في أواسط الخمسينات عند بداية علاقتي بمحمد بكار كانت الأحزاب تتسابق على استمالة الشبان الصغار أمثالنا، وكان الحزب الوحيد الذي يتوافق مع أفكارنا وتطلُّعاتنا هو "حزب البعث" وكان "خالد جبارة" المسؤول البعثي في جيرود شاباً دمثاً طيباً يحبه الناس فاستقطبَنا أنا ومحمد بكار ومحمد خضرة وآخرين لكنه توفيّ وهو في عزِّ شبابه فحزن الناس عليه حزناً شديداً، وكان المسؤول البديل شاباً مزيَّفاً مدعياً جعل الفوضى تدبّ في أوساط الحزب وأنصاره، فارفضّ عنه الناس ولم يبقَ حوله إلا القليل، فتركنا الحزب وابتعدنا لكننا لم نتخلَّ عن أفكارنا وعن المبادئ التي كنا نؤمن بها.
ثم وجدناها في "الوحدة" وفي جمال عبد الناصر، وعندما قامت ثورة آذار ورأينا الناس يتهاوون على الحزب وقفنا جانباً إلا محمد بكار وقليلين توغلوا في الحزب وسرعان ما أخذوا يبحثون عن المكاسب، ساعدهم على ذلك تصدُّع الثورة وانشقاق الثائرين.
بعد حادثة "البكارين" بدأ الناس يفاضلون بيننا تلقائياً: محمد يسخِّر قلمه اللاذع كالعقرب لاصطياد الناس "بتقارير نشيطة" والنقيب اشترى سيارة خاصة وكان يمشي بين الناس منتفخاً ويستغلّ رتبته للسطو على الفتيات وبخاصة المقيمات في دمشق المنقطعات عن جيرود، وكانوا يلقِّبونه "نقيب النسوان".
أما أنا فقد سعيت لعدد من الشبان للعمل في مؤسسة معامل الدفاع. كنت كلما أرادت مديرية المؤسسة تعيين بعض العمال أضيف إليهم واحداً من جيرود بمساعدة المقدم "قصاص" منهم ابن عمي سعيد رفيق الطفولة جاءني مرة يشكوني خلافه الدائم مع أبيه ويطلب أن أعمل على تعيينه. قلتُ له: "لا أستطيع ان أساعدك من وراء ظهر أبيك ياسعيد، أبوك له فضلٌ كبير عليّ وأنت تعرف أنه الوحيد الذي وقف إلى جانبي في أحلك الظروف" أطرق سعيد بانكسار وقال محتقناً "إذاً سأبحث عن أيّ عمل" فذهبتُ إلى جيرود وأقنعتُ اسماعيل، وعُيِّنَ سعيد بوظيفة "معلم ميكانيك ديزل".
بدأتُ أحسّ بالطُّمأنية والحميمية في علاقاتي مع الناس في جيرود وكان بعض الناس يستغربون أن أضحي بمنصبي! "هكذا كانوا يرونه" للعمل في التعليم. سألني أبو طلال أمام الناس في الشارع مستخفّاً:
- صحيح أنك استقلتَ من مؤسسة معامل الدفاع؟
- صحيح.
- إن المجانين أولاد ناس وعالم.
استلمتُ تعويض التسريح من مؤسسة التأمين والمعاشات وقدره (4500) ليرة تقريباً وفرشتها أمام أمي فوضعتها في محفظتها قائلة "الغنم غنيمة، اشترِ به غنماً قبل أن تنفقه هدراً" استعنتُ "بأبو حسين" فوجدنا عند "أبونعيم" عشرين غنمة وراءها ست خروفات طلب ثمن الغنمة خمساً وتسعين ليرة، حاولنا تنزيل المبلغ فأبى. قال لي أبو حسين "اتركه غداً سيبيعنا الغنمة بأقل من تسعين صاغراً" وفي المساء رشَّتِ الغيوم شؤبوباً من الرذاذ لم يكد يبلّ سطح الأرض فشمخ "ابو نعيم" ومسح عينيه الرمشاوين وأصر أن يبيع الواحدة بمئة وخمس ليرات. فدفعنا (2100) ليرة صاغرين، وسرَّحناها مع أغنام "أبو حسين" و"أبو علي" في البادية لدى "أبو اسماعيل ".
اشتريت دراجة نارية بقسم من المبلغ وخصصتُ قسماً آخر لإصلاح الدار تمديدات الماء والكهرباء والتمديدات الصحية، وتغيير "المنتفعات" التي أصبح وضعها زريّاً.
كنتُ أذهب مع مجموعة من الأصدقاء إلى البادية على دراجاتنا النارية أزور شركائي وآخذ لهم بعض الهدايا، تستقبلنا ببشاشة وترحاب "أم محمد" وهي بدوية خمسينية وجهها أبيض ناصع البياض وكأنها تعيش في قصر ظليل لا في خيمة من شعر المعزى وسط الغبار والشمس اللاهبة، وينضم إلينا "محمد" نتوغل في الجبال الوعرة نصيد "الحجل" و"الأرانب"
من شروط صيد الحجل أن يتوزّع الصيادون ببطن الوادي ويسيرون معاً على نسق واحد يبعد كلٌّ منهم عن الآخر مسافة عشرين متراً تقريباً، فيختار الذروة أكثرهم قدرة لأنه مضطرٌّ إلى الصعود والهبوط وكان يتنافس عليها ابن أختي "خير" و"محمد" البدوي الذي يمشي حافياً رغم الصخور المدببة والأشواك، ويمشي في الأسفل الأقل قدرة على خوض غمار الجبال وكنت أتنافس عليها أنا و"أبوخالد" إن الحجلة تندفع فجأة من مكان ما منطلقة كالسهم فمَن انطلقتْ من مجال مرماه المخصص عليه أن يهيئ البندقية ويصوب ويطلق النار بسرعة خاطفة، فلا يصيبها إلا الصياد الماهر.
كان المشرفون على القطيع يتنقلون بين الفينة والفينة من مرعى إلى آخر بحثاً عن الكلأ وموارد المياه، وكنا نضطر للبحث عنهم فنسأل خيم البدو.
أوقفنا دراجاتنا عند أقرب خيمة في طريقنا، ودخلناها فاستقبلَنا بترحاب كهلٌ لحيته مهملة وعلى رأسه كوفية بلا عقال، خاطبني باسم "أبومحمد" وأخذ يجدِّدُ القهوة وهي عادة بدوية للترحاب الأوليّ بالطارق. دقَّقتُ النظر إليه فلم أذكر انني أعرفه، وعندما انتهت القهوة صبَّ رشفة في الفنجان واحتساها، ثم صبّ فنجاناً وتقدم مني قائلاً "تفضل أبو محمد". للقهوة في بوادينا وأريافنا تقاليد راسخة. يجب أن يقدمها المضيف واقفاً ويصبها رشفة واحدة في الفنجان يتناول الأولى "للأمان" ثم يبدأ بأبرز شخصية من الضيوف ثم يتحول إلى الجالسين على اليمين تباعاً. في المرة الأولى يقدم للضيف ثلاثة فناجين يرشفها الضيف ويحرك الفنجان على أنه اكتفى. بعد دقائق يتجدد تقديم القهوة ولكن فنجاناً واحداً. وعندما جلس الكهل أخذ ينظر إليّ ويوجه لي بعض أسئلة المجاملة. سألته:
- هل تعرفني؟
- كيف لا؟ ولكني لم أرك منذ كنت في نحو العاشرة من عمرك.
عندها أرخيتُ نظري مندهشاً. المألوف أن يعرف الصغيرُ الكبيرَ بعد انقطاع سنين فكيف لم أعرف هذا الرجل، ويبدو أنه أحسّ بموقفي فسألني:
- ألم تعرفني؟
- أحسُّ بالخجل منك.
- أنا عافت بن جندل.
عندها وقفت وصافحته بحرارة من جديد ثم جلستُ قريباً منه قائلاً:
- لهذا أنت "عرافة" السوالمة والنعيم. بالمناسبة منذ تلك الأيام كان يحيرني سؤال وكنت أخجل أن أوجهه إليك.
- رحم الله أباك كان من أعز أصدقائي. تفضل اسأل.
- ماذا تعني كلمة "عرافة" عند البدو؟ هل تعني أنه الذي يتنبّأ بالمستقبل مثلاً؟
- لا لا لا. العرافة هو الذي يقوم بعمل الشرطي والقاضي والحكم بين الناس، والقانون الذي يستند إليه هو العادات والتقاليد والأعراف بما لا يخالف الشريعة الإسلامية أو قوانين الدولة، وقراره قطعيّ ملزم. ورجال الشرطة التابعون للحكومة لا يستطيعون أن يقوموا بأيِّ تحقيق دون الرجوع إلى "العرافة".
وروى لي بعضَ الأحداث الجذابة التي تصلح أن تكون مواضيع مغرية للروايات والقصص والدراما الإذاعية والتلفزيونية، واجتذبت عيون الذين كانوا معي وآذانهم، وراحوا يفغرون أفواههم، ويتماهون فيها، ولكم كررتُ تلك الزيارة.
كانت تلك الرحلات منافذ للهروب من واقعي ومحاولة نسيانه، وكانت تشكل حالة عابرة من الاستقرار النسبي ورغم أهمية ذاك المثل الشعبي الذي يقول "أعزب دهر ولا أرمل شهر" الذي يفسِّر جوهر العلاقة بين الرجل والمرأة، ورغم إحساسي به فقد بترتُ التفكير في زوجتي باعتبارها شريكة وباعتبارها "أنثى" لكنني بدأتُ أعاني مما هو أقسى من قضم الصوّان. صرتُ كلما رأيت طفلاً يذكرني بإياد ابني البكر، صرتُ أراه مقيّداً بالسلاسل أو مستسلماً بين أنياب الذئاب وكأنه يرفع يديه يستغيث بي صرتُ أرى نفسي أباً مزيفاً معلّقاً في الهواء. أضجر من جيرود فأنام في دمشق، وأضجر من دمشق فأنام في جيرود. لقد عاد السأم يقضّ مضجعي، وفجأة جاء عبد الودود يزورنا وكان يعاني مثلي من خلاف مزمن مع زوجته وأهلها، فاستشرته. قال:
- يجب أن ترفع دعوى "إراءة" إلى القاضي الشرعي ومن حقك أن تراه.
- كيف؟
- يُخصَّص لك ساعتان في الأسبوع تراه خلالهما في بهو المحكمة الشرعية، أو في أقرب قسم للشرطة في حيّ أمه.
ورغم عدم قناعتي بأن تكون علاقتي بابني علاقة مستعارة محددة بزمن معين وتحت إشراف الآخرين ذهبتُ إلى المحكمة الشرعية أستطلع، وعندما وجدت بعض الآباء وبعض الأمهات يجلسون مع أبنائهم المستعارين ينفِّذون الإراءة تحت إشراف رجال الشرطة والذل ينثال من العيون. لا. رفضتُ الإراءة، وصبرتُ على الجرح، وفضَّلتُ معاناة الفراق على تلك الصفقات الخسيسة، ثم قررتُ الطلاق لأنني في كلتا الحالين الطلاق وعدم الطلاق لن أرى ابني. فطلَّقتُها.
بعد أيام جاءني تبليغ من المحكمة الشرعية إلى جيرود لحضور جلسة المحاكمة بناء على شكوى من زوجتي تطالبني بتعويض عن طلاق تعسفي، وبنفقة لها وللطفل وبمهرها المؤجل وقَّعتُ على التبليغ، وعندما انصرف الشرطي مزقت الورقة " لتبلِّط البحر".
في الثاني من شباط (فبراير) علمتُ أن زينب ولدت صبياً فانقبض الفرح في نفسي وكأنه وخزاتٌ من الألم. صارتْ رعيّتي اثنين حاضرين غائبين بلا راعٍ، وحزَّ في قلبي الشوق لرؤية الصغير كالألم الحاد، وعندما طُلبَ مني أن أذهب إلى المستشفى ومعي دفتر العائلة لتسجيله انقضّضْتُ انقضاضاً. اطّلعتْ السكرتيرة على دفتر العائلة فقدمت لي شهادة الولادة وقالت "وقع هنا" قرأتُ اسم المولود وإذا به "محمد سامر" فانجذبتُ متوتراً: إنهم يسمون أولادهم بهذه الطريقة. قلتُ للسكرتيرة:
- إنني أرفض هذا الاسم.
- كما تشاء.
وجاءت باستمارة جديدة. كتبتُ الاسم "مناع" سألتني:
- ماهذا الاسم؟
- هو اسم أحد أجدادي. ألا أستطيع أن أراه؟
- طبعاً. أولا تريد رؤية أمه؟
- أمه مطلّقة.
رأيتُ مناع وضممته وقبلته ولكن ماجدوي رؤية طفل لم يتجاوز الأسبوع؟ أخذت الأوراق وسجَّلته بنفسي في دوائر الأحوال المدنية "النفوس" حتى لايعبث بها أحد.
جاءني مدير الناحية إلى البيت في جيرود وكان شاباً مهذباً يشاركنا مجالس السهر، وقال لي "ألم تسمع بقرار المحكمة الشرعية الذي صدر بحقك؟" قلت "لا" قال عليك أن تحذر لقد صدر حكم غيابي بحقك بدفع نفقة الطلاق ومؤخر الصداق ويحاول مدير التنفيذ أن يداهمك فإما أن تدفع المبلغ كاملاً أو تساق إلى السجن لأنه يعد "ديناً ممتازاً"ولئن كنت لا أستغرب حقد أمها اللامحدود، وحبها للأذى أستغرب خنوعها واستسلامها لخراب بيتها إلى هذا الحد.
بشكل عام لم أكن قادراً على دفع المبلغ، فدلَّني عبد الودود على أحد المحامين المتمرّسين اطلع على الدعوى وقال لي "أستطيع أن أسلّك من هذه الورطة كما تُسلُّ الشعرة من العجين، أرفعُ دعوى بطلب "المتابعة الزوجية" وتهيّئ "مسكناً شرعياً" غرفة واحدة تكفي فإذا رجعتْ أو امتنعتْ يسقط حقها، أنت وقع لي على "وكالة " ودع الأمر لي.
لقد اشتبكتْ حالة الوعي "الخاص" عندي بحالة الوعي "العام" واصطبغتْ أحلامي الخاصة وأحلامي العامة بالقتام، إنني أتوقع أن تجبر الأم زينب أن ترفض المتابعة الزوجية وتسعى للبحث عن وسيلة انتقام أخرى، ولا أظن أن أية وسيلة انتقام يمكن أن تصل إلى مستوى حرماني من أولادي، وأتساءل أيّ مكسب تحقق هذه الأم لابنتها، لنفسها.. سوى الغطرسة والحقد؟ وأية سيدة هذه التي تساق إلى الذبح طائعة حتى إن ولاءها الأعمى لأمها يفوق غريزة الأمومة عندها؟
كنت أؤدي امتحان "السنة الثالثة" صبيحة الثلاثاء في الخامس من حزيران (يونيو) عام 1967 عندما شنّت إسرائيل هجومها "الصاعق" وتوقَّفت الامتحانات.
في ذاك المساء فوجئتُ بزينب في منطقة العمارة قادمة تبحثُ عني تمسك إياد بيدها قائلة "خذ ابنك حتى لايصيبه مكروه يقولون إن إسرائيل قادمة من جهة المزة من نحو بيتنا" حملتُ إياد قبلته وضممته إلى صدري وقد بلغ الرابعة وصار أكثر قسوة وأعلى وزناً. قلتُ لها:
- هذا الكلام إشاعات كاذبة.
- أنا لا أحمل مسؤوليته.
- طيب ومناع ألا تخافين عليه هو الأخر؟
- لم يبلغ السنة والنصف لايستطيع أن يعيش بلا أمه.
وغُصَّت بالكلام وأدمعت عيناها ومشتْ معي تلقائياً إلى البيت. سألتها:
- لماذا تصرين على تمزيق هذه الأسرة؟
- أنا أم أنت؟
- لن أدخل معك في جدال عن البيضة والدجاجة. لماذا تريدين أن يعيش الولدان يتيمي الأب؟
- سلامة أبيهم.
- دعيني من المجاملة. ما الفرق بين الأب الغائب والأب الميت؟
- تستطيع أن تراهما متى شئت.
- بدعوى الإراءة؟ لا. كوني عاقلة مرة واحدة في علاقتنا وتعالي نطوي صفحة الماضي وهاتِ مناع وامشي معي إلى جيرود، كفاناً تشرُّداً ومسخرة.
- ووظيفتي؟
- استقيلي؟
- أتصالح أمي؟
- ألم تفطمكِ بعد؟ دعيني من المهاترات.
- أخاف أن تغدر بي.
- منذ متى أنت تعريفنني؟ هل علمت أنني غدرت بصديقٍ أو عدوٍ لأغدر بأم أولادي؟ أنا أوافق أن تزوري أهلك ثلاثة أيام في الشهر، وأن تستقبلي أمك في جيرود شرط أن أترك لك البيت أثناء زيارتها حتى لا تتحرك روائح العفن. في العام القادم عندما أنجح في الجامعة سأعمل في التعليم وأعيّن في إحدى المحافظات النائية ولابدّ أن تذهبي معي أنت والصغار. قرري الآن في هذه اللحظة وإلا فسيكون الطلاق هو الحلّ الوحيد، وتكوني أنت المجرمة بحق الطفلين.
ونمنا في بيتنا المستأجر وفي اليوم التالي ذهبنا إلى جيرود، وأوصل "أبوناصر" زوج أختي وطفا "الأمتعة الجهازية" إلى جيرود تحت غضب الأم وعربدتها. وضعتُ الكنبات على السطح حتى أخذت نصيبها من المطر والشمس فألقيتها على مكبّات القمامة في ظاهر جيرود، وتركتُ لها الخزانة في غرفة النوم من أجل الثياب.
في جيرود عاد المنسحبون "المنهزمون" من الجبهة وهبّ الناس لاستقبالهم يقولون إن فؤاد دعاس "ملازم احتياط" بكى قائلاً "ليتني متُّ ولا أرى نفسي منهزماً لكن مايعزيني ويعذبني أنني انسقتُ مع الجميع مضطراً" ويروون عن النقيب بكار الذي كان يزدهي بأنه كان يتفوق في المناورات ويحظى بالجوائز، وأنه كان قبيل المعركة يفلق حبة البصل الفخمة وينهشها قائلاً "هكذا يجب أن نمزِّق العدو" وكان قائد وحدة "مدفعية ثقيلة" وعندما دوَّتْ أول قنبلة بجانب "مربض مدفعيته" أصيب بانهيار عصبي نقل على أثره إلى "مستشفى الجولان" في القنيطرة ثم استأجر عربة ذات الثلاثة "دواليب" وعاد إلى دمشق، ثم أخذ زوجة أخيه وأولادها بسيارته الخاصة إلى جيرود. تروي امرأة أخيه أنه كان عندما يسمع صوت طائرة يتوقف على حاشية الطريق ويطلب منها ومن أولادها الترجل من السيارة وينبطح في أحد الأودية ويأمرهم أن ينبطحوا، ومن أطرف المنهزمين "ذياب" سيق إلى الخدمة الإلزامية فذهب مع المجندين بثيايه المدنية إلى "الجبهة" وانهزم مع المنهزمين وعاد إلى جيرود دون أن يدري بما حصل.
اتفقنا على تشكيل لجنة برئاسة مدير الناحية وعضوية المخاتير وبعض المعلمين قامتْ باستقبال النازحين وتأمين إقامتهم، وطعامهم. واختار النقيب بكار من وراء الظهور فتاة جميلة من بين النازحات طلب أن يستضيفها في بيته. انتفضنا جميعنا وقال له مدير الناحية على مرأى الجميع ومسمعهم "آسف يا سيادة النقيب هل جئنا بهم لنأويهم ونطعمهم أم لننزو عليهم؟"
جاءني ذات يوم ضابط متقاعد إلى ثانوية "الإصلاح الريفي" التي كنت مديرها يبحث عن تدريس ساعات الرياضة أوأيَّ عمل آخر هو الملازم " سرميني" الذي قال لي أثناء انتهاء خدمتي العسكرية "انتظر حتى أحصل على إجازة في الحقوق وأفتح مكتب محاماة فأوظفّك في مكتبي" وبعد أيام جاءني ضابط متقاعد آخر هو المقدم "أحمد" الذي كان يرفض أن أدخل مكتبه، والغريب أن كلاً منهما خاطبني كمدير ثانوية وكأنه لايعرفني.
اشتريتُ لإياد ومناع دراجة أطفال كانا يركبانها معاً أو يتشاجران على الاستئثار بها فتفصل زينب بينهما. إنها عموماً بارعة في تربية الأطفال، والاهتمام بأن تكون نشأتهما سليمة من الجانب الأخلاقي والصحي. إن كلمة "شامية" لها وقعها عند الريفيات وهي تعني العجرفة والتفوّق الحضاري، وعندما رأوها متواضعة اجتماعية سلسلة المعشر استقطبتْهن فالتففن حولها وعقدن معها صداقات حميمة، وكنّ يساعدنها في بعض شؤونها كانت تزور أختي الكبرى خزنة، وبيت عمي وتستقبل الأقارب بالترحاب وتقدم لهم الضيافة اللائقة. وكان ينعقد شجار يومي بين إياد ومناع وجدتّهما "أمي" فقد ملاّ الدراجة وراحا يسرحان في أرض الدار يحفران الأرض ويعيثان فساداً فيهربان إلى الغرفة. وعندما أسأل أمي "هل يستطيع الطفل أن يعيش بلا لعب؟ " تتهم زينب بالإهمال والسدور.
من هنا عادتْ المشكلة التي ظننتُ أنها ولَّتْ بلا رجعة. صحيح أن أمي ليستْ حماة تقليدية لكنها كانت منذ البداية غير راضية عن زواجي من زينب وعزّز موقفها فشلي الدائم المتكرر، وذكريات خلال سكناها معنا في دمشق، ذكريات أبرزها عندما كنا نقيم في "جادة القاضي الفاضل" قال لي "ابوناصر" زوج أختي "وطفا" رأيتُ زينب وأمها تدخلان بيت أحد "الشيوخ الدجالين" الذين يضحكون على النساء في مواضيع فكّ "السحر" وكتابة "السحر" وقبل أن أفاجئها وأسألها جاءت بقميص لها وقالت "انظر" وأشارت إلى خطٍ مستقيم على القميص، متبوع بخطٍّ متعرج. سألتها:
- ماهذا؟
- سحر.
- من الذي قال لك؟
- كمال ابن خالي.
- ومتى كان كمال يفهم في "السحر"؟
- اسأل أمك.
- أمي؟
- هي التي غسلتْ القميص ونشرته.
- وراجعتِ من أجل ذلك شيخاً دجالاً في باب توما وأكدّ لك ذلك؟
- نعم.
- أعرف أن أمك ذات عقلية متخلِّفة أما أنت؟ هاتي القميص.
دقَّقت في الخط المرسوم على القميص، ثم دقَّقتُ في حبل الغسيل وإذا به سلك معدني صدئ موصول من منتصفه بخطّ لولبيّ وقد ارتسم كما هو على القميص. صرتُ أخرج بها وبالأطفال إلى الحقول الشمالية الأقرب إلى بيتنا لكنّ لياقتها البدنية كانت تعوق تلك النزهات، أو تجعلها أقرب، فصرتُ أخرج بهم على الدراجة النارية.
في أواسط الستينات كنت أتمشى في الشارع مع بعض الشباب متجهين نحو حارتنا فرأينا عموداً من الدخان يتصاعد من أحد البيوت بحجم ذيل الحصان ثم مالبث أن صار بحجم شجرة السرو، ونحن نحاول أن نقدر المكان، وكلما اقتربنا بدأ يتحدد أنه في بيتنا أو عند الجيران، وعندما دخلت الزقاق فوجئتُ بالناس يهرعون نحو بيتنا يحملون سطول الماء وإذا بالحريق في بيتنا في غرفة بلا سقف في الزاوية الداخلية ملأى ببقايا الكراسي الخشبية والطاولات المهملة وقد تحوَّلت إلى بقايا من الفحم الأسود بعد أن تعاون الناس بإطفائها. ورأيتُ أمي وزينب والصغيرين يقفون واجمين، وقبل أن أسأل عن السبب قالت أمي تلوم نفسها "الحقّ عليّ أنا ألقيت صحن السيكارة ويبدو أنني نسيت أن أطفئ إحداها" قالت زينب متدخلة بورع:
- لا مرت عمي. يجب أن أرضي ضميري أنا السبب.
سألتها مستغرباً:
- أنت؟ كيف انت؟
فغمزتني زينب وانفردتْ بي هامسة:
- أحرقتُ الرواية.
قلت مصعوقاً:
- الجحيم الأخضر؟
فأطرقت وهربتْ من عيني وراحت تمسح دموعها.
- كلُّ نسخها المخطوطة الأصلية والمطبوعة على الآلة الكاتبة؟
- نعم.
- ومسوداتها؟
- أنت قلتَ لي احرقيها.
كانت تلك لطمة موجعة على الرأس لا لأنني أسفت على زمن يقارب السنتين من السهر والتفكير أُهدر وسُفح على الأرض كبقية من الماء القذر وإنما لأن فرصةً لا تتكرر ضاعت مني.
عندما انتهيتُ من كتابة الرواية، وأعدتُ قراءتها، وقرأها دريد الخواجة وأحسستُ أنها نضجت أخذتُ أفكر تفكيراً قاسياً كيف أنشرها. فقيل لي إن رجاء النقاش رئيس مجلس إدارة "دار الهلال" يزور سورية ويبحث عن مخطوطات أدبية لكتاب سوريين" ذهبتُ مع دريد لمقابلته في فندق قاسيون وسلّمته المخطوطة فقال "ارجع بعد يومين" بعد يومين أبدى إعجابه بالرواية وقال "حتنشر في دار الهلال" لكنه طلب أن أطبعها على الآلة الكاتبة وأرسل له نسختين بالبريد وسافر. استأجرتُ آلة كاتبة وطبعتها في جيرود. كان موضوع الرواية مُستقى من علاقاتي الزوجية ومعاناتي مع زوجتي وأمها، ولستُ أدري كيف قرأتها زينب، وقالتْ باكية "إنها ملأى بالإهانات وأنا رجعتُ لنستأنف حياة زوجية طبيعية وننسى الماضي، وها أنت ذا تضرم النار فيه" حاولتُ إقناعها أن الكاتب أيّ كاتب يتأثَّر بتجاربه الخاصة والعامة ويتخّذ منها مواضيع لكتابته. قالت منتحبة "وعدتني ألا تغدر بي فتركتُ عملي وتركتُ أهلي واستسلمتُ لحياتي معك. وإذا بك توجه لي هذه الطعنة القاسية" كانت مشاعرها متأجِّجة غير قابلة للنقاش فقلتُ لها مسوِّفاً "احرقيها" على أمل أن أعود لإقناعها.
في أواسط الستينات بدأ الجفاف والتصحّر يغزو الريف السوري، وأخذ يتمكن من أراضي جيرود يفقدها خصوبتها ويحوِّلها الى سهول جرداء كالحة ولم يبق سوى بعض البقع الخضراء في مزارع صغيرة شبه متعثرة كأنها الجزر، وبدأ الفلاحون يتحولون إلى عمال خدمات يبحثون عن وظائف في دمشق يعملون فيها نهاراً ويعودون للنوم في بيوتهم ليلاً، قلة منهم نزحوا الى دمشق ومعظم - هذه القلة - عادوا إلى جيرود بعد التقاعد فيما بعد وبدأ بعضهم يهاجرون الى دول الخليج، وضاع الرعاة بقطعانهم وقد بدأتْ تنفق، وأخيراً تبقّى من أغنامنا نعجة واحدة هزيلة أعادوها لي. أعطيتها "لأبو خالد" مجاناً فعاد في اليوم التالي يطلب تعويضاً لإطعامها. إن كل ماجنيناه من هذه "الغنيمة" مؤونة من الجبن، و"اللبنة" وبعض رحلات الصيد إلى البادية. وبعنا ستة خروفات جيء بها إلى دارنا وبقيت بضع ساعات وأخذ الصغيران يتمتعان برؤيتها وهي تتبارز في النطح، يحاولان الإمساك بإحداها، وعندما بعتها وأخذها المشتري استنكرا واغتما.
وندَرَ لحمُ "الضأن" فاشتريتُ لزينب حاجتها من "لحم الجمل" استغربتْ لونها في البداية. قلتُ لها "هكذا صار لحم الضأن بعد الجفاف" وبعد أن تناولنا الطعام سألتُها:
- كيف رأيت اللحم؟
- لا بأس.
- إنه لحم جمل.
الدمشقيون لا يأكلون "لحم الجمل" ولا يعرفونه، ولكنه في منطقة القلمون كلها وحتى "دوما" هو اللحم المفضل، فألفتْه زينب، لقد غدتْ حياتنا مصفاة من الشوائب نظيفة من تدخلات أمها بعد أن تقرَّحتْ أنيابها. كانت إذا زارتنا مع بعض الأقارب تدخل بسلام وتأكل لحم الجمل معهم دون أن تدري وتخرج بسلام.
في نيسان تعطر الجو في جيرود بالقليل من الأشجار التي سلمتْ من الجفاف وأقبل الربيع رائقاً فدعاني "سعيد الموصللي" أنا و"خير" وكان من أعزّ أصدقائه إلى النزهة في مزرعتهم على تخوم الجبل وهي من المزارع القليلة التي قاومت الجفاف، ترتوي بمياه مستخرجة بمضخات "ارتوازية" ذهبنا على الدراجات. وعندما رأيتها خطر لي أن آتي بزينب والأولاد ليتمتعوا بها ويلعبوا تحت الأشجار الخضراء الباسقة وعلى المروج السندسية عدنا بعد المغرب وقد بدأ الظلام يخفي معالم الأشياء، كان مصباح دراجتي منخفضاً لا يكشف من الطريق إلا مسافة قصيرة ففوجئتُ أنني موشك على السقوط في هوّةٍ سحيقة، وكل ما استطعتُ أن أفعله أنني حولتُ اتجاهي عنها فارتطمت بصخرة رابضة على تخومها حمتني من السقوط لكنني أصبتُ بالإغماء فسارع "خير" وصديقه ومن معنا، ورشوا الماء على وجهي وأول عبارة قلتها وهم يساعدونني على الوقوف "أين نظاراتي؟ أين الولاعة؟" وهما من النوع الفاخر. فقال لي أحدهم وقد عثر عليهما "انظر ما حلَّ بك " قلتُ لهم "خذوني إلى البيت" وأنا بحالة لم أشعر فيها إلا بكلام أختي الكبيرة "خزنة" تقول "ياخيي". وقفتُ على المرآة فوجدتُ الدم يصبغ وجهي، وأحسستُ بألمٍ تحتَ فوجدت فجوة، قلتُ "كُسر عظم الترقوة، خذوني إلى المستشفى حالاً"
أدخلوني مشفى المجتهد، أهبط إلى الطابق الأرضي من أجل التصوير الشعاعي وأصعد إلى الطابق الثالث على ساقين متينتين، فشدوا كتفي برباط على شكل "&" وضمدوا الجروح، ووضعوني على سرير في مقدمة مهجع كل من فيه من المصابين بالكسور، ولعل إصابتي كانت الأبسط. وما إن استلقيتُ على السرير حتى ابترد الجرح وصرتُ عاجزاً عن القيام بأية حركة. أقول "لخير" "حرك رأسي (سنتمير) إلى اليمين، بعد قليل أطلب منه تحريكه إلى "اليسار" ثم بقيت وحدي بين المرضى، ولاشيء إلا الأنين والتوجع، وبعضهم يغنون أغاني شعبية تنتهي بصرخات الألم. وصاح أحدهم وهو ذو صوت رخيم "ياليلي ياليلي" وفيما صاح آخر "طيِّب" يبدي إعجابه قطع المغني "لياليه بصرخة "آخ ياظهري" وقد علمتُ أنه وقع عن السطح وكُسر ظهره. وعادت الأغاني الشعبية "سكابا، ودلعونا وجملو" وكل عبارة تنتهي بالتأوُّهات. كان الذي يقابلني في السرير "يوسف" قدمه مقطوعة من منتصفها بسبب مرور "الترامواي" عليها، وكان الأكثر صمتاً، ويبدو أنه هو المثقف الوحيد في المهجع. دخلتْ الممرضة المناوبة وصرختْ صرخة استنكار حادة جعلتِ الصمت يسود، وأطفأت النور قائلة " يجب أن تناموا الآن" وكانت الساعة في حدود التاسعة، وخرجتْ وأطبقت الباب. فصاح أحدهم صوتاً يجاكرها، ففتحت الباب بانزعاج وفيما أشعلت النور غطى الجميع رؤوسهم وتظاهروا بالنوم قالت بحدة "مَنْ هذا الوقح، قليل الأدب؟" فلم يجبها أحد أطفأتِ النور وقالت مهددة "إن لم تناموا فلن أسكت لكم" وأطبقت الباب وخرجت فهبَّت دفقة غناء شعبي. عادتِ الآن متوترة حانقة وانطلق لسانها بالسبّ والشتم والتهديد وخرجت، قال لي يوسف مستنكراً "كيف يستطيع هؤلاء المساكين النوم والألم ينخر فيهم؟" وعاد الغناء، وعادت الممرضة في مشهد يشبه المسرحيات "الكوميدية" ثم هدَّدتْ باستدعاء الطبيب وخرجت. قال يوسف ساخراً "ماذا تراهم فاعلين بالمخالف؟ يفصلونه من المستشفى؟ "
كانت ليلة أحسستُ فيها بمتعة أنستني ما أنا فيه، متعة تشبه الماء النمير الذي يتدفَّق من الصخر زمردياً رائقاً. في الصباح عندما جاء بعض الزوار التفتَتْ نحوي امرأة فكشرتْ تكشيرة ألم وأشاحت عني تشفق على نفسها من إدامة النظر، ثم جاءتْ أخرى وأخرى، وعندما جاءني "خير" و"سعيد" في البداية طلبتُ منهما أن يساعداني على الجلوس نهضتُ على قدمي بثقة وذهبت إلى الحمامات ونظرتُ إلى المرآة متفاجئاً بصورة مشوَّهة كأنها ليست صورتي. رأسي كله ملفوف بالضماد، وعيني اليمنى حمراء متورِّمة، واليسرى لا يُظهر الورمُ منها سوى فتحة بحجم "حبة العدس" وعندما خرجتُ وجدتُ الممر المؤدي إلى المهجع محتشداً بالزائرين والزائرات، وتفاجأتُ أن معظمهم جاؤوا من جيرود ومن دمشق من أجلي، وكانت تلك متعة المتع. يقول الشاعر:
ولم أكن أحلم أن يكون لي هذه العدد من الأصدقاء. شعرتُ بالنشوة، وبمعنى أن يلتفّ الناس حولي ولاشيء يدفعهم إلا المحبة والاحترام. شعرتُ بمعنى الاستمرار باحترامهم والتواصل معهم، وأن هذه المحبة هي رصيدي الحقيقي.
اتصل أحدهم برئيس قسم الجراحة العظمية وبإدارة المشفى، وتقرَر نقلي إلى غرفة منفردة، وفوجئوا عندما رفضتُ وأصررتُ على الرفض.
وجدتُ الهدايا تملأ المكان حوالي سريري وهي أكياس من الفاكهة المتنوعة وعلب من السكاكر و"الشوكولا" وزَّعتُها على الخدم وخصصتُ "ابو تركي" بالنصيب الأوفر، وهو من أكثر من عرفتُ من الناس بخفة دمه ونكاته اللاذعة. كان من الملتزمين بزيارتي يومياً "في المضافة" هو وأحمد غزال ومحمد خالد الحجي ذو الصوت الشجيّ. غنوا مرة في جلسة صفاء لحناً "فولوكلورياً" معبراً وشجياً فاتني أن أسجله، وظل أبو تركي يقول لي بين فترة وأخرى مازحاً "أرجوك امرض وادخل المستشفى، لقد أكل الأولاد كل ما أخذت من مكاسب زيارتك ولم يبق منه شيء".
كان محمد بكار يزورني يومياً يختار وقتاً أكون فيه وحيداً ضجراً. في المرة الأولى جلس صامتاً متأثِّراً، ثم أخذ في الزيارات التالية يستعيد بعض الذكريات المشتركة ويطلق ضحكته المعروفة بعد كل حديث عن موقفٍ طريف بادياً بشكل ما أنه يعاني من صحوة الضمير. ورغم أن زياراته كانت محاولات لكسر حاجز الجفاء، ورغم أن كلاً منا بدأ يحاول نسيان تلك المواقف المخزية، وأن تعود علاقتنا طبيعية كما كانت لكن خيطاً رفيعاً ظل يؤكد قول الشاعر:
خرجتُ من المشفى وقد ثُبِّتَ كتفاي بالجبس، ووُضع سريري في المضافة وصرتُ مجبراً أن أنام على قفاي. كنت أقول " هنيئاً لمن كسرتْ ساقه أو يده" لأنه يستطيع أن ينام على جنبه. لا أستطيع الجلوس إلا بمساعدة الآخرين وتابعت الاستعداد لامتحان السنة النهائية.
عندما حان موعد الامتحان كنت قد تحرّرت من الجبس وأقبلتُ عليه بنفس مفتوحة إنها السنة النهائية نقطة الحسم والانطلاق إلى حياة جديدة، وكانت المفاجأة أنني رسبت للمرة الخامسة بمادة "الأدب الإسلامي" التي كنت أحملها من السنة الثانية. كان أستاذ المادة ذا عقلية متحجرة في التدريس وفي التصحيح، يصبّ أفكاره علينا صبّاً فإذا جنح الطالب عنها وحاول أن يكون له رأيه الخاص في الامتحان رسب. كتبت مقالة بقلب محروق نشرتها في "مجلة الثقافة" تكلمتُ فيها عن بعض الأساتذة ذوي العقليات المتحجرة، ولكن ما الفائدة تكرر رسوبي في الدورة الثانية وأيقنت أنني باقٍ كتلك الناقة التي قال عنها الشاعر:
في مطلع العام الدراسي 1968- 1969 كان إياد قد بلغ الخامسة فوضعته في إحدى مدارس جيرود الابتدائية "مستمعاً" فعامله معلم الصف "حمزة" معاملة التلاميذ النظاميين. وأسندتْ لي مديرية الترية (24) ساعة لغة عربية توزعت ثلاثة الأيام الأولى من الأسبوع في جيرود وثلاثة الأيام التالية في قارة، وقد شكلّ لي التنقل بين جيرود وقارة متعة خاصة وكان لي فيها عدد من زملاء ثانوية القلمون في أواسط الخمسينات. استأجرتُ غرفة مفروشة في بيت سيدة فاضلة "أم حبيب" وأمضيت مع الزملاء أياماً ممتعة. بيد أن ماكان ينغِّصني هو"مادة الأدب الإسلامي" التي أحملها من السنة الثانية وتوقفَّ تخرجي عليها وجعلتني أقف على ساقٍ واحدة حتى حان موعد الدورة الاستثنائية في نهاية العام 1968 فتقدمت إلى الامتحان يائساً منقبضاً دون أن أراجع كلمة واحدة عن الموضوع، لكنني تفاءلت عندما علمت أن أستاذ المادة تغيَّر واستلمها الدكتور شكري فيصل وهو ذو عقلية منفتحة وكان في رأيي خير من يشرح "النصوص الأدبية" ويدرَّسها. وجاءنا السؤال نفسه الذي جاءنا لأول مرة في السنة الثانية وهو"الفخر والهجاء عند حسان بن ثابت" فكتبت معتمداً على آرائي وتحليلاتي.
في يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من كانون الثاني (يناير) 1969 وكان يوماً عاصفاً جاءني هاتف من جيرود إلى بيت أحد الأصدقاء في قارة أن زوجتي على وشك الولادة، فركبتُ في "باص حلب" الضخم وغادرتُ قارة وأنباء الفيضانات في منطقة القلمون كلها تدور على الألسن. في النبك كانت السيول هامدة غير مخيفة فتابع الباص حتى وصلنا إلى مفرق طريق "معلولا" فرأينا السيارات متوقّفة والسيل يهدر هديراً في الوادي المتحدِّر من الجبل باتجاه القطيفة. تراجعتْ معظم السيارات وبات قليلٌ منها ينتظر إلا سائق سيارتنا فقد قرر أن يتابع طريقه فترجل معظم الركاب ولم يبق سوى عدد قليل أنا واحد منهم. وخاض السائق السيل بثقة واعتداد، وعندما وصل بنا إلى الضفة الأخرى ضفة الأمان صفقنا مبتهجين شامتين بأولئك الجبناء. في القطيفة ترجلتُ وانتظرتُ "باص جيرود" وركبت فيه وعندما وصلنا إلى وادي "المعظمية" اعترضنا سيل جارف مخيف فتوقفت السيارة بنا بين عدد من السيارات الأخرى، ودار نقاش حاد بين الركاب ومعظمهم يحذّر من العبور لكن السائق "الشاغوري" أرخى رأسه وشدَّ على أسنانه وتابع الطريق على دعوات لاهفة "يا الله. يا ربّ" وعندما تجاوزه بسلام أخذنا نصفق. أما في الرحيبة فكان الوادي أعمق والسيل فيه يهدر بسرعة أكبر بحيث يستحيل على "الباص" عبوره. وترجل الركاب حائرين، وإذا بشاحنة عسكرية ضخمة قادمة يزمع سائقها أن يعبر الوادي. لوحتُ له بيدي فأشار لي أن أصعد إلى جانبه وصعد عدد من الركاب إلى الصندوق الخلفي، وتجاوزنا السيل وانطلقنا نحو جيرود. وقبل أن أصل إلى البيت فاجأني أحد الزملاء بخبر رائع وهو نجاحي بتقدير "جيد جداً". وعندما دخلتُ البيت تفاجأتُ بخبر رائع أكبر وهو ولادة بنتي الأولى فكانت فرحتي بها لا تُضاهى فقررتُ أن أسميها اسماً غير مألوف اقتبستُه من اسم قبيلة الشاعر "سعد بن ناشب" التي ورد ذكرها في شعره:
وسمَّيْتها "رزام" وأقمتُ حفلة صاخبة دعوتُ إليها جميع أصدقائي دامت حتى الصباح.
هنا بدأ ينتابني القلق والخشية من أن تقفل في وجهي أبواب المستقبل. إنني سأتقدم إلى مسابقة انتقاء المدرسين لأكمل خطة حياتي التي رسمتها بإحكام، ولكن ثمة احتمالاً كبيراً أن تُحسبَ عليّ تلك التهمة الملفقة التي رماني بها محمد بكار، فلا أحوز على موافقة أمنية، وأخسر كلّ شيء. فكرتُ طويلاً ولم يخطر ببالي سوى فكرة واحدة هي العودة إلى الحزب، والانتساب مجدَّداً. وجاءني بالمصادفة محمد بكار يزورني وعلى عينيه يترجرج نوع من الفرح والاعتداد. جلس قريباً مني ووضع غلافاً فيه بعض الأوراق إلى جانبي فلم ألتفت إليه. دفعه نحوي فقلتُ له:
- أرجوك أبعده عني. لا أريد أن أطلع على أسراركم.
- أنا أريدك أن تراه.
- آسف.
- انظر.
ووضع أمام عيني وثيقة نجاحه بالبكالوريا، وأوراق ثبوتية يعدّها للانتساب إلى كلية الحقوق. لقد حصل على الشهادة بعد أن تقدم للامتحان ثلاث عشرة سنة متتالية، وكان من حسن حظه أن التربية أجرتْ امتحانا خاصاً لمن حالتْ النكسة دون تقدمهم للامتحانات. قلت له بإشفاق وضياع "مبروك" فعانقني وقبلني قائلاً بعينين دامعتين "أما آن الأوان أن نطوي الصفحة وننسى؟" قلتُ له:
- يقول المثل "من أوقع الدبّ في الجبّ يجب أن يخرجه. أمامك طريق واحد. أن تساعدني على العودة إلى الحزب فتمحو الحسنةُ السيئة.
- أنا حاضر.
كنا أربعة جامعيين: الدكتور رشيد، والمهندس الزراعي عبد القادر، وبشير "حقوقي" تقدمنا دفعة واحدة بطلب العودة إلى الحزب بعد انقطاع يزيد على عشر سنوات لكن قيادة الفرقة اعتبرتنا جدداً ووضعتنا في حلقة "المؤيدين" بين عدد من الأميين وشبه الأميين، وكان "أمين الحلقة" هوالغريم الثاني في تلك التهمة الملفقة "محمد حسن" كان يتكلّم بارتباك ثم يطلب من أيٍّ منا تقديم استعراض لمبادئ الحزب أو تحليل للموقف السياسي.
تقدمت إلى مسابقة أجرتها وزارة الثقافة على سبيل الاحتياط، فنجحتُ فيها بالمرتبة السادسة، وتقدمتُ إلى السفارة السعودية تطلب مدرسي لغة عربية فكان اسمي الخامس بين الناجحين، لكن ابن خالتي وكان ضابطاً في الجيش السعودي أرسل لي رسالة مع أمه يحذرني "أنت غير قادر على العيش هنا" كنتُ أنتظر أن تجري وزارة التربية مسابقة لانتقاء مدرسين حتى تكمُل خطة حياتي المرسومة بدقة وعندما أُعلن عن المسابقة هرعتُ إلى دمشق وتقدمتُ إليها. وكانت مجرَّد مقابلة مع مسؤول حزبي انتهتْ بنجاح الجميع أحد زملائنا "عبد الرؤوف" وكان مرحاً طيباً ومن عائلة فقيرة حصل على الشهادة بعد صراع مع الحياة ومع الدراسة فغضبنا كلنا لعدم نجاحه. أشير عليه أن يطلب مقابلة وزير الداخلية فقابله وفوجئ أنهم استبعدوه بتهمة أنه من عائلة بورجوازية لأن اسم عائلته وهي فقيرة يشابه اسم عائلة معروفة مجرّدَ شبه، فأضيف اسمه وعين معنا، وتبين لي أن وساوسي كانت في غير محلها لأن معظم الزملاء لم يكونوا "حزبيين" وأحرجني إياد نجح بالمرتبة الأولى وعندما بدأ العام الدراسي 69 - 1970 صار من القسوة أن يسجل في الصفّ الأول. فحصلنا على وثيقة "مساعدة" من إحدى المدارس الخاصة بالنبك بعد أن فحصوه وهي أنه "نجح إلى الصف الثاني" فسجلته رسمياً.
صدر قرار تعييني في محافظة الحسكة أنا وعدد من الزملاء، ذهبتُ معهم وحيداً على أن أستاجر بيتاً فتتبعني زينب والأولاد. مررنا بحلب وكانت تلك زيارتنا الأولى جميعاً لكن ضيق الوقتْ جعلنا نتابع إلى الحسكة. نمنا في الفندق وفي الصباح المبكر نهضتُ أبحث عن فنجان قهوة، كأس من الشاي فلم أجد من أطلبُ منه، وسمعتُ من نافذة الفندق صوت بائع "السلحب" فهبطتُ إليه.
راجعتُ مديرية التربية فاستقبلني المدير وسألني عن رغبتي فاخترتُ القامشلي زوّدني بالقرار إلى "ثانوية العروبة" فحملتُ محفظتي ووصلتُ إليها في منتصف النهار ترجلت في المرآب فحاوطتني الرطانة تتدرحج على الألسن بالتركية والكردية والسريانية والآشورية، تلك اللغات الشرقية التي ماتزال مُتداولة. فهي إن كانت في وجه من وجوهها تعني الخصب فإنها من وجه آخر جعلتني أحس بالضياع، وبوطأة الغربة. هُرعتُ إلى أول هاتف واتصلتُ بمحمد كنعان "أبونضال" وقلت له "أرجوك أسرع إليّ" وبعد دقائق جاءني على دراجته وكأنما جاءتني جيرود بقضِّها وقضيضها ومرحلة الطفولة، وولدٍ أزعر يكبرني بسنتين أو ثلاثة لكنني حصلتُ على الشهادة الابتدائية قبله بحوالي السنتين، وكان أبوه وهو من أعزِّ أصدقاء أبي يتذمَّر من حاله فتقدّم إلى مدرسة صفّ الضباط وامتهن العسكرية وهو الآن مساعد أول اختصاصه إشارة ومسؤول أول وأوحد عن مركز إشارة تابع للجيش في القامشلي.
وضع محفظتي على منصب الدراجة الخلفي، وأركبني أمامه، ومضى بي إلى بيته بحماسة ولهفة. استقبلتني زوجته بحفاوة، وزقزق أولاده حوالي كالعصافير. عندما نقول عن القامشلي "غربة" فلأنها في أقصى الشرق تبعد عن دمشق وفق الطرق العامة أكثر من ألف كيلومتر، ومن يعمل فيها لا أمل له بزيارة قريب أو صديق لذلك كان وقع زيارتي على الأسرة كأنني واحد من العائلة. فأُعِدَّ لي غداء من الأرز بالسمن العربي و"شاكرية" بكيلو لحم كامل قد يكون لأن أسعار اللحم والسمن العربي هنا أقل بحوالي النصف لكن غزارة المائدة تؤكد كرم الضيافة وكبر الحفاوة. بعد أن شربنا الشاي قلت له
- يامحمد لي عندك طلبان. الأول عاجل وفوري وهو أن تدلني على فندق.
والثاني يتحقَّق على مهل وهو البحث عن بيت لأحضر زوجتي وأولادي.
- أما الثاني فسنبدأ بالبحث منذ الغد. وأما الأول فأنت أخ عزيز. عندي غرفتان اعتبر إحداها لك حتى تجد بيتاً.
كان كلامه يدلّ على صدق ورغبة أكيدة في مساعدتي لكني أصررتُ على الفندق ورجوته ألا يجادلني فيه. فحجز لي غرفة في أحد الفنادق وقال لي "أنا أعرف أنك لن تستلم راتبك قبل مضي خمسة أشهر وربما ستة، لاتكسر نفسك لأحد أنا أستطيع أن أعطيك ما تشاء من أخ لأخيه، وعندما تقبض راتبك دفعة واحدة أستردّها".
استقبلني مدير الثانوية وأسند إليّ ساعات بين الصفين الحادي عشر والتاسع، فبدأتُ عملي برغبة وحماسة وانسجام مع الطلاب، والتقيت بزملاء أعرفهم من أيام الجامعة وبخاصة الدمشقيين أو أبناء محافظة دمشق وكان أبرزهم عبد الرزاق ساعور من دوما، وزملاء جدد مثل أكرم شيخاني من القامشلي وهو مهذب جداً ومتديِّن.
والحقيقة أن وجود "أبو نضال" أنعشني بحفاوته واهتمامه، وانضاف إلينا قاسم خضرة "رقيب بشرطة المرور" وهو ابن عم صهري محمد خضرة. وهنا أخذت علاقاتي تتعقّد بين "أبو نضال" و"قاسم" من جهة وزملاء العمل من جهة أخرى، وبدا من المستحيل أن يتم الانسجام بين الجهتين ماعدا عبد الرزاق وأكرم.
أخذت أبحث عن بيت برفقة "أبو نضال" و"قاسم" أرى البيت فيعجبني فيقول أصحابه أمهلنا يومين، وبعد يومين يعتذرون، فهمس زميل لي من أبناء القامشلي قائلاً "لن يؤجرك أحدٌ بيته مادمت ترافق هذين العسكريين" كان أبونضال يرتدي ثيابه العسكرية بشكل دائم ويضع مسدساً على جنبه ويمشي معتداً منتصباً، ونشأ تناقض آخر بيننا، وقفنا على بائع خضرة "في السوق" فقال له ابنه مشيراً إليّ "هذا استاذنا" فتهلل الأب وأقبل عليّ ليلبي طلبي، فخاطبه "أبونضال" بفظاظة وكبرياء فانجذب البائع ولبث حائراً. لاحظتُ منذ البداية أن أبناء القامشلي يحبون التعليم ويحترمون المعلمين ويلبون طلباتهم بطيب النفس ويكرهون العسكريين ويلبون طلباتهم اتقاء لشرهم.
كنت أتردّدُ يومياً على نادي المعلمين أتعرف إلى الزملاء نتسامر أو نلعب الشطرنج. ومرة كنت وحيداً فجاءني النادل وأشار إلى رجل مسنّ فقال لي "هل ترغب في أن تلعب الشطرنج مع الأستاذ؟" ولم يكن في النادي سوانا. قمت إلى طاولته وقدمت له نفسي "مدرس لغة عربية" قال"مدرس لغة فرنسية متقاعد" وبدأنا اللعب. يحرك الحجارة بأصابع راجفة، وينظر إليها بحواجب كثة تنبض كأجنحة الفراش، وينقلها نقلات خاطئة نبَّهته فاستنكر وأصرّ على موقفه. سألته "كم سنة عملتَ في التدريس؟" قال "أربعون سنة" فتجوَّفتُ من الداخل، أحسست بما يحس به اللاغب اللاهث وأنا أفكر بمصيري المماثل. فهمتُ أنه يريد أن يتغلّبَ عليّ بشكل أو بآخر وتذكرتُ دعاءً كنت أسمعه من الكبار "الله يُحسِن كبرتنا" فأشفقتُ عليه وحقَّقْتُ له أمنيته.
كنتُ أتحرّق شوقاً إلى الأولاد وأمهم. إن الرجل بلا زوجة كالمحارب بلا حماية، كان وقتي كله تسويفاً حتى عثر لي "ابونضال" على بيت في الحيّ الغربي قريب من بيته مؤلف من غرفة ومطبخ واسع وصالون صغير، له حديقتان كبيرتان أمامية وخلفية لكنه مهمل متسخ فقال لي صاحبه وهو أرمني كهل مهذب "بجيب واحد نسوانة" لتقوم بتنظيفه
أحضرتُ زينب والأولاد على أن نعيش حياة هادئة بعيدة عن المشاحنات. وتابع إياد المدرسة في الصفّ الثاني وهو في السادسة، وبقي في البيت مناع وهو في الثالثة، ورزام في الشهر العاشر ما إن نسهو عنها حتى نرى أنها صعدت السلم وتسلَّقت على إحدى عوارض دالية العنب في المدخل وهي ترتفع أكثر من مترين ونصف تتمسك بيديها وتتأرجح فنهرع إليها ننزلها. أو أنها تفتح باب الحديقة وتخرج إلى الطريق، ونبحث عنها فنجدها تلعب على الرصيف مع بعض الأولاد.
وبدأتْ أنماط من الخلاف تنشأ بيني وبين زينب، أهمها أنها لا تخرج من الغرفة إذا كان في زيارتي أحد ماعدا "أبونضال" وقاسم" لأن منفذ الغرفة الوحيد هو الباب الذي يُفتح على الصالون وكم كانت تصاب بالحرج ولا تتراجع. ومنها أننا عندما نخرج أيام العطل وفي بعض العصاري نتمشّى بين بساتين القامشلي الشمالية الجميلة نضع رزام في العربة، وأحيانا يركب معها مناع فلا تلبث أن تحسّ بالتعب وتغتال متعتنا، ومنها أنها أخذت تهتم ببناء علاقات اجتماعية مع الجارات وبصحة الصغار وتربيتهم وبنظافة البيت.. إلا الأهم وهو الإحساس بي فأخذ ينشأ خط رفيع يفصل بيننا لم تعره عناية كافية فأخذ يتحوّل إلى سدّ.
بعد أيام من بداية العام الدراسي أضرب طلاب البكالوريا الأدبي في ثانوية عربستان على مدرس اللغة العربية وهم ثلاثة شعب لم يكن المدرس سيّئاً لكن الذي سبقه كان ينفق وقت الدرس بالإعراب والبلاغة والعروض. حاولتْ إدارة الثانوية ومديرية التربية رأبَ الصدع بلا جدوى فاختاروني بديلاً عنه ونقلوني. قيل لي إن معظم الطلاب يتجاوزون السنّ القانونية، وإن بعضهم متزوج، وإنهم وقحون... "لابأس" قبلتُ التحدي، إنك في مثل هذه الحال يجب أن تعاملهم باحترام فتفرض احترامك عليهم، ومن يبتغِ احترام طلابه يجب أن يحترم نفسه، واحترام النفس أوله الاستعداد التام. سهرتُ ليلة كاملة تهيّأت فيه للإعراب والبلاغة والعروض، ومنذ الدرس الأول حاول بعضهم أن يفوشوا بأسئلة يظنون أنها محرجة. قلت بحزم "سأترك لكم خمس دقائق آخر الدرس للإجابة عن أسئلتكم" فلبثوا يتربَّصون حتى الدقائق المخصصة أجبتهم فيها عن أسئلتهم. لكن ماعزّز موقفي أن كتاب الأدب للصف الثالث الثانوي وهو الكتاب الأساس لم يطبع بعد بسبب تغيير المناهج لأن كتب الأدب والتاريخ شبيهة بالنشرات الإعلامية التي تتقلب بتقلبات الواقع الراهن، وكان يوزّع على مدرسي اللغة العربية أسماء المواضيع الرئيسة وحسب. قمتُ بكتابة المواضيع مفصلّة مع الشواهد، وتعاونتُ مع إدارة الثانوية والطلاب بطباعتها على الآلة الكاتبة ونسخها على آلة السحب ووزعتها عليهم فقرّبت هذه العملية بيني وبين الطلاب، خاصة وأن بعضهم أعلموني أن إحدى المكتبات طبعتْها وأخذتْ تبيعها دون أخذ الإذن مني أو الإشارة إلى اسمي فلم أُلقِ بالاً، ورغم صدور الكتاب ظل الطلاب يعتمدون على هذه النشرة. إن سرّ نجاح المدرس هو أن يعامل الطلاب وكأنه أبٌ أو أخ أكبر، ويدرك أنهم في سنّ المراهقة، يشجع المجتهدبن ولا يحابيهم، ويوجه المقصرين والمشاغبين متغاضياً عن ترهاتهم، غير حاقد عليهم.
في نهاية العام الدراسي نجح إياد إلى الصف الثالث وحاز على المرتبة الأولى.