الفصل 25

11 0 00

فاتنة عذراء في ريعان الصبا سمراء لمياء كالخمرة المعتقة، فرعاء كغصن صفصافة، حوراء كالمهاة تتأهب لساعة الزفاف، جسمها يتلفّع بالخزّ والديباج، ورأسها يتوج بالجواهر واليواقيت أقبل الكاهن عليها وضع راحته على رأسها وأغمض عينيه يتمتم بشفتيه لصلاة خاشعة فغمرتها سحائب البخور تنثر حواليها نفحاً مقدساً، وعلت الابتهالات والزغاريد، وعلى الضفتين قامت الرقصات والدبكات والأناشيد، ومشت تتأبّط ذراع أبيها، وعندما وصل موكبها احتضنها الأب وخطا بها متقدماً بين صفين من الكهنة نحو الحافة وأغمض عينيه وكتم أنفاسه وزفّها إلى النهر على دويّ الهتافات واحتداد التصفيق وقرع الطبول وهزيج المزامير. لقد وَهَبَتْ نفسها قرباناً للنيل ثاني أطول نهر في العالم بعد "الميسيسبي" في أمريكا الشمالية، وثاني أغزر نهر بعد "الأمازون" في أمريكا الجنوبية حتى يجري هادئاً مطمئنّاً يهب مصر الخير والرغد لايفيض ويبتلي الناس بالمآسي، فغمرتها الأمواجُ بنثار اللؤلؤ واللجين وسارتْ بها في رحلتها السردمية فانتصب الأب يشعر بالنصر وراحة الضمير، ورنَّقت الأم بعينين جمدتْ فيهما الدموع.

يروي أحدهم أن أهل مصر عند بداية الفتح الإسلامي جاؤوا إلى عمرو بن العاص في شهر "بؤونة" وهو شهر قبطي يقابل شهر أيار (مايو) بالتقويم الجريجوري وقالوا له "أيها الأمير كلما جاء الثالث عشر من هذا الشهر نقدم للنيل عروساً وإلا فاض علينا وقهرنا" أجابهم عمرو أن الإسلام يجبّ ما قبله، ويقول صاحب الراوية إن الخليفة عمر أرسل لابن العاص رقعة كتب عليها "من أمير المؤمنين إلى نيل مصر. أما بعد فإن كنت تجري من قبلك فلا تجرِ، وإن كان الواحد القهار هو الذي يجريك فنسأله أن يجريك" وطلب منه أن يلقيها في النهر، يطمئنهم، ويشدُّهم إلى الإيمان بالله.

كانت الصورة تنبض في وجداني وأنا منزوٍ وحيد على سطح الباخرة التي تتبختر على طول النيل منذ دخوله القاهرة وحتى خروجه بمأدبة غداء وحفل فني دعانا إليها أنا وزوجتي الصديق أبو لؤي (من أوائل الإعلاميين المصريين) وزوجته الدمشقية أم لؤي، ودعا معنا السفير السوري ود. أسامة الباز مستشار الرئيس المصري للشؤون السياسية، والفنانة ميادة الحناوي.

تركتُ الحفل الفني، وغطست في النيل وضممتُ "العروس" انتشلتها وحلقتُ بها في الفضاء غير مستعدٍّ أن تجرح خيالي هذا المجنح الجميل آراء من ينفون الحدث أو يؤكدونه من الدارسين، كما لم تستطع أن تجترح خيال عدد من الشعراء. يقول أحمد شوقي:

وتذكرتُ ماكتب عمرو بن العاص والي مصر للخليفة عمر بن الخطاب "مصر أرضها ذهب ونساؤها لعب، ورجالها لمن غلب" وترسبت في أعماقي فاتنة سمراء رقيقة الصوت مغناج تهرب مني كلما حاولت أن أتقراها بلمس، أبهى من كليوباترا ونفرتيتي ونجلاء فتحي. ووجدتُ عيني واقعتين على عيني فتاة سمراء حقيقية من حيث لا أشعر، ووجدتني أنجذب متفاجئاً، ووجدتُ ابتسامة تنفر من شفتيها مرسومة بخفر واستغراب وتساؤل، وبما أنني أعرف أن الجوّ الاجتماعي المصريّ حضاريٌّ مفتوح شجعني أن أدخل معها في حوار عابر سألتها:

- مالك تركتِ الحفل، ألعلةٍ فيه أم لميلٍ فيك إلى الهواء الطلق؟

- أنا هاربة من نفسي.

واستندتْ إلى زاوية في القارب سارحة قلت:

- لو كنتِ في ذاك الزمن أكنت تتبرعين أن تكوني عروساً تزف إلى النيل؟

- ليتَ النيل بحاجة إليّ لألقي بنفسي فيه.

وتأوهَّتْ بحرقة وأغضت وتابعت طريقها بأعطاف غضة سلبتني نظراتي وإذا بصوت زوجتي تسألني من خلف "مالك تجلس هنا وحيداً؟ كلهم يسألون عنك" وكأنها تُحكم قبضتها الفولاذية عليّ بنبرة استنكار حادة.

يوم الأربعاء التاسع من تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 1977 لم يكن يخطر لي كانطباع أوليّ إلا بيت المتنبي:

وأنا أرى السادات متهافت على الكنيست الإسرائيلي يفجر طعنته التي مايزال نصلها المثلَّم مغروزاً في القلوب. أحسستُ أن الأرض توقَّفت عن الدوران، وأن الوحدة العربية، والأحلام بالصمود، والنصر، ودم جارنا الشهيد "أبو زهير" وحرب تشرين (أوكتوبر) مسوخ وسقطاتٌ أشدّ هولاً من النكبة، والنكسة.

وهاهو أبو الحسن علي بن إخشيد حاكم مصر يجوب سوق النخاسة في الفسطاط يبحث عن شيء حتى وقع نظره على طفل زنجي خصي اشتراه وسماه "كافور أبو المسك" رباه وأحسن تربيته، ثم أعتقه وجعله من كبار قواده. وبعد وفاة أبي الحسن تولى كافور حكم مصر على مدى (23) عاماً بين عامي (946- 968) وجعل منها دولة مرهوبة الجانب. وهاهو المتنبي يلوذ به بعد خلافه مع سيف الدولة الحمداني تسبقه شهرته آملاً أن يسند إليه إمارة إحدى الولايات فتلقّاه متهلِّلاً طامعاً أن يمتدحه بقصائد كتلك التي قالها في سيف الدولة، وعندما لم يرَ منه سوى قوله:

بادله المكر بالمكر وتغاضى عنه وجعله ينتظر كمن فرضتْ عليه الإقامة الجبرية، لكن المتنبي هرب وكتب قصيدته الشهيرة:

ومما قاله في قصيدة أخرى ساخرة:

وتراءى لي المصريون مصعوقين عندما أصدر "الحاكم بأمر الله" الخليفة الفاطمي السادس (996- 1021) أمراً بتحريم أكل "الملوخية"، وقبل أن يفيقوا من هول أمره أصدر أمراً صارماً آخر يفرض عليهم العمل في الليل والنوم في النهار.

وفي السابع عشر من أيلول (سبتمبر) 1978 وقّع السادات مع مناحيم بيغن معاهدة كامب ديفيد، وكان الزلزال، وغارت في الرمال ثورة 23 تموز (يوليو) 1952، وجمال عبد الناصر أحد مؤسسي حركة عدم الانحياز، وتأميم قناة السويس، والعدوان الثلاثي و"الله أكبر فوق كيد المعتدي" وبور سعيد، والجمهورية العربية المتحدة، ورمسيس، وتوت عنخ أمون والإهرامات، وأحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، وطه حسين، وعباس محمود العقاد، ومصطفى صادق الرافعي، وإبراهيم عبد القادر المازني، ومصطفى لطفي المنفلوطي، ومحمد مندور، ونجيب محفوظ. ومحمد عبد الوهاب، وأم كلثوم، واسماعيل يس، وعماد حمدي، وكمال الشناوي. وغدت مصر نسراً تساقط ريشه.

جاءتني رسالة من إدارة "المهرجان العاشر للإذاعة والتلفزيون " تعلمني أنه تقرر تكريمي وتدعوني لحضور المهرجان الذي يقام في القاهرة بين (23 - 27) في حزيران (يونيو) عام 2004.

وعندما غادرنا دمشق يوم الاثنين 22 حزيران (يونيو) بطائرة ملآى بالمدعوين والمشاركين عادت بي الذكرى إلى أوائل الستينات وأنا جالس مع أمي وأخي بعد الإفطار في رمضان نصغي إلى أغنية لشادية من صوت العرب. فوجئنا بتوقف الأغنية وبالمذيع يقول "انتظروا أخباراً هامة بعد قليل" وعادت الأغنية. أمسكنا أنفاسنا ننتظر حدثاً خطيراً مفاجئاً في تلك المرحلة التي كثرتْ فيها الأحداث المريعة، وتوقفتْ الأغنية من جديد وقال المذيع "انتظروا حدثاً هاماً" فازداد توترنا وراحتْ دقات قلوبنا تنبض سراعاً في آذاننا. أخيراً أعلن أن (جوبيتر) المريخ يقترب من الأرض يوشك أن يصطدم بها، ثم قال لاهفاً "إننا ننتقل بكم الآن إلى مرصد القاهرة الدولي" وراح المذيع الآخر يقول من المرصد برعب وحدة إن الشهب النارية تتساقط على الأرض، وإن الأرض تهتز. جمدنا مأخوذين نتحسس ما إذا كانت الأرض تهتز تحتنا، وننظر إلى السماء عبر النافذة لنرى ما إذا كانت الشهب تنقضُّ علينا وإذا هي تمثيلية هزلية يؤديها الثنائي الشهير "الخواجة بيجو" و"أبو لمعة" كان "الخواجة بيجو" و"أبو لمعة" من أبرز نجوم الإذاعة في تلك المرحلة يتباريان بالكذب في برنامج "ساعة لقلبك" بإذاعة صوت العرب كأن يقول الخواجة بيجو "عندنا طبيب انقطع ذيل القطة فركّب لها ذيلاً" فيرد عليه أبو لمعة "دي قديمة عندنا طبيب انقطعت القطة ولم يبق سوى ذيلها فركّب له قطة" ومن أطرفها ما قاله أبو لمعة في إحدى تجلياته "ذهبتُ إلى أمريكا وجلست على شاطئ الأطلسي أدخن النرجيلة ومعي الواد آيزنهاور، والشعب الأمريكي يمر (كده وكده) ويقول "مين الواد ده اللي قاعد مع أبو لمعة؟"

تركتني زوجتي ساهماً في الطائرة، فداهم ذاكرتي اثنان من أبرز رواد النهضة العربية عبد الرحمن الجبرتي (1756- 1825) كان شيخاً في الأزهر، ولزم البعثة العلمية التي رافقتْ الحملة الفرنسية على مصر وألف كتابه الشهير "عجائب الآثار في التراجم والأخبار" يحارب فيه السحر والخرافات، ويحضّ على دراسة العلوم الحديثة. والشيخ رفاعة الطهطاوي (1801- 1873) الذي أرسله محمد علي حاكم مصر إلى فرنسا مع البعثة العسكرية إماماً ومرشداً فانكب على تعلم "اللغة الفرنسية" ودراسة الأدب والمسرح، وعاد ليؤسس مدرسة "الألسن" لتعليم اللغات الأجنبية ويترجم عدداً من عيون الكتب العلمية والفكرية والأدبية.

وهبطت بنا الطائرة في مطار القاهرة الدولي، في مصر "قلب الدنيا" في عيون أبنائها و"قلب العرب" في عيون محبيها. ثم نُقلنا إلى مدينة الإنتاج الإعلامي وأقمنا في جناح يطلّ على الحدائق والبحيرات. جلستُ على الشرفة أتذكر أولى زيارات الرئيس الراحل حافظ الأسد إلى مصر بعد انتهاء القطيعة العربية منذ العام 1988. التقيتُ في بهو الفندق بفتاة سمراء عَرَضاً، سألتُها:

- كم تبعد "السيدة" عن "الحسين"؟

- متجاوران.

- لعلّك مخطئة.

- إن "الحسين" و"السيدة" و"خان الخليلي" أماكن متجاورة وهي قلب القاهرة.

- لماذا إذاً يقول محمد عبد المطلب في إحدى أغنياته "ساكن بحي السيدة وحبيبي ساكن بالحسين؟" ألا يعني هذا أنه يتحسر لبعد المكان بينهما؟

- لا لا أبداً، بدليل قوله في المقطع التالي وهو فرح جذلان "وعلى شان أنول كل الرضى يوماتي أشوفه مرتين" فكيف تتسنى له هذه الرؤية إذا كانا متباعدين.

ودعتني إلى فنجان قهوة وسألتني:

- أنت سوري؟

- كيف عرفت؟

- نحن لانفرق بالشكل بين السوريين واللبنانيين، ومادام الرئيس السوري هنا فالأمر واضح.

- مالفرق بين السوريين واللبنانيين برأيك؟

- السوريون عصبيون حادّون.

- ماذا رأيتِ من عصبيتي.

- الفاكهة لا يعرف طعمها إلا من يتذوقها.

- الله! ماذا تعملين أنت؟

- صحفية.

- ما اسمك؟

- سهير.

وفجأة نادى عليّ موظف الاستقبال، وأشار إلى سماعة الهاتف وإذا برئيس المكتب الصحفي يقول "هيا أسرعوا وخذوا استعداداتكم بعد قليل مؤتمر صحفي بين الرئيسين" وفيما جمعتُ عناصر الإذاعة والتلفزيون وهممنا بالخروج بحثتُ بعيني عن سهير فلم أجد لها أثراً، كأنها سحابة حلقتْ في الأعالي.

وداهمتني زوجتي تقول بعصبية:

- هيا قم ألم تملّ من الجلوس على الشرفة؟

- مالك أنت؟ ألا تتابعين التلفزيون؟

- أنا لم آت إلى هنا لأتفرج على التلفزيون.

جلسنا في بهو المركز الإعلامي بين الوفود وتحلّق حولي السوريون يتذمرون من لجان التحكيم ويتوقَّعون أن تكون النتائج مهيّأة قبل الاطلاع على الأعمال، ويتذمر العاملون في الهيئة من رئيس البعثة الذي يتركهم ويذهب مع زوجته إلى القاهرة لايحاول معالجة مشاكلهم وكلٌّ منهم عنده مشكلة. تركتُ زوجتي مع بعض الفنانات والعاملات في الإعلام وجلستُ منفرداً في الرواق. كنا مع الرئيس الراحل أثناء إحدى لقاءاته مع الرئيس المصري حسني مبارك في القاهرة وكان شهر رمضان والقاهرة تسهر حتى الصباح. ذهبت أنا ومدير التلفزيون إلى الحسين فرأينا على الرصيف عدداً من النائمين بحالات زرية، وفيما تقدمنا نحو مدخل الأزهر رأينا امرأة جهمة طويلة القامة عريضة الكتفين حاسرة الرأس تقف على بائع بطاطا، والبائع يضع في كفة الميزان حبات ينتقيها لها بيده، وبدا أنها لم تعجبها فرفست كفة الميزان بعصبية واندفعت تشتمه محتدة، وقد تناثرتْ حبات البطاطا فطأطأ برأسه يلملمها ويقول للمرأة مرتهباً "أمرك معلمة. كما تريدين معلمة" فأمسكني الزميل من يدي وقال هامساً متوجساً "هيا ننصرف، يبدو أن المعلمة خرجت عن طورها" وسبقني إلى أول سيارة أجرة أوقفها وفتح لي الباب يستعجلني. وانطلقت بنا التاكسي فقال يتنفس بارتياح "هذه هي المعلمة التي نراها بالمسلسلات التلفزيونية والأفلام السينمائية بعينها شامخة لا تقيم وزناً لأحد".

كنت أحضر بعض فعاليات المهرجان في النهار، وأذهب مع زوجتي يرافقنا بعض الأصدقاء نجوب أماكن نستعيد بها ذكرياتنا، وبعد أن يمضي الهزيع الأول من الليل نتحرك نحو خان الخليلي بين الحشود - إن عدد سكان القاهرة يساوي عدد سكان سورية كلها - ونجلس في إحدى المقاهي فيتتالى علينا بائعو السلع الخلبية من رجال ونساء يحاولون أن يبيعوها في تسول - غير مباشر - ويلحون ويشكون الفاقة، ويتتالى المتسولون - المباشرون - ومعظمهم من العجائز الزريات يتظاهرن بالذل والفقر المدقع، ولكثرة ما شاهدنا من مسلسلات وأفلام عن عصابات التسول لم نكن نقتنع بأية شكاة. تقف الواحدة وتدعي أن زوجها مريض أو متوفى وفي عنقها عدد من اليتامي يفتحون أفواههم. أسألها "مااسم زوجك؟" وعندما تلهج باسمه أبسط راحتيّ وأقول الفاتحة فيفتح من معي أيديهم ونقرأ الفاتحة فأقول لها "هذا ما جادت أنفسنا به" وكم قرأنا الفاتحة لآباء، وأبناء، وأزواج. إن المصريين على كل حال ظرفاء وسريعو الخاطر للدعابة بكل طبقاتهم.

في الحفل الختامي الذي أقيم بالقاعة الفرعونية ونقل على الهواء مباشرة وقدمت فيه العروض الفنية وزع صفوت الشريف وزير الإعلام شهادات التقدير للمكرَّمين، وعندما جاء دوري وصافحتُه وتلقّيتُ تهنئته هنأته بمرسوم تعيينه رئيساً لمجلس الشورى الذي تقلده بعد اختتام المهرجان مباشرة.

في اليوم التالي أُجريت معي مقابلة على الهواء في إذاعة صوت العرب لمدة ساعتين ونصف مفتوحة شارك فيها على الهاتف الجمهور وبعض الفنانين كالمخرج الشهير محمد الفاضل، وأبرز مادار فيها خارج حدود المهرجان أن جميع الأقنية التلفزيونية المصرية لا تعرض أعمالاً سورية أو عربية. وغادرنا القاهرة يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من حزيران (يونيو).

حتى يوم الخميس الرابع عشر من تشرين الأول (أوكتوبر) 2004 الموافق التاسع والعشرين من شعبان 1425 هـ كنت ما أزال وحيداً في جيرود، أنتظر قدوم نعيمة والصغار لقضاء عطلة نهاية الأسبوع معي في جيرود وكانوا قد ذهبوا إلى دمشق منذ افتتاح المدارس.

كنت مدعواً على الغداء عند الصديق "أبو فراس" وكان الناس: هذا يتوقّع أن يكون رمضان غداً وذاك يتوقَّع أن يكتمل الشهر ويكون بعد غد. المهم أنني سأقضي اليوم الأول من رمضان في جيرود مع الأسرة ومنذ الصباح نرحل إلى دمشق. وفيما كان أبو فراس يضع أمامي أقراص الكبة المشوية اتنشَّق رائحتها المنعشة سرحتُ أتحسر على سيارة لأتمتع بجمال الشهر في دمشق بالطواف على أسواقها الشعبية ونبض الحياة الرمضانية فيها، وإذا بالهاتف الجوال يرن ومناع يقول لي "أنا قادم إلى جيرود بمفاجأة لك" وعندما جاءني بسيارة جديدة أذهلني سحر ذاك التخاطر، ومهما كانت فرحتي بالسيارة فإن الصغار عندما رأوها وعرفوا أنها لنا فغروا أفواههم في البداية مأخوذين ثم حميتْ بهم البهجة فأخذوا يرقصون حولها.

مناع أصبح منذ العام 2000 على رأس شركة انتاج تلفزيوني هامة للأطفال مع أربعة شركاء من سورية ولبنان والسعودية، أسسها وأسس مرافقها الفنية، ودرّب كوادرها فجعلوه شريكاً "مقابل جهوده" وفوضوه باتخاذ القرارات الملائمة. مناع بطبيعته يتخذ قرارات محكمة جريئة جعلت للشركة امتدادات في عدد من الدول العربية وفي الهند، وماليزيا، واندونيسيا، وتركيا، وأخيراً في أوساط الجاليات العربية في أوروبا وأمريكا. قال لي مرة:

- سأشتري لك سيارة ملائمة.

- لم تعد للسيارة أهمية عندي. لقد تعودت أن أعيش بلا سيارة.

- لكن ضميري يعذبني. كيف يكون عندي سيارة وأبي لايملك سيارة؟

من غابات الأرز التي تسطع بلونها الزمرديّ، وتشدو بين أفنانها الطيور ركبت "أليسار" بنت "ماتان" ملك صور البحرَ في العام (814 ق. م) متجهة إلى شواطئ شمال أفريقيا حاملة معها الأبجدية الأولى من مدينة "أوغاريت" خاصرة اللاذقية، والصباغ الأورجواني من تلك القمم والسفوح الممتدة على الساحل الشام الغربي "فلسطين" و"لبنان" و"سورية" التي أطلق الأغريق على أهلها اسم "الفينيقيين" نسبة إلى اكتشافهم ذاك الصباغ، وهم جزء من القبائل الكنعانية التي هاجرت من الجزيرة العربية وانتشرتْ في "بلاد الشام" منذ آلاف السنين.

أرست "أليسار" مراكبها في تلك الربوع الخضراء الزمردية المكسوة بالزيتون وأسَّستْ على الشاطئ مملكة قرطاج. كما انطلقتُ أنا وزوجتي بالطائرة من دمشق إلى تونس وفيما سرحتُ مع خواطري ركنتْ هي إلى أحلامها إنها تهيم حباً بالحلّ والترحال.

منذ استلمتُ عملي في هيئة الإذاعة والتلفزيون كنت أزور تونس مرتين في العام لحضور اجتماعات المجلس التنفيذي لاتحاد إذاعات الدول العربية زيارات عمل وسياحة ترافقني في معظمها زوجتي، فتعرفنا عن كثب إلى أسواق العاصمة الشعبية، والراقية ومتنزهاتها، وزرنا أهم مناطقها السياحية. التونسيون عموماً دمثون ويعرفون كيف يجتذبون السياح الذين يأتون من معظم دول أوروبا وينتشرون على الشواطئ الرملية ينعمون بأشعة الشمس، ويتمتعون بالحرية التي ألفوها في بلادهم كأن ترى سائحة مستلقية على الرمل تُعرّي ثدييها بلا حمالة أثداء.

يقام "مهرجان ربيع الفنون" في مدينة "القيروان" في تونس في نيسان (ابريل) وفي كل عام يكرمون عدداً من الأدباء والإعلاميين والفنانين العرب، وفي هذا العام 2005 اختاروني فوجهوا لي دعوة أنا وزوجتي.

في مطار تونس استقبلنا أحد مسؤولي العلاقات العامة في المهرجان ومعه الفنان التونسي المعروف "فتحي الهداوي" الذي أصبح قبل شهور زوجاً لابنتي "رزام" يرافقه أخوه وأحد أصدقائه، وبعد استراحة قصيرة انطلقنا بالسيارة إلى "القيروان" وهي تبعد عن تونس العاصمة (160) ك. م جهة الجنوب عبر بساط أخضر يصبغ تلك البوادي الشاسعة في جميع ربوع "تونس الخضراء" التي نالت هذا اللقب بجدارة.

وتراءى لي (عقبة بن نافع الأمويّ القرشيّ) (عام 1 قبل الهجرة - 63هـ) القائد المحنك الشجاع الذي فتح أفريقيا على عهد "معاوية بن أبي سفيان" يستشير صحبه في بناء مدينة بعيدة عن بصر مراكب الروم" التي تجوب البحار ببوارجها المدججة بالمجانيق، ومقاتليها ذوي الوجوه المكفهرة والقلوب التي لم تخفق يوماً برحمة والذين لايحصى لهم عدد من كلِّ جنس وملّة يمتشقون السيوف البتارة، والرماح المثقفة.

أشار عقبة برمحه قائلاً "هاهنا"ومنذ صباح اليوم التالي من العام (50 هـ 67 م) ملأت الجوّ أصوات الحجارين يهيؤون حجارتهم، وأصوات البنائين يوجهون أوامرهم إلى عمالهم، وكانت "القيروان" ومنذ إطلالتنا عليها لاحت لنا مدينة مجتزأة من التاريخ أختاً صغرى لدمشق عاصمة بني أمية بزهوها وبهائها. كان يومنا يتجزّأ إلى ثلاثة: الصباح سياحة في أرجاء المدينة، والمساء في الأمسيات الشعرية والنشاطات الثقافية، بعدها سهرات حرة، أترك زوجتي مع صديقتها الفنانة السورية/ المصرية رغدة التي عرضت فيلماً وثائقياً، ذهبت إلى العراق وأعدّته بنفسها عن مآسي العراقيين والوحشية الأمريكية وعلى الأخص الأطفال عندما حاصر العراق "بوش الأب" وأسهر مع ضيوف المهرجان.

إنني أميل في كل مدينة أزورها أن أعرف واقعها اليومي كيف يعيش الناس ويبيعون ويشترون.. أكثر من معرفتي تاريخها وآثارها. إن القيروان بجميع أحيائها تتشابه مع الأحياء القديمة في كل من دمشق وحلب وفاس "المغربية"، وإن تاريخها يتلاقح مع واقعها فتبدو مدينة لاشبيه لها.

تجوّلتُ أنا وزوجتي في السوق الشعبية الرئيسية فلفتَ نظري أمران: لحم الجمل وخبز الشعير. في جيرود وسائر مدن القلمون وبلداته عندما يذبح أحد القصابين جملاً ويتأكّد الناس أنه "جمل حقيقي" يترامون عليه كالبواشق، أما خبز الشعير فكان الغذاء الرئيسي في أواسط القرن الماضي.

رافقتنا في جولتنا السياحية فنانة تشكيلية تونسية مع ابنتها فزرنا الجامع الكبير وفسقيات الأغالبة وجامع الأبواب الثلاثة وبئر بروطة ومايلفت النظر فيها كلها أنها لاتبدو آثاراً بالمعنى السياحي المتعارف عليه وإنما واقع ينبض بالحياة والأصالة العربية. أما الناعورة على بئر بروطة فقد أرجعتني إلى أيام الصبا، أيام كانت النواعير تنتشر في مزارع جيرود وعلى طول الطريق بين جيرود والناصرية. وهي تختلف عن نواعير حماة التي يحركها العاصي، إنها دولاب كبير يشبه البكرة موصول بساعد خشبية تُربط إلى إكديش أو حمار أو بغل يدور حوله لتهبط السطول وتصعد بحبل موصول بالدلاء تهبط تباعاً إلى البئر فتمتلئ بالماء وتحمله إلى الأعلى وتصبه في مزراب يجرّ الماء إلى السقاية، أما ناعورة بروطة فيحركها الجمل.

وخُصصتْ لنا فترة للقاء بطلاب جامعة القيروان رافقني بها الناقد عبد الله أبوهيف والشاعر عبد القادر الحصني، وجرى الحوار عن الأدب بين التراث والمعاصرة وإنك لتشتمّ من أولئك الشابات والشبان عبق التاريخ، ونفح المعاصرة.

وفي حفل الختام جرى التكريم وغادرنا القيروان إلى تونس. كنا أنا وزوجتي نعرف مظاهر الحياة الحديثة في تونس لكننا هذه المرة دعانا أهل فتحي إلى بيتهم في حيّ شعبي لم نر أنه يختلف في شيء عن أحيائنا الشعبية كمساكن برزة مثلاً. ثم غادرنا تونس الجمعة إلى دمشق عبر مطار استانبول، وانخرطنا في حياتنا اليومية.

في الصيف دعاني صديق إلى الغداء في مطعم فخم بمنطقة "صيدنايا" القريبة منا. وفيما جلسنا إلى إحدى الطاولات وكل منا غارق في عالمه الداخلي طالعني فجأة وجه أسمر نقيّ، عينان واسعتان حَفَزَهما الحَوَر والرموش الكثيفة أن تكونا متأهِّبتين للغزو، أُقَدِّرُ أنها في نحو العشرين تقف جانباً بجسم ممتلئ رشيق مثل المهاة الريانة متدثِّرة بلباس خادمات المطعم، تؤكد أن اللباس لايرفع ولا يخفض، فساورني سؤال، لَسَعني بحدة وإلحاح مُرّ: ماالذي دفع هذه الفاتنة إلى العمل هنا؟ أثارتْ هفوتي الجامحة نَظَرَ جليسي فالتفتَ إلى الخلف ثم أدار وجهه باتجاهي مشدوهاً قائلاً "الله. ماهذا الجمال!؟"

إنها امرأة من خمرة معتّقة أفلتت من التاريخ والجغرافية، من مكان ما، من زمان ما، من عالم الغيب وتمثَّلتْ أمام عينيك وعيون السابلة إمرأة سوية، لا ينفيها عنك ولا يثبتها إليك حاجز مهما كان عاتياً أو سنُّ مهما كانت متباعدة، ولا مستوى اجتماعي ولا مستوى ثقافيّ ولا جبال عالية الذَُرى ولا سهول فسيحة المدى، ولا بحور مائجة ولا أنهار متدفقة. إنها مخاضة إنسانية مفتوحة لعلَّ رضاها بك ورضاك بها يجعلكما تخوضان فيها. ولكن: كيف يتحقَّقُ الرضى والقبول؟

سهوتُ عنها وعن جليسي أتمرّغ في شتات الأحلام ثم صوَّبْتُ نظري أبحث عنها وإذا بها تنحني مع نادل آخر هو يرتب صحون المقبلات وهي تصبّ المُدام على طاولة يجلس عليها كهلان أحدهما يعشش المكر (وبقايا الشقاوة) في عينيه العجينيتين الجاحظتين وفكِّه الأسفل الراجف، والآخر يكمن الدهاء في عينيه اللاحمتين الغائرتين اللتين لم يبق منهما إلا بصيص خابٍ.. ولمحت نبضاً رقيقاً من الذلِّ والانكسار يرفرف على محيّا الفتاة. صدمني الموقف! وأثار فيَّ سؤالاً جارحاً: ما الأمر؟ لم نَعْتَد أن نرى في مطاعمنا ساقية من مثلها. وإذ تراجعتْ لملمتُ سخطي عن الرجلين، واكتشفتْ غَيْرَتي عليها ولم تلتقِ عيناي بعينيها بعد.

أهيَ سفالة وأنانية ورغبة جارفة بامتلاك كل شيء؟ أهو مرضٌ وانحرافُ مِزاج أن ينشدَّ الرجلُ إلى امرأة لمجرد أن تتراءى أمام عينيه فيشتهيها ويتوقُ إلى احتوائها؟

وجاء النادل بالمقبلات يرتبُّ الأطباق على طاولتنا، وامتدتْ أنامل تلك الصبية الرقيقة تملأ كأسي وكأس جليسي فامتلأتُ بالإشفاق والسخط. أطرقتُ أسأل نفسي ألا تحسُّ بالنذالة أنك تنوي أن تستغل حال هذه الفتاة مثل وحشٌ ضارٍ يزمع أن يثب عليها ويمزقها؟ قلت لها "شكراً" فمنحتني ابتسامة بعينين دعجاوين وغمازتين آسرتين قائلة "عفواً " ومالت بأعطافها متراجعة إلى مكان وقوفها تدير عينيها في الطاولات.

رشفتُ من الكأس فارتفعت النشوة إلى رأسي والتهبتِ النار في قلبي وكأنني شربت أربعاً ثم خمدتِ النار وتأجَّجَ الفضول فمددتُ يدي إليها واستدعيتُها. درجتْ نحوي تتقي عينيّ الدائبتين بومضة خَفَرٍ جارحة، قلتُ لها متودِّداً "أنت رائعة الجمال" ردَّت بابتسامة حياء وثقة "شكراً" سلطتُ عينيّ إليها أوشكُ أن أقول لها "أنت أجمل فتاة رأيتها في حياتي" لكنني سألتُها:

- مااسمكِ؟

- خولة.

- من أين أنت؟

- من العراق.

ورغم أنها أعادتْ صياغتي وأرجعتني إلى سن تترجح بين العشرين والخامسة والعشرين بريئاً من الزواج والأولاد دوّى انفجار في أعماقي طَفِقَتْ شظاياه المتطايرة تقرقع وتخزني. لقد انتهكت هدأتي هذه الفتاة، أخذتني سبياً وأقلعت بي سبعة وثلاثين قرناً إلى الوراء إلى حلم كامن في قعر النفس، إلى بابل نصعد برجها ونمتع نظرنا بحدائقها المعلقة. قلت "تعالي نرى في شريعة حمورابي - أول شريعة عرفها الإنسان - علنا نجد مناصاً لنغدو زوجين فأزفّك إليّ" فابتسمت بغنج ودلال. وأخذتني النشوة فأمسكتها من معصمها الحريريّ وطرت بها ثلاثة وعشرين قرناً إلى الأمام وإذا بي مسيلمة الكذاب ارتدَّ عن الإسلام وأجمع أربعين ألف مقاتل من بني تميم وأنفرد بالزميلة النبيّة الكذابة "سَجاح بنت الحارث" التي ادعت النبوة في بني فزارة وقلتُ لها "أتتزوجينني فآكل بقومي وقومكِ العرب؟" قالت سجاح بحماسة "أجل" وخولة ماتزال متأهبة للعمل في الزاوية تلوب بعينيها عن كأس فارغة، والتقت عينايَ بعينيها من جديد فابتسمت بمودة، فدوى الانفجار من جديد وحملني وقذف بي أحد عشر قرناً إلى الخلف إلى بلاط هارون الرشيد، والرشيد يتجلّى بطلعته البهية منتصباً على سرير من خشب الصندل ذي الرائحة المنعشة مثبّتٍ بأغصان الخيزران الصلبة تجلله الطنافس الفارسية والزرابيُّ الهندية والأرائك الشامية. وجلس حواليه رجال البلاط بلحاهم المصبوغة بالحناء والمضمَّخة بالطيب وكلٌ يزدهي بقلنسوته المحبوكة من وَبر الجمال الريانة، وثيابه الزاهية من خيرة محالِّ الكرخ، ونعله وسيوره ونجاد سيفه المصنوعة من جلود الهند اللامعة المتينة، والشاعر البدوي علي بن الجهم يمتثل بين يديه بلحيته الشعثاء وعمامته التي حال لونها إلى دُكنة، ونفرتْ من تحتها خصلات من شعره كقرون الوعلة ثيابه متهدِّلة لالون لها، ونعله مجزِّعَة تَنْقُزُ من ثقوبها بعضُ أصابع قدميه. وانبرى يمتدح الرشيد بقصيدة حملها من أطراف البادية يلتمس بها الجدا الوفير وعندما وصل إلى قوله يخاطب الخليفة:

هاج المجلس وماج وامتُشِقَتِ السيوفُ من أغمادها يملأ صليلُها النفوسَ رهبة ويَخْطُف بريقُها الأبصار، وهمّتْ أشفارها أن تمزق ابن الجهم وترميه للكواسر، فرفع الرشيد يده صائحاً "دعوه" وقال لخدمه بصرامة "خذوه إلى قصر الرصافة واتركوه فيه" بعد شأوٍ من الأيام استأذن علي ابن الجهم الخليفة، ودخل رجلاً آخر يَعْتَمِر طُرطوراً من الصوف المرقَّط ويتلفَّع بقميص وسروال يحاكيان لون الربيع وينتطق بسير من جلد الزواحف، وينتعل حذاء من الجلد المدعوك بالدهن، وسَكَن القوم ينتظرون متحفِّزين متوجِّسين، فانبرى ابن الجهم يلقي قصيدته، مبتدئاً بهذين البيتين:

انتفضتُ وصوبتُ نظري إلى خولة فألفيتُ ألق عينيها يلقي عليَّ شركاً خيوطه من حرير ومنحتني ابتسامة مضمَّخة بالحنان والأسى الدفين.

ودخل الحاجب على الرشيد يحمل رسالة من نقفور ملك الروم يهدِّدُ ويتوعَّد فقال الرشيد وقد تملّكته غضبة قرشية "اكتب إلى نقفور يا غلام: الجواب ما تراهُ لا ما تسمعه" وأرسل جيشاً دكَّ حصون نقفور، وأخرسه.

وانتشلتني خولة وعادت بي إلى المطعم أستلهم ما أستلهم من نظراتها الدائبة. فأفلتُّ من بين رموشها وهي تتقدم مني تبدّل أحد الصحون وسألتني برقة وحسرة:

- هل زرتَ العراق؟

- لا. بكلِّ أسف. دعاني الدكتور محسن الموسوي عميد كلية الآداب في جامعة بغداد لإلقاء محاضرة، ولسوء حظي قصم صدام ظهر العلاقة بين سورية والعراق قبل الموعد.

وتراجعت وهي تلقي عليّ نظرة تبادلني فيها الأسى، وطارت بي إلى بغداد قبل اثني عشر قرناً وفي إحدى الساحات في سوق الكرخ أوقف النخاسيُّ على كرسي من خشب البُطْم جارية ملفَّعة بالحرير وأطلق عقيرته يدلِّل عليها: ظبية من مروج خراسان الخضراء. كاعبٌ عذراء ما مسَّها بشر. سبية من علِيَة قومها. قلب تفيض منه الرقة والعذوبة. فتحلّقَ حوله الرجال العتاة يتزايدون، ويتأهبّ كل منهم يلوّح بكيس نقوده والشرر يقدح من عينيه حباً بالامتلاك، فقهرتُهم جميعاً وظفرتُ بها، وسعيتُ إلى داري. كشفتُ النِّقاب عن وجهها وإذا هي خولة!

وقفت مأخوذاً، ثم هفوت إلى عينيها قائلاً "وحياة عينيك لن تكوني أَمَة بل زوجة تتمكن من شغاف الفؤاد" وعدتُ من هواجسي إلى المطعم فألفيت خولة تتراجع عن إحدى الطاولات وتمنحني من جديد ابتسامة وديعة، وفرغتْ كأسي فلاح لي عمرو بن كلثوم سيد تغلب، يقول في مطلع معلقته الشهيرة:

وإذا بأنامل خولة تملأ الكأس، وتضعه أمامي على ضوء ابتسامة قاتلة. قلتُ لها بلهفة حالمة "حذارِ حذارِ" وقبل أن أتابع كلامي انجذبتْ وتوَفَّزَتْ. فتابعتُ قائلاً:

"حذارِ أن تبتعدي عن مجال نظري لقد عَمَّرتِ قلبي بالأنس ياخولة" فابتسمتْ بمودة ورحابة صدر وتراجعت إلى مكان وقوفها.

وعلى مقربة من موقع الكوفة اليوم، وفي (الحِيرة) عاصمة المناذرة قال الملك عمرو بن هند وهو على قمة النشوة:

- أنا أعزُّ العرب وأمي أعزُّ نسائهم.

علّقَ أحد جُلَسائه قائلاً:

- وسيد تغلب عمرو بن كلثوم؟

قال ابن هند بعنفوان:

- وعمرو بن كلثوم.

ولكي يثبتَ زعمَه دعا عمرو بن كلثوم وأمه لزيارته. وجلس ابن هند، وابن كلثوم تحفّ بهما حاشية من الرجال يتسامرون وجلستْ هندُ وكلثوم وراء الستار في حاشية من النساء يتسامرن، وفجأة صعَّرَتْ هند خدَّها وقالتْ لكلثوم بصَلَف:

- ناوليني الطّبَق ياكلثوم.

انصعقتْ كلثوم، وزاغ نظرها، ثم ركزتْ على هند فوجدتْها ماتزال تنتظر أن يُنَفَّذ أمرُها، فرفعتْ عقيرتها تصيح مستغيثة بحرقة وحسرة "واذلاه. يالتغلب" فلطمتْ صيحتُها وجهَ ابنها عمرو وأدرك السبب الذي حدا بالملك أن يدعوه فامتشق حسامه وأهاله على ابن هند برى عنقَه. وكانتْ معلَّقتُه التي استهلّها بالخمرة ثم قال فيها:

ورأيتُ أنامل خولة تزمع أن تصبّ لي كأساً أخرى وقد أثارت فيَّ دفئاً راعشاً وكأنها موشكة أن تلتحم بي، فوضعت يدي على الكأس وقلت "شكراً، ماعدتُ أطيق الشراب فقد اسكرتْني عيناك" فهربتْ من عينيّ تتابع عملها.

وفجأة رأيتها تنسابُ نحوي كالماء النمير، واقتربتْ مني هامسة:

- انتهتْ نوبتي وأنا ذاهبة إلى بيتي. هل تريد شيئاً؟

- ليس لك عندي إلا الشكر والمحبة.

ودرجت نحو الباب، واختفت وراءه كنجمة الصبح. لبثتُ لحظات ثم نفرت إلى بيتي، وأويت إلى غرفتي، وتراخيت مع طيف خولة أمام عيني لا يحيد سواء أأطْبَقْتُهما أم فَجَّرتُهما فحملتْني إلى الستينات من القرن العشرين والزعيم الأوحد عبد الكريم قاسم يسْحل بالدبابات خصومه الذين يخالفونه الرأي في شوارع بغداد وغيرها من المدن العراقية، وقال أحد الشعراء الموالين للزعيم الأوحد يومها إنه يشتهي أن يجعل من جماجم أولئك الأعداء (صحوناً) يضع فيها عقب (سيكارته) ورمادها، فوقفتُ مهتاجاً محتداً يستفزني خيال ابتسامة خولة، تلك الابتسامة التي يتجمع فيها الجمال الطبيعي الفطري مع الأمل والانكسار، والتناوب بين الضياع والتركيز. وتحولتْ في قلبي غصّة وآهاً حارقة أقسى من كل أنواع الألم.

واقتادتني إلى مسجد الكوفة في أواخر القرن السابع مع إطلالة الفجر والحجاج بن يوسف الثقفي جاثم على المنبر، يرفع عقيرته مهتاجاً قائلاً: "إني أرى الرؤوس قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها".

ثم حملتني إلى بغداد إلى تلك المحكمة الشهيرة محكمة المهداوي، أحد المهرجين العرب الذين أتاح لهم زمانهم أن يأمروا وينهوا، وكلما ذُكر اسم الزعيم الأوحد صاح بحماسة "سلام خذ" فتخبطُ أقدام الحراس الأرض بعنف، وترتفع عقيرة الهتافين "ماكو زعيم إلا كريم".

وضَمَمْتُ خولة إلى صدري اللاهف أتنسم أريجها العطر.. فحملتني إلى أواسط القرن التاسع وقد اقتحم الروم ثغراً من الثغور هو مدينة زِبَطْرة العربية وقتلوا ونهبوا فصاحت امرأة هاشمية "وامعتصماه" فوصل نبأ صيحتها إلى المعتصم فقال بحرقة وحماسة "لَـبَّيْكِ. لَـبَّيْكِ" وسار على رأس جيش لجبٍ مستخفَّاً بدعاوى المنجمين فاستعاد زِبَطْرة، ودخل عمورية الرومية وأحرقها.

ونامت خولة على يدي حتى الصباح كشال من الحرير، وفي الصباح فوجئتُ أنني أضمَّ الهواء وحيداً تعساً. وتراءت لي ابتسامتها الخجول على طيف من أحلام اليقظة أمسكتني من يدي وطارت بي إلى أواسط القرن الثامن و"أم سلمة" المخزومية تنزوي منقبضة يائسة وقد انسدتْ في وجهها آفاق المستقبل. تزوجت من عبد الله بن الوليد بن المغيرة، فمات، فتزوجت بعده من عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك الأموي فمات. دخلت عليها جاريتُها فرأتها مهمومة، سألتها:

- مالك يا سيدتى تجلسين منزوية؟!

- الناس يرموننى بأبصارهم وكأننى شؤم على من أتزوجه.

- أنت شابة جميلة تزوجت من أسياد العرب، ولك من العز والجاه ما لم تحظَ به ابنة أنثى.

- ولكن الرجال يتشاءمون مني.

- سيدتي أما كان خيراً لك وأجدى أن تركزي تفكيرك بذكائك وحصافتك على زوج من سادة القوم وكبرائهم يفضُلُ زوجيك السابقين بدل أن تتركي الهموم تثقل عليك؟

انجذبت "أم سلمة" منفرجة الأسارير، ويح هذه الجارية البسيطة كيف جرتها إلى البوح بما في نفسها ودخلت إلى مكامن الوجع في قلبها، وفيما تتحدثان مرّ شاب بهيُّ الطلعة، وسيمٌ. سألتْ جاريتها:

- من الفتى؟

- هذا أبو العباس عبد الله بن محمد جده العباس عم النبي (ص).

فولج عبد الله قلبها واستأثر بتفكيرها: هذا هو الزوج، هذا هو القرين. أخذتْ تتعرض له تحاول افتتانه، أما عبد الله فقد أثارت كوامنَ نفسه هذه المخزوميةُ التي يتقطر منها الجمال كما يتقطر الندى على أكمام الورود. تمنى لو تكون له حليلة، ولولا فقره وضعف حاله وحيلته لتقدم إليها يخطبها قبل أن يرتدّ إليها طرفها. وإذ قرأتْ "أم سلمة" ما في عينيه ولفتاته بعثتْ إليه بجاريتها تلمِّح له بالزواج وأودعتها سبعمائة دينار قائلة "إذا اشتكى الفاقة قدميها له" وكانت "أم سلمة" تمتلك المال الكثير والجواهر والحشم.

قال أبو العباس متحسِّراً "كم أمنّي النفس بها لولا أنني لامال عندي يا أمة الله".

فدفعت الجارية إليه المال. وما إن وضعه في جيبه حتى خطبها إلى أخيها وتزوجها، فأصدقها خمسمائة دينار وأهدى من يلوذ بها مائتين، وزُفَّت إليه بثياب موشاة بالجواهر وحظيت عنده.

لم يرث أبو العباس الخلافة عن أبيه وإنما كان أول خلفاء بني العباس ومؤسس دولتهم، لقد حقَّقها عبر أنهار من الدماء وعندما خطب في الناس قائلاً مهدِّداً أعداءه "أنا السفاح المبير" أُطلق عليه لقب "السفاح" وتحقَّقتْ فيه أحلام "أم سلمة" فساندته، ووقفت إلى جانبه، وأصبح لا يقطع أمرًا إلا بمشورتها.

لقد أصاب أبو العباس عصفورين بحجر واحد: بويع بالخلافة في مسجد الكوفة فأسس الدولة العباسية في العراق، وقضى على جيش بني أمية في معركة الزاب الشهيرة قرب الموصل وفرَّ آخر خلفاء بني أمية مروان بن محمد إلى مصر، فأرسل أبو العباس من يتعقبه ويقتله هناك ولم ينج من بطشه إلا عبد الرحمن بن معاوية الذي فرَّ إلى الأندلس، وأسس فيها خلافة لبني أمية، فسماه أبو جعفر المنصور فيما بعد صقر قريش.

لم يبق من بني امية إلا نفر قليل من المسالمين الذين خضعوا وركنوا. فدخل شاعرٌ على أبي العباس من (فاعلي الخير والمخبرين الصادقين) وأنشده قصيدة، قال فيها مادحاً ناصحاً:

فعمل ابو العباس بنصيحته وقطَّعَ رقاب من طالت يداه من الأمويين.

في أواسط القرن الثامن بايع قوم أبا العباس بالخلافة مذعورين وما إن خرجوا من المسجد حتى مسحوا أيديهم بالجدران قائلين "نحن في حِلٌ من هذه البيعة" فأبلغَه بأمرهم فاعلوا الخير والمخبرون الصادقون، فسيقوا إليه فقطع رؤوسهم واحداً واحداً.

وإذ شغلت السياسة أبا العباس بحلوها ومرها لم يلتفت إلى عالم المرأة إلا فى شخص "أم سلمة" واكتفى بزوجة واحدة خلافاً لما اعتاد عليه غيره من الخلفاء. وفيما استسلمتْ خولة طائعة دافئة وكان أبو العباس غارقاً في همومه دخل عليه خالد بن صفوان فرآه وحيداً مغتمّاً سأله متودِّداً:

- فيمَ انقباض نفسك يامولاي؟

- لست أدري يا خالد.

- إني يا أمير المؤمنين فكرت فى أمرك وسعة ملكك، وقد ملكت عليك نفسك امرأةٌ واحدة إن مرضَتْ حُرمتَ، وإن اغتمَتْ اغتممتَ، وإن غضبتْ مُنعتَ. أنا عندي ما يزيل هذه الغمَّة عنك ويشرح لك صدرك يامولاي.

- تكلم يابن صفوان.

- والله يا مولاي ما ينـزح الهموم عن النفس، ويجعل القلب يرفُّ رفيف القطاة كامرأة منتقاة من عقد ياقوت نظيم، تعطِّر الحياة وتنعش الروح.

- ويحك يابن صفوان، وأمُّ سلمة؟

- أم سَلَمَة يامولاي تفتح عينيك وتغمض عينيك عليها وهي هي ثابتة لاتبرح. أما يثقل التكرار على قلبك وتقبض العادة هناء عيشك؟ وحَرَمْتَ نفسَك يامولاي من ظريفات الجواري الطويلة الغيداء، والبضة البيضاء، والدقيقة السمراء، والفارعة العجزاء ولكل منهن فتنة ومذاق والدنيا بين يدك مشرقها ومغربها، شمالها وجنوبها.

ضحك أبو العباس من أعماق قلبه وقال:

- ويحك يا ابن صفوان فتحتَ الأخاديد في قلبي، وفجرت الوساوس. زدني زدني.

- عليك يامولاي بالحجازية اللفّاء، والشامية اللمياء، والعراقية الحوراء، والمصرية اللسناء، والمولَّدة الغنجاء، واليمنية الفرعاء، والنجدية الكحلاء، والخراسانية اللعساء.

- ويحك يا خالد! ما صكَّ مسامعي والله كلام أحسن مما سمعته منك. لقد شرحتَ صدري، وأزحتَ عنه الغُمَّة.

- فارحم نفسك يامولاي، وقد قال تعالى في محكم كتابه "وانكحوا ماطاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع".

وطفق أبو العباس يُعْرِضُ عن أمِّ سَلَمَة ويجافيها، تحييه فيشيح مطرقاً معتكراً حتى أحستْ أن في نفسه شيئاً، فسألته ذات مساء متصدية:

- مابك يا أبا العباس؟ ما يشغلك عنا؟

- لا شيء يا أم سَلَمَة.

- أتُراك يلعب الجهل بقلبك؟ هيا قل حقيقة مافي نفسك فأنا لست ممن يؤخذن على غرة.

- لعن الله الشيطان.

- تسوِّل لك نفسُكَ بفعلة السوء، فتروغ عني وتتلبَّث حتى تفجعني متَّهِماً الشيطان يا أبا العباس؟

- إنه خالد بن صفوان يا أمّ سَلَمة أغواني وحرّضني على الزواج وما أنا إلا بشر.

- لا والله ما صدقتَ. وما أراك إلا تبيّتُ الغدر.

- أتكذبينني ياأم سلمة؟

- إذا كان كلامك صحيحاً فادْعُهُ في المساء لأسمع الكلام من فمه بأذني.

استدعى السفاح ابن صفوان وقال له "إيه يابن صفوان حدثنا بحديث الأمس فقد فرَّجْتَ عني وأقلتني من الهموم، هيا أعده عليّ لأجزيك فقد وقع من نفسي موقعاً".

أحسَّ ابن صفوان أن أم سلمة تتسقَّطُ السمع من وراء الحجاب، أحسَّ بالشَرَكِ يطوِّق عنقه، فقال في دخيلته إن أعدتُ ما قلتُ بالأمس سحقتْني أم سلمة وأخمدتْ أنفاسي، وإن قلتُ ما يلائمها قطع السفاح رأسي، أنت على شفا كحدّ السكين ياخالد فإن مِلتَ يميناً أو يساراً هويتَ إلى قاع سحيق وانعجنتَ برمله وحصاه، ولكنّ أم سلمة قادرة أن تحميني من بطش أبي العباس، أما أبو العباس هذا السفاح على طغيانه وجبروته فهو غير قادر على حمايتي منها، إنه يطأطئ برأسه أمامها وقال ابو العباس منتهراً:

- ويحك يا ابن صفوان أما تتكلم؟

- في أيِّ شيء يا مولاي؟

- عن مزايا الحجازية والمصرية والعراقية...

- أنا يامولاي؟

- ويحك، إنك وصفتَ لي من أمر النساء والجواري ما لم يخرق مسامعي كلامٌ أحسنُ منه قط، هيا أَََعِدْهُ عليّ.

- نعم يا أمير المؤمنين، أعلمتُك أن العربَ اشتقَّت الضُّرَّة من الضُّرِّ، وأن الرجل إن تزوج أكثر من واحدة أضناه العَنَتُ والجهد.

- ويحك! لم يكن هذا فى الحديث؟

- بلى يا أمير المؤمنين، وأخبرتك أن الثلاث من النساء كثلاثة الأثافيّ يغلى فوقهن كالقِدر.

- برئتُ من قرابتي من رسول الله إن كنتُ سمعتُ هذا فى حديثك.

- وأخبرتُك أن الأربع من النساء يُشَيِّبْنَ الرجل ويُهرِمْنَه ويُسْقِمنه.

- ويلك! أخزاك الله ما سمعت هذا الكلام منك ولا من غيرك.

- بلى يا أمير المؤمنين.

- وتكذِّبنى؟

- وأخبرتُك أن بني مخزوم ريحانةُ قريش، وعندك ريحانةُ الرياحين وقد اجتمعتْ فيها مزايا نساء الدنيا كلها وأنت تطمح إلى حرائرِ النساء وغيرهن من الإماء.

فقالتْ أم سلمة من وراء الحجاب "صدقتَ وبررتَ يابن صفوان بهذا حدثتَ أمير المؤمنين، ولكنه بدّل وغيّر ونطق عن لسانك، انتظر عند الباب ولن يمسك من جراء صدقك سوء، وسأخلع عليك وأمنحك بِرْذَوْناً (بغلاً) وألف دينار وحملاً من الزبيب"

أمُّ سَلَمة هي صنوُ الخلافة والمجد عند السفاح. وخولة؟ هي صنوُ الروح عندي.

مضيتُ إلى المطعم قبيل موعد الغداء بقليل واتخذتُ طاولة في جناح خولة، ولبثتُ أنتظرها: إن حبك ياخولة يسري في عروقي، يجعلني غير قادر أن أعيش إلا بين يديك أتتزوجينني فنعيشَ أمتع عيشة، وأبهى حياة؟ وطفقتْ أحلامي تنمو متداخلاً بعضها في بعض كشرنقة الحرير، والناس يزحفون إلى المطعم يتوالون ويملؤون الطاولات، وأرى فيما أرى شابة تقف مكان خولة تملأ الكؤوس لمن يعاقرون المدام. دقَّقْتُ النظر: إنها واحدة أخرى. نفضتُ رأسي واهتززتُ وعدتُ أدقَّقُ النظر: قوام آخر وعيون أخرى وشتان بين الثرى والثريا.. ورحتُ أجيل الطرف في أرجاء المطعم أبحث بلهفة ورهافة عن خولة فلا أجدها. أتُراها كانت حلماً عابراً صنعتُها من خيالي أم حقيقة واقعة أمام عيني؟ وجاء دوري ووضع النادل الصحون، ومضى وتأهَّبَت الشابة تترع كأسي. سألتها بتوجس وارتباك "أين خولة؟" قالت كمن يكشّ ذبابة "تزوجت وتركت العمل".

يبست البهجة على الوجوه وما عاد للحب، أو للخطبة، أو للزواج، أو لارتياد المطاعم، أو القيام بنزهات، أوشراء لباس جديد... من طعم. القلوب غدت تجب ملأى بالحسرات، وإن لاحتْ بارقةُ أمل ما تلبثُ أن تغدو نفثة دخان. في جيرود كفّوا عن إقامة حفلات الأعراس واستعاضوا عنها بالاحتفال بذكرى المولد النبوي كأنها اعتصام بالجذور.

في بيتنا تكوّمنا في عيوننا وآذاننا وانصببنا على شاشات التلفزيون وأمسكنا قلوبنا بأيدينا نتابع لحظة بلحظة وساعة بساعة كغيرنا من العرب في مدنهم وقراهم من المحيط إلى الخليج محطة "الجزيرة" تنقل الأحداث من مواقعها، ومراسلوها يعرّضون أنفسهم لخطر الموت فاستشهد بعضهم وزُجَّ آخرون في السجون. كان واحدُنا إذا اضطر إلى "قضاء حاجة" يتبرم من الابتعاد عن الشاشة دقيقة واحدة. باختصار وكما حصل أثناء غزو أفغانستان وقفت الحياة الآن على ساق واحدة منذ العشرين من آذار (مارس) 2003 وأمريكا وحلفاؤها يوجهون الضربات المؤلمة الحقود إلى العراق، بعد أن مهد لها "بوش الأب" بحصار دام عشر سنوات ومنّى الشعب العراقي بالمرض والجوع، ومهّد لها "بوش الابن" بإطلاق االأكاذيب والتهم الملفقة عبر "مجتمع دولي" كمنفضة الغبار.

ولئن كانت أفغانستان بعيدة عنا، وكنا نستنكر جهل طالبان وتعصبهم الأعمى فإن العراق دولة عربية نشترك معها بحدود تبلغ حوالي (700) ك م وعندما علمنا أن أمريكا توجه ضرباتها من أسطولها الرابض في البحر، ومن البر عبر الخليج العربي، وأن تركيا رفضتْ أن تكون طريقاً لذاك الغزو الهمجي أحسسنا بالقهر العربي.

لقد كانت الضربات مركزة قادرة أن تصيب الإبرة (كما يقال) مستعينة بالأقمار الصناعية ويحزّ بالنفس أنها اعتمدتْ اعتماداً كبيراً على الهواتف النقالة بأيدي الجواسيس (العراقيين) الذين دجنتهم أمريكا ودجَّنتِ العملاء الذين دخلوها على ظهور الدبابات.

كانت حرباً غير متكافئة بكل المقاييس إلا بأوهام صدام حسين، ورغم أن العراقيين صمدوا طويلاً كان الغزاة يتقدمون خطوة خطوة كالسُّمِّ يتفشّى في عروقنا. وكان خيط الأمل الوحيد الذي يضطر الإنسان أن يشفق على نفسه ليمسك به تلك اللقاءات الصحفية التي يعقدها وزير الإعلام العراقي محمد سعيد الصحاف الذي تألق وهو يطمئن الناس أن الهزيمة واقعة في الغزاة لامحالة، وفيما كان الغزاة يلقون المقاومة الشرسة كانت توجساتنا تقول شيئاً آخر، لقد ألقوا على العراق أطناناً من القذائف تزيد بقوتها ما ألقي على هيروشيما وناغازاكي بمرتين ونصف بحقد أكثر عمى من أيِّ حقد أمريكي حتى الآن.

أما المسؤلون العرب فقد أشاحوا وأطرقوا ولاذوا بالصمت، وسقطت بغداد وانقلب عاليها واطيها وتحوّل ربيع العراق إلى رماد ومازالوا يلوذون بالصمت، ونفخ جيش الغزاة حفرة بالغاز هداهم إليها الجواسيس، وإذا بصدام يخرج مشعثاً زرياً مستسلماً لعدوٍّ كان يخاطبه "هيا انزلوا إلى الأرض لنريكم" وأحيلَ إلى محكمة "عادلة!" ظاهرها عراقي، وباطنها أمريكي.

أدانوه على ضحايا "الدجيل" ليثيروا فتنة طائفية لأن معظم أهلها من الشيعة، بحجة أن إدانته تكفي للحكم عليه بالإعدام، وتغاضوا عن ضحايا "حلبجة" لأنهم هم الذين زودوه بأسلحة الدمار الشامل.

كانت محاكمة صدام نموذجاً لهزال التاريخ العربي، وقد تحول العرب إلى مجرد متفرجين، وغدتْ الأمجاد العربية أوهاماً تغيض في الرمال، وغدا الواقع كوابيس تنطق بجآرة "انظروا هذا مصير من يقف في وجوهنا".

ونُفِّذ حكم الإعدام شنقاً بصدام فجر عيد الأضحى السبت العاشر من ذي الحجة عام 1427 هـ الموافق الثلاثين من كانون الأول (ديسمبر) عام 2006. واشتعلت قلوب العرب بالنار أسى واستنكاراً لا حزناً على صدام بطيشه ودمويته وإنما لأن التوقيت كان استفزازياً ومهيناً ولم يكن الأسى إلا موقفاً إنسانياً بحتاً كنظرتك إلى إنسان لا حولَ له ولا طول تمزّق لحمه الوحوش أمام عينيك، لقد كان حزناً على قلوب العرب الخاوية.

يقول الكاتب النمساوي ماكس فريش في مقدمة مسرحيته أمير الأراضي البور "إن مصير العالم منوط بقائد عسكري لعله إذا أصيب بعسر الهضم أن يدمّر هذا العالم".

ويقول د. جورج دوهامل وهو طبيب فرنسي حضر الحرب العالمية الأولى في كتابه "دفاعاً عن الأدب" إن الحضارة إن لم تكن في قلب الإنسان لا يمكن أن تكون في مكان آخر.

إذا سئل المواطن العربي لو خيِّرتَ أن تولد في هذا العصر أو في عصر آخر فماذا تختار؟ لعله يجيب "أرفض الحياة كلها" المواطن العربي خنع طويلاً وباع كرامته بَخْسة وما يزال يدفع ثمن هذا الخنوع وهذا البيع.

إن الحياة قائمة مستمرة قبل الزلازل والكوارث وبعدها، وقبل أن يحاول هولاكو ونابليون، وهتلر، ودبليو بوش أن يكتسح العالم. وقبل أن يُكتشف رأس الرجاء الصالح وقانون الجاذبية، وقبل أن تُكتشف أمريكا، مستمرة قبل أن تلدني أمي وبعد أن أفارق الحياة ويعجبني في هذا قول أحد الأئمة "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا" ويعجبني الحديث الشريف القائل "إذا مات ابنُ آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم يُنتفع به، وولد صالح يدعو له" بعيداً عن حذلقات بعض رجال الدين الذين لا يوردونه إلا في المآتم، وهم لا يعترفون إلا بالعلوم الشرعية، وكأن علماء الفيزياء، والطب، والمبدعين... لاشأن لهم.

لقد أوشكت على دخول السبعين مرتاح الضمير لأنني لم أستطع إلا فعل ما فعلت أصبتُ وأخطأتُ، وعشتُ حياة ناعمة وحياة خشنة، مرتاح الضمير لأن زوجتي تمنحني الحنان بصمت وأولادي الثمانية (عزوتي) ناجحون، مهذبون، يحبون العمل.

وأعترف أن الحضارة عندي هي عجينة من التراث والمعاصرة.