الفصل 14

13 0 00

صبيحة الثامن من آذار استيقظنا على الموسيقا العسكرية وبدأتِ البلاغات تتوالى في محاربة الانفصال والانفصاليين، وارتباطهم بقوى خارجية معادية. إنني كالكثيرين من أمثالي كنا نتمنى أن تعود الوحدة كما كانت رغم كل ماكان فيها من أخطاء وقهر وقمع وتهويل إعلامي ورفع شعارات غير قابلة للتحقّق. كنا نفضِّل الوحدة على الديموقراطية لأن الديموقراطية يمكن أن تعوَّض لكن انهيار أول وحدة في التاريخ المعاصر لا ُتعوض وإنما تزرع في قلوب الناس بذور التشاؤم واختلال في الموازين العربية والدولية كنا نرى أن كل ماتعانيه الأمة العربية لا ينقذها منه إلا الوحدة الاندماجية بسلبياتها وإيجابيتها.

كانت زوجتي حامل في شهرها الأخير، وكنا نقيم في بيت في جادة القاضي الفاضل المتفرعة من شارع العابد. كان حلمي بابني البكر مجنحاً وخشيت عليه من المشاحنات، وخشيت على جسمها الرقيق من مضاعفات الولادة. لقد بدأتُ الآن في مرحلة جديدة "مرحلة الأب والإحساس بمسؤولية الأب" فاجأتها قائلاً ولستُ أدري كيف هبطَتْ عليّ هذه الفكرة "قومي نسكن في بيت أهلك"نظرتْ إليّ مأخوذة فأضفتُ قائلاً:

- واشبعي من أمك ودعيها تشبع منك.

- إذا كان على هذا الأساس فإنني أرفض.

- لكنني مصر.

كان أهلها يؤجرون الغرفة الخارجية في بيتهم لبعض الطلاب الغرباء، وكانت ساعتئذ فارغة فرحلنا إليها، وضعنا فيها أثاث غرفة النوم، واستأجرت غرفة في البختيار وضعت فيها أثاث غرفة الضيوف. وكانت المبادرة الأولى أن شقيقها الذي هبطتْ عليه "موهبة الرسم" أخذ يلصق لوحاته "بمسامير الكبس" على جانب خزانة الثياب الملبّسة بقشر الجوز.

في السادس والعشرين من آذار ولدتْ صبياً بعد معاناة شديدة في المخاض أحسستُ أن العالم من حولي أغصان تتمايل وترقص، ورودٌ تفوح، أحسّسْتُ للوهلة الأولى أنني أنا الذي وُلِدتُ من جديد، أحسستُ أن ابني استمرار لأبي وجدي وكل عائلتي. ولأول مرة أتفوق عليهم وأسميه "إياد" بالاتفاق مع زينب، كانوا يتداولون باسم آخر لكني قطعتُ عليهم الطريق ووثَّقتُه في دوائر الأحوال المدنية "النفوس" وقلتُ لهم أنا الذي يقرر بماذا يكنيني الناس، وبتّ أنتظر بحماسة وحرقة أن تنجلي ملامحه، وأن يحسُّ بمن حوله فتتجه إليه مقلتاه، وتوثّقَ ارتباطي بزوجتي، أصبحتْ زوجة حقيقية راسخة لا لبس فيها، وأصبحنا أسرة. لكن هذا الاستقرار بدا مع نمو "إياد" وجلاء ملامحه أنه استقرار مزيَّف وأخذت تنشأ بيني وبينهم جميعاً صراعات ومشادّات هم يريدون أن يربّوه على طريقتهم "المنفلتة" يتبجَّحون قائلين "ابننا" و"هكذا نريد أن نربي ابننا" يحاولون تلقينه بعض الكلمات باللغة الإنكليزية والمضحك أنهم لايعرفون سوى "سنك يو" أي "ثنك يو" (thank you) وبضع كلمات أخرى على هذا المنوال، وعندما يبكي وأضمّه لأسكته يجتذبه خالد من يدي ويضمه قائلاً "هكذا يعامل الطفل" وكأنما خرج من صلبه عدد من الأولاد وتمرَّس في تربيتهم، ويأخذه بعربته يتجوّل به حول الحديقة ليريه لأصحابه ومعظمهم من الطائشين، كانت كل تصرفاتهم استفزازية أما عندما يمرض أو تمرض أمه فلم يكن لهم بها شأن، فوجدتُ نفسي أحمل محفظتي وأغادر بيت أهلها هرباً من نفسي.

في مطلع ذاك العام تأسس النادي السينمائي فانتسبت له هرباً من واقعي، لكنه كان هروباً مثمراً، كان النادي يقدِّم للأعضاء بالاتفاق مع مؤسسة السينما عروضاً أسبوعية من السينما الفرنسية والإيطالية والأمريكية خاصة بالأعضاء تعقُبُها مداخلات مغنية للدكتور رفيق الصبان والدكتور صباغ وبعض المخرجين المعروفين كصلاح دهنى وخالد حمادة ويجري نقاش عام حول مواضيعها وسوياتها الفنية. كنتُ أحضرها جميعها وعندما كنت أحاول أن أدلي برأيي ورغم ثقتي بنفسي وبما أودّ طرحه ما إن أهمّ برفع يدي أستأذن الكلام حتى أحسّ برهبة تجعل قلبي يخفق بشدة وأنفاسي تتلجلج في صدري فألوذ بالصمت مخافة أن يبدو كلامي متقطِّعاً لاهثاً. كانت نقطة ضعف مزرية تتملَّكني دأبتُ على مقاومتها ومحاولة الخلاص منها فلم أستطع إلا بعد أمد طويل.

في أواخر نيسان وأوائل أيار من العام نفسه كنت أقيم وحيداً في غرفة بملحق بناء في حيِّ الخطيب المتفرّع من شارع حلب، وكنتُ أدرس بتركيز استعداداً لتقديم امتحان الثانوية، وعندما جاء عيد الأضحى يوم الجمعة الثالث من أيار بقيتُ منعكفاً في غرفتي. كنت قد أرسلتُ للوالدة معظم راتبي من أجل شراء مؤونة البرغل والكشك ولم يبقَ معي سوى النزر اليسير. كان طعامي الوحيد بقايا الخبز اليابس مع الشاي، وكنت أدخّن "الخصوصي للجيش" ثمن العلبة "عشرة قروش".

في شهر تموز من العام 1963 تركت غرفة "الخطيب" واستأجرتُ بيتاً أنيقاً في منطقة "قدسيا" عند مفرق معمل الذخيرة على طريق بيروت، وكان يزورني بعض الزملاء والأصدقاء محمد خضرة وأختي رويدة، وعبد الودود شاهين وآخرون. وكانت زينب تزورني ومعها إياد فقد أدمن كل منا التشرد، كنا نأخذ إياد نتمشى في بعض الحدائق، لقدكانت المرة الأولى التي تخرج فيها عن إرادة أمها بما يشبه التحدي. وبدت لي علاقتنا في تلك الآونة كعلاقة "قيس ولبنى".

كنت أنهض في الصباح وأتمشّى نحو الطريق العام أنتظر سيارة المعمل، واليوم رأيت السيارة وأنا أخرج من الباب تتوقف عند المدخل وعدداً من الزملاء يجرون نحوي يعانقونني ويقبلونني "مبروك، مبروك" وأعطوني نسخة الجريدة وفيها اسمي بين الناجحين في البكالوريا.

هنا بدأت مرحلة جديدة في حياتي تقدمت بطلب إلى المديرية وتمّ تعديل وضعي الوظيفي وارتفع راتبي إلى (270) ليرة ماعدا المكافآت، وأهّلتني علاماتي "المجموع وعلامة اللغة العربية" أن أنتسب إلى القسم الذي كنت أحلم به، والذي كان مرحلة هامة في مخطط حياتي وهو قسم اللغة العربية وآدابها في كلية الآداب بجامعة دمشق.

كنت ناجحاً في عملي أترفع كل عام ويزداد راتبي الشهري لأن النظام الداخلي في مؤسسة معامل الدفاع يوجب ترفيع الموظف إذا حصل على تقييم سنوي يزيد على 18/20 بالكفاءة والسلوك وكانت علاماتي دائما تتراوح بين (19- 20/20)، حتى إن المقدم "قصاص" مدير الشؤون الإدارية والقانونية" في مديرية المؤسسة كان عندما يفقد "كتاباً " لايعثر عليه في أرشيف المديرية يستعين بي فأبعثه إليه من أرشيف معمل البطاريات الذي نظمته بإتقان.

بسبب تراكم الأعمال في المعمل كنت أنا وتوفيق وعبد الله قاسم وآخرون نتأخرّ في الدوام مع باص العمال في شهر تموز (يوليو) ويوم الأربعاء السابع عشر دخل أحدهم مكتبي وقال لاهفاً:

- أتسمع صوت الانفجارات والقنابل؟

- أين؟

- جهة الشام قم وانظر الدخان يعلو إلى السماء.

خرجنا جميعاً وعندما تأكدنا قال أحدهم متهوِّلاً مستغرباً "انقلاب" واقترح آخر أن نعود إلى دمشق. غادرنا المعمل وأوصلنا العمال إلى الديماس وعدنا باتجاه دمشق، وما إن تجاوزنا طريق المعمل الفرعي حتى فوجئنا بمدرعة فأشار لنا أحد الضباط أن نتوقَّف والانفجارت مازالت تدوي من بعيد. اقترب منا عسكري مدجج بالسلاح وقال "ليترجّلْ المسؤول يريده النقيب" تبادلنا نظرات حائرة وراغ الذين كان كل منهم يدعي أنه المسؤول قال أحدهم "ليترجل عبد الله قاسم إنه ملازم احتياط". تقدم عبد الله نحو الضابط رافعاً يديه وأخذنا نتابع من خلال الزجاج، ثم انبطح على الأرض، ثم فتّشه أحد العسكريين، ثم وقف أمام الضابط يتكلم معه كلاماً لم نسمعه ثم عاد إلينا. قال لي الضابط "ألا تسمعون؟ ألا ترون؟ ارجعوا الآن من حيث جئتم" وعندما استدار السائق بالباص قال توفيق "كلنا جائعون، ما رأيكم أن نذهب إلى بقين نتناول غداءنا؟ " وذهبنا إلى بقين وجلسنا في المطعم نتغدى ونشرب، إلا عبد الله قال "عاهدتُ والدي ألا أضع المشروب في فمي" عبد الله عُيِّن منذ بضعة شهور في المعمل رئيساً لديوان مديرية الانتاج وسرعان ما اندمج بنا وصار صديقاً للجميع عجبنا أنه يتكلَّم اللهجة البدوية فقال"أنا من طرطوس" استغرب الجميع ولم يصدقوه. أنا من قرية على الشاطئ قريبة من طرطوس اسمها "عرب الشاطئ سكانها من أصل بدوي، وانضم إلينا بعض المسلمين القادمين من اليونان واندمجوا فينا" وعدنا في المساء إلى دمشق نقبع في مقاعدنا متوجسين نتوقَّع بين لحظة وأخرى أن توقفنا إحدى الدوريات، ورأينا آثار المجنزرات التي حفرتْ الطرق منذ منطقة الربوة وحتى ساحة المرجة. طلب السائق منا أن نترجّل من السيارة وعاد من حيث أتى، رأينا دمشق غارقة في الصمت والهدوء لاسيارة نقل، ولاسيارة خاصة فاتجهت في شارع الملك فيصل نحو "حكر النعنع" إلى بيت أختي.

لقد تبيَّن أن الضباط الذين قاموا بثورة الثامن من آذار لم يكونوا منسجمين وأن دعاوى الوحدة التي طرحوها سرعان ما تفسَّختْ وانثالتْ تحت الأقدام فغابت الروح الجماعية وانحصرتْ أهداف الثورة في زاوية أحادية الرؤيا وأعادت لسورية الاضطرابات والقلاقل والتصدّع السياسي، وكان لابدّ من سيطرة جهة على أخرى لتستتبّ الأمور. وبما أن الانقلابات هي الحل الوحيد للخلاص وصارت عادة راسخة في سورية أثبتها العقيد جاسم علوان الذي قام بالمحاولة فأخفق وغادر البلاد.

اتصل بي ذات يوم "المقدم قصاص" مدير الشؤون الإدارية والقانونية وطلب مني لاهفاً أن أبحث له في أرشيفي عن رسالة رسمية هامة ضائعة، فعثرتُ عليها وأرسلتها له. بعد أيام صدر قرار نقلي إلى المديرية العامة وأُسندتْ لي مهمة رئيس الديوان العام. كانت زينب في أحد مكاتب "مديرية الشؤون التجارية" أي صرنا نلتقي كل يوم بحكم الجوار،. سألتها في لحظة صفاء:

- مارأيك أن نستأنف حياتنا الزوجية؟ أما كفانا تشرداً؟

- وإياد أين نضعه؟

- في الحضانة.

هزّتْ رأسها أنها فهمتْ كلامي ومضى كلٌّ منا في طريقه. في اليوم التالي رابطتُ لها على الطريق مفاجئاً وسألتها "ماذا قررتِ؟ " قالتْ بحرج وارتباك:

- أمي تصرّ أن تذهب إلى بيتنا وتصالحها وتعتذر لها حتى تسمح أن ذهب معك.

- وأنا مصرّ أن أتركك عندها لامعلقة ولا مطلقة وأتزوج واحدة أخرى.

وانجذبت مبتعداً عنها أودّ أن أفجّر السيارات وأعمدة الكهرباء وواجهات المحلات ألهذه الدرجة تختلط الأمور فلا يُدرى من المخطئ ومن المصيب؟ إنها لطمة جديدة على الوجه وأنا لا أرتدع. ولتقم القيامة سأدوس على كل الاعتبارات مادام غيري يدوسونها.

في اليوم التالي رنّ جرس الهاتف "أنا مديرالشؤون التجارية تعال إلى مكتبي". لم يكن بيني وبينه أية علاقة عمل ولا أعرف عنه سوى أنه ضخم الجثة جهم يمرّ مكشراً معبّأ بالغلظة والجلافة، ولم يكن أحدٌ في المديرية يحبه أو يحييه لا أنا ولا سواي تساءلت ماذا عساه يريد مني؟ على أية حال هو ليس رئيسي المباشر. دخلت مكتبه فبادرني بسؤال فج هزني وأثار أعصابي:

- لماذا تبكي زوجتك؟

- لستُ أدري.

- وهل من المعقول أن تبكي بلاسبب؟

- أهي التي شكت لك؟

- زميلاتها أخبرنني.

- وأنت حضرتك ماذا تريد مني؟

- أنا!!!؟ أريد أن أعرف السبب.

- وهل أنت قاضٍ شرعي؟

- نعم!!؟

- سيادة الرائد إن بيني وبين زوجتي خلافاً معقداً لكنه موضوع خاص لاأسمح لأحدٍ أن يتدخل به.

حملق الرائد ببصر زائغ فتركته وخرجت حائراً أهو رائد أم مختار ضيعة؟ لكنني قررتُ البحث جدياً عن زوجة، في المساء نفسه كنت أقدم امتحان اللغة العبرية في إحدى قاعات الامتحان أضع الورقة أمامي بيضاء ناصعة لأنني لم أحضر إلا درساً واحداً للأستا "ربحي كمال" كان درساً طريفاً جعلني أحبّ الأستاذ لكن وقتي لم يسمح بأكثر. كنت مسلِّماً أن أحمل المادة إلى الفصل الثاني وما حضوري الامتحان إلا للاطلاع. رأيتُ الطلاب منهمكين بالإجابة، وأخذوا يغادرون القاعة ولم يبق إلا العدد القليل بينهم طالبة تجلس أمامي عى بعد بضعة أمتار سحرني ساعداها البيضاوان المطليتان بنثار الماس وجدائل شعرها الأسود كأجنحة الشحارير فتخيَّلتها رائعة الجمال. أحسستُ أنني سألقي ماعلى ظهري من أحمال وأتسلق على كتفيها، وعندما تحركتْ نحو طاولة المراقب بجسمها الأهيف تسلّم ورقتها زادت لهفتي إليها فوضعتُ ورقة الامتحان بيضاء على طاولة المراقب وخرجتُ وراءها أبحث عنها مخافة أن تطير، وإذا بها واقفة أمام "زعنون" أحد زملائنا الطلاب ممن لا تتحرج الطالبات بالكلام معه لأنه لا للعير ولا للنفير. ورفرفتُ بعيني على وجهها الأسمر فهالني سحر يلفها يختلف عن سحر النساء، سحر كالخمرة المعتَّقة الرائقة التي قال فيها الأعشى. إن شكلها يوحي كأنها حفيدة "الكترا" بنت "آغاممنون" متحدرة من أصل إغريقي عريق، فاندسستُ بينها وبين زعنون مدبراً عنه مقبلاً عليها قلت: "كيف فعلتِ بالامتحان؟" أدهشها تدخلي ويبدو أنها أعجبتْ بهذا الاقتحام. تحرَّكنا تلقائياً وحيدين نحو باب الجامعة الرئيس، وخرجنا نتبادل الأحاديث في أيّ شيء عن الأساتذة عن المحاضرات وأشجار الرصيف الباسقة تخيم علينا نرى الناس ولا نراهم ونحسُّ بالزمن يتسرب من بين أصابعنا. ركبنا باص القصاع معاً وبقيت إلى جانبها حتى ترجّلتْ بباب توما. كنت أقيم في بيت "عربي" بحي شعبي صغير على أطراف جادة "الخطيب" مجاور لشارع حلب استأجرته أنا ومحمد خضرة استلمتُ الغرفة الأرضية وهو استلم الغرفتين العلويتين.

ومضتِ العطلة الصيفية دون أن أراها أو أعرف اسمها، وإنما انضمتْ حلماً إلى أحلامي الكاسدة. ومع إطلالة أيلول (سبتمبر) واقتراب موعد بدء العام الدراسي أصبتُ بالرشح وارتفعتْ حرارتي وأنا ممن يهدّ الرشح كيانهم، وأذكر "نكتة" أن وزيراً لم يأتِ إلى ديوان الملك كعادته فسأل عنه قيل "إنه وقع وكسرت ساقه" فقال الملك بارتياح "الحمد لله خشيت أن يكون مصاباً بالرشح " لملمت نفسي وذهبتُ إلى بيت الشقيقة الكبرى فاطمة متهالكاً وتمدَّدتُ على الفراش، وفي المساء أخذني "حاتم" إلى الطبيب. صارحتُ أختي عن الطالبة فقالتْ "ليتني أراها" وفي أول محاضرة التقينا على باب القاعة لاهفين، وكأننا واقعان في بِركة حب لازوردية.

صرنا نجلس مساء كل يوم في مقهى الجامعة، أو نتجوّل في الحديقة، وعندما تقرّر العودة إلى بيتها أرافقها سيراً على الأقدام إلى باب توما، أحسّ أنها غزالة تسبح في الهواء إلى جانبي وكان حديث العيون بيننا أكثر عمقاً وطلاقة أنسانا جعل كلاً منا يلج عالم الآخر، بل أصبحنا عالماً واحداً أكثر روعة وبهاء من عالم الناس. سألتها:

- ما اسمك؟

- دنيا.

وعندما قدمت لها اسمي انجذبت قائلة:

- مسلم؟

- نعم. وأنت؟

- مسيحية.

وقالت بحرج وانكسار:

- كنتُ أتحاشى دائما أن أسألك عن اسمك.

- لماذا؟

- حتى لا أتفاجأ.

- ولكنني يادنيا أحب المسيحيين، ومن أجلك سأحبهم أكثر.

- وأنا أحبك أيّاً كنت، لكنني خائفة من هذا الحب.

أحسَسْتُ أن حظي عاثر مع النساء رغم أنني لا أؤمن بالحظ ولكن بسوء الاختيار والتقدير، صار الحب عندي "لعبة" أو "قصة" أعيشها ويخرج مني شخصّ آخر يراقب مستخفاً أو مشفقاً، أو أنه قدرٌ مفروض علينا نخدع به أنفسنا هرباً من الواقع في بحث عن نفس ضائعة أو مُضَّيَّعة. أحبّ وأخفق ليستْ مشكلة، لكن أن أتزوَّج وأخفق وأترك ابني الذي خرج من صلبي بين أيدي من أكرههم فهي مشكلة المشاكل. أعزي نفسي أن الرسول محمد (ص) عاش يتيماً وأنشأ دولة غدت مع السنين من أقوى الدول وأغناها حكمة وقيماً رفيعة، ولكنني لم أمتْ ولواعج الشوق إلى ابني تعذبني وأنا آنف أن أتوسل لمن امتلأتْ قلوبهم باللؤم حتى أراه. وأتساءل ألا أستحقّ أن تكون لي صديقة، عشيقة زوجة تداوي جروحي بدل أن تنكأها؟ صحيح أن "دنيا" تسربتْ من قلبي قبل أن يتمكّن حبها مني.. ولكني رأيتُ منها العكس منذ اليوم التالي، أصبحتْ تبادلني لهفة بلهفة، وفاتحتني بمشكلتها أنها من وسط "أرثوذوكسي" متعصب، وأن زواجنا سيؤذي أهلها ويؤدي إلى كساد أخواتها وهي أكبرهن قلتُ لها "أحبك، ولأنني أحبك بصدق لا أرضى أن يقوم حبنا على قهر الآخرين والإساءة إليهم" ودعوتها إلى زيارتي لندرس معاً اللغة العبرية سألتني:

- أهذا كلُّ مرامك؟

- نلتقي ولو كان اللقاء يسبغُ علينا حلماً نهيم فيه كعصفورين.

- موافقة ولكن أتعدني ألا تمسني؟

- نعم. أتثقين بي؟

- كل الثقة.

لقد كانت لقاءاتنا نوعاً من الطهر والسموّ الروحي كالجنة التي يسعى إليها المسيحيون. إن جنتنا نحن المسلمين "حور عين" و"أنهار من العسل واللبن" وصارحتها بكلِّ شيء عن حياتي إلا انني متزوج لأني خشيت أن تعدّني خائناً تقيسني على المسيحيين الذين يختص الرجل فيهم بامرأة واحدة ولا فراق ولا طلاق حتى الموت.

عندما جاء رمضان يوم الأربعاء الخامس عشر من كانون الأول (يناير) 1964 قررتُ ترك الصيام حتى لا أضع حاجزاً بيني وبينها لأنني أحسستُ أنها امتزجتْ بدمي وأن خلاصي منها أقسى من الموت. قد يكون حبنا مغامرة أو طيشاً لكنها مغامرة ممتعة وطيش لذيذ. دعوتها إلى الجلوس في مقهى الجامعة فحاولتْ التملص لكني ألحَحْتُ عليها وعندما طلبتُ كأسي عصير لي ولها سألتني بدهشة واهتمام:

- ألستَ صائماً؟

- لا.

- لماذا؟

لذتُ بالصمت مندهشاً لموقفها. فتابعتْ قائلة:

- أنا متدينة وأتمنى أن تحافظ أنت على دينك. الدين سموٌّ روحي وأخلاق فاضلة.

وأَبْعَدتِ الكأس عني بأناملها، أوشكتُ ساعتها أن أتحدى العيون، وحرمة رمضان وأعانقها بعنف أهصرها هصراً. وسارتْ أيامنا على وتيرة واحدة حبٌّ صوفي وصداقة عجفاء عاجزة أن تكون رابطاً محكماً. وعندما جاءت العطلة الصيفية زارتني مرة واحدة ثم انقطعتْ عني شهراً كاملاً، ولم يكن مسموحاً لي أن أزورها في بيتها أسأل عنها، فرأيتُ أنها النهاية المُتَوقَّعة.

ذات مساء فوجئت "بعبد الله" يطرق الباب ومعه زوجته وزينب وإياد ليصالحنا على أنها قررتْ أن تتمرد على شروط أمها وتعود إلى حياتها الزوجية. جلسنا في صحن البيت وجلس معنا محمد خضرة وأختي وعبد الله يلقي النكات ويمزح، وإياد يلعب عند الدرج. إن حنيني إليه ورؤيته أمام عيني حرَّضني أن أقرِّر الموافقة وإذا بجرس الباب يرنّ، خرجتُ وإذا بدنيا في الباب، فاجأتني فمشيتُ معها مبتعداً عن الباب مرتبكاً لا أعرف ماذا أقول وإذا بزينب تخرج وتنقض عليها تطلق لسانها تشتم ثائرة مهتاجة، قلتُ لدنيا "أرجوك غداً نلتقي في الخامسة مساء في الجامعة" وعندما رأيتُ بعض النساء يراقبن من النوافذ بفضول حملتُ زينب ووضعتُ يدي على فمها وأدخلتها البيت، ووقعتِ الواقعة. حملتْ إياد ومحفظتها وأبتْ أن تمتثل لأي رجاء من عبدالله وزوجته، ومن أختي وزوجها وعادتْ إلى بيتِ أهلها.

التقيتُ بدنيا على الموعد قابلتني لاهفة متعاطفة، وانزوينا على أحد مقاعد الحديقة وصارحتها بكل شيء. وسألتها:

- أليس من حقي أن أعيش؟

- بكل تأكيد. يالها من امرأة شرسة.

- أنا أعيش في ورطة يادنيا.

- وانا حياتي فداك.

أطرقنا كلانا. هي تنقذني ولكنها ستوقع نفسها في ورطة، إنها حياة قاسية ينبغي ألا نتعب رؤوسنا بالتفكير في نهاياتها المحتملة ومازلنا في البدايات. أحسستُ أن الدين لايمكن أن يفرِّق بين قلبين وإلا فهو ليس ديناً وإنما قمع، وتسلُّطٌ أعمى. وأنا مشكلتي أنني لا أطيق العيش في الغموض، وفي الظلال الكتيمة لأنني أحس كأن الهواء انقطع عني فضاق صدري وأوشكتُ على الاختناق. أغضب من زوجتي فأعلن، أصالحها فأعلن. إنني أفضح أسراري بنفسي لا أقول إنها ميِّزة لكنها صفة قد يراها بعضٌ ذميمة ويراها آخرون نقاء سريرة.

صرت ألتقي بدنيا كل يوم، ولهفة كلِّ منا نحو الآخر تجلي ما في النفس من معاناة وعذاب. صار كل منا يبثّ الآخر لواعج قلبه وكأننا بدافع اللاشعور نحس أننا نستلب أحلامنا من الزمان المتغطرس، نحلق في أجواء نرى الناس فيها بحجم الذباب، وانقطعت دنيا عن الجامعة فجأة مايزيد على عشرة أيام. وعندما عادت صارتْ تنظر إليَّ نظرة عابرة وكأنها تراني للمرة الأولى وتغضي باحتقان ماضية في اتجاه آخر. حاولتُ مرة أن أتقدم نحوها أكلمها فنفرت هلعة كظبية يوشك الصياد أن يقنصها، حتى بتُ أشك في أمرين أنها أصيبت بلوثة أو أن هذه التي أراها فتاة أخرى.

وأثوب إلى نفسي أحاسبها: ماذا أخطأت؟ ما هذا الذي يجري؟ ماهذا التبدل المفاجئ؟ وقرَّرتُ أن أقعد مكاني، وأضع يدي بيد أول من تتقدم نحوي مؤمنة بي، وتذكَّرتُ موضي تلك الوحيدة الصادقة التي اندفعتْ إليّ مسلِّمة طائعة لكنها هي الأخرى تزوجت وإلا فإن أنصاف المتعلمات من النساء أكثر جهلاً وغباء من الأميات اللائي خبرن الحياة بفطنتهن وصفاء أذهانهن.

ظلّ القلق يعذبني كلما خطرتْ دنيا ببالي، حتى صرتُ أتحاشى رؤيتها أو الاقتراب منها في الجامعة، وذات يوم اعترضتني في ممر جانبي وغمزتني أن أتبعها. وقفنا في مكان خال وسألتني محتقنة:

- أأعجبك ماجرى؟

- ماذا جرى؟

- لا تعرف؟

- من أين لي ان أعرف؟

- داهمتْ زوجتك وأمها أبي في دكانه، وأطلقت لسانها السليط تسبّ وتشتم تقول "أبعد ابنتك عن صهري إنها تغويه تريد أن تخرب بيت ابنتي" ولأول مرة صارت عيون أهل الحارة تحملق إليّ باتهام واستصغار وشماتة، فاعتزلتُ في البيت لا أطلّ من باب أو نافذة عشرة أيام.

وغلب عليها البكاء. قلت والدم يغلي في رأسي:

- سألقنها درساً لن تنساه. سامحيني دنيا ولكنه قدرنا أن يُقتلع كلُ واحدنا من الآخر مقهوراً. ثقي أنني سأدوس على قلبي وأبتعد عنك حتى لا أوقعك بمثل هذه الورطة المؤلمة.

- انا لا أريد أن أتخلّى عنك، ولا أريدك أن تتخلى عني. أنا مستعدة أن أضحي بكلّ شيء من أجلك.

- إلا أخواتك وأخاك الصغير جورج.

واندحرتُ إلى قلمي ولم ألق من أبوح له سواه. كتبتُ قصة قصيرة نشرتها في "مجلة الثقافة" التي كانت واحدة من المجلات الأدبية العربية الهامة، وقد انطلق من على صفحاتها أدباء كبار كالشاعر نزار قباني. كان صاحبها ورئيس تحريرها مدحت عكاش وكان يعاني الأمرّين للمحافظة على سويتها واستمرارها. عرفت من خلالها اسماعيل عامود وكان يعمل متبرعاً أميناً لتحريرها. وعرّفتُ دريد يحيى الخواجة زميلي في الجامعة إلى اسماعيل وكنا نلتقي في أمسيات كثيرة ونتناقش في مواضيع أدبية متنوعة وعلى الخصوص مشاريعنا الأدبية كان دريد قاسياً في نقده سليطاً وكان من يقع بين يديه يحسُّ أنه في ورطة لايعرف كيف ينجو منها، خاصة على إسماعيل فقد نَخَله نَخْلاً وساهم برفع سوية أشعاره وكان إسماعيل واحداً من أبرز الشعراء المحدثين في سورية. وكم كنت أختلف مع دريد لكنني كنت أقرّ بسعة اطلاعه وتفتّح عقله.

وبدأتِ المهاترات الإعلامية بين مصر وسورية، ثم تطورت فصارت تلوكها ألسنة المسؤولين الأوائل. وعندما تسمع مسؤولاً في القمة يهبط إلى درك الشتّامين وأحياناً البذيئين كأن يقول أبوعبده "أمين الحافظ" في لحظة انتفاخ بخطبته "إن حذاء أصغر جندي سوري يساوي رأس أكبر ضابط مصري" من يومها بصقتُ على السياسة ودستُ البصاق.

ذات يوم فوجئتُ بإياد يدخل مكتبي ويجري نحوي لاهفاً يقفز على الكرسي ويعانقني. كانت لحظة أقسى من كلِّ البكاء والنحيب، وأكبر من العالم والأجرام السماوية. رأيت الزملاء في المكتب يرنون إليّ متأثرين، ورأيتُ دمعاتٍ في مؤقي إبراهيم بابللي، لبثت مأخوذاً عاجزاً وإياد يقبلني قبلاتٍ هامسة، وجاء الآذن محمود يأخذه إلى أمه فمنعه إبراهيم وغمز محمد مهدي أن يتبعه وخرج ثم عادا ومعهما زينب واثنتين من زميلاتها وقيل لي "خذها وخذ ابنك".

كان عبد الرزاق قصار قد زارني قبل يومين وعرض عليّ أن أستأجر بيتاً تملكه أمه وخالته في حيّ المهاجرين، تقيم فيه أرملة خاله وحيدة. اتصلتُ به إلى معمل البطاريات وسألته عن البيت قال:

- مازال جاهزاً. أمي وخالتي ترفضان تأجيره لأيِّ كان.

- هل أستطيع أن أستلمه اليوم.

- بكل تأكيد.

قلتُ لزينب ونحن نتمشى بين السبع بحرات وبوابة الصالحية "هل أنت مستعدة أن تجعلي ذروة اهتمامك زوجك وابنك؟ " قالت بفرح مبطَّنٍ بالانكسار "نعم" قلتُ "ولا تراجع؟" قالت "نعم وإياد؟"

واستأنفنا حياتنا الزوجية في ذاك البيت في منطقة "الشطا". كان البيت كالحلم لا لأن فيه فسحة سماوية، وبحرة ونافورة، وشجرة نارنج ولا لأن فيه ثلاث غرف إحداها للضيوف والأخرى للنوم والثالثة صغيرة لنوم الضيوف، ولا للمطبخ الواسع الأنيق وإنما لأن فيه أرملة خال عبد الرزاق المصرية العجوز "المقطوعة من شجرة" تقيم في الغرفة المقابلة لغرفة الضيوف وحيدة رحبتْ أن تضع إياد عندها منذ ذهاب أمه إلى العمل وحتى عودتها "أرعاه بعيني وأتسلى به في وحدتي"

كانت الحاجة طريفة جداً مسلية فَكِهة تذكرك بالفنانة المصرية الكبيرة "ماري منيب" بالشكل والتصرفات، وكنت كثيراً ما أسألها مازحاً:

- حجة هل أديتِ فريضة الحج مشياً على الأقدام أم راكبة على الجمل أم بالباخرة أم بالسيارة أم بالطيارة.

- همَّ الشِّوام حجّجوني.

كان زوجها سورياً يعمل "حلوانياً" في القاهرة، تعرف إليها وتزوَّجها وكانت يتيمة الأبوين تعيش عند أقاربها، وكل ماجناه في حياته اقتناء هذا "البيت" في دمشق وزواجاً جديداً. قالت إنه كان وسيماً يفور نشاطاً وحيوية وفجأة قيل لها إنه يبحث عن زوجة "ثانية". قالت "واجهته بالحقيقة أتريد أن تتزوج؟" قال "نعم" وقال إنه يريدها صبية من بنات المدارس فعثرتُ على واحدة اقتنع بها وكتب كتابه عليها وتزوجها. وقالت "يالتلك الليلة ليلة الدخلة" ما إن اختلى بها في غرفة النوم حتى صارت النار تلتهب في أعصابي، أحسستُ أن الضرة كارثة فاندفعتُ أطرق عليهما الباب بجنون، ومنذ الصباح أخذها وأسكنها في بيت آخر، وعندما توفّي أوصى لها ولابنتها ببيته في القاهرة، وأوصى لي بهذا البيت، ولم يكن له من ورثة سوى أخواته الثلاثة تربَّصنَ ينتظرن موتي لـ "يلهفن" البيت قلت لها:

- معنى ذلك أنك تقيمين ولا تملكين على عكس ملكة بريطانيا التي تملك ولا تحكم.

- أنا لا أفهم بهذه الأمور.

- وما رأيك بالسياسة هذه الأيام؟

- أنا آكل وأشرب ولا أفهم بأيّ شيء آخر.

كان كل أصدقائي الذين يزورونني يجلسون معها ويندهشون لطرافة حديثها وأصبحتْ تعرفهم واحداً واحداً وبخاصة محمد بكار الذي كان يمازحها ويطلق ضحكاته الصاخبة عندما تردُّ عليه. يبدو أنها فتحت أبوابها المقفلة وبدأتْ تسترجع نفسها الضائعة، كانت لها تقاليدها، تستيقظ صباحاً وتشعل "مصباح الكحول" وتعد قهوتها بنفسها تحتسيها على حافة البحيرة بشغف، وتذهب يوم الخميس إلى حمام السوق. كانت ترفض أن نقدِّم لها أية مساعدة إلا على شكل هدايا، ولم نسألها مخافة الحرج عن مصدر دخلها، ولم نكن نعرف شيئاً عن طعامها إلا أن أحد أصحاب البقاليات "الحموي" كان يوصل لها المواد الغذائية التي تحتاج إليها كل بضعة أيام.

كانت علاقتي "بإياد" تحتاج إلى تطبيع بسبب الهوة التي حفرها بيننا خاله وخالاته، أحمله يومياً وأطوف به في منطقة "الشطا" وقد أذهبُ به إلى "آخر الخط" نجلس في الحديقة وأتركه يلعب ويلهو، وكانت أبرز ميزات زينب شدة الاهتمام بنظافته وطعامه وصحته، وما إن يشكو من أبسط الأمراض حتى نحمله إلى عيادة الدكتور "عبد الله عطفة" القريبة ونرتاح لتعليماته والدواء الذي يصفه.

ومن ميزاتها أنها اجتماعية سلسة مع الجارات قادرة على استقطابهن وبناء علاقات صداقة معهن إلا علاقتها بي وعلاقتي بها فقد كان فيها شيء خفي وهذا الشيء الخفي كان كالشعرة في صحن الحساء التي ابتدأ بها الكاتب الياباني"أسامو دازاي" روايته "الشمس الغاربة". على كل حال كانت علاقة هادئة "روتينية" بعيدة عن تدخلات أمها حتى أوشك العيد أن يقبل. أرادتْ أن تتمتع بالإحساس أنها ربّة أسرة تقوم بإعداد حلويات العيد التقليدية: "السمبوسك" و"المعمول" وفيما همّت بالتحضير فوجئنا بأمها تحطُّ في أرضنا وتتولى القيادة بنفسها، رجتني زينب أن أتغاضى وأشغل نفسي بالقراءة في غرفة الضيوف، أو أغادر البيت أتمشى في أي مكان. سألتها "ألا تستعد هي الأخرى للعيد في بيتها كغيرها من ربات البيوت؟" ولم تزد على كلمة "أرجوك" بلهفة وتوسل.

جلستُ في غرفة الضيوف ولم يعد أيّ معنى لسؤالي "كيف تقتحم بيت مَنْ تكرهُه ويكرهُها؟ أليست عندها كرامة؟" وتذكرتُ أنني أكلتُ مرة "المعمول" في حلب يضعون مع حشوته قليلاً من "القرفة" فتعطيه مذاقاً طيباً، أسرعتُ إلى زينب قبل أن تبدأ عملية "الحشو" وطلبتُ منها وضع "القرفة" ففأجابتني الأم بحزم:

- لا. نحن لا نضع قرفة للمعمول.

- أنا أحبه بها.

- لا أبداً لا يمكن.

وعندما خرجت الأم مساء أصبحت شعرة "أسامو دازاي" بيني وبين زينب كسدّ الصين، وبدأنا بنمط جديد من الحياة المتوترة، صارت الأم تزورنا يومياً فلا أستقبلها ولا أكلمها متغاضياً عن اسفزازاتها وتدخلاتها السقيمة، لكنها رفعتْ وتيرة التدخل فاشتبكتُ معها في شجار جعلها تحرد وتغادرنا مهزوزة.

في اليوم التالي رن جرس الباب وإذا بها تطلّ متجهمة محتقنة فأطبقتُ الباب في وجهها، ضغطتْ على زر الجرس فرفضتُ أن أفتح لها، وضعتْ إصبعها عليه ليستمر في الرنين، قطعتُ السلك الكهربائي، طرقت على الباب حتى ملّتْ ثم اختفى صوتها. قالت لي الحاجة مأخوذة وكانت تداعب إياد "ماهذا الذي أرى؟ من أي نوع من النساء هذه المرأة؟" وعندما خرجت زينب من الحمام طلبتُ منها أن ترتدي ثيابها لنخرج نتمشى تحسُّباً لعودتها أو استنفار أحد من أولادها قصراً للشرّ. وفيما هممنا بالخروج رن جرس الباب ففتحته متحفزاً وإذا بعريف في الشرطة يقف في وجهي. سألني:

- أنت فلان؟

- نعم ماذا تريد؟

- تفضل معي إلى قسم الشرطة.

- لماذا؟

- لأنك تضرب زوجتك وتؤذيها.

- هذه هي زوجتي.

وأشرتُ لها فأصيب الرجل بالدهشة. سألته:

- من الذي افترى عليَّ هذا الافتراء؟

- لا أحد لاأحد. عن إذنك.

وانصرف. توقَّعتُ أن الأم تنتظر في القسم أن أُساق مقيداً بالسلاسل ففوجئتْ بالشرطي يوبِّخها كما قال لي عندما رأيتُه مصادفة في اليوم التالي.

بعد حوالي اليومين وكنا نتناول الغداء زارنا أخوها لأمها "غير الشقيق" وفيما كنتُ أتوقّع أن يعاتبني رأيته يحييني بلهفة، قال إنه يمر من حينا مصادفة وإنه بغاية الشوق لرؤيتنا وجلس معنا على الغداء، بعد الغداء تركته يشرب الشاي مع أخته وذهبتُ إلى غرفة الضيوف، وعندما غادَرَنا مرّ بي ودَّعني بحرارة وانصرف، وهدأتْ بعدها الأجواء فاستغربتُ هذه الحكمة الطارئة كيف هبطتْ على من لاتتوقَّعها فيهم قياساً على مجريات حياتنا، لكنّ زينب أخذت تبدو قلقة محرَجة تتهرب من لقاء عيوننا كأنها تتوقّع الشرّ.

وكنا نستقبل الضيوف ونقوم ببعض الزيارات ونجلس مع الحاجة نمازحها. ذات يوم خرجنا إلى العمل صباحاً وكالعادة أخذت "سندويشة" لي وأخرى لها، وعندما عدنا ظهراً وجدتُ شرطياً على الباب، وحركة غير طبيعية في غرفة الضيوف، دخلتُ وإذا بأحدهم يسألني "أنت الزوج؟" أصبتُ بالدهشة والضياع رأيت مختار الحيّ ورجلاً منفوخاً قيل إنه "مدير التنفيذ" ورجلاً يحمل محفظة جلس ووضعها على ركبتيه. قال لي مدير التنفيذ:

- معنا قرار حجز بأثاث البيت.

- لماذا؟ لستُ مديناً لأحد.

وقال لحامل المحفظة "أطلعه على قرار المحكمة" فهمت الموضوع أنه تواطؤ متعارف عليه بين الزوجة وأمها تعترف الزوجة بموجب "سند" موقع أن لأمها بذمتها خمسة آلاف ليرة سورية فترفع الأم دعوى على ابنتها وتطلب حجز أمتعتها الجهازية المسجلة باسمها، همس أحدهم في أذني "إنه حلٌ انتقامي" وتابع مازحاً "هكذا يصير بمن يغضب حماته" قال مدير التنفيذ "إما أن تأتينا بشخص ثالث يوقع لنا تعهداً أنه مسؤول عن الأمتعة يضعها عنده أو يتركها مكانها ويقدمها حين الطلب أو نحجزها ونأخذها" قلت له "أريد أن أعرف شيئاً واحداً "متى وقَّعت زوجتي السند لأمها؟" لم يكن السند بخط زينب لكنه مذيَّلٌ بتوقيعها، وتاريخ توقيعه هو نفس اليوم الذي زارنا فيه أخوها غير الشقيق لاهفاً مشتاقاً وتغدّى معنا. قلت بحزم "احجزوا ولا تتركوا شيئاً" ذهبتُ إلى غرف النوم فرأيتُ زينب تفرّغ الخزانة من الثياب وتضع ثيابي جانبا باكية متشنِّجة. قلت لها "هكذا تخدعينني إذن أنت وأخوك؟ " وقلتُ باحتقار "يا خائنة وجلستُ في الغرفة الصغيرة أعجبُ لرجل يزورك مدعياً أنه في غاية الشوق إليك ويغدر بي؟ أتراه يحقّقُ إنجازاً لأخته أم يساهم بخراب بيتها؟ يالها من حطّة وسفالة. كيف نسي سلال العنب التي كنت أحملها له كلما ذهبت إلى جيرود، وأطلبُ من الباص أن يتوقَّف في دوما مقابل بيته المطلّ على الطريق العام، وأطرق الباب وأضعها؟ كيف نسي كم مرة دعوته إلى جيرود مع زوجته وأولاده، وأقمتُ له الحفلات يومين أوثلاثة بين البيتِ والمزرعة؟

ودخلتِ الحجة وجلست قبالتي متأثَّرة صامتة. ثم قالت بمرارة:

- أخذو كل شيء وراحوا.

- إلى الجحيم.

- حاولتُ أن أضع عيني في عيني زينب لكنها تملصت وخرجت معهم. لا تغضب يا ابني ولا تأسف على غادر أراحك الله منه.

ثم انتفضتْ قائلة بحدة:

- أنا لم أسمع طيلة حياتي بأم كهذه الأم تريد أن تخرب بيت ابنتها وعلى يدها ولد وهي حامل في شهرها الخامس.

في اليوم الأول هممتُ أن أودِّع الحاجة فألفيتها منكفئة على نفسها ينهنهها البكاء. حاولتْ بإلحاح واندفاع أن تبقيني في البيت وقالت:

- هناك ألف من تتمناك من تفرش لك الحرير إحدى بنات الجيران معلمة مدرسة جميلة أهلها محترمون تراك عرضاً في الطريق منذ مدة زارتني وعندما عرفت وضعك ومشاكلك مع زينب وأمها، قالت لوكان زوجي لوضعته في عيني.

ثم قالتْ متوسلة:

- تزوَّجها ولا تترك البيتْ.

- أنت تعرفين كم أحبك وأعزك ياحاجة لكن نفسي تأبى بإصرار أن أبقى في هذا البيت حتى لاتنغصّ عليّ حياتي هذه الذكريات الكريهة كرائحة المجاري. أعدك أنني سآتي لزيارتك كلما سنحتْ لي الفرصة.

وحملت أغراضي المتبقية وعدتُ إلى غرفتي في بيت أختي في الخطيب، وفي المساء اجتمعتُ بأخواتي في بيت فاطمة. كنَّ جميعاً يعاملنني بإشفاق وحساسية، يواسينني من جهة ويلُمْنَني من جهة أخرى لأنني أثق بزينب وما ألبث أن آكل صفعة على وجهي.

في اليوم الثاني دخلتُ مكتب "المقدم قصاص" ورجوته أن يساعدني على قبول استقالتي منذ اليوم. حاول أن يدخل معي في نقاش فقلتُ له بضيق "لقد أهنتُ في المؤسسة ويستحيل علي أن أبقى. أرجوك اليوم اليوم " كتب على طلب الإستقالة "موافق" ووقعها قائلاً "هذه أول مرة أوافق على موضوع لست مقتنعاً به خذها إلى المدير العام" قلت له لاهفاً "أرجوك أن تأخذها بنفسك" فقام على مضض. وفي الخامس عشر من كانون الأول من العام 1965صدر قرار بقبول استقالتي وخرجت من المؤسسة بحالٍ شجية، وكأنني فارقتُ عزيزاً غالياً.

في اليوم الثالث ذهبتُ إلى "التربية" فوجدتهم بحاجة ماسة إلى مدرس لغة عربية فسلموني (12) ساعة في ثانوية القطيفة، أي ما يعادل (200) ليرة في الشهر، وكان مضى من العام الدراسي قرابة الشهر. وذهبتُ مساء إلى جيرود وجلستُ مع أمي في ساحة الدار تنظر إليّ صامتة بقلب مدمّى وقلت لها مهوِّناً بعد فترة سأقبض تعويضاً ملائماً نحسِّن به أوضاع البيت فلم تعلّق بكلمة واحدة.

في اليوم الرابع التحقتُ بثانوية القطيفة فوزع لي المدير برنامجي على أربعة أيام وبدأتُ العمل مباشرة في الصف السابع. وعند الظهر التقيتُ عرضاً بالأستاذ عمر حمد وإذا به يبحث عمن يسلمه إدارة ثانوية "الإصلاح الريفي" في القطيفة مع تدريس مادة اللغة العربية. سألته عن الراتب الشهري قال "375" ليرة فأبديت استعدادي واتفقت معه واستلمتُ العمل منذ الغد، وقد أصبح دخلي الشهري (575) ليرة وهو مبلغ فخم رغم أنه يتوقف في الصيف، وبدأتُ أسدد بعض الديون، كما أن أخي فيصل وجد وظيفة على أساس الشهادة "الإعدادية" واستأجر غرفة في دمشق، وبقيت في جيرود أنا وأمي وخالتي مريم. لقد عادت الحياة أدراجها، انتهتُ من حيث ابتدأت، ولئن كنتُ غيرآسف على زينب فكيف لا آسف على إياد، وعلى جنين في بطنها؟

لم يكن مامضى مجرد مغامرة لقد قلبت لي الحياة ظهر المجن وأنا مازلتُ في السابعة والعشرين ولا أستطيع أن أقول إنها بداية بعد أن خضتُ تلك الحرب الشعواء، وخرجتُ منها مثخناً بالجراح. أحسستُ أنني في غار مظلم يطبق على أنفاسي، أحسستُ بالتخاذل ثم تصديتُ لنفسي: إنني ناجح في العمل ولو انه تبدل، ناجح في الجامعة، في علاقاتي الاجتماعية. يجب أن أنتصر على نفسي يجب أن أعود للقراءة والكتابة وهي ماهيَّتي ومسوغ وجودي. أصبحتُ أنام بين غرفتي في دمشق وبيتي في جيرود بحسب اضطراري إلى حضور بعض المحاضرات في الجامعة ثم أخذتُ أندمج بمجتمع جيرود في سهرات دورية أقضيها مع المعلمين والطبيب والصيدلي ومدير الناحية بلعب الشطرنج. ووجدتني أؤجل خطوة الطلاق من حيث لا أشعر. قال لي محمد بكار:

- إذا أردتَ أن تعذِّبها وتمرمرها اتركها لامعلَّقة ولا مطلَّقة.

- وإذا قررتُ أن أتزوج؟

- أنت تستطيع أن تتزوج واحدة أخرى، أما هي فلا يحقُّ لها.

ورغم أنني لا أحب المواقف المتردِّدة المؤرجحة أجَّلتُ الموضوع تأجيلاً. كان محمد بكار أقرب أصدقائي إليّ يلازمني خلال جميع أوقات فراغي وفراغه، لكنه بعد أن انتسب إلى حزب البعث تشعَّبتْ علاقاته وخفّتْ زياراته دون أن تنقطع. كنا إلى عهد قريب عندما نذهب إلى السينما أو نجلس في المقهى نبحث في جيوبنا عن بعض (الفرنكات) لنتِّم المبلغ، دعوته إلى السينما على حسابي وأعطيت قاطع التذاكر مئة ليرة قطعة واحدة، وفيما أعاد لي الباقي نظر بكار إلى المبلغ منبهراً، بعد السينما دعوته إلى العشاء في نادي العائلات وقلت له "اطلب ماشئتْ" وهو على بدانته نباتي. ورغم أنه أول من يعرف كيف بدّلتُ عملي، وكيف ازداد دخلي، أخذ يوجه لي أسئلة أشتمّ منها رائحة الريبة. ثم أخذ يسألني مع من أجتمع، وأين أذهب، فأفَضْتُ بهواجسي لمحمّد خضرة. قلتُ له:

- يبدو أن بكار ينوي أن يضحيَ بي ليحظى بمرتبة حزبية أعلى.

- مستحيل. إنه يعدّ نفسه كأخيك، إنه رفيق الطفولة، إنه لايفارقك.

- أتمنى أن يكون هاجسي سوء ظنّ، وعلى أية حال سأختبره.

تظاهرتُ أمام بكار أنني ألعبُ بالنقود فازدادت شهوة الفضول والريبة فيه ففاجأتُه بسؤال مهموس:

- أتكتم السرّ؟

- أعوذ بالله.

- أنا عضو في الخماسي الناصري، وآخذ نصيبي من المبالغ التي يأتون بها من القاهرة ويوزعونها علينا، ودائماً يعدوننا بمبالغ أكثر. ما رأيك أن تنضم إلينا؟

اهتز مذعوراً كمن يوشك أن يهوي في جرفٍ هارٍ، وقال لي:

- سأفكر بالموضوع وأردُّ عليك خبراً.

كان الخماسي الناصري آنذاك هو تجمُّع خمسة أحزاب وحركات ناصرية، وكان على اتصال دائم مع القاهرة ومع السفارة المصرية في بيروت، وقد ازداد نشاطه السري بعد إخفاق محاولة "جاسم علوان" الانقلابية. وكان يمثِّل في سورية حصان طروادة، وانقطع بكار عني أسبوعاً كاملاً.

كنت مدعواً على الغداء في بيت أقارب أمي في شارع الأمين، وبعد أن انتهينا من الغداء وجلسنا نشرب المتة رن جرس الباب ففتحتْه إحدى البنات وعادت تقول لي " شخص يريد أن يراك على الباب " خرجت وإذا به محمد حسن كريزان. صافحني بحرارة وعانقني وقال لي:

- النقيب بكار يريد أن يراك لأمر ضروري.

- تفضّل. قل له يتفضل.

- هو جالس في السيارة، امشِ معي وقل له أنت.

خرجتُ معه وبعد خطوات داهمنا عسكري وأشهر علينا "ساموبال" وقال منتهراً بلؤم:

- امشيا معي أنتما الإثنين.

- إلى أين؟

- امشِ ولا تسأل.

- من أنت؟

- تحرّك بلا لَتّ.

قادنا إلى سيارة "جيب غاز" ووُضعتُ في المقعد الخلفي يحيط بي عسكريان مسلَّحان وجلس "كريزان" وحده بجانب السائق، وتحرَّكت بنا السيارة نحو مدخل دمشق الشرقي، لقد استنتجت لحظتها أن "كريزان" لم يكن سوى دليل، وأنها طبخة محمد بكار. هنا انطمستْ أمامي معالم العالم، وصار كرة مفرغة من المعنى أحسستُ أنني ذرة رمل، أنني غبي في انتقاء الأصدقاء والزوجات.

كان الضابط اللامع "بكار الصغير" قد طرق باب بيت أختي أثناء تناول الغداء فدعاه محمد إلى الطعام وهو من رفاقه في المدرسة، جلس "بكار" يشاركه الطعام بشكل اعتيادي وسأله عني سؤالاً تعمَّد أن يبدو عارضاً فقال له "مدعو على الغداء " وأعطاه العنوان بشكل عفوي. استأذن "بكار" محمد على أن يعود لإتمام الغداء وخرج. كانت أختي تنشر الغسيل على السطح فرأتْه يقف بجانب سيارة عسكرية يكلم من فيها ويصرفها، ويعود. هرعتْ أختي وأعلمتْ زوجها. سأله

- ما الأمر؟ لماذا سأل عني؟

- بصراحة إنه متهم اتهاماً خطيراً وسأحاول أن أحميه.

فهبّ محمد واقفاً مأخوذاً وقال:

- اتهام خطير؟ إذا كانت عليه أية تهمة فأنا شريكه فيها، معقول؟

وغادر بيت أختي مزهوّاً. ودخلت بنا السيارة معسكر القطيفة، وقادنا الحارسان إلى غرفة للانتظار، جلسنا طويلاً ثم دعينا كلينا إلى مكتب يتصدَّره النقيب بكار، سأل "كيرزان" مقطِّباً معتداً عن هويته المفصلة، وأخذ يكتب الإجابات، ثم قال له "انتظر في الخارج" واتجه إليّ يوجه لي الأسئلة نفسها. قلتُ بدهشة:

- تسألني وانت تعرف كل شيء؟

- ليس عندي وقتٌ للمهاترات. أجبني وكفى.

وإذا برقيب يدخل قائلاً "اين المتهم؟" ثم قال لي "امش معي" وأدخلني إلى غرفة الملازم الأول الذي طلب مني الجلوس وراح يخوض معي حواراً يحوِّم فيه حول الاتهام. قلت له:

- إذا قلتُ لك الحقيقة تصدقني؟

- أنا لا أريد سوى الحقيقة.

شرحتُ له بالتفصيل مادار بيني وبين محمد بكار شقيق النقيب، وشرحتُ له علاقة الصداقة التي تجمعنا، وسألتُه "ترى ألا يصير البعثيُّ بعثياً حتى يفتري على أقرب الناس إليه ويضحي بهم ليُثبتَ إخلاصه؟" جمُد الملازم الأول وأصيب بدهشة جعلته يفغر لها فاه. قال لي "اذهب الآن إلى جيرود، واجلس في بيتك حاول ألا تلتقي بأحد، وعد في الصباح ".

عندما ترجلتُ من السيارة ومشيت باتجاه حارتنا تبعني المختار "حسين بكر" على الدراجة ومشى إلى جانبي وقال هامساً "الشرطة العسكرية يسألون عنك. إحذر" وتابع طريقه وما إن حلّ المساء حتى امتلأت المضافة بالرجال والشباب، وعلمتُ أن الشرطة العسكرية قد ساقوا خلال اليومين الماضيين أكثر من ثلاثين طالباً من جيرود إلى القطيفة بتهمة الانتماء إلى تنظيمات ناصرية، وأشبعوهم ضرباً أن يعترفوا بالحقيقة وبعلاقتهم بي فأنكروا التهمة جميعاً ونفوا أن يكون لهم أية علاقة بي. وقيل لي إن عدداً من رجال جيرود قرروا أن يأخذوا أربعة باصات ويذهبوا لمقابلة وزير الداخلية من أجلك وأجل الطلاب.

في الصباح استقبلني الملازم الأول "محمد خير" بترحاب. ودعاني إلى الجلوس وطلب لي فنجان قهوة ثم اعتذر لي وودَّعني إلى الباب. ثم جاءتني الحقيقة مفصَّلة أن "محمد بكار" كتب تقريراً بالتنظيمات الناصرية الخطيرة بين طلاب جيرود، وعندما بحتُ له "بذاك السرّ التجربة!" هرع إلى أخيه وأفضى له بكل شيء، وكان وضع أخيه مهزوزاً في الجيش فأراد أن يقوم بإنجاز يثبت به إخلاصه فطلب منه أن يكتب له تقريراً مفصلاً حمله على عجل إلى المسؤول الأمني الملازم "محمد خير" وقال له "هل أدلكم على الرأس المدبر؟" وقام بأداء تمثيليته الرخيصة وحتى تكتمل سفالة "بكار" جاءني ظهراً يبكي ويعتذر "كان خطئي أنني بحتُ لأخي بما قلتَ لي ولم أكن أتصوَّر أن يستغلّ الموضوع بمنتهى الحقارة" فاقتحمتِ أختي الغرفة علينا وقالت محتقنة "عن إذنك أخي" وقالت له متوترة " بأيِّ عين تزورنا؟ قم. قم الآن واخرج من بيتنا" حاول أن يتكلَّم فقالت له"لست مستعدة أن أسمع منك كلمة واحدة اعلم أن عائلتنا كلها تحتقرك" فخرج محني الرأس كظيماً.

كانت تلك تجربة مريرة ولم يكن يسيراً عليّ أن أخسر صديقاً عشتَ معه مرحلة الصبى والشباب التقينا في البداية على حبّ الرياضة والأدب كان يقرأ كثيراً وكانت له بعض المحاولات الواعدة في الكتابة، كان طيّباً بسيطاً مرحاً لاذع النكتة لكنه كان يعاني أحياناً من خلط الجدّ بالهزل، ومن حالات قلق عارض. ثم بدأ يعاني من سلسلة من الفشل بسبب استهتاره ولامبالاته، فشل في دار المعلمين الابتدائية واستنفد فرص الرسوب ففُصل فشل في الدراسة الخاصة، تقدم إلى "البكالوريا" حتى الآن إحدى عشرة مرة ورسب. فشل في العمل نُقِل خلال العام الأخير من وظيفة إلى أخرى أكثر من عشر مرات بسبب اصطدامه المتكرر مع رؤسائه المباشرين.كان يعمل في ديوان وزارة الدفاع فاختلف مع رئيس الديوان، وعلى طريقته في خلط الجدّ بالهزل اشترى سبع عشر "سندويشة" وعشر كاسات عصير، ووضعها على الطاولة يأكل منها. فذهب رئيس الديوان إلى مدير الإدارة وقال له "إما أنا أو محمد بكار في هذا الديوان" فنقلوه إلى مستودعات تابعة للجيش في منطقة "الثنايا" بين دمشق والقطيفة، وفشل في حياته الزوجية، كانت زوجته شركسية مخلصة ومحترمة وذات يوم ذهبتُ أنا ورفيق سعدة نسأل عنه فقالت لنا "لم نره منذ أسبوع غادر البيت وأنا على وشك الولادة وولدت ولم يعد" وعندما انتسب إلى "حزب البعث" بدأ الانسجام يفتر بيننا، ويبدو أن الذئب الذي كان كامناً فيه بدأ يستيقظ، صار حقوداً محبّاً للأذى أنانياً لايهمه أن يبطش بأصدقائه ليرتقي درجة في السلم، كنتُ أراه يستحقّ الإشفاق فلم أحقد عليه ولم أتعمَّد مقاطعته بيد أن العلاقة بيننا انهارت تلقائياً.