتربعا على الأرض وفرد محمد الزوادة: دجاجتان محمَّرتان محشوتان بالأرز واللحم وبيض مسلوق وطبق من الفخار ملآن بالدبس، وبضعة أرغفة من الرقاق معجونة بحبة البركة. قال محمد "سمِّ الله ياهزيم" وراح هزيم يتلمِّظ ويلعق بلسانه لعابه الجاف ففتح محمد غطاء (المطرة) ومدّها إليه "اشرب يا أخي" رفع هزيم المطرة إلى الأعلى وبسمل ورفع فمه وراح الماء يقرقر متدفِّقاً. ابتلع بمتعة وشغف جرعة وافية رطَّبت فمه فتنفّس بارتياح وقال بخشوع "الحمد لله. اللهم أَدِمْ علينا نعمتك ورضاك" وفيما اندفع محمد ينهش بشهية امتدت أصابع هزيم تتناول متَّئدة نَسراتٍ تدسُّها بين شفتيه المتفلِّستين. قال محمد لائماً:

- هزيم! مالك تتناول الطعام بأطراف أصابعك؟

- نفسي تعاف الطعام ياأخي.

فحشا محمد في فمه فخذ الديك.

- كُل. كُل. املأ بطنك. يلعن أبو الدنيا.

وبعد أن مسح كل منهما فمه وحمد الله. قال محمد:

- هزيم. أمك ماتت فإذا شئت أن تبكي عليها فابكِ الآن ثم امسح دموعك.

بوغت هزيم أول الأمر ثم أجهش بالبكاء حتى اخضلَّتْ لحيته وراح يمسح دموعه بطرف كوفيته "رحمك الله ياأمي وجعل مثواك الجنة" ثم بسط كفيه وقرأ الفاتحة. ثم تلا بخشوع " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم "وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنّة زُمَرا حتى إذا جاؤوها وفُتحت أبوابها وقال لهم خزنَتُها سلامٌ عليكم طِبْتُم فادخلوها خالدين. صدق الله العظيم" ثم قال خافضاً رأسه:

- كيف حال العائلة يامحمد؟

- عبد الفتاح ابن خالك ترك ولديه محي الدين وعبد الرحمن عند أمهما وهرب أثناء التجمع إلى أمريكا.

قرفصت "فاطمة" أم محي الدين أمام الموقد يحيط بها محي الدين وعبد الرحمن وأثبتت على الأثافي المهترئة القدر النحاسي الذي بدأت الجنزارة (أكسيد النحاس) تصبغ حوافّه باللون الأزرق وتمتمت هامسة:"هذا سمّ قاتل. إلهي ربي نجنا منه" وملأته من ألسنة القُرّة و"حشيشة أم أحمد" والجرجير وأضرمت النار وراحت ترمق ضناها اللذين يزدادان هزالاً وكلٌّ منهما يعلك الهواء ولعابه يسيل وأطرقت وأغمضت عينيها "ليس مهمّاً أن أموت ولا أموت ولكنْ ماذنب هذين الصغيرين الطريين ابن التاسعة وابن السابعة؟ " وبعد أن ملأوا بطونهم من أكل لاطعم له أجهشت بالبكاء فانحنى كل منهما على كتفها:

- أمي؟ مالك يا أمي؟

- سأرسلكما لتعيشا عند عمكما محمد.

- لا ياأمي. دخيلك ياأمي

- نعيش معك يا أمي.

- لم يبق عندي إلا السحت.

- عمي محمد قاسي القلب.

- القسوة خير من الموت يانور عيني.

وفي قبة العصافير راحت الطبول تقرع، وقامت العراضات، وعقدت الدبكة هنا وهناك وأحاط المستقبلون بالقادمين الذين يبدون كأنهم ولدوا من جديد. قال هزيم "ابن خالي محمد شرس وسيئ الطباع"وتماهيا بتلك الأعراس والفرح يتطاير من العيون والشفاه كفراشات الربيع الملونة تسبغ على الجوّ بهجة تقضم المآسي.

وفي إحدى القرى خرج حفّار الآبار "محمد محي الدين" من قاع البئر مهتاجاً وقال لابني أخيه محي الدين وعبد الرحمن اللذين ينتظران أوامره متوجِّسين:

- ياكلاب يا أولاد الكلاب تتركان التراب يتناثر عليّ من فم البئر؟

وانهال عليهما بطرف الحبل يجلدهما بقسوة:

- من أين آتي لكما بالطعام؟ من قبر أبي؟

وانكمش كل منهما على نفسه يستغيث ويبكي ويشدّ أسنانه مرتعداً من شدة الألم. حتى جاء من يخلّصهما من بين يديه بشق النفس.

وفي قبة العصافير أردف محمد أخاه هزيم خلفه على الزرقاء وصعدا باتجاه وادي الثنايا وتابع محمد كلامه:

- هي تزوَّجت الحاج صالح والولدان يقال إنهما هربا وراحا يعملان أجيرين بمخبز في الميدان

- وأنت يامحمد؟ أنت ما أحوالك؟ لم تقل شيئاً.

- أنا؟ في رعاية الله ورعاية الأمير يحيى؟

وفي جيرود أدارت تبارك المفتاح المربوط بعقصة شعرها في قفل صندوقها الصغير وأخرجت ورقة ملفوفة بمنديل زهري عليها كلمات مكتوبة بخط بنفسجي كتبها لها هزيم أثناء الخطبة، وهرعت إلى الطريق ونادت على ولد يفكُّ الحرف. فتحت الورقة وهمست قائلة:

- فتّح عينيك هنا وإقرأ لي هذه الورقة. هل تعرف؟

- اسألي الشيخ حسن عني قال لي أنت أفضل من الجميع. وأمعن في الورقة وقرأ:

- أيش معنى هذا الحكي؟

- دعيني آخذها وأسأل الشيخ ليشرحها لي.

فاختطفتها من يده قائلة " لا. أنا أفهم معناها" وعادت إلى حجرتها وأخرجت ثوبها المخبّأ في الصندوق فَرَدَتْه ونظرتْ إليه بحنان، ثم وضعته على جسمها تغمرها لحظات كتذوّق السمن والدبس، ثم دسّتْه في الصندوق وخرجت تدرج نحو الباب كحمامة. وقفت على باب الدار تجيل نظرها في جميع الجهات. وترخي رأسها عسى أن تسمع صوت القادمين وإذا بأم إبراهيم تتقدم نحوها من الخلف قائلة:

- تبارك تعالي تذوَّقي الطعام. نضجت الذبيحة.

ولحقت بها مريم شاكية.

- منعتني من ذَوَاقه.

- مريم لاتزعلي مني أنت لاتفرقين بين الحلو والحامض.

وفي وادي الثنايا مايزال محمد يتهادى على الزرقاء وأخوه هزيم وراءه في الطريق إلى جيرود. هزيم صامت يتمنى أن يحمله أحد النسور ويطير به يلقيه في فسحة الدار قال محمد:

- دارنا لم تعد لائقة بنا ياهزيم. اشتريت دار الجيران وسنبني داراً واسعة نقسمها إلى سلملك وحرملك، وجنينة لزراعة البقدونس والكزبرة والبصل الأخضر، وداراً للدواب، ونجعل مدخلها من الحجر المنحوت، ونجعل لها باباً يعبر منه الخيال على ظهر فرسه ونجعل في وسطه خوخة. وفي البرية اشتريت سهم الأرض من جارنا فتضاعفت أرضنا. هزيم مالك صامتاً؟

- أنا سعيد بأحلامك يا أخي لكنها تحتاج إلى فتّ خبز.

- الخير كثير يا أخي. وَكِّلْ ربك ياهزيم.

وقبل أن يدركا جيرود في مشيتهما المتسقة أدركهما خيّال من رجال بوعلام قادم من خلفهما من الغرب، وقال باهتمام:

- الأمير يريدك.

- ماذا يريد؟

- قال لي السي بوعلام قرر الأمير أن ترافقه مع خيالته لاستقبال الشريف في القدم بعد غد عند طلوع الشمس.

أقام محمد حفلاً لهزيم في المساء أكثر بهجة من العرس بين حفلات أقيمت في جميع أرجاء القرية. وفي القرية راح الناس يذرعون الشوارع يتزاورون ويتبادلون التهاني بسلامة الغيّاب، وكأنه العيد بجماله وبهائه. وأقامت بعض العائلات مآتم لأبنائها الذين استشدوا، وانكفأت بعض العائلات على نفسها يترجّحون بين اليأس والقنوط ينتظرون فرجاً من الله في أبنائهم المفقودين "هل سيعودون؟ هل ماتوا؟"

وفي الصباح امتطى محمد فرسه واتجه غرباً محفوفاً بحلمه الذي يكبر ويزداد كبراً كبيدر القمح الذي تتوالى عليه الأحمال ليصبح قبة ذهبية غير عابئ بنسائم تشرين التي تلعق الرقاب تبعث فيها برودة سَرْعَ ما تقشعرُّ بها.