نهضتُ من النوم صباحاً فطرقتْ مسامعي أصوات العراضات والأهازيج جعلتني أثب واقفاً. سألتُ أمي:
- ماهذا اليوم؟
- الأربعاء.
- يعني يوم العيد؟
- أي عيد يا ابني نحن في شهر جمادى الأولى.
خرجت إلى ساحة الدار فألفيتُ أولاد العائلة يصغون مندهشين. اقترب مني سعيد وخير تغامزنا وغادرنا المنزل، وأخذت وتيرة الأهازيج والغناء تعلو فجرَّتنا إلى مغادرة الحارة، رأينا الدور في الحارة تتسابق في تثبيت الأعلام السورية والطنافس والبُسط الصوفية الملونة وإسدالها على الجدران. تابعنا نحو الدكان فرأينا لوحة قماشية مكتوب عليها بخطِّ إسماعيل "تحيا سوريا" محاطة بالزينة والأعلام السورية، وصوت صندوق السمع يملأ الجو أغاني وموسيقا، عندئذ فهمنا أن سورية كلها تحتفل في هذا اليوم السابع عشر من نيسان ذكرى أول عيد جلاء بعد رحيل آخر جندي فرنسي عن أرض الوطن.
كان من مفاخر جيرود أن عبد الحكيم الدعاس النائب في البرلمان قد حمل السلاح في العام الماضي واعتصم في مبنى البرلمان مع عدد من النواب يطالبون فرنسا بمغادرة سورية وقد كانت تَعِدُ وتسوِّف وتنكث بوعودها. بيد أنها لم تخرج إلا بعد أن قصفت مبنى البرلمان بالقذائف، وقصفت دمشق والمدن الأخرى. وتجمع عدد من الناس حول شاب يحدثهم عن وحشية الاستعمار الفرنسي.
أهل جيرود جميعاً ينددون بأولاد سليم آغا الذين بدَّدوا إرث أبيهم باللهو والتبذير ومعاقرة الخمر والتهافت على النساء، وبدَّدوا الجاه والمكانة الاجتماعية: عبد الكريم صار يحمل محفظة "العدة" ويجول بين المزارع يصلّح المحركات الزراعية، وعبد الحليم صار يعمل على تشغيل محرك الكهرباء في النبك، وعبد العظيم طلَّق زوجته وهي من عائلة معروفة في حمص، وترك أولاده الثلاثة عند أمه وهاجر إلى الكويت يعمل موظَّفاً في الجمارك، وعبد المقيم موظَّفاً بسيطاً في البريد، ولم ينجُ منهم سوى عبد العليم (من أم دمشقية) أنشأ أول طاحون في المنطقة يشرف عليها بنفسه ويعيش في بحبوحة. أما عبد الحكيم فكان له شأن آخر كان مثقفاً نهماً إلى المعرفة والاطلاع رغم أنه ترك الدراسة بعد الصف التاسع، وانخرط في السياسة وصار واحداً من أعلام المنطقة، وكان كريماً جواداً.
ذات يوم من الأيام المتبقية من الصيف وكان باهتاً منكَسِر الحرارة كأنه مستعار من الخريف في العام 1946 انتسبتُ إلى المدرسة" فبدأت مرحلة حاسمة من مراحل حياتي أطبقَتْ في بدايتها على صدري.
لقد حدتثني نساء العائلة عن فترة - ماقبل الوعي - منذ الولادة بتفاصيلها الدقيقة ولكثرة ما كرروها على مسامعي صارت جزءاً من طفولتي الواعية ورافقتني في سائر مراحل حياتي، وكان آخر ما كنت أذكر منها مرحلة الختان كالأطياف.
كانت العيون المحيطة بي جميعاً تخاف علي من نسمة الهواء وخصوصأ أخواتي، لقد أصبح لي ست أخوات ثلاثٌ منهن شقيقات، حتى خالتي مريم وزوجة عمي يغدقن عليَّ حباً وعطفاً لم أكن ألقاه عند أمي. أمي التي بَنَتْ آمالها عليّ كانت تحبني بصمت تخاف عليّ من طرفة عين أو فلتة لسان، وربّتْني بصرامة لتجعل مني طفلاً ليس كمثله من الأطفال وكانت تميل إلى القسوة كي أنشأ نشأة رجل مستقبل حقيقي بحسب اعقادها، وكانت ماتفتأ تحذرني وتحذر أخواتي من ثلاث "الكذب، والكلام البذيء، والوشاية على الآخرين" وتحلف يميناً أن مَن يخالف كلامها لَتلطمنَّه على وجهه، ومازلنا جميعنا نهابها حتى فارَقَت الحياة. أما أبي فعاملني على أنني رجل يستبق الزمن وراح يزجني على صغِّر سني بالعمل في الدكان فأهرب وأجمع أطفال العائلة وأطفال الحارة وأتزعمهم في اللعب بكرة القدم.
أولعتُ منذ الطفولة بالسِّيِر الشعبية فأقبلتُ عليها ألتهمها، وأولعتُ بالحكايا وكنت أركن إلى جارتنا "أم ذيب" في سهرات أمي أتكوَّم على فمها المنمنم الدقيق أتمتع بحكاياها التي كانت تأسر بها الجميع واكتشفتُ - فيما بعد - أن معظمها مستقى من "ألف ليلة وليلة"
في سياق السباق بين نساء العائلة أصبحت دارنا تعج بالأطفال، أبرزهم شقيقي الوحيد فيصل وقد فرحتُ به فرحاً غامراً وصرتُ أحسُّ بمتعة أن يكون لي أخ شقيق يشبهني ويشبه أبي في ملامح الوجه مع ميل إلى السمرة وخصَّصتُه باهتمامي ورعايتي، كانت في جيرود مدرسة ابتدائية للبنات عدد التلميذات فيها قليل جداً ومعظمهن من بنات الأغوات انتسبتْ إليها أخواتي. وأصبح أبناء العائلة مجموعة أضمومات في باقة واحدة أنا زعيمها المطلق ومن مجموعتي ابن عمي سعيد وابن أختي خير نشأنا معاً مثل الأخوة، ولم يمنع هذه العلاقات الحميمة من حدوث شجار بين الأولاد قد يستوجب تدخّل الأهل واندلاع الملاسنات العنيفة بين النساء.
كانت شوارع جيرود تضاء بالفوانيس وفي العام 1947 توهَّجت فيها الكهرباء وفي عدد من بيوت القادرين منذ الغروب وحتى منتصف الليل فيعم الظلام وينتشر فيه الجنُّ على هواهم ولم تدخل الكهرباء في حيِّنا إلا إلى دارنا ودار أخرى في الطرف المقابل.
كان أبي في دمشق وكان اسماعيل في المضافة مع عدد من أصحابه يستغلّون الفرصة ليسهروا بلا قيود، جلستُ أنا في الزاوية أراقب بفضول هادئاً ساكناً، بدأوا بلعبة الكأس وهي مبارزة بين فريقين بأقداح موشورية من الصفيح الأبيض توضع على صينية ويضع أحد الفريقين خفيةً خاتماً تحت أحد الأقداح على أن يكشف الفريق الآخر الخاتم، وقام هرجهم ومرجهم حتى جاء الشاي فجلسوا يحتسون الشاي ويدخنون. إسماعيل ومعطي لم يكونا يدخنان أمام أبي، ومحي الدين لم يكن يُعنى بمثل هذه السهرات، وبدأت سلسلة الأحاديث عن المغامرات مع الأفاعي وراح كلٌّ منهم يروي حادثة جرت معه والآخرون يصغون موافقين على "عماها" وكلٌّ منهم يتربَّص منتظراً دوره، ثم انتقلوا إلى الحديث عن الضباع وكلها حكايات مشوِّقة، ثم بدأت المغامرات مع الجن، وجاء دور إسماعيل فروى كيف ذهب للبحث عن محي الدين عندما هربتْ الإكديشة، ولم يذكر انني كنت معه. ومما قاله إن كلباً كان ينبح خلفه، وعندما انعطف نحو المزرعة وإذا به يصير جَدْياً هرب من أمامه كالسهم، وعشش في شجرة الجوز شبحاً أسود له قرون قال: "بصراحة خفت. أدركتُ أنه جنِّيّ فتماسكت وسيطرتُ على نفسي وقلتُ بثقة "بسم الله الرحمن الرحيم وإذا به يختفي" فسعلتُ سعالاً قسرياً جذب نظر إسماعيل إليّ فقطبَّ وقال لي مؤنباً "أنت ماذا تفعل هنا؟ قمْ إلى النوم" فخرجتُ من المضافة وأنا موقنٌ أنهم جميعاً يكذبون أو يبالغون على أقلِّ تقدير، وأدركتُ يومها أن كل مايروى عن الجنّ كذب بكذب. لبثتُ عند الباب، وعندما فُتحتْ سيرة حسين أبو علي، تسللتُ وجلست متوارياً.
حسين أبو علي فلاح كهل ينتمي إلى عائلة دينية معروفة بطريقتها الصوفية، حفظ القرآن صغيراً عند الشيخ، وأطلق شعر لحيته الأشقر الموشى بالشيب وسطاً بين لحى رجال الدين وسائر الخلق، يعتمر كوفية كالحة وعقالاً أسود ويرتدي ثوباً وسروالاً من القماش الخام المصبوغ بقشور الرمان ويمشي حافياً. يذهب إلى أرضه بعد صلاة الفجر يعمل حتى المساء على صهوة حمارته الرمادية مبرقشاً برذعتها بخرزات زرقاء تفقأ عيون الحاسدين، لايترجل عنها أنى ذهب واضعاً على كتفه قمبازه الحريري الأبيض الذي تهرّأتْ بعض خيوطه، وزناره ذا المحفظة الجلدية العريضة التي حال لونها وتآكلتْ حوافّها، وتحت إبطه (مشّايته) الحلبية الحمراء، وعندما يخرج من بيته لصلاة الجمعة يخرج راجلاً مرتدياً قمبازه لافّاً خصره بزناره منتعلاً مشّايته.
كان أبو علي كثيراً ما يغادر القرية مع بزوغ الفجر، وعندما يلتفت إلى الوراء وتصبح بيوتها منمنات صغيرة يضع كوفيته وعقاله في عين الخرج ويستل (لفّته) الداكنة، ينفض عنها الغبار ويثبّتها على رأسه، ويقول أهله إنه يذهب لزيارة أصحاب له في ديرة الجبل. يقضي أبوعلي بضعة أيام ويعود في الهزيع، وقبل أن يدخل القرية يعيد العمامة إلى عين الخرج ويسوّي الكوفية والعقال على رأسه، ويتلبّث.
بعد بضعة أسابيع يفّد إلى القرية نفر من أهل الجبل نساءً ورجالاً ممن حبلت نساؤهم وشفي مرضاهم، والتأمت حياتهم الزوجية، وعاش صغارهم، وكثر رزقهم، وبرئت عقول مجانينهم، وتزوجت عوانسهم.. يحملون إلى بيت أبي علي الفقير إلى الله (الزاهد) النذور من كلٍّ بحسب قدره وقدرته: (ثِنْياً) خروفاً أتمّ العامين، قفصاً من الدجاج، كيساً من التين اليابس والزبيب والجوز، علبة خشبية ملأى بأقراص الجبن... ويستزيده المستزيدون فيتأهب لهم بريشة من القصب وحبر بنفسجي ويكتب حروزاً على ورق أصفر يحرّم عليهم رؤيتها على أن يطوي كلٌّ حرزه (حجابه) ويخيطه بمحفظة قماشية مربعة محكمة ويشدها إلى خصره ويخيط (حوطته - هكذا كان اسمها) بمحفظة صغيرة مثلثة ويدسها تحت إبطه ويقول بخشوع"كله من الله إذا شاء تحقق مرادكم وإلا.. فما أنا إلا عبد فقير" وأبو علي يقدم أحرازه في سبيل الله ويعفّ عن تقاضي أجر من النقود لكنه يتقبل الهبات التي تقدم إليه من نفوس راضية، ويعفي الفقراء والمعوزين، وكانت تلك الهبات تفيض عن حاجته فتبيعها زوجته بأسعار مغرية تقلّ عن أسعار السوق، فيُفتي أبوعلي "رحم الله امرءاً نفع واستنفع".
واختلفت الآراء في أبي علي بعضهم يرى أنه مُعطى من الله، وأن مايكتبه هِداية وإلهام وبعضهم يرى أنه ماكر منافق أميّ يكتب ولا يعرف الكتابة، ورغم أن أحدهم فتح (حوطة وحجاباً) ولم يبدُ فيهما سوى حروف متناثرة متكررة تتقاطع بأشكال عشوائية فلم يتراجع مؤيدوه ولا مستنكروه عن آرائهم.
منذ مطلع نيسان (أبريل) من العام 1948 كانت أحاديث الرجال في المضافات وزوايا الشوارع، والحقول، وأحايث النساء على التنور، وموائد الطبخ، وأحاديث الأساتذة والتلاميذ في المدارس.. كلها تدور حول ازدياد هجرة اليهود إلى فلسطين، ونيّات اليهود في ابتلاعها وطرد العرب منها. وأخذت وتيرة الأحاديث ترتفع أكثر في مطلع أيار (مايو) عندما استدعى الجيش الجنود المسرحين إلى العسكرية، وانضمّ بعض الشبان إلى جيش الإنقاذ بزعامة فوزي القاوقجي. وفي الخامس عشر من أيار أُعلِن عن قيام دولة إسرائيل فبدا الناس كأنهم ضُربوا على رؤوسهم بالمطارق وأصبحوا دمى بيد التاريخ. وسرعان ما أُعلن عن هجوم الجيوش العربية على اليهود لطردهم من فلسطين، وانطلقت أغنية سهام رفقي من أجهزة الراديو "يافلسطين جينالك" تملأ القلوب بمشاعر لاهبة وكأن كل إنسان يتمنى أن يحمل بندقيةً وينخرط في القتال، وراح الأطفال يردِّدونها في المدارس والأحياء بحماسة. ثم بدأت الأخبار السيئة ترد تباعاً عن نكوص الجيوش العربية، وعن تقتيل الفلسطينيين وذبحهم وتدمير ديارهم وهجرتهم منها رافقتها إشاعة أن اليهودي يضع السكين على عنق العربي قائلاً "لاتخف السلاح طيب" وينحره كما تُنحر الخراف. وجمدت الابتسامة على الوجوه وتوقَّفت الأعراس والحفلات، وصبغ الشعور بالذلّ ملامح الوجوه وأغصان الأشجار، وذرا الجبال وزقزقة العصافير، وقيل إن طائرة يهودية ألقت قنبلة على بيادر جيرود للانتقام من المقدم محمود بنيان الذي حقَّق انتصاراً كاسحاً واحتلّ "كَعْوَش" فكانت كلمة عزاء خاصة أنه لم يتحقَّق أي انتصار عربي حاسم على جميع الجبهات سوى هذا الانتصار، وانتصار آخر حققه المقدم حمد الأطرش من جبل الدروز الذي احتل تل العزيزيات. وفي حارتنا جاء جثمان الشهيد أبو زهير وهو أب لطفلين وامرأته حامل وجثمان أبوحسن وهو أب لثلاثة أطفال فأطلقت كلٌّ من أم زهير وأم حسن زغرودة مبللة بالدموع أبكت النساء اللائي شاركنهما بإطلاق الزغاريد. ومع انتهاء الحرب عاد محمود جارنا بيت بيت ومعه سكين حادة قال للمهنئين بالسلامة إنه كان يستعملها لقصِّ الأسلاك الشائكة حول معسكرات العدو، وبكى على من استشهدوا من رفاقه وقال بحرقة "ليتني متّ ولا أرى اليهود يبتلعون فلسطين وأهلها يُطردون منها" وغدت فلسطين جرحاً نازفاً في نفوس أهالي جيرود رجالاً ونساء وأطفالاً.
وتدفَّق المهاجرون الفلسطينيون إلى سورية شُعثاً غُبْرَ الوجوه وتلقَّاهم الناس كما يتلقَّون عزيزاً كان في المجهول ولكنهم بدوا في تعسهم وطردهم من ديارهم كلطاخات العارعلى الجبين، وتعالت أصوات المتظاهرين وتعليقات الإذاعة وعناوين الصحف تتعاطف معهم، وتندد بالصهيونية والاستعمار.
قدم إلى جيرود عدد من العائلات لجأوا أول الأمر إلى المساجد فهرع الناس إليهم وأوجدوا لهم المساكن والأثاث والطعام. وعلى المستوى العام مالبثوا أن أخذوا يزاحمون السوريين فانخفضت يومية العامل السوري من أربع ليرات إلى ليرتين، واستُوعِبَ الموظفون منهم في التعليم والإعلام وسائر دوائر الدولة، وأنشأ بعضهم محلات تجارية في أغراض متعددة مرموقة شكلتْ منافسة لطبقة التجار، ونشأ تذمر مهموس لكنه كان محتشماً حيِّياً.
عندما بلغت الثانية عشرة ووصلت إلى "الصفّ الرابع" قال لي أبي "أصبحت الآن رجلاً" واشترى لي محفظة جلدية فاخرة لم يكن الأساتذة يقدرون على اقتنائها. واشترى لي بنطالاً قصيراً (شورت) وحذاء مطاطيّاً ذا ساق طويلة (جزمة) سمعتُ وأنا في طريقي إلى المدرسة همسات من خلفي تقول "الأستاذ الصغير" فالتفتُّ وإذا بعدد من التلاميذ يتبعونني ويتغامزون مستهجنين.كان معظم الأطفال يمشون حفاة وفي المدرسة ينتعلون أحذية مقطَّعة، وأثواباً طويلة شبه مهترئة.كنت أملأ جيوبي من البذور والقضامة فيتقرّب بعضهم مني يجلسون حولي فأوزع عليهم حبات منها.
ألزمني أبي أن أحضر سهرات الرجال في "المضافة" والإصغاء إلى قراءة السِّيَر الشعبية التي كانت متداولة "سيرة بني هلال وتغريبتهم" و"مجروية الزير سالم" و"عنتر" وكان علي أن أقرأ سطوراً منها وإذا تخللها "قصيد" كسيرة بني هلال عليَّ أن أغنّيه وفق اللحن المألوف وكم كنت أتهيَّب عندما أرى العيون مسلطة عليَّ لتختبرني باعتباري ابن مدرسة وصبيّاً يُسمح له بحضور هذه السهرات.
أولعت بالسير الشعبية وشرعتُ أبحث عنها وأقرؤها وحدي منها "نمر العدوان" و"محمد الملحم" وكتيِّبات متفرقة عن سِيَر بعض "أمراء بني هلال" وكان للرجال في المضافة خلال الاستراحة بين كتاب وآخر أحاديث أخرى عن مآسي "السفر برّ" وكان أبي في طليعتهم يحدث الناس ويشدهم، وكان بعضهم يتحدَّثون عن رحلات الحصاد إلى "حوران" وعن معاناتهم.
كان يرود المضافة كهلٌ اسمه "اسماعيل سرية" وكانت أحاديثه موشّاة بالسخرية والإضحاك تجعل المجلس صاخباً طوال الوقت، يروي الحكاية يستلهم من الواقع شيئاً منها ويستطرد فيها ويطيلها ويزوِّقها بطرائف من خياله ويستشهد بمن كان معه من الحضور فيومئون برؤوسهم مشدوهين أن "نعم" وبعد انصرافه يُسألون "أَحَدَثَ هذا معكم حقيقة؟" يجيبون "لا والله!"
أمي كانت مولعة بأمرين: التطريز الفني الملون على القماش، والقراءة. وهي الوحيدة التي تلمّ بالقراءة والكتابة من بنات جيلها. كانت تتربع صباح كل يوم جمعة وتقرأ بخشوع ومتعة آيات من القرآن الكريم، ومن أبرز كتبها المفضلة التي تقتنيها وتقرؤها "قصص الأنبياء" و"الملك سيف بن ذي يزن" وكانت مولعة بالملكة بلقيس و"ذات الهمة" و"ألف ليللة وليلة" و"أعلام الناس في زمن بني العباس" كانت مولعة بحكايا "أبو النواس" والست "زبيدة" وكانت ترويها لصويحباتها في سهراتها الخاصة. وعندما تشير الكهرباء إلى الانقطاع ينصرف الساهرون هبَّة واحدة، فتنير أمي المضافة بالثريا وتتجدد سهرتها مع أبي مزدانة بالزبيب والجوز والأطايب يتذاكران في بعض شؤون العائلة وبما قرآ من الكتب، وكُنتُ أُدعى للحضور. مرة طلبَ مني أبي أن أقرأ سطوراً من "ألف ليلة وليلة" فورد فيها كلام بذيء عن الجنس فاحمرّ وجهي خجلاً وتوقّفت عن القراءة. ظن أبي أنني أتلعثم فانتهرني "اقرأ" قلت بحشمة "فيها كلام رذيل" قال بغضب "أقول اقرأ " بيد أن أمي كان لها موقف آخر. حملَقَتْ إليَّ باستنكار فتسلَّلتُ هارباً وتركتهما يتشاحنان.
في الصباح داهمتُ أبي قائلاً:
- ترى أنني رجل؟
- نص على نص.
- بيت خليل ليسوا أحسن منا.
- ماذا تعني؟
- عندهم "راديو" يضعونه في شرفة عِلِّيَّتهم ويفتحون صوته إلى آخره. ونحنُ؟ هل نجلس على قارعة الطريق نتسمَّع؟
- غداً صباحا اذهب إلى الشام واطلب من شريكنا تيسير أن يشتري لك راديو.
عدتُ بعد العصر من دمشق فألفيتُ باحة السلملك الإسمنتية قد نظَّفتها البنات وفرشنها وتجمع أولاد العائلة في الزاوية وقد منعتهم البنات أن يدعسوا على الأثاث وتجمَّع أولاد الحارة في مدخل الدار وسُمح لهم أن يجلسوا عند حافة الباحة.
وضعتُ الراديو ذا القالب الخشبي اللامع على الطاولة قالتْ عنه البنات بجذل "بهيٌّ مثل العروس" وصعدت إلى السطح مع خير وسعيد وركَّبتُ أربعة قوائم متقابلة على شكل مربع وصلتُ فيها الهوائي وهوسلك نحاسي عارٍ ووصلت به سلكاً مبطَّناً أدليته على الأرض وربطته بالراديو كما أفهمني البائع.
وصلت الراديو بالكهرباء وفتحته وعندما ضاءت العين الساحرة نَفَرتْ من الأفواه شهقاتٌ قسرية مفاجأة ولبثنا جميعاً لحظات صامتين وقد قبض السكون علينا وجعلنا نتجمع في أذاننا وعيوننا. انتشر من الراديو صوت ماري جبران تغني مع الموسيقا فهاج الجميع وصفَّقوا بحرارة فنهرتهم أمي "اسكتوا" وإذا بهباب من الدخان ينتشر من الجهاز مع رائحة تشبه رائحة (الكاتشوك) المحروق. وفيما حملقتِ العيون مذعورة صاحت أمي " سكِّره أسرع " فقطعت عنه التيار وجلست والخيبة ترخي أعصابي وأعصاب الجميع الذين تعلقَّت عيونهم بي متجاوبين مع إحساسي بالقهر ينظرون إليّ بإشفاق وحيرة.
ركبتُ الدراجة وأسرعت إلى الدكان وقلتُ لأبي وأنا أكاد أنفجر غيظاً: "انحرق الراديو" كتم أبي غضبته واستدعى انور السرداح وهو دمشقيٌُّ أنيق دمث يقيم في جيرود ويسهر يومياً مع زوجته وحيدين لأنه لم ينجب أولاداً يشرب كأساً قبل النوم. كان أنور ذكياً متعدِّد المهارات سائق (بوسطة) ومصلح محركات زراعية. تفحَّص الراديو وقال " لقد أُعطب لأنه على تيار دمشق (110فولت) والتيار في جيرود (220) فولت. خذه إلى دمشق أصلحه أو هات واحداً جديداً وأنا أشغِّله" قال أبي بحزم "بل واحدٌ جديد".
جئتُ بواحد هيكله أصغر وليست له عين ساحرة. أخذ أنور فرعاً من سلكه المبطن المزدوج وضع فيها مصباحاً كهربائيا (110 فولت) وأشعله وكانت دقائق الانتظار أكثر حساسية وتوجُّساً.. وانطلق صوته يملأ فناء البيت ويفيض على الجيران.
طوَّر المذياع تفكيري، وكنت أصغي إليه مع العائلة طيلة مدة البثّ، وكان محي الدين يجثو أمامه أثناء نشرة الأخبار ويومئ برأسه "إي، إي" إي أنه فهم عليه وينتظر منه المتابعة. كان بعضهم يسأل "هل فيه شيطان؟" وكان أبي يقول عن الأخبار "الحوادث" وكنت أنا أتابع تمثيليات علي خلقي وممتاز الركابي فتأثرتُ بها وكتبتُ مسرحية قرأتُ حكايتها في كتاب أمي المفضل "أعلام الناس في زمن بني العباس" وكانت معجبة بها وهي عن "بخل أبي جعفر المنصور" على الشعراء. أعلن أنه يعطي الشاعر زِنَة ما كُتبتْ عليه قصيدته ذهباً خالصاً على ألاّ تكون قيلت من قبل. ويأتيه الشاعر ويلقي قصيدته فيعيدها المنصور وكان يحفظ الشعر من مرة واحدة، ثم يعيدها خادمه وكان يحفظ من مرتين، ثم تعيدها جاريته من وراء الستار وكانت تحفظ من ثلاث مرات فينتكس الشاعر ويغتمّ ويخرج كسيفاً حتى دخل عليه يوماً شاعر بدوي ملثّم وألقى بين يديه قصيدة مركّبة عجز المنصور وأتباعه عن حفظها فقال للشاعر:
- هات ما كُتِبتْ عليه قصيدتك لأعطيك زنته ذهباً.
- أرسلْ معي يا أمير المؤمنين مَن يساعدُني على حملها.
- القصيدة؟!
- محفورة على قطعة رخام ورثتها عن جدي.
- ويحك. أتريد أن تذهب ببيتِ مال المسلمين؟ أمِطِ اللثام عن وجهك والله ما أنت إلا الأصمعي (هو عبد الملك بن قُرَيْب عالمٌ نَحْوي ومن أشهر رواة الشعر).
كشف الأصمعي عن وجهه وهو يبتسم فقال المنصور مندهشاً:
- ما دفعك إلى هذا يابن قريب؟
- الشعراء يامولاي من أشدِّ الناس سوءَ حال وما رزقهم ورزق عيالهم إلا على الله والخليفة ومَنْ علا مقامه.
وتقول الحكاية إن المنصور أقلع عن عادته، ولكنه لم يكن يعطي الشعراء إلا النزر اليسير. وزعتُ الأدوار على بعض أولاد العائلة وبعض أولاد الحارة واستأثرتُ بدور المنصور ودرَّبتُهم عليها لكن كلاً منهم كان يغرق في الضحك وهو يؤدي دوره فيفسد العرض، وأنا أعيد وأعيد وتثور عصبيتي حتى هربوا وتركوني وحدي.
منذ البدء بلغ القمة المذيعون الأوائل: يحيى الشهابي أول من قال "هنا دمشق" وخير من يلقي الشعر، وعصام حمّاد وزوجته فاطمة البُدَيري، وعبلة الخوري.كانوا مدرسة في الأداء وكان كلٌّ منهم حجة في اللغة العربية. تلاهم الجيل الثاني وكان لايقلُّ عنهم: توفيق حسن، وفؤاد شحاذة، وعادل خياطة ومن عجيب أمر عادل أنه كان لَكِعاً عيِيّاً في حديثه العاديّ مع الآخرين. قال لي أحد المسؤولين الإعلاميين في التسعينات "اختير عادل خياطة للعمل في إذاعة صوت العرب في إطار تبادل المذيعين بين الإقليمين الشمالي (سورية) والجنوبي (مصر) أثناء الوحدة وعندما استقبله المدير وتكلَّم معه قال مستنكراً مصعوقاً:"إيه ده إيه ده" فقال له مسؤول البعثة السورية: "دعه يجلس وراء الميكروفون ويلقي نشرة الأخبار وانظر كيف يكون" فلبث الرجل في غرفة المراقبة وراء الحاجز الزجاجي ينتظر على أعصابه وإذا به يفاجأ بواحدٍ من خيرة المذيعين وأكثرهم طلاقة وثقة بالنفس ورخامة صوت.
كنت منذ الصبى نهماً للاطلاع والمعرفة أقرأ ما تطاله يدي من صحف ومجلات وكانت أجمل هدية يحضرها لي أبي من دمشق "كتاباً أو مجلة" وأحضر لي مرة كتاباً متوسِّط الحجم وإذا به مجلة "المختار" الانكليزية الشهيرة مكتوبة موادها من اليمين باللغة العربية مترجمة ومن اليسار باللغة الإنكليزية. ثمّ صرت تارة أراسل بعض "مدارس التعليم بالمراسلة" فاكتشفُ أنهم نصابون، وتارة مَنْ ينشرون أسماءهم في باب التعارف في بعض المجلات، ثم نشرتُ عنواني وصرت أستقبل الرسائل. كان بعض الأفّاقين ينتحل اسم (فتاة) ويضع عنوانه بواسطة السمان مثلاً فافتُضح أمر بعضهم وشُهِّر به. لم يكن أحدٌ غيري في جيرود يهتم بمثل هذه (السفاسف) وشراء مجلات وصحف، وطوابع بريدية وورق للكتابة.
ورحتُ أتأمل في العلاقات الاجتماعية وأخالط الناس بحكم عملي مع أهلي وخصوصاً ناس القاع الذين يعيشون على الكفاف فأكتشف أنهم ذوو أَنَفة وهمم عالية مبتغياً تكوين نفسي من الجانبين النظري والعملي باحثاً عن "رؤية" للحياة ما تكاد تستقر فيَّ حتى تعيدني إلى نقطة البدء. وكم كانت الأمور تختلط عليّ وتحملني إلى الضياع وفقدان معالم الطريق فيما كنت أرى أقراني ينساقون في الحياة يتقبلونها كما ورثوها، وكنت أراني دائماً مشتبكاً بناموس اجتماعي ثلاثي: مساعدة العائلة، والمطالعة الجادة، وممارسة الرياضة وخصوصاً كرة القدم، ولعل هذا ما حفزني للكتابة.
انتصب بوغوص بوجهه الأسمر الطافح بالثقة وراء المقود، وأمسكه بزنديه اللتين يغطيهما شعر كثيف، ومدّ يده الى المفتاح، شغّل محرك سيارة الصهريج الضخمة فطفقت تهدر وطفقت مقدمتها البارزة إلى الأمام تهتزّ بجبروت. إنها لحظات من حلم وردي مقتطف من حديقة العمر، لحظات مُنْتَهَبة من الزمان، وأنا أجلس إلى جانب بوغوص مزهواً منتصراً وأترابي يراقبونني عبرالنافذة ويصوّبون إليّ نظرات مركزة، بعضها يغلي فيها الحسد، وبعضها يموج فيها نوع من الفضول، واقتناص لحظة حلم. وهمّت السيارة بالانطلاق وأقلعت يواكبها الأطفال، وراح بعضهم يلوح بيده تلويحة وداع منتعشٍ بالمودة والعفوية.
غادرنا جيرود باتجاه الناصرية شرقاً وانسابت السيارة بين أشجار المشمش والتين والكرمة وبوغوص يقودها كمن يشرب كأساً من الماء، وأنا أتأمل وجهه السَّمح من الجانب.
سألني:
- كم عمرك؟
- اثنتا عشرة سنة.
- بأي صفٍّ أنت؟
- في الرابع.
- ماذا تريد أن تصبح في المستقبل؟
- أستاذ.
استغربت أسئلته وهو يعرفني تمام المعرفة لأنه كلما جاءنا بصهريج المحروقات أنا في الغالب مَنْ يقدم له الضيافة أو يشارك في تقديمها: الطعام، والشاي، والقهوة. وكنت أجلس معه أحياناً ونتسامر وهو يتكلَّم العربية بصعوبة فأكتم استهجاني وسخريتي. بوغوص أرمني، والأرمن معروف عنهم الجدية في التعامل، كان يقول لي غالباً "هنيئاً لكم أنتم الصغار لاهمَّ ولا غمّ" ولكن بدا لي هذه المرة أنه يريد أن يتودّد إليّ باعتباري رفيق الطريق رغبة في تقطيع الوقت، ثم مدّ يده وفتح المذياع فانطلق صوت وديع الصافي (عاللومة اللومة) فانتشى بوغوص وراح يهزّ رأسه ويغني معه.كان بوغوص هو الذي يأتينا غالباً بصهريج الوقود من مصفاة البترول في طرابلس، وكنا ننزعج عندما ترسل لنا المصفاة سائقاً آخر. كان أبي وكيلاً لشركة "شلّ" في منطقة القطيفة، مسؤولاً عن توزيع المازوت والبنزين والكاز، وزيوت المحركات في المنطقة كلها.
البحر؟ لست أدري كيف أتخيّل البحر، يقولون "ماء وسماء". إن أَبْعَدُ مكان سافرت إليه حتى الآن دمشق، وأكثر ماء رأيته بردى، والآن أنا ذاهب إلى طرابلس أكاد لاأصدّق.
عندما تجاوزنا الناصرية، واندفعت السيارة تتسلق طريق "حاجولة" الترابيّ الذي يلتفّ حول الجبل صاعداً بنا خطوة خطوة عبر منعطفات ضيقة انقطع الإرسال الإذاعي ورحت أراقب بوغوص وهو يقود السيارة ولم يكد يرفع من وتيرة اهتمامه إلا درجة واحدة معزَّزة بثقةٍ بالنفس رصينة. بوغوص في نحو الأربعين من العمر، أعرف أنه متزوج وليس له أولاد، قسمات وجهه تدلّ على الطيبة واحترام الآخرين. في أحد المنعطفات الحادة اضطر بوغوص أن يناور بالسيارة إلى الوراء وإلى الأمام في مساحة ضيقة وقد اشتدّ ساعداه وارتفعت وتيرة اهتمامه إلى ماقبل القلق بحجم شعرة، وراح يزمجر دون أن يفقد خيطاً من خيوط الثقة بالنفس وحمحم وكأنه هو الذي يشدّ السيارة إلى الأعلى لتتخذ طريقها مطلقة صوتاً راح يدوي في الوديان من حولنا وأصداؤه تتردَّدُ وتتلاشى في هذا الجبل القفر ذي الصخور المدببة الناتئة.
لاشك أنني عانيت من لحظات الخوف والرهبة بيد أن رصانة بوغوص بعثتْ في نفسي الطمأنينة، وبدا لي واحداً من الأبطال الذين نسمع عنهم في الحكايا، وبعض السير الشعبية، بدا لي يداعب دقائق الزمن بأنامله كأنها حبّات المسبحة غير عابئ بهذه العقبات الكأداء والجبال الشامخة، بدا أكثر شموخاًَ من الجبل الذي نندفع لنمتتطي صهوته متجهين إلى قمته. ووصلنا إلى القمة وأطلّت السيارة برأسها إلى منطقة سهلية سرح فيها بوغوص منساباً على الطريق، وهو يحرك يديه حركات ارتياح وانتصار، وقد انزاحت من نفسه غمة. قلت:
- طريق حاجولة صعب جداً.
- لاشيء يصعب على بوغوص.
- ولكن ألاتخشى أن تتعطَّل السيارة في مكان حرج؟
- بوغوص لايركب سيارة ضعيف.
بعد أن تجاوزنا النبك - بلد أخوالي - ومضينا باتجاه حمص راودني شعور بالغربة، هذه أول مرة أتجاوز فيها هذه الحدود، وأول مرة أسافر فيها وحيداً، لكن شعوراً بالانتصار والتفوّق نما فيّ. كنت أهفو لرؤية حمص، إنها مدينة خالد بن الوليد، المدينة الثالثة بعد دمشق وحلب، لكن الجانب الذي رأيته منها ونحن نعبرها باتجاه طرابلس بضع دكاكين يعرضون فيها حاجيات البدو وأبناء الريف من عباءات، وكوفيات، وعُقُل، وبُسُط وحبال ومناكيش حتى البائعون بدوا لي بلباس ريفي أو وسط بين البدو والريف. عبرنا جسراً فوق العاصي وأنا أحاول رؤية مياهه الدافقة وأتمتع بالجنان الخضر التي تغمر الأرض حولنا على مدّ النظر، حمص زمردة وسط جنة خضراء وارفة، وتوقف بوغوص عند محطة وقود على أطراف المدينة (القرية) ملأ خزان سيارته، وتجاوزنا حمص نتابع طريقنا. شعرت أنني أتجدَّد مع عالم يتجدَّد، شعرت بمتعة السفر والتنقل بين البلاد وأخرجت من جيبي مفكرة فيها مسافات الطرق بين المحافظات وبين البلدات والقرى وتأهبت أدقِّق النظر إليها متابعاً بين حمص وطرابلس عند أول قرية ذكرت اسمها لبوغوص قال لي مخيِّباً "هذا غير صحيح" فاعترضت ورحت أذكر له أسماء القرى جميعها، فقال مستخفّاً: "هذه أسماء القرى التي على طريق القطار" فقبعت أنتظر رؤية البحر حتى لاحت من بعيد فسحة زرقاء لانهائية مجتزأة من صميم الأرض الشاسعة خفق لها قلبي وانتابني شعور غريب مليء باللهفة والغبطة. أحسست كأن جوقة من الشحارير تغني حواليّ، كأنني ألاقي أمي وأبي وأعز الأقارب؛ نمرح، نرقص، نغني لكن البحر مالبث أن توارى خلف تضاريس الطريق فانشدّت أعصابي وتوترت. شعرتُ كأني فارقت عزيزاً غالياً، كأن الدنيا تخلّت عني ثم انجلت التضاريس، وتجلّى البحر ملء العالم امتدّ حتى التقى بالسماء في الأفق البعيد. شعرت أنه تغلغل في عروقي، أو أنني امتزجت فيه كأنني أترجَّح على غوارب بأمواجه التي تتكسر على الشاطئ تخلط الرمل بالزبد. قلت في دخيلتي لاهفاً "يا إلهي لِمَ لمْ تخلقني هنا في بلدة تجاور البحر؟" وتجمعت على نفسي بجانب نافذة السيارة، ولم يعد في تفكيري أو مخيلتي سوى البحر، وأمواج البحر الوديعة المتهادية كالقُبَّر، وخيال الأسماك المخبوءة في قلب اليمّ تصول وتجول لاهية، فنما في قلبي حبٌّ صوفي عميق جعلني أحضن البحر بعينيّ وقلبي.
وصلنا إلى (العبدة) والبحر يتجلى أمامها يملأ دنياها بهاء فأوقف بوغوص السيارة ومشى بي إلى مقهى ومطعم على حاشية الطريق، وسلمني إلى هاشم بك صاحب المقهى وأوصاه بي، وطلب منه أن يرسلني إلى قرية (ببنين). استندت إلى الجدار وسرحت بعيني في البحر متمنياً أن تتأخّر سيارة (ببنين) لكنها مالبثت أن وصلت سيارة أجرة من ذات ثمانية ركاب قادمة من طرابلس محشوة بالرؤوس والأكتاف والأيادي المقوّسة. رحب بي السائق وحشرني على يساره وانطلقنا إلى (ببنين) قرية أبناء عمنا وهي تجثم على بعد بضعة كيلومترات بيبوتها المتواضعة المبنية بالحجارة والطين في حضن هضبة محاطة بالجميز وقصب (البربار) وأنواع من أشجار التين والبرتقال وأنواع أخرى من الأشجار الحراجية. استقبلني ابن عمنا المضيف (عبد الكريم) متهلِّلاً مرحباً متوقِّعاً قدومي وقادني إلى المضافة التي يتصدرها أبي وسط عدد من رجال القرية فتلألأت على عينيه مشاعر الزهوّ والانتصار ممتزجة بالحنان واللهفة.
ألقيتُ التحية وقبَّلتُ يد أبي وركنتُ إلى جانبه أتأملّ لباس هؤلاء الرجال: السروال (الشروال) الأسود الذي يلتف حول الخصر بالكثير من التكسُّرات والثنيات دلالة على اتساع عرضه، وفوقه قميص فضفاض، وبعضهم يعتمر تحت الكوفية والعقال قلنسوة من اللباد الداكن مغزلية الشكل بارتفاع حواليّ الشبرين.
في (عكار) يعدُّون القهوة على طريقة القهوة المرة التي نعدُّها في منطقة القلمون والبادية يحمِّصونها تحميصاً متوسطاً، ويدقونها في الجرن (المهباج) حتى تغدو جريشاً ثم يضعونها في أواني نحاسية مزينة بالخطوط السوداء، ثم يطبخونها على النار مدة لاتقل على نصف ساعة، لكنهم يحلّونها بالسكر ثم يصفّونها ويقدمونها بفناجين القهوة المرة المعروفة ملء الفنجان. أما عندنا وفي البادية فيستطيبونها مرة ويصبونها في الفنجان رشفة رشفة بحيث لاتكاد تغمر قعره.
واحتفاء بأبي أعدّ أبناء عمنا القهوة مُرَّةً على طريقتنا وقدموها لزوارهم. وعندما ارتشف عز الدين وهو رجل مرح قطرات منها كشَّرَ وقال لعبد الكريم "الله يمرمر ايامك ما أمرَّها".
لفت نظري أيضاً أن النساء يُنضجن خبز الذرة رقيقاً على (الصاج) وأن وجوه مَنْ أرى ولون عيونهم ولون شعرهم كلها لاتختلف عن وجوهنا في منطقة القلمون فاستنتجت أن القلمون امتداد لعكار وأن عكار امتداد للقلمون.
أعلمني أبي مساء أننا سنبقى في ببنين ثلاثة أيام بعدها نرجع مع بوغوص إلى جيرود بصهريج المحروقات، طلبت منه أن أقضي هذه الأيام على البحر منذ بزوغ الشمس حتى مغيبها فكلف عبد الكريم شاباً من الأقارب لمرافقتي اسمه أحمد، فرحت به فرحاً شديداً لأنه يعمل صياداً وطلبت منه أن أرى شروق الشمس وغروبها على البحر. قال:
- البحر عندنا في الغرب فلن ترى سوى الغروب.
وعاد يسألني:
- وماذا ايضاً؟
- مشاهدة الأمواج وهي تتكسر على الشاطئ، وركوب الزورق، والسباحة ومشاهدة الصيادين...
- لابأس لا بأس ولكن عليك أن تنهض مبكراً.
تحدرنا إلى (العبدة) قبل الشروق فقال لي أحمد "اجلس هنا وسترى كل شيء" وانهمك مع الصيادين في نشر الشباك. جلست على الرمال أسرح بنظرات لاهفة في هذا العالم الساحر الأمواج تتقدم متتالية من عمق البحر موجة إثر موجة تلتفُّ على نفسها مرغية مزبدة.. ثم ماتلبث أن تنسفح على الرمال تختلط بها وتتلاشى فيها، ثم تلملم نفسها وتتراجع لتحضنها موجة أخرى قادمة في وشيش متلاحق متصل يترع القلب بالبهجة.
إنها حركة أبدية رتيبة تعني أن في البحر روحاً ضافية تصنع الوجه الأكثر متعة في الحياة فتقدمت ألاعب الأمواج، أضع علامات أتوقع أن تصل الموجة إليها فاكتشفت أن الأمواج ليست متساوية في القوة والامتداد، بعضها يزيد على بعض أويقل، وغالباً ماتخيب توقعاتي.
إن صيادي القارب فريق عمل متكامل يقودهم (ريِّس) أكثرهم خبرة وأقواهم شخصية يحترمونه وينفذون أوامره. ينشرون الشباك في البحر على مدى ثلاثين متراً وعرضها حوالي المترين خطها الأعلى مربوط بكرات من (الفلين) ليطفو على سطح الماء وخطها الأسفل مربوط بكرات من الرصاص ليظلّ في القاع لتجرف الأسماك إلى الشاطئ، ويتبع القاربُ الشباكَ في عرض البحر يقوده أحد الصيادين بصمت وهدوء.
ينقسم فريق الصيادين إلى مجموعتين في موقعين متوازيين على الشاطئ تبعد المجموعة عن الأخرى حوالي الثلاثين متراً هي المسافة بين طرفي الشباك الملقاة في البحر وتمسك كل منهما بطرف حبل الشباك، ويصطف البحارة تترى واحداً في إثر الآخر وكل منهم يتزنر بحبل يمدّ جزءاً منه بطول ذراع منتهياً بعقدة يلفها على حبل الشباك ويتراجعون إلى الخلف يشدون الشباك بأجسادهم وأيديهم من عمق البحر وما إن يصل واحدهم إلى آخر الصف حتى يتقدم إلى الأمام بإيقاع مستمر موزون، يرددون خلف أحدهم أهزوجة فيها دائماً كلمة (هيلا) وتقترب لحظة الجنى، وتصل الشباك إلى الشاطئ والسمك يتخبط ويتراقص وهو يفارق الحياة صيداً حلالاً فيتهافتون عليه كالبواشق ويتعاونون في إخراجه، فيقْسم (الريِّس) الحصص بينهم ولكل مهمة عمل ولصاحب القارب والشباك حصة معروفة، فيأخذ كل منهم حصته مبتهجاً منتصراً بعضهم يبعها لمطعم هاشم بك، وبعضهم يأخذها إلى بيته يسعد بها أهله.
عندما حان الغروب جلستُ على الشاطئ أراقب الشمس وهي تتحدَّر نحو الأفق وقد أخذ توهُّجُها يضعف، وقرصها يكبر، وأخذت تتجلى بلون برتقالي مؤتلق، وماإن بلغت حدود الأفق حتى لونت صقال الماء بلونها الأخاذ، ثم شرعت تغطس في البحر إصبعاً إصبعاً، ثم لم يبق منها سوى خيط رفيع، ثم ابتلعها البحر واتشحت الدنيا بظلام باهت.
إنني أشعر بحالة من الذهول أمام جلال الطبيعة وهيبتها وروعتها. أشعر كأن الشمس غطست في البحر تستحم وتتقلب في أمواهه طيلة الليل حتى تشرق في صباح جديد نظيفة منتعشة متابعة جولتها السرمدية، وأنسى أنها ثابتة وأن الأرض كروية وهي التي تدور حولها، أشعر أنني أتوهّم لكنه وهمٌ أكثر سحراً من الأحلام الجميلة.
في اليوم التالي كان دور أحمد في ركوب الفلوكة (القارب) خلف الشباك فركبت معه وتعلمت التجديف، ثم خلعت ثيابي وغطست في البحر لأكتشف الفارق بين السباحة في البركة والسباحة في البحر والماء يلفظك ويرفعك إلى الأعلى فلا يعوزك جهد كبير لتطفو. أما الموج فوجدت أنه يعلو بك ويهبط وكأنك على متن راحلة في فضاء رحب. تلك كانت المتعة البكر، ماسبق لي أن شعرت بها لا في حقيقة ولافي خيال. تعلّمتُ من الجغرافية أن البحر ثلاثة أرباع اليابسة وأنه مليء بالأسماك والحيتان واللؤلؤ والمرجان.. لكني رأيته عالماً يستقي زرقته اللازوردية من زرقة السماء. ومازلت أحلم ببيت يطل على البحر.
كان عمي ينهدُ إلى المزرعة بعد صلاة الفجر خلال الموسم الصيفي: الخيار والقثاء والبندورة والذرة وسائر الخضراوات، ويلبث حتى يحين موعد الإفطار فيعود إلى الدار ويبقى الناطور وحيداً. يوم السبت الثاني من رمضان عام 1369هـ السابع عشر من حزيران (يونيو) عام 1950 استأذنه الناطور بالغياب فكُلِّفنا أنا وسعيد أن نأتيه بالزوادة نشاركه الإفطار في المزرعة ونحن نشعر بمتعة لاتعادلها متعة لأن مزرعتنا هي ملاذ أحلامنا وتخيلاتنا نسرح فيها ونبني بيوتاً من الطين والحجارة.
سرحنا بنظرنا على غوارب جفنات العنب الزمردية التي تمتدّ بعيداً حتى الأراضي البور ثم تتسلق جبل (الشميس) ورنّقنا على قمته وقد بدأ الشفق الزهري يشكل مع غروب الشمس وشاحاً يزنر الأفق ويصعد رويداً رويداً نحو السماء، وجمنا وفي داخلنا يتصارع الحلم مع العطش والجوع وقبض كل منا على مطرته التي ملأها من الينبوع منتظراً متوفزاً.. وعندما رمى عمي الأفق بنظرة خاطفة استبشرنا وإذا به يقول بثقة (افطروا) إنها لحظة انتصار وتناول كل منا (حبة تمر) ووضع فوهة المطرة على فمه حتى ارتوينا وأحسسنا بالانتعاش وفتحنا الزوادة لاهفين وفيما امتدت أصابعنا إلى الزاد بسط عمي يده يستمهلنا وراح يردد أذان المغرب بصوته الأجشّ، ثم فتح يديه وقال رددوا معي: "اللهم إني لك صمت وعلى رزقك أفطرت.. " ثم قال "بسم الله الرحمن الرحيم" فانقضضنا على الطعام، ونحن نتربع على حصير من القش في تلك البنية من الطين والحجارة المشادة على تلة صغيرة مفتوحة على المزرعة سقفها من أغصان الحور ولها ثلاثة جدران في كل منها كوة للإطلال على سائر الجهات.
أصبح عدد أفراد عائلتنا ثلاثين بأربع أسر: أسرة أبي، وأسرة عمي، وأسرة ابن عمي وأسرة أختي الكبيرة والجميع يأكلون على سفرة واحدة يتصدرها أبي وعمي، وعندما يهلّ هلال رمضان وتبدأ الاستعدادات للسحور تزهو بنا الدار ونحس منذ الساعات الأولى أننا مقبلون على شهر بحاله مقتطع من السنة كلها. ومنذ صلاة الظهر تبدأ الاستعدادات للفطور من التمر والحليب و(الفتوش) والحساء (الشوربا) وشراب (التمر هندي) و(العرق سوس) ينضاف إليها كل يوم نوع جديد من الطعام المزدان بالسمن العربي ولحم الجمل أو الخروف أو الدجاج، وتزدان المائدة بفواكه الموسم وبالحلويات (المحلية) كحلاوة الدبس، والرز بالحليب و(اللزاقيات) وهي خبز من عجينة خاصة ينقع بعد نضجه بالسمن العربي والدبس أو (القَطر)
في السنوات الأولى من عمرنا بين (الثالثة والخامسة) كنا نصوم (درجات المئذنة) نتناول السحور وننوي الصيام مع الأهل (وياويل أمهاتنا إن لم يوقظننا) وعند أذان الظهر نفطر على الماء وشيء من الطعام وننوي الصيام حتى أذان العصر، ونتابع حتى أذان المغرب فنفطر مع الأهل وعندما نبلغ السادسة ننضم إلى الأهل في السحور والصيام والإفطار، وفي اليوم الأول للصيام الكامل يقدم للطفل (إفطارية) تثير حسد الآخرين وهي ديك تذبحه الأم (أكلات طيبة) يشتريها الأب، وقبيل الغروب يحمل الطفل (إفطاريته) ويصعد إلى السطح ينتظر أذان المغرب و(مدفع الإفطار) في كل رمضان تقيم العائلة ثلاث مآدب على الأقل: الأولى للفقراء، والثانية للوجهاء، والثالثة للأقارب فضلاً عما نحمله للفقراء من طعام أو مساعدات أخرى. كنا نحسّ ببراءة الحياة وبالصفاء الروحي وبمتعة صوفية مقدسة تتجلى فيها قدرة الله، كنا نحس بشقاء الفقراء ونندفع لتقديم المساعدات وأداء (زكاة الفطر) على حبّ وأريحية ونتمتع ببهجة التواصل بين الأقارب والأرحام، وبذاك التسامح بقلوب ناصعة البياض، وانعتاق النفوس من أوشال الحياة ومتاعبها، وتكثر تلاوة القرآن، والاستمتاع في بداية كل سهرة بالأناشيد الدينية التي يحييها بعض المنشدين في (المضافة) بمشاركة رجال العائلة والزوار والأقارب مثل"سيد الكونين طه خاتم الرسل الكــرام" ثم تُختتم السهرة بقراءة بعض الكتب الدينية مثل "قصص الأنبياء".
ومهما تطورت الحياة وتقدمنا خطوة حضارية جديدة يحافظ شهر رمضان على مايضفيه من بهجة ومتعة روحية، وتتطور الموائد وتتنوع الأطعمة والمشروبات وتبقى مائدة رمضان متميزة، لكن معاناة الجوع والعطش باعتبارهما غريزتين تشكل الحافز إلى متعة التسوق وملء العيون التي لاتشبع، وإذا بالناس يأكلون من المائدة ماتأكله العصافير من شجرة وارفة مثمرة. إنني أعتقد أن أجمل مافي حياتنا الإسلامية والعربية هو حلول شهر رمضان الذي ينتهي بعيد الفطر، ويأتي العيد ليجدد الحياة ويطلقها من عقالها.
في العام نفسه حصلتُ على الشهادة الابتدائية فسجلني أبي بموافقة خاصة من وزارة المعارف في الصف السادس (الأول المتوسط - الإعدادي) بالقسم الداخلي في ثانوية القلمون بالنبك ابتداءً من العام الدراسي 1950/1951.
جهزتْ لي أخواتي محفظة ثيابي والدموع تترقرق في عيونهن وعندما اقترب موعد خروجي من البيت أجهشت جميع النساء بالبكاء خالتي مريم وزوجة عمي وانهلن عليّ جميعاً بالقبل ورافقنني إلى الباب أما أمي فقد انتصبتْ واقفة تودعني وقالت بعنفوان تخفي تأثُّرها في قلبها من العمق "ادرس جيداً واعتنِ بنفسك" شعرتُ وأنا أتجه إلى الدكان في شارع تدمر أنني انتُزعت من العائلة ومن ذكرياتي، كنت أذهب مع أبي إلى دكانة اللحام فيشتري ملء الصينية يحملها محي الدين ويعطيني اللحام أبو محمود قطعة كبدة وكمية من اللحم الناعم، فأجلس مع الأولاد على موقد في ساحة الدار أشوي اللحم وأوزّعه عليهم، وقد كثر عدد الأولاد يسرحون ويمرحون في أرجاء الدار يملؤونها حيوية وبهجة ومرحاً أو تخريباً وشجاراً مع الأمهات. وشعرتُ أن تلك اللوحة الرائعة التي كنت أعيشها عفوياً قد تغبّشتْ وأخذت المرارة تعصر قلبي على فراقها.
وصلت إلى الدكان فرأيتُ (البوسطة) القادمة من الناصرية في انتظاري وقد حُجِز لي المقعد الأول. صعد أبي معي إلى البوسطة، وقبلني، وتراجع وهو يمسح دموعه. قال له أبونمر القادم من الناصريّة وشريكي في المقعد مازحاً وكان من أعزّ أصدقائه " عيبٌ عليك أن تبكي مثل النساء يا رجل " وانطلقت (البوسطة) تهمهم وترتجّ على ذاك الطريق الذي ما إن يفرش بالرمل والتراب حتى تنتهكه عجلات السيارات و(الطنابر) والمطر يحفر فيه الأخاديد، والرياح تذرو رمله وترابه في الهواء. أحسستُ وأنا على مقعدي إحساس الجالس على صندوق هزّاز يطيب فيه النوم أو العوم في الأحلام وأنا مقبلٌ على مرحلة بقدر ما فيها من الحذر في اقتحام المجهول فيها ومض من متعة الجديد كالثياب والأحذية والهدايا والإحساس بالتفوُّق على الآخرين. وفيها أسف على مرح الطفولة المسفوح وراء الظهر وأنا وسعيد وخير نحمل زوادة ومطرة ماء ومحفاراً صغيراً لنبحث عن "الحرصنّين" نأكل "بُصَيْلته" العجينية اللذيذة ونجمع كمية نضفر سويقاتها الحشيشية الطرية لنأخذها لإخوتنا الصغار. كان أول مانفعله عندما نصل إلى أراضي البيادر المدحوّة الصقيلة كالبلاط التي تبدأ من ظاهر القرية وتنتهي بالسهول الجنوبية الخضراء الصاعدة برحابة إلى جبل الدخان.. نتربع على الأرض ونفتح الزوادة نأكل مافيها.
أو عندما جعلت الهاجرة في آب (أوغسطس) البرية ساكنة سكون منتصف الليل لايُسمع فيها إلا نقيق الضفادع خافتاً كأن فيه بحّة فطلينا أجسامنا ووجوهنا بطين الطحالب الأسود ووضعنا قروناً وزنانير من أغصان الأشجار كما كنا نتخيَّل الجِنّ وتسللنا إلى برِّية الجيران وكانت "خبصة" بنت الجيران عمرها يزيد على العشرين ترابط في كوخ على كومة من حجارة تنطر العنب والخضراوات، ورحنا ندور حول الخيمة نطلق زعيقاً كما نتخيل زعيق الجنّ على أن "خبصة" لاطيةٌ إلى الجدار متجمِّدة هلعة وليس لها من وسيلة هروب إلا أن تخفي وجهها براحتيها وفجأة رأيناها تتحدّر نحونا كالذئبة وبيدها مِضْرَبٌ بطول عصا المرّ تجري خلفنا ولسانها يقذفنا بالشتائم "كلاب أولاد كلاب" فولّينا هاربين وسيقاننا تسابق الريح، وأقدامنا تطأ الأشواك لا نحسّ بوخزها، وظلت تجري خلفنا حتى وصلنا إلى بستان محاط بجدار من الحجارة قفزنا إلى داخله نلتقط أنفاسنا وتوارينا خلف أشجار الكرمة يسرِّع الرعب خفقان قلوبنا ويعشش في لهاثنا.
كنا نتوق بقوة إلى تعلم اللغة الأجنبية لأنها هي التي تميزنا من الأولاد الآخرين. علمني ابن عمي اسماعيل أن ألفظ وأكتب على دفتري (بالعربية) عدداً من المفردات والعبارات باللغة الفرنسية وفوجئت أنه يجيدها. وقصدت عبد اللطيف مع بعض زملائي وهو طالب في صفٍّ أعلى ليعلمنا اللغة الإنكليزية. ولاحت لي ذكريات من المرحلة الابتدائية أستاذنا في الصف الرابع فخري من المليحة كان يسخر من التلاميذ الدراويش وممن كانت فيهم عيوب خَلْقية، ويصادق الزعران. والأستاذ الفلسطيني سعيد كان يعاقب التلميذ يجبره أن ينبطح على المقعد ويكلف أحد التلاميذ أن يجثم على ظهره وآخر يمسك رجليه من تحت المقعد، فيضربه بمنتهى القسوة على مقعدته، فأخرج أحدهم مرة ريحاً بصوتٍ أثار ضحك أبناء الصفّ. وكنت عضواً في فرقة الكشافة أعزف على الطبل بمضربين، وجاءنا مرة رجل في نحو الخامسة والأربعين يرتدي زيَّ الكشافة وأجرى لنا امتحاناً منه سؤال وُجِّه لي عن مؤسس الكشاف العالمي قلت بحماسة " اللورد بادن باول" ومن الأساتذة الذين تركوا أثراً فينا المدير أحمد القادري وكان معلمنا في الصف الخامس، وهو من عائلة محترمة في جيرود، كان يأخذ فريقاً منا إلى الرحيبة يوزعون على أسر فيها تلاميذ بمثل عمرنا ننام عندهم يوماً أو يومين، ويأتي بتلاميذ من الرحيبة يُوَّزعون في جيرود، وأصبح لنا أصدقاء مازالوا حتى الآن. وقبيل امتحانات الشهادة الابتدائية كان يجمع بين تلاميذ جيرود والرحيبة يتبارزون في طرح الأسئلة
أول رحلة اشتركتُ بها كنت في الصف الأول بدأت من باب المدرسة عبر الشوارع على رتلٍ مزدوج لفتتْ نظر الناس وكانت النساء يطلقن الزغاريد وينثرن علينا قطع السكر لكن أياً منا لم يجرؤ على التقاط واحدة وتابعنا سيراً على الأقدام الى الصخرة وهي مزرعة بهيّة على بعد بضعة كيلومترات شرقي جيرود. فاستقبلنا وكيلها وأولمَ لنا.
وصلت البوسطة إلى القطيفة فأفاقتني من سبحات الذكريات. ترجلنا أنا وعدد من طلاب جيرود والمعظمية والرحيبة وأخذنا نندس على الواقف في (الباصات) الذاهبة من دمشق إلى حمص وحلب.
بعد افتتاح ثانوية القلمون قامت أول هبّة تعليمية في جيرود ومنطقتي القلمون (النبك والقطيفة) من أبناء الطبقات الفقيرة الذين يعملون مع أهلهم في الصيف ليؤمنوا القسط السنوي للمدرسة (لم يكن التعليم الإعدادي والثانوي مجانيا) يزودهم أهلهم بالخبز والبيض والبرغل والبطاطا وبخمس ليرات شهرياً فيستأجر كل أربعة منهم غرفة يعيشون فيها، وكان أحد زملائنا أمه أرملة تعمل بشقاء حتى تابع دراسته مع الآخرين.
كان طلاب القسم الداخلي فئتين: فئة مجانية تتعلم وتأكل وتشرب وتنام، وهم من أبناء منطقة القلمون حصراً (كان لكل قرية كرسي مجاني يُمنح لمن ينال الدرجة الأولى في الشهادة الابتدائية) والفئة الثانية من أبناء الميسورين القادرين على دفع قسط سنوي قدره خمسمئة ليرة شريطة الحصول على موافقة إدارة الثانوية ووزارة المعارف، وبسبب شهرة مديرها المربي ياسين الطربوش ضمتْ طلاباً من دمشق وحمص إضافة إلى طلاب القلمون الذين كنت واحداً منهم..
ننهض في الخامسة والنصف صباحاً لممارسة الرياضة (جري وتمارين سويدية) مدة ساعة باللباس الرياضي قميص قطني أبيض بنصف كمّ وسروال قطني قصير أسود (شورت) رغم البرد الشديد في الشتاء (تهبط درجة الحرارة في النبك أحيانا إلى مايزيد على 15درجة) بعدها مطالعة صباحية لمدة ساعة، ثم فطور واستراحة وفي المساء مطالعة أولى من الرابعة وحتى السادسة، ثم عشاء واستراحة لمدة ساعة نعقد فيها حلقات الدبكة والغناء ويتسابق فيها أبناء كل قرية بجمال الصوت واتقان الدبكة، بعدها مطالعة ثانية حتى التاسعة. في التاسعة تنظيف الأسنان وفي التاسعة والنصف كل في سريره ومصابيح المهاجع مطفأة. وكم كنا نفاجأ بالمدير أثناء فترات المطالعة واقفاً على النافذة نراه خلسة، وننكب على القراءة. وكم كنا نسمع صوته في الممرات أثناء الاستيقاظ وأثناء النوم منبِّهاً "سامع صوت" يوم الإثنين بعد الظهر يجلس الجميع على المقاعد يصغون إلى الإذاعة المدرسية يحرر برامجها الطلاب بإشراف بعض المدرسين، وكان على كل طالب أن ينتمي إلى فريق رياضي: الكرات، والجري، وألعاب القوى فانتميت إلى فريق كرة القدم. كانت المباريات تجري بين الدوامين الصباحي والمسائي وتُنَظم على شكل دوري تسجل فيه النقاط وتمنح الجوائز آخر العام للمتفوقين. وكانت لجنة الرياضة مؤلَّفة من الطلاب تعيّن بإشراف مدرّس الرياضة المدربين، والحكام وتحدد مواعيد الدوري.
جلسنا جميعنا في الظلام وأضيء المسرح ودخل الطالب حسين قشوع يدفع عربة أمامه وينادي "بليلة بليلة" فأثار ضحك الطلاب وتصفيقهم. ثم أسدلت الستارة دقائق ونحن مبتهجون نحس أن ثانويتنا هي العالم ورُفعتِ الستارة من جديد وواجهت الجمهور فرقة مسرحية أبرز نجمين فيها ذيب حمودة وزهير بريدي ملآ عيون الطلاب وقنصا اهتمامهم وصمتهم وبدآ بأداء مسرحية هزلية استثارت أمواج الضحك الصاخبة. ثم صعدت إلى المسرح فرقة موسيقية من الطلاب بقيادة مدرس الموسيقا وعزفت بعض الألحان التراثية "لما بدا يتثنى، ياشادي الألحان.." وكانت تصدر عن المدرسة مجلة شهرية اسمها "صدى القلمون" يحررها الطلاب بإشراف مدرس اللغة العربية الأستاذ صلاح الدين موسى.كان يُمنع طلاب القسم الداخلي من مغادرة المدرسة إلا بإذن رسمي حتى أثناء العطل فبدأتُ أحسّ في البداية أنني سجين في تلك القلعة الفرنسية الحصينة ذات الأسوار العالية الرابضة فوق رابية تطلّ على النبك وأرى سليم البواب يرابط عند بابها الحديدي الذي لاينفتح إلا عند قدوم طلاب القسم النهاري وعند خروجهم يتربّص مفجِّراً عينه السليمة الواحدة حتى إذا رأى طالباً من القسم الداخلي يحاول الهروب انقضّ عليه وأمسكه من طوقه ونادي بأعلى الصوت على الأستاذ المراقب. ورغم الطعام الشهيّ الذي يطهوه أبو عبدالله ورغم تعدُّد وسائل التسلية "بنغ بونغ" و"جمَّسْتيك" و"مكتبة زاخرة بالكتب القيّمة والمنوِّعة" ورغم ثناء المدرسين على تفوُّقي بمادتي الإنشاء واللغة الإنكليزية، ورغم المداعبات الطريفة كان أحد الطلاب أصلع وكلما انحنى ليشرب في الباحة يصطف خلفه عدد من الطلاب في رتل يمسك كلٌّ منهم بيد الآخر ويلمس أقربهم إليه رأسه فيهتزون ويضطربون على أن تياراً كهربائياً مسهم فيشتبك بأول من يراه خلفه، ورغم أنني كوّنت صداقات دامت بعضها سنين طويلة... كنتُ توّاقاً دائماً إلى الانفلات من باب الحديد والهبوط من الرابية.