الفصل 17

12 0 00

يروى أن أباً قال لابنه وهو يُحْتضَر "عمِّر لك في كل بلدٍ بيتاً" وفارق الحياة. رأى الابن كلام أبيه شبيهاً باللغز فسأل أحد الكبار عن معناه قال له " أي اتخذ في كل بلد صديقاً تحلّ في بيته وكأنه بيتك" يقال إن جلول يحبّ السوريين، ذات يوم دعاني إلى العشاء ودعا معي أحد أصدقائه بوعلام، جلسنا نأكل ونشرب النبيذ ونتجاذب أطراف الحديث، وإذ بدأ بوعلام يمهِّد ليحدِّثني عن مآسي الجزائريين إبّان الاحتلال قال جلول:

- أرجوك يابوعلام دعنا ننسى الماضي ونتمتع بوقتنا.

ورنّ جرس الباب الخارجي، ثم فُتِحَ بابُ الغرفة، وأطلَّ ابنُ جلول الصغير مرتبكاً، وإذا بمُعَمَّر يدفع الباب ويدخل من خلفه مبادراً "السلام عليكم" ردَّ جلول وبوعلام التحية بغيظ وارتباك وقال لي جلول مشيراً "معمر ابن خالي" حمل معمر كرسياً وجلس معنا قائلاً "أين كأسي؟" حاول جلول إخفاء قوارير المشروب لكن معمر تصدى له وعاتبه بحدة وقهر واندفع بوعلام وجلول يحاولان أن يمنعا معمر من الشراب أو يخفِّفا عنه لكنه تمسَّك بموقفه ووعدهما ألا يشرب سوى نصف قدح، سكتا على مضض، أترع معمر كأسه حتى الثُّمالة، فتوَّفَّزَ كل من جلول وبوعلام والغيظ يأتلق على عيونهما، ورفع جلول الشراب وأبعده ينظر إليّ نظرة أسف وحيرة.

كرع معمر نصف كأسه دفعة واحدة، ومدّ يديه يتناول الطعام ويأكل بأناقة، وركن جلول وبوعلام مشدوهين كأنهما يتوقعان شراً مفاجئاً، ثم كرع معمر نصف الكأس المتبقي، وأطرق لايرفع عينيه عن الطعام. يضع في فمه لقمة صغيرة ويتلبَّث وفجأة أخذ يبكي وينتحب بقهر ومرارة وتحولت سهرة الأُنس إلى مسرحية تراجيدية يلعبها ممثلٌ واحد، ووجم جمهورها منتكصاً مأخوذاً.

في الصباح رأيتُ خديجة في الشارع، حيَّتْني لمحاً تحية مجاملة جعلتْني أتوق إلى حلول يوم الإثنين، وجاء يوم الإثنين فبدتْ كأنها تراني للمرة الأولى، أيعني هذا أنها هي الأخرى من ضحايا الاستعمار، ذات مزاج مريض؟

في المساء ما إن صحوت من القيلولة حتى سمعت نقراً على النافذة المطلة على الشارع، هرعت إليها وقلبي ينبض بشدة، يساورني الوهم أنها هي.. فتحت النافذة وإذا بجلول، ابتسم بمودة وحياني وسألني: "مارأيك أن نجلس في المقهى؟"

جلسنا في المقهى نشرب القهوة بالحليب، وإذا برجل في نحو الأربعين، يضرب الأرض بقدمه، ويقف متحفِّزاً وقفة استعداد للملاكمة، وعندما رآني جذبت انتباهه وتفاجأت مأخوذاً حائراً مدّ يده نحوي بحركة سريعة وبسطها إشارة من يطلب نقوداً قال لي جلول هامساً "لاعليك، إنه لايضرب ولايؤذي" وأخرج من جيبه قطعة نقود ووضعها بيد الرجل وأشار له أن ينصرف، وضع الرجل قطعة النقود في جيبه وعاد فمدَّ يده نحوي وبسطها مهزوزاً مصراً أن يأخذ مني، أعطيته قطعة نقود فأخذها وانصرف يبحث بعينيه عن شخص آخر. سألت جلول "أهو ضحية من ضحايا الاستعمار أيضاً؟" هزّ رأسه بالأسى مجيباً وبدت على أمارات وجهه مشاعر السخط والقهر والإحساس بالعجز والإهانة. وقال بصوت خافت حزين "هذا وجه آخر من أوجه المآسي التي خلفها الاستعمار فينا، تعوّدنا أن نراها ونبتلع الألم والذل" وأطرق محتقناً، تحاشيت أن أسأله عن مأساة هذا الرجل الذي يبدو للوهلة الأولى رجلاً مكتملاً، لأن حكايات المآسي أخذت تقطِّع نياط قلبي، وما عليّ إلا أن أتعوّد عليها لولا أنها تستفزّني شئت أم أبيت.

في الصباح تقدمتُ من كوخ البواب وسألتُه "هل جاءتني رسالة؟" أجاب بانزعاج وضيق: "لا". في الفرصة بين الدرسين الثالث والرابع سمعت من قال "جاء البريد" فمضيت إلى البواب وسألته عن رسالة، اهتزَّ الرجل وامتعض وقال مكشٍّراً "أهي (غنّيوة) أغنية؟ أما سألتَني وقلت لك "لا"؟ اسمع سي محمد انظر دائماً إلى هذه اللوحة بجانب الباب، فإذا كانت لك رسالة تلقاها معلقة عليها وتابع محتداً "أنا لا آكل الرسائل" تقهقرت خائباً كأنني اقترفت خطأ شنيعاً بسؤال عكّر مزاج هذه الأرومة المتمترسة وراء نظارات سميكة، جعلني أحسُّ أن الحياة في الجزائر كابوس يضغط على أعصابك يكاد يُفقدك توازنك، وأيقنت أن أبسط ماقدمته الجزائر حتى تحررت هو مليون ونصف المليون من الشهداء دفعت ثمن انتصارها واستقلالها أرواحاً وآلاماً ومآسي بعدد ذرات ترابها لكم كانت تضحيات الجزائريين فادحة! ولكم كان ثمن الاستقلال باهظاً! لكن البلاء الأعظم هو هذه الكثرة من الضحايا. أحسست أنني غدوت أرتبط بالجزائر ارتباطاً مقدساً محكماً متيناً كارتباط الابن بأبيه، وغدتْ خديجة وجهاً آخر من وجوه حواء أتعرَّفُه للمرة الأولى، ولكن أي معنى للارتباط بها إلا أن تكون مشروع زوجة ترضى أن تعيش معي على أنقاض زواج منهار؟ ورغم هذا لايساورني الظنّ أنها بشكلٍ ما ضحية من الضحايا، أو أن لمزاجيتها تفسيرات أخرى متحدِّرة من ذاك الجذر العميق، جذرنا العربي المشترك الذي تفشَّت فيه سلاسل من المآسي أناخت في القلوب.

في اليوم التالي كان برنامجي أن أدرّس الطلاب الحديث الشريف "حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم" وفي المساء جلستُ وحيداً في غرفتي فأخذ "الحديث" يدور في رأسي. قف. أنت تحبّ وتتباهى بالحب، إن خيبتك في زواجك لا تعفيك من أنك متزوج وعلى ذمتك امرأة في الشرع والقانون والأعراف الاجتماعية ولك منها ثلاثة أولاد تحبّهم. فنهضتُ مشتعلاً أكاد أنطح السقف، ثم ركنت أفكر، إن ما ربطني بزوجتي وهبَني المسوِّغ أن أتحرر منها، أنا يحقّ لي أن أتزوج مثنى وثُلاث ورباع، وإن خفتُ ألا أعدل فواحدة، ولن أعدل ولا أريد سوى واحدة غير تلك التي انقطعتْ بيني وبينها الأسباب. من حقي الشرعي أن أطلِّق متى شئت وأتزوج متى شئت أو أندثر وأموت، أليس من حقي أن أعيش؟ وزغردت الفكرة في وجداني أضاءته من العمق.

في اليوم التالي وصل تذمُّرنا من تدريس التربية الدينية إلى أقصاه؛ يفاجؤك طالب أو طالبة يسألك سؤالاً في الفقه أو العبادات لاتعرف كيف تجيب عنه فقررنا اللجوء إلى المدير، وافق وعقد اجتماعاً وسأل "من يريد أن يختص بالتربية الدينية؟" قال المصريون جميعاً "أنا" ورفض أن يتنازل أيٌّ منهم لغيره، وقال جميع السوريين والعراقيين "لا" فقال المدير "نجري قرعة" ففاز بها المدرس العراقي "وسيم" فأوقعنا نحن السوريين والعراقيين بحرج كبير. إنها مشكلة أن وسيم مسيحي فإن أعلمنا المدير تُنهى إعارته ويُعاد إلى العراق، وإن سكتنا تغدو المشكلة أكبر فقررنا السكوت.

أوجب عليّ سَكَني عند الحاجّة أن ألتزم بشراء حاجيات تقتضيها المعيشة فدلّتني الحاجة على بقالية الزبير، وهي الأقرب إلى بيتها. وخلال بضعة أيام انعقدت صداقة بيني وبين الزبير أقضي معظم الأمسيات عنده وينضمّ الينا جيرانه في المحل: الخياط خالد والميكانيكي بن يوسف والحلاق أحمد، نشرب القهوة وأحدّثهم عن سورية وعن التاريخ العربي ويحدثونني عن حرب التحرير الجزائرية، ثم نعرّج على السياسة نتبادل الآراء في نكبة فلسطين ونكسة حزيران. الاسم الأصلي للزبير هو "يحيى بوشقور" وعندما تطوّع في جبهة التحرير ومضى إلى الجبل أطلقوا عليه اسماً نضالياً هو الزبير ودرّبوه على فنون القتال وبخاصة حرب الأنصار، وعلموه القراءة والكتابة بالعربية. أما الخط الذي يكتب به فهو نموذجٌ قديمٌ وسطٌ بين الخطِّ الفارسي والخطّ الرُّقَعي، ونقطة (الفاء) يضعونها تحت الحرف. الزبير في نحو الخامسة والأربعين وجهه ابيض مطلي بسمرة خفيفة، شعره بني كثيف أميَل إلى الشقرة، حاجباه كثَّان وعيناه شهلاوان مؤتلقتان، وشنباه عريضان مهذبان. ودائماً ترتسم على وجهه ابتسامة تنبئ أنه طيِّبُ القلب سمحٌ حليمٌ متوازن، وإنما تلوح من سيمائه غضبة الحليم فيما إذا استُفِزّ. وهو كغيره من عامة الجزائريين - غير المثقفين - كلمة "عربي" تعني عندهم "مسلم" وكلمة فرنسي تعني "كافر" أو "رومي" رغم أنهم بعد الاستقلال تحسنت علاقتهم بالفرنسيين نوعاً ما وصاروا يحترمونهم احتراماً حذراً. وهم يقولون لنا "بني عمك" عندما يعنون "عرب المشرق" ويظنون أننا نقيم بجوار مكة، وبعضهم يظن أن الجميع مصريون لأن معظم المدرسين المعارين من المصريين، والمصريون بسبب أوضاعهم الاجتماعية والمادية الصعبة يأتون إلى الجزائر لجمع النقود حتى يقدر واحدهم على شراء بيت. لذلك ترى الأطفال يختبؤن في الزوايا عندما يمر مصري ينادون ساخرين "الفول الفول" على أن المصريين لا يأكلون سوى الفول.

تنامت المودة بيني وبين الزبير، وذات يوم فوجئت عنده بمهندسَيْن لبنانيَيْن يتسوّقان تلاقينا بلهفة والزبير يحدِّقُ إلينا مبتهجاً خاصة وأنه لأول مرة في حياته يرى لبنانياً. إن الجزائريين تعرّفوا من خلال البعثات التعليمية إلى المصريين والسوريين والفلسطينيين والعراقيين وحسب. قدم لنا الزبير ضيافة وانشغل بأحد زبائنه فيما كنا نتعارف: أحدهما اسمه جورج والآخر جميل يعملان في شركة فرنسية لبنانية لتعبيد الطرقات وصيانتها على طريق الأصنام - (تنس) وما إن انصرفا حتى تحلق حولي هو وجيرانه وسألوني مأخوذين مندهشين:

- جورج؟ رومي؟

- جورج عربي مسيحي.

- مسيحي عربي؟

قالوها ذاهلين مستنكرين، واشتدَّت دهشتهم أكثر عندما بيَّنت لهم أن الدين المسيحي كان منتشراً بين القبائل العربية قبل الإسلام، وهم أهل الذمة الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم وطلب أن نعاملهم بالتي هي أحسن. وأنهم شاركوا المسلمين في حروبهم ضدًّ الفرس والروم باعتبارهم عرباً، وأن عمر بن الخطاب وافق أن يدفعوا الزكاة كالعرب المسلمين بدل الجزية التي تفرض على غير المسلمين من الموالي. قال الزبير برهبة:

- وفوق كلِّ ذي علم عليم.

في المدرسة تعرفت إلى زميل باكستاني يدرِّس اللغة الإنكليزية وكانت علاقاته مقتصرة على طلابه وعلى من يلمّ باللغة الانكليزية لأنه لايعرف من العربية والفرنسية إلا كلمات محدودة لا تكاد تساعده على التفاهم مع أحد. شكا لي يوماً عن حاجته إلى قارورة غاز، فمضيت به إلى الزبير وقدمته له "محمد سردار خان" فتفاجأ الزبير أن اسمه محمد وهو ليس بعربي ولا يعرف العربية، وبعد أن أخذ حاجته وانصرف عقدنا جلسة مع جماعته شرحت لهم فيها ماسمح لي الوقت عن العالم الإسلامي والمسلمين من غير العرب. وفي المدرسة حثثت طلابي أن يشرحوا لعامة الناس مثل هذه الملابسات التي لايعرفها معظمهم.

ولوَّحت العطلة الشتوية قادمة وركنت في العشية معتكراً. ماذا أفعل بأسبوعين كاملين جالساً في البيت؟ كنت أنفق معظم وقتي في التدريس وتصحيح كراسات الطلاب، وقبل أن يبدأ صباح اليوم الأول من العطلة طفق الإحساس بالفراغ المداهم يجثم فوق صدري كأنه كابوس. خديجة تحوَّلت إلى نجمة خفقت أمداً قصيراً ثم اضمحلَّ خفقٌها فضاعت بين النجوم، ولم تَلُحْ لي سوى فرجة واحدة هي بومرداس. في الصباح قررت أن أسوي بعض أموري ثم أشدُّ الرحال إليها. تناولتُ فطوري وجلست مع الحاجة في صحن الدار نشربُ قهوة الصباح وأنا شارد الذهن مشتت. سألتني الحاجة بمودة وحنان:

- مالك ياوليدي؟ ماالذي يعكرك؟

- لاشيء.

- بل ثمة أشياء وأشياء. المرأة ياوليدي هذه الأيام إذا تراميتَ عليها انكمشتْ كالقنفذ انظر اليها من فوق بكبرياء وعظمة وحاذر أن تفتح لها نفسك، كن غامضاً مستهتراً بها، وانظر كيف تتهافت عليك.

- أنا لاأحبُّ أن أتعامل مع المرأة بلعبة القطِّ والفأر.

- ليس المهم ما تحبّ أنت وما تكره، المهم هي صاحبة الشأن.

- أنا لاأحبُّها ولاأعبأ بها.

ابتسمت بمودة وغمزت بعينها وقالت:

- وحق ربي إنك كذاب.

وقفتُ منزعجاً وقلت:

- سأشتري تذكرة بالقطار وأسافر غدا صباحاً إلى بومرداس.

قالت الحاجة بحرج:

- إذا كنت قد انزعجت من كلامي فأنت بلا عقل.

خرجت أتهادى نحو محطة القطار أفكر بكلام الحاجة، الحقيقة أنه لايفهم حواء سوى حواء، ولكن ماخطئي في التعامل مع خديجة؟ إن حواء العربية هي هي في مشارق الأرض ومغاربها، الحب عندها لعبة تتمتع بها بل مغامرة تلتبس فيها بشغف وتشتبك بمن تحب كأنها تمارس لعبة لَوْيِ الذراع. قررتُ السفر إلى "بومرداس" صباح الغد وأخذتُ أتمشّى محوِّماً حول محطة القطار؛ أليس من حقي أن أجد امرأة صافية كالماء القراح يكون الحب عندها عطاء وتضحية؟ خديجة أو غيرها لكني لم أحظَ في هذا الفضاء الذي يترامى أمامي بسواها.

وعدت الى البيت ففوجئت بسيارة فؤاد ترابط تحت نافذتي فدخلت غرفتي مبتهجاً، وإذا بالفرسان الثلاثة: فؤاد وسعيد ويوسف يصافحونني بحرارة وسعيد يضع فوق الطاولة صينية عليها قدر الكشك المطبوخ ومتمماته. وقال بأريحية "تفضلوا" وتابع يخاطبني ملمِّحاً "الكشك من عندك لكن اللحم والخبز أصر يوسف أن يدفع ثمنه وحده والغاز من عند الحاجة أقسمت لي الحاجة أنها تعزُّك كأنك خرجت من بطنها" واندفعنا نأكل فيما نقرت الحاجة الباب، وناولتني صينية الشاي مرحبة. وقال سعيد باندفاع "هيا اسرع هيئ أمتعتك. سنقضي العطلة في الغرب الجزائري".

إن هذا الخبر عندي بشارةً عمَّرت قلبي بالفرح وتحركنا باتجاه الغرب لانملك إلا أن نعجب بما يمتاز به الريف الجزائري من جمال تسرح نظراتنا فيه فنحسّ أنه يحتضن عيوننا ويغدق على قلوبنا الكثير من الحنان.

مررنا ببعض المدن الصغيرة الأنيقة وعندما وصلنا إلى "غليزان" وهي أكبر مدينة في طريقنا تذكرنا أن "عبد الرحمن خليفاوي" رئيس الوزارة السابق في سورية من أصل جزائري ومن غليزان بالذات. وتذكرنا منزل الأمير عبد القادر الجزائري في حي العمارة - جادة النقيب - في دمشق وتذكرنا حيّ المغاربة في (زقاق البركة - يقدر عددهم بسبعين ألفاً) منهم من جاء مع الأمير عبد القادر ومنهم من جاء قبله أو بعده وجميعهم اندمجو بالمجتمع الدمشقي، قرأ علينا يوسف إحدى قصائده الجديدة وسألنا:

- مارأيكم؟

ردّ عليه سعيد مبادراً:

- كلّفتنا السماع فلا تكلفنا إبداء الرأي حرصاً على مابيننا من صداقة ومحبة.

قال يوسف:

- مارأيكم أن أقرأ عليكم قصيدة من قصائد والدي؟

قال فؤاد مجاملاً:

- لا بأس.

وفيما أخرج يوسف أوراقه من جيبه قال سعيد بنزق:

- دعنا نتمتع بهذا الجوِّ الجميل يايوسف، أبوك أستاذنا جميعاً ومع احترامي الشديد له ويقيني أنه واحد من علماء اللغة، ثقافته عالية وغزيرة في مجال الأدب والتاريخ والفلسفة والعلوم الدينية لكن فيه نقطة ضعف فهو يزعم أنه شاعر وماهو إلا شاعر نظّام، شِعرُه ناشف لاحياة فيه، ومن سوء حظه أن الذين يبهرهم شعره إما من المداجين اللامبالين أو من أنصاف المثقفين الذين لايفرقون بين الشعر وفَصْفَصة البذور المملحة.

واستند سعيد إلى نافذة السيارة وانطلق يغني مقاطع من حواريات فيروز ونصري شمس الدين، ومن بعض المسرحيات المعروفة. ووضع أمامي خديجة تقول: أنا أريدك عن عمدٍ أن تُجَنّ ووصلنا إلى وهران فأذهلتنا بجمالها وأناقتها وقلت بحماسة ونحن نمشي على (الكورنيش) "وهران من أجمل مدن الدنيا" نمتِّع أنظارنا بالبحر على يميننا وأشجار النخيل على الأرصفة، وبالمباني الجميلة التي تمتد مع (الكورنيش) وهران هي التي كتب ألبير كامو فيها رواية من أهم رواياته (الطاعون) عندما قرأت الرواية شدتني إليها كثيراً، وشدّني عبث ألبير كامو في تفسير مأساة الإنسان، ومعاناته في حياة لاجدوى منها. كنت أظن أن الطاعون حلّ فعلاً في وهران لدقة الوصف وصدق التعبير حتى قرأتُ دراسة عنها للناقد الفرنسي (ألبيريس) يقول فيها "عندما تقرأ الطاعون لألبير كامو تتلمس تحت إبطيك خشية أن يكون الطاعون قد تسرّب إلى جسمك وأنت تعرف مسبقاً أن الطاعون لم يحدث أبداً في وهران" لولا ذلك كان عليَّ أن أحسّ بالغضب الشديد لأن مثل هذه المدينة ذات الجمال الرائع لا يجوز أن يطيح بها الطاعون.

أنفقنا نصف العطلة في المدينة (وهران) نقضي بعضاً من وقتنا في شارع العربي المهيدي الوديع ذي المحلات الأنيقة والأبنية الفخمة. وبعضاً آخر على الكورنيش، وفي المقاهي المطلة على البحر نسرح في مداه اللازوردي، وبعضاً آخر في حيّ (ليسكور) بأبنيته المرتفعة نزور زملاء لنا يسكنون فيه.

وقضينا ردحاً من الوقت في ضواحي وهران، في مقاصف ومطاعم نجلس فيها مأخوذين بجمالها وروعتها تحضنها أشجار النخيل، والأشجار الحراجية دائمة الخضرة، وأنفقنا النصف الثاني في الريف في سهوله الفسيحة ومدنه وقراه الوديعة. وخصصنا يوماً لزيارة معسكر عاصمة الإمارة التي أسسها الأمير عبد القادر الجزائري يتصدى فيها للفرنسيين بين عامي (1832- 1839) نتأمل الطبيعة الجميلة في تلك السهول والجبال التي خاض فيها الأمير أربعين معركة قادها بنفسه وفي إحداها قُتِل حصانه، وتغلغل رصاص البنادق في ثيابه.

وتذكرنا تلك النقطة المضيئة أثناء إقامة الأمير عبد القادر في دمشق عندما حمى النصارى عام (1860) في داره خلال فتنة طائفية أولعها الطابور الخامس العثماني.

ولم تفارقني خديجة خلال رحلتي. سافرت معي همَّاً من همومي، وحلماً تارة يتجهمُّ يملؤني بالخيبة وتارة يََسلسُ ينتشلني من خيبتي. ودائماً تنوس بين الأمل واليأس وجعلني الإخفاق الغامض معها أحسُّ أنني مستعدٌّ أن أبادلها بكل مَنْ أعرف من بنات حواء، أحضُنُها وأغمض عيني وأطرح العالم كله وراء ظهري.

وعدتُ إلى الأصنام إلى طلابي وقد ازدادت ألفتي بهم، وإلى خديجة فوجدتها تتحاشى الدخول إلى قاعة المدرسين وفيما قرَّرتُ أن أمسحها وجدتها هي التي مسحتني، وعادت أدراجها شيئاً فشيئاً إلى تلك اللحظات، لحظات رأيتها أول مرة.

ولستُ أدري كيف تقرأ الحاجة مشاعري وتتلمس فيها مكامن الهمِّ والخيبة فدعتني إلى فنجان قهوة، وضعت كرسيين في باحة البيت وأعدت القهوة، وجلستْ وفي عينيها كلام. قالتْ:

- اسمع ياوليدي.

وتابعتْ قائلة:

- هذه البنت التي سَلَبتك عقلك أبوها من أكبر أثرياء الأصنام، وهو رجل وَعِر متعجرف بخيل تقدم إلى خطبتها الكثيرون فرفضهم ربما لأنها وحيدته وأثيرة لديه ومدلَّلة، وكل الناس يعرفون أنه يخشى أن يكون الخاطبون طامعين في ماله، اسمع مني وأخرجها من قلبك، الحب في غير مكانه ياوليدي ذُلٌّ ومهانة.

والحقيقة أن مشكلتي مع خديجة هي خاتمة الخيبات المتوالية، وما عملية تشبُّثي بها إلا دفاع عن النفس وإعادة الاعتبار لا يهمني أن تكون هي أو غيرها. فأقفلتُ على نفسي وانفتحتُ على الزملاء أندمج فيهم وفي تُرَّهاتهم ومشاكلهم الصغيرة والكبيرة، وبما أنني (متزوج / عازب) أتحرّج من زيارة المتزوجين، ولا أرتاح لزيارة العازبين وإذا بزميل سوريّ "ابوسعيد" زوجته في سورية ولا فارق بيني وبينه إلا أنه في الأربعينات لكنه طيبٌ منفتح؛ ذهبتُ معه يوم الأحد في رحلة يرافقنا بها عدد من السوريين إلى "تنس" وهي مدينة على البحر يخيّل إليك وأنت ترى إلى بيوتها القرميدية الأنيقة وشوارعها المتقاطعة أنك في أوروبا، وتابعنا إلى "بوشغال" وهو شاطئ رملي هادئ بين البحر وسفح جبل أخضر، فيه غابة يمكن اللجوء إليها من القيظ، ورأينا عدداً من العائلات الفرنسية يستلقون على الرمال. ألقينا معظمنا بأنفسنا في البحر ماعدا "أبوسعيد" فقد أعد لنا بنفسه "كباب هندي" لستُ أدري كيف هاج بي الشوق إلى أولادي وزوجتي ووعدتُ نفسي أن أمتّعهم بما أرى في العام القادم.

في اليوم التالي ذهبتُ مع "أبوسعيد" نلعب الشطرنج و"البينغ بونغ" في ثانوية البنات يستقبلنا المدير وهو شاب جزائري نحيل خشن السيماء لكنه وديع ودود ويحب المدرسين الشرقيين، وصرنا يومياً نلتقي عنده ببعض الزملاء كالعراقي "شكر محمود" وآخرين إن أكثر المدرسين تآلفاً هم السوريون والعراقيون رغم التقارب ببعض الطباع والتنافر ببعضها. يُقال إن المصريين جاؤوا ليجمعوا النقود يبخلون على أنفسهم مكتفين بالضروريات كأن بهم خصاصة لكنهم يبذلون جهودهم في التدريس بين صادق ومدعٍ ومعظمهم يتجاوزون الأربعين، والعراقيون ومعظمهم بين الخامسة والعشرين والثلاثين جاؤوا يبحثون عن المغامرات العاطفية، وبعضهم لا يتورّع أن يقيم علاقة مع طالبة من طالباته، ولايهمهم أن ينفقوا كل رواتبهم، ولايعبأون بسويتهم التدريسية. أما السوريون فجاؤوا يجمعون النقود وبعضهم يمارس تجارة "المحفظة" بين سورية والجزائر، وبعضهم يبحث عن المغامرات العاطفية وجميعهم متفوّقون بالتدريس.

في عطلة الربيع ذهبتُ مع الفرسان الثلاثة فؤاد وسعيد ويوسف إلى الشرق الجزائري، انطلقنا من بومرداس في طريق قسنطينة الجميل الذي تحفّ به الأشجار من الجانبين وقد طليتْ سوقها بالجصّ الأبيض فزادت الدنيا مهابة وروعة. ومنذ البداية أقفلتُ نفسي عن حواء، واستوتْ عندي كل النساء: الجميلة بالدميمة، والذكية بالغبية، والرشيقة بالبليدة، وقررتُ أن استبدل المرأة بهذه الطبيعة الحانية، التي لاتكذب محبَّها.

اقترح سعيد أن نجنح نحو اسطيف إجلالاً للبشير الإبراهيمي الذي ولد في إحدى قراها والذي كان الساعد الأيمن لابن باديس، وخَلَفَه برئاسة جمعية العلماء المسلمين، ثم صعدنا إلى جيجل، وجلسنا بين الغابات نطلُّ على البحر قلتُ مبتهجاً:

- الله الله. هذا أجمل مكان في الدنيا.

قال سعيد مستخفاً:

- أنت كلما رأيتَ مكاناً جديداً في الجزائر تقول عنه هذا الكلام.

- ولا أستغرب أن يتمسك الفرنسيون بها مئة وثلاثين عاماً.

في قسنطينة لفتَ نظري أن النساء يتَّشحن بالسواد. سألتُ باستغراب عن هذه الظاهرة قال سعيد وهو يعمل في الجزائر منذ أواسط الستينات، وتنقَّل بين عدد من الولايات قبل أن يستقرّ في "بومرداس":

- في العام 1945 سلط الفرنسيون على قسنطينة حمم قنابلهم من الأرض والجو يخربون البيوت على رؤوس سكانها رجالاً ونساء وأطفالاً فسقط خمسة واربعون الفاً من الشهداء في يوم واحد، فاستبدلتِ القسنطينيات (الحايك) الأبيض بالأسود.

تجولنا في قسنطينة نمتع النظر بشغف ومحبة إلى جسورها المعلقة، وأبنيتها الحجرية الرصينة، وقد ذكرتنا هذه المدينة الفخمة بعبد الحميد بن باديس الذي قاوم اللغة الفرنسية بانشاء المدارس الابتدائية والثانوية لتعليم العربية وأصول الإسلام عام 1913 وقام بتأسيس جمعية العلماء المسلمين التي كانت النبع الثرّ الذي انطلقت منها فصائل الثوار، ثم تابعنا إلى عنابة: مدينة الشمس الساطعة وعروس البحر في الشرق الجزائري.

التقينا بمجموعة من الزملاء من أبناء منطقتنا الذين احتفوا بنا هم وأولادهم حفاوة كادوا يرفعوننا على راحاتهم بها، وبخاصة محمود زميل الطفولة والدراسة وزوجته وأولاده. وأَخَذَنا محمود إلى الشاطئ الرملي الجميل، وصعد بنا إلى (بيجو) ببنائه الحجري المتقن الوقور وأشجاره الباسقة المهذَّبة.

وفي الغداة ذهب بنا إلى حمامات "المسخوطين" المعدنية على بعد تسعين كيلو متراً من عنابة، وانطلق كل منا يستحمّ بالماء المعدني الحار ويتعرض للبخار، ثم جلسنا مع الجالسين عند مجموعة من بؤر الينابيع التي يخرج منها الماء وهو يغلي، ورأينا ونحن في غاية الدهشة مَنْ يضع عليها القدور ويطهو طعامه.

"عبد الله" شاب من جيرود كان من رفاق سعيد في الكلية الحربية الذين ضاعوا بين الوحدة والانفصال وسُرِّحوا فجاء إلى الجزائر للعمل في التدريس واستقر في عنابة عنده سيارة قال إنه يريد أن يبيعها فاشتريتها منه على أن أرسل له المبلغ بالبريد. في طريق العودة ركب معي سعيد وانطلقنا يرافقنا عدد من الزملاء من أبناء جيرود بسياراتهم مع زوجاتهم وأولادهم نقصد قرية (ميلة) بين عنابة وقسنطينة لنزور خالد من زملاء الطفولة والدراسة في جيرود. وعندما خرجنا عن الطريق العام ودخلنا في الطريق المؤدية إلى "ميلة" وطولها خمسة وأربعون كيلو متراً كلها منعطفات يبلغ عددها ثلاثمئة وخمسة وستين بعدد أيام السنة تتلوى في ارتفاع وانخفاض حتى كادت تنهدّ أكتافنا.

في جيرود كان يتحدى كل منا الآخرين أن يشرب كأساً من الشاي في بيت خالد ونحن الآن عددنا يربو على خمس وعشرين نسمة يجب أن يؤمن لنا مكاناً للنوم ويقدم العشاء والإفطار. فوجئ بنا خالد وزوجته وأطفاله، استقبلونا وكأننا هبطنا عليهم من السماء، واندفعوا يحتفون بنا. قدمتُ لنا زوجته ببشاشة ونفس طيبة عشاء فاخراً قياساً على الإقامة في الغربة. قال لي سعيد هامساً:

- يبدو أن هذا بديل لخالد شبيه به وليس هو.

خالد يسكن في غرفتين، في الليل خصَّصتْ زوجته إحداها للنساء والأطفال، وخصتنا نحن الرجال بالغرفة الأخرى وعندما هجع الجميع وكنتُ على طرف القوم لم بيقَ لخالد مرقد ينام فيه فجلس بقربي على كرسيّ صغير يكبو وينجذب والبسمة تطفح على وجهه موشاة بالرضى عن النفس حتى الصباح.

وعدتُ إلى الأصنام ومعي سيارة فاستقبلتني الحاجة بلهفة وحفاوة، وباركتْ لي بالسيارة وطلبتْ مني أن آخذها ذات مساء هي وإحدى صديقاتها إلى مزار في ظاهر الأصنام تتوق نفسها إلى قضاء ليلة كاملة فيه، وأعدَّتْ أكلة كُسكُسي يغطيها لحم الدجاج.

وعدتُ إلى سيرتي الأولى التي بدأت تكسد فأنتظر يوم الجمعة لألتقي مع فؤاد ويوسف عند سعيد في بومرداس، نقوم بجولة لزيارة بعض الزملاء من أبناء منطقتنا الذين يعملون في القرى المجاورة، ودعابات سعيد تزيِّن أوقاتنا: زميل زوجته فلاحة ترتدي في الشتاء ثياباً صيفية وفي الصيف ثياباً شتوية، وهو يضع ربطة عنق مربوطة بالمطاط لونها لاعلاقة له بلون ثيابه، وزميل آخر بعث برسالة إلى أمه يطلب منها أن تخطب له فتاة بيضاء بحلة سوداء وترسلها اليه بالطائرة، وكرسام الكاريكاتور ينقب سعيد عن مزايا في أشخاص لايكاد يشعر بها غيره. ونزجي بعض وقتنا بجولات على الأقدام في بومرداس نتمتع بجمال الطبيعة وصفاء البحر، أو نذهب إلى العاصمة نتمشى في تلك الأماكن المتألقة: ساحة الشهداء وساحة بورسعيد وساحة عبد القادر الجزائري وشارع ديدوش مراد وشارع محمد الخامس وشارع العربي المهيدي ونمتِّع أنظارنا بالفاتنات كالورود المتفتِّحة على الأرصفة والمقاهي يمنحن العاصمة بهجة وزهواً وحميمية.

حرارة حزيران (يوليو) اللاهبة تجعلك تحسّ أن الأصنام أفريقية وأن العام الدراسي يوشك على الانصرام، كثرتْ الرسائل بيني وبين زوجتي في الشهر الأخير وكانت أمنيتي أن تحررها إقامتها في الجزائر من سيطرة أمها. ومع فراغي النفسي هاج بي الشوق فاستأجرت بيتاً في "حي البساتين" وفرشتُه وتهيَّأتُ للسفر عبر الطريق العربي. جهزت سيارتي وزوَّدتُها بما يعوزني من طعام وشراب وانطلقتُ من الأصنام عبر طريق طولها (1200) ك. م حتى الحدود التونسية وحيداً إلا من "أم كلثوم" و"عبد الحليم حافظ" و"فريد الأطرش". تهاديتُ متفائلاً مبتهجاً أنني أملك سيارة لأول مرة في حياتي بيد أن وطأة الوحدة أخذتْ تثقل عليّ ولم تعد الأغاني قادرة أن تخفِّف منها، تمنّيْتُ لوكان يرافقني أحد لكن خلافي مع علي الأديب وعبد المجيد طيب في اليوم الأخير جعلني أسافر وحدي، وضعا شرطين: أن يشاركا بدفع قيمة البنزين، وأن أوصلهما إلى النبك أولاً فرفضت.

وصلتُ إلى آخر قرية جزائرية قريبة من الحدود التونسية متهالكاً يروعني طول الطريق التي تزيد على (5000) ك. م إلى الإسكندرية خاصةً أنني لم أعتد على مثل هذا السفر الطويل، وأخذ يتنازعني شعوران الضيق من هذه الرحلة، والحلم أن أدخل جيرود بسيارة وفرحة الأهل والأولاد بها. وما إن توقَّفتُ عند محطة الوقود حتى تقدم مني مدرس مصري ورجاني أن آخذ زميلاً معي وسيدفع (200) دينار جزائري. أدركني الفرج وقلتُ له "لا أريد شيئاً" وفي حقيقتي أنه لو طلب مني أجراً لأعطيته.

توقفنا للتفتيش بآخر مركز على الحدود الجزائرية، سألني مسؤول الجمرك "ماذا تحمل من نقود؟" قلتُ "لاشيء" قال "مستحيل كيف تسافر عبر هذه الطريق الطويلة بلا نقود؟" كان معي ألف وخمسمئة فرنك فرنسي ألغيتُ أنبوب المكيّف ودسستها فيه بحيث لا يخطر للشيطان أن يكشفها، كذبتُ وأنا أسخط على الحكومات العربية التي تجبر مواطنيها على الكذب بالقمع والتسلط وخنق الحريات، وتقدم من الخلف موظف وأخذ يدقق في جواز السفر. سألني:

- أنت من جيرود؟

- نعم.

أدهشني السؤال على الحدود التونسية / الجزائرية، لو أنه على الحدود اللبنانية أو الأردنية لكان معقولاً. وسألني:

- هل تعرف ابراهيم عثمان؟

- نعم هو صديقي، ولكن من أين تعرفه أنت؟

- كان أستاذنا، وكنا نحبه. سلّم لي عليه.

وأشار لي أن أتابع طريقي.

دخلنا الأراضي التونسية مع الغروب وفي أول قرية دخلناها توقفنا بجانب دكان متواضعة نشرب شيئاً بارداً، ونلتقط أنفاسنا، رحب بنا البائع وسألني بناء على لوحة السيارة:

- أنت جزائري.

- أنا سوري.

فرفض أن يأخذ ثمن المشروب وقال:

- هذا ضيافة مني.

وأعطانا قطعتين من البسكويت بنفس طيبة. ثم اتخذنا الطريق الصحراوية لأنها مختصرة. إن طول الطريق الليبية من حدود تونس إلى حدود مصر تبلغ حوالي (2200) كم أي أنها طويلة. كلمتُ عبد السلام رفيق السفر عن سيرة حياتي منذ ولدتني أمي حتى الآن وهو يصغي صامتاً، فضجرتُ من صمته وقلت له:"ترافق اثنان على طريق طويلة فسأل أحدهما الآخر "أتحملني أم أحملك؟" أجابه الآخر "نتناوب" سأله "أتبدأ أنت أم أنا؟" أجابه "ابدأ أنت".

لقد بدأتُ وانتهيت ياعبد السلام، وجاء دورك.

- افتح المسجلة.

- مللنا سماع الأغاني، وأحسّ أن الأشرطة صارت كاسدة. حدثني عن أي شيء حتى لانحسّ بطول الطريق.

- أنا من "قنا" بلد عبد الناصر أنهيتُ دراستي ثم حصلتُ على إجازة جامعية باللغة العربية.

- ثم عُيِّنتَ مدرساً ثم أُعرتَ إلى الجزائر. وبعد.

- لاشيء.

- غنِّ إذن.

- لا أحبّ الغناء.

- أشهد أنك أول مصري لايحبّ الكلام ولا الغناء.

لم يكن عبد السلام سلبياً في كل شيء، عندما نتوقف للاستراحة يتركني أستلقي أو أغفو فيجهّز القهوة أو الشاي أو الطعام. وصلنا إلى ضواحي تونس العاصمة في الهزيع الأخير من الليل أوقفت السيارة على حاشية الطريق وغرقنا في النوم كلانا.

في الصباح المبكر أيقظني مرتبكاً متوجساً وأشار إلى نافذة السيارة بجانبي وإذا بحية رقطاء تتلوى باحثة عن منفذ تتسلل منه إلى داخل السيارة. قلت له "لاتشغل بالك" وأدرت محرك السيارة ودعست على البنزين عدة دعسات فانسابت الأفعى ورمت بنفسها على الأرض وراحت تتلوى مبتعدة. قلت " يقول المثل الشعبي عندنا "جنب العقرب لا تقرب جنب الحية افرش ونام" الحية لا تؤذي إلا من يحاول أن يؤذيها. قال "وما أدراك أن تظن أن أية حركة منا هي محاولة لإيذائها؟" ابتعدتُ عن المكان وترجلنا من السيارة وأخذنا نبحث باهتمام في جميع خفايا السيارة عن حية أخرى، ثم ابتعدنا أكثر وجلسنا نتناول فطورنا.

على الحدود الليبية اطلع المسؤول على جوازات السفر، وفتش الأمتعة في صندوق السيارة، ثم أخرج أشرطة "الكاسيت" وأخذ يفتحها واحداً واحداً كأنه يشكّ أن فيها "شيئاً ما!" لا يحترم أننا مدرسون مكتوب في جواز سفرنا المهنة "professer" وعندما ثبتتْ له براءتُنا أشار بيده أن انطلقوا. توقفنا في "طرابلس" وتناولنا لأول مرة منذ عام كامل وجبة "أرز مفلفل" مع الدجاج، واشتريتُ بعض الهدايا للصغار، وانطلقنا باتجاة بني غازي على الأوتوستراد الدولي العريض. وفي إحدى المراحل وأنا أسير بسرعة 120/كم س، رأيتُ السيارات المقابلة تشير لي بأضوائها إشارات لم أفهم منها إلا أنها إشارات تحذير. خففتُ السرعة وأنا أتساءل عن السبب وإذا بسيل جارفٍ من الغبار يسد الآفاق ويحجب الرؤية، لاتستطيع أن تفرق بينه وبين الماء العكر. إنه أشدُّ كثافة من الضباب وأشدّ حلكةً من الليل المدلهم ابتلعنا كما يبتلع حوتٌ ضخم سمكة صغيرة فاضطرني أن أتوقف قليلاً وبما أنه لا أمل في أن ينجلي اضطررت أن أسير بسرعة خفيفة أراقب بحذر حواشي الطريق وقلت لعبد السلام "راقب معي" حتى انجلى ولملم ذيوله فانطلقتُ بأقصى سرعتي حتى قال عبد السلام متوجساً "في التأني السلامة وفي السرعة الندامة".

اشتد لهيب الصيف، كما اشتد الجوع، وأقفرت الصحراء على اتساعها فلا أمل في وقفة حتى فوجئنا ببناء يبدو واسعاً مهملاً وبالقرب من مدخله شجرة تين صغيرة، تربعنا تحت ظلها نتناول غداءنا تكاد رُكبنا تتلاصق وإذا بسيارة حديثة يترجل منها اثنان من الشرطة. قال لنا أحدهما "ادخلوا، البناء واسع فيه ظلٌ وبرودة وماء" فلم نتحرك. بعد دقائق خرج الشرطيان وألحا علينا بالدخول.

رأينا رجلاً طاعناً في السن في ردهة واسعة ليس فيها سوى سرير من العوارض الخشبية على حجارة كبيرة مفروش بأسمال مهلهلة وبساط مهترئ في الزاوية قام عنه الرجل ودعانا إلى الجلوس متهلِّلاً. شربنا ماء بارداً واغتسلنا وأحسسنا بالانتعاش ونمتُ على سرير الرجل في قيلولة مريحة، وعندما صحوتُ هم يعدّ الشاي على نار الموقد. سألنا "هل تريدونه خفيفاً أم ثقيلاً" قلت "ثقيل" فملأ الابريق حتى نهايته بأوراق الشاي السيلاني العطر ووضع فوقه كمية من السكر تغلغلت فيه ثم ملأه ماء ووضعه على النار. إن أثقل الشاي عندنا هو "الخفيف" عندهم والثقيل ممتع لكنه يجمّد اللعاب. قال لنا الرجل إن هذا البناء يقع وسط الطريق بين طرابلس وبني غازي وقد بناه الملك "السنوسي" ليكون استراحة له وعيّنه حارساً عليه ثم أبقته حكومة الثورة فيه.

تابعنا طريقنا الطويلة وصرت أغني وأحثُّ عبد السلام أن يشاركني فصار يغني معي على طريقة "عبود وابنه" كان عبود يعمل "منادياً" في جيرود. يكلفه الجزارون مثلاً أن "ينبه" على اللحم فيجوب الشوارع ويقف في المنعطفات وينادي "لحم الجزور التازة المعلوفة" فيردد ابنه كلمة "المعلوفة" كان عبد السلام في تلك الطريق الطويلة يشكل حالة "أُنس" ضروية لكنه "أنس صامت" رأيته خيراً من الوحدة والوحشة. وصلنا إلى بني غازي بعد عصر يوم الخميس وهي مدينة جميلة أنيقة. أوقفتُ السيارة في شارع فرعي وقلتُ لعبد السلام:

- البنزين لايكفينا إلى الاسكندرية.

- معي مئتا دينار جزائري.

- النقود إذا خرجت بها من بلد عربي إلى آخر فإنها لاتساوي "فجلة" ومحطات الوقود هنا لاتقبل إلا بفلوس بلدها، سأحاول أن أشتري دنانير ليبية من أي محل.

دخلتُ محلاً أنيقاً وطلبتُ منه أن يبدل لي خمسمئة "فرنك فرنسي" بدنانير ليبية فأجابني بجفاف "ممنوع" وأشاح عني. سألت آخر فأجابني الإجابة نفسها. قلتُ له:

- ساعدني ماذا أفعل؟

- اصرفها من البنك.

- اليوم خميس وغداً جمعة وأنا مستعجل.

- آسف.

عدت إلى عبد السلام خائباً متوتراً وأخذت أشتم "القومية العربية" التي نصرّ أن تكون أولى مبادئنا.

- تصور ياعبد السلام أن سورية ومصر وليبيا شركاء الآن في "وحدة ثلاثية" شكلتْ قياداتها وجعلتْ مركزها ليبيا. ونحن لانملك دنانير ليبية لنتابع طريقنا أو ننام فهل نعمل متسولين؟

- فشر. معنا بقايا من الطعام، وننام في السيارة حتى صباح السبتْ.

- كم يوماً هي عطلة الصيف حتى نقضيها في الطريق؟

رأيتُ محلاً لبيع دمى للأطفال، دخلته وانتقيت دمية وتقدمتُ من البائع وأخرجتُ من جيبي قطعة "خمسمئة فرنك فرنسي" وقلت له:

- أريد شراء هذه الدمية.

- ممنوع إلا بالدنانير الليبية.

- بصراحة أريد بيعها لأنني مقطوع من البنزين.

قال بلهجة مصرية هامساً متوجساً أن يسمع كلامه أحد من زبائن المحل "أعدها إلى جيبك" أعدتها. سألني:

- كم تساوي بالدنانير الليبية؟

- خمسة وثلاثون.

- خذ خمسة وثلاثين واخرج، ثم عد بعد قليل وهاتها معك.

قلت لعبد السلام "الدنيا لا تخلو من أولاد الحلال، ولكن ما أتعس حال المواطن العربي خاصة الذي يرزح تحت القيادات الثورية التي تجثم فوق صدره وتجعل النَّفَس يدخل رئتيه ويخرج منها من فتحة كخرم الإبرة"

وتابعنا طريقنا عبر المرتفعات ذات الهواء المنعش والمناظر الجميلة، ونمنا على حاشية إحدى الغابات، وفي الصباح المبكر انطلقنا نحو الحدود الليبية - المصرية. انتظرنا على الحدود الليبية بين حشد من السيارات بضع ساعات حتى جاء دورنا طلبوا أن ننزل كل مامعنا من أمتعة ومعظمها هدايا للأطفال، وأخذوا يفتشونها بدقة. دخلتُ مكتب المسؤول وقلت بانفعال "أريد أن أفهم ما معنى هذه الوحدة الثلاثية بين سورية ومصر وليبيا، ونحن مدرسون مجبرون على الانتظار بضع ساعات حتى يفرج عنا؟" ابتسم وقال "أنتم السوريون انفعاليون" وقال لأحد عناصره "دعوا الأستاذ يتابع طريقه" كانت السيارة مرفوعة على مصعد يفتشونها من تحت فأنزلوها وتركونا ننصرف. عندما دخلنا المنطقة الحدودية المصرية كانت النفوس أطرى لكن الروتين كان أقسى وأسوأ. عليك أن تدخل في صراع متنقلاً بين مكتب وآخر، وتملأ استمارات وبيانات، فأعطيتُ أحدهم بضع جنيهات أنجز لي العملية بحوالي الساعة والنصف فقط!. غطَّوا لوحات السيارة بلوحات عبور "دخول مؤقت" تُنـزع عند المغادرة. ووصلنا إلى السلوم أول قرية حدودية مصرية، دخلتُ دكاناً لشراء بعض المعلبات ففوجئت بصورة الرئيس حافظ الأسد معلقة إلى جانب صورة السادات، وعندما عرفني البائع أنني سوري رحب بي وقدم لي ولعبد السلام شراباً بارداً. وتابعنا رحلتنا فاعترضتنا طريق سيئة مزعجة كلها تعرجات ومنخفضات أوصلتنا إلى منطقة العلمين. العلمين؟ لم نجد فيها سوى نصب حجري متواضع عليه تاريخ تلك الحرب الضارية التي اشتبكت فيها قوات الحلفاء مع القوات النازية بقيادة ثعلب الصحراء الجنرال "رومل" خلال الحرب العالمية الثانية، ولاشيء آخر يدلّ على ضراوة تلك الحرب وأهميتها في حسم الصراع مع النازية.

في "مرسى مطروح" المصيف المفضل عند المصريين قضينا ردحاً من فترة الضحى نتفرج على السياح الأجانب يركبون العربات التي تجرها الخيل أو الحمير وكأنهم في مركبة فضائية تجنح نحو السماء. غادرنا مطروح بعد استراحة مقتضبة ووصلنا إلى الاسكندرية في فترة الظهيرة اللاهبة، لم يتركني عبد السلام حتى حجزت مكاناً لي ولسيارتي في إحدى البواخر المصرية واستأجرتُ شقة مفروشة في أحد الأحياء، واشتريتُ بعض الهدايا حتى امتلأ باطن السيارة وسقفها لأن حرصي الشديد أن أصل بها إلى الأولاد جعلني أتوجّس خيفة من "النشالين" الذين طالما سمعتُ عنهم. وأخيراً أوصلتُ عبد السلام إلى محطة القطار وكانت ساعة وداع مؤلمة فعانقني، وبكى عبد السلام على فترة انقضت بلمح البصر. يقول المثل "الإنسان مسؤول عن صحبة ساعة" ولستُ أدري كيف أثَّرتْ فينا صحبة أيام الطريق وجعلتْ كلاً منا يحسّ أنه يعرف الآخر منذ سنوات، ويحسّ بهول هذا الفراق الذي لا أمل بلقاء بعده. وقعتُ في حرج مزعج أنني لا أستطيع مغادرة السيارة دقيقة واحدة حائراً ماذا أفعل في الليل عندما أنام في الشقة وهي في الطابق السابع. لم يكن أمامي سوى اللجوء إلى مرآب قريب لإيواء السيارة. رأيت رجلاً مكتهلاً يجلس على كرسي خشبي عند الباب قال:

- عندنا مكان. تفضل.

- السيارة ملأى بالهدايا هل أضمن سلامتها؟

- بالتأكيد.

وعندما أحس بوساوسي قال "انظر" وأشار إلى البناية التي تضم المرآب وإلى البناية المجاورة وقال:

- أنا صاحب هاتين العمارتين. إذا فُقدتْ من سيارتك إبرة أنا مسؤول عنها.

قلت في نفسي "مادمتُ قد عقَلتُ ناقتي فلأتوكل" لقد كان انطباعي الأول عن الاسكندرية التي تمتدّ على الشاطئ امتداداً طويلاً أنها مدينة كبيرة متناقضة فيها الأحياء الراقية جداً وفيها الأحياء البائسة ودفعني الفضول أن أتعرف إليها عن كثب لكن لهيب الظهيرة جعلني أتناول غدائي في أقرب مطعم وأمضي إلى شقتي لأَقيل، وقد انضاف عبد السلام إلى أولئك الكثرة من الأحباب الذين أحسّ بحرارة الشوق إلى لقياهم، وانفرد عنهم أن هذه اللقيا مستحيلة. هبطت من الشقة فألفيتُ عند باب البناية عدداً من السكان رجالاً ونساء يحتفون بي. سألتني إحداهن:

- أنت لبناني؟

- لا سوري.

قالتْ أخرى:

- صعب التفريق بين السوري واللبناني.

لقد أبهجني هذا النفح من التَوادّ الاجتماعي، وهذه الطيبة في المصريين يجعلونك تتماهى فيهم وكأنك تعرفهم خلال سنوات طويلة. قمتُ بجولة استطلاعية على جانب من "كورنيش" الاسكندرية الجميل وجلستُ في إحدى المقاهي على الشاطئ الذي تتناثر على رماله الحسناوات بلباس البحر كما تتناثر اللآلئ، وأحسست أنني أتماهى في هذه الأجواء تلقائياً تماهي من لا يرى البحر إلا في المناسبات ولكن سرعان ما أرتدّ مرغماً إلى أن إقامتي عارضة وأن ثمة من ينتظرني في جيرود.

في الصباح ذهبتُ إلى الميناء وبعد أن حُملت سيارتي على الرافعة وأوشكتُ أن أدخل في بوابة الركاب رأيتُ رجلاً خليجياً على عينيه نظارات سوداء يسبّ المسؤول عن تخصيص أمكنة السيارات ويصرّ أن توضع سيارته في طبقة معينة، والمسؤول المصري يلاطفه ويعده بتلبية طلبه لكنني في الحقيقة سخطتُ على ذاك المصري الذي طأطأ برأسه وأحسستُ بالتعاطف معه، وحقدتُ على الخليجي وعلى ما يحيط نفسه من عنفوان وشموخ. استلمتُ غرفتي مع شريكين في مثل عمري أحدهما سوداني مهذب قال إنه يعملُ بحاراً سألتُه ماذا تفعل بالتحديد قال "إن عمل البحار غير محدود وهو ملزم أن يقوم بأي عمل يكلفه به الربان" والآخر عراقيّ يبدو أنه سطحي غير متوازن سرعان ما رفع الكلفة من تلقاء نفسه وراح يثرثر وكأننا مستمعون معجبون. صعدتُ إلى سطح الباخرة أودع الإسكندرية وقد امتدَّ شاطئها على مسافة استغرقت ما يقارب الساعة ثم نأت بنا الباخرة في عرض البحر حتى بدأت المدينة تتناهى في الصغر. أثناء العشاء دخلتُ المطعم فأشار لي القيِّم أن أجلس إلى طاولة يجلس حولها الخليجي نفسه مع العراقي واثنين آخرين. رجوته أن يغيّر لي المكان فاعتذر أن كل طاولة مخصصة لخمسة أشخاص. ألقيت تحية ناشفة وجلستُ بينهم أقاوم انزعاجي بيد أن الخليجي أزعجني أكثر عندما أخذ يسلِّط الأوامر المتعجرفة على النادل وعلمتُ أنه كويتي، وأن الشابين اللذين يرتديان لباساً عصرياً "كويتيان" سرعان ما غادرا الطاولة وبقيت مع "الشيخ" والعراقي الذي مافتئ يثرثر والشيخ يشيح عنه بقرف. وفوجئنا بشاب إنكليزي تقدم من "الشيخ" واندفع يتكلم بعصبية والشيخ يناقشه بطلاقة أذهلتني، ثم هزَّ رأسه مطمئناً فانصرف الإنكليزي. استدعى الشيخ الشابين وأخذ يوبخهما بصرامة مبتدئاً بالقول "لماذا تريدان أن تثبتا أننا نحن العرب متوحشون" وفهمتُ من الحوار أن الشاب الإنكيزي يحاول أن ينزوي بصديقته ليقبلها حتى لا يجرح مشاعر "العرب" المسافرين، وكلما انزوى بها تبعاه يضايقانه.

في الليل وقفتُ على سطح الباخرة أتمتع برؤية البحر الذي يلتحم مع الأرض من أربعة أركانها وأتمتع بهوائه الرطب المنعش ومازلتُ أستغرب حال هذا الشيخ الذي يتكلم الإنكليزية بطلاقة وكأنه واحدٌ من أهلها. وما إن تحركتُ على السطح حتى رأيتُ شاباً يرتدي ثياباً عصرية التقت عيناي بعينيه فابتسم لي وإذا به الشيخ نفسه. حيَّيته وسألته عن إتقانه اللغة الإنكليزية قال:

- أنا أقمت في إنكلترا سبع سنوات وحصلت على شهادة مهندس إلكتروني. وأعمل الآن في التلفزيون الكويتي.

- حسناً ولكن مامعنى موقفك المتناقض عندما تكلمت مع المسؤول في الميناء؟

- في رأيي أن بعض المصريين لايستجيبون إلا إذا كلمتهم من فوق.

عندما وصلتِ الباخرة إلى بيروت جلس مسؤولو الأمن إلى طاولة ومعهم جوازات السفر التي استلمها الأمن في القاهرة ينادون على صاحب الجواز ويعطونه جوازه فيخرج. لبثتُ أنتظر أن ينادوني والركاب يستلمون سياراتهم من رصيف الميناء ويغادرون ما عدا سيارتي التي بقيت وحدها مثلما بقيتُ وحدي فتقدمت من مسؤولي الأمن وسألتهم عن سبب إهمالي. سألني أحدهم:

- أنت سوري؟

- نعم، وهذه بطاقة هويتي.

قرأ البطاقة وسألني:

- لأية محافظة تتبع جيرود؟

- محافظة دمشق.

وسلمني جوازي بعد أن اطمأنّ فأخذتُ سيارتي وأنا أفكر في السبب فتذكرتُ أن فدائياً فسلطينياً اسمه "محمود بكر حجازي" قام بعملية جريئة أوقعت خسائر فادحة في الأراضي المحتلة، وأن سورية تعطي الفلسطينيين المقيمين فيها جوازات سفر سورية.

في مرتفعات عالية أحسستُ أن بيني وبين جيرود مسافة لا تزيد على الشبر، وأخذتُ أتخيّل فرح الأولاد بالسيارة والهدايا، وإذا بالسيارة يكاد نَفَسُها ينقطع وكأنها ستتوقف.

أصبتُ بارتباك وحيرة ففككتُ شموع الاحتراق "البواجي" ومسحتها على ضوء مصباح على تخوم أحد الأحياء، وعندما أعدتها إلى مكانها لم يدُر المحرك. حاولتُ وكررتُ المحاولة بلا جدوى، وإذا برجل يطلّ عليّ من أحد البيوت يحاول مساعدتي وعندما عرف أنني أضعتُ خيوط "البواجي" لامني وأشار عليّ أن أوقف تكسي وأعطيه بضع ليرات ليحضر لي ميكانيكي. وعندما أصبحت السيارة جاهزة انطلقتُ نحو الحدود اللبنانية السورية ورأيت آخر مركز تفتيش لبناني أضواؤه مطفأة والبوابة مفتوحة للمرور. أما على الحدود السورية فتجاوزتُ مركز الأمن وتوقفتُ عند مركز الجمرك، وتفاءلتُ عندما رأيتُ الضابط المناوب "عبد الحميد" أحد زملائي في الجامعة. قال لي عبد الحميد:

- يجب أن تنتظر حتى يأتي أمين الجمرك في الصباح.

- وأنت؟ ألستَ ضابطاً؟

- لستُ مخوَّلاً. اترك السيارة هنا وتفضل لتنام في غرفتي، إنها قريبة.

رفضتُ لا غضباً من عبد الحميد ولكن من هذه الأنظمة والقوانين التعيسة الجائرة، لو سُمحَ لي بالمرور لبلغتُ دمشق خلال أقلّ من ساعة. نمتُ في السيارة على حاشية الطريق فتركني عبد الحميد حائراً آسفاً. في الصباح أيقظني وقدم لي فطوراً وعندما جاء "الأمين" استسلمتُ للروتين صاغراً: إعداد أوراق وتوقيع معاملات وأخيراً كُلِّف أحد العاملين في المركز أن يرافقني ويسلِّمني إلى مديرية الجمارك. أحسستُ كأنني أسيرٌ في بلد عدوّ، وتعرفتُ إلى وجه قبيح آخر من وجوه بلدي التي لايساوي المواطن فيها فجلة.

في مديرية الجمارك رجعتُ إلى البداية؛ التفتيش والتوثيق: رقم المحرك، ورقم الهيكل، وأرقام مطاط العجلات بما فيها العجلة الاحتياط، ومنحوني مهلة شهرين إقامة ووقّعوني على تعهد أن أخرج السيارة من الحدود عند انقضائها وطلبوا مني أن أحضر كفيلاً معتمَداً. والكفيل المعتمد يجب أن يكون عضواً في غرفة التجارة أو الصناعة، وفهمتُ أنها عملية "شكلية" يأخذ منك الكفيل مبلغاً مقابل تعهده. ورحتُ أطوف على المكاتب كالمستلَب يتجه أينما وجهوه، وينفذ الأومر بصبر وصمت ولم أنجُ منهم حتى المساء فاندفعتُ إلى بوابة الآس إلى بيتٍ صغير يستأجره أخي وعندما طرقتُ الباب فتحتْ أمي فعانقتني بحرارة، وهرع إليّ أخي يعانقني فقلتُ مبادراً "تعبان وجوعان" وتركتُ السيارة في الطريق وما عاد يهمني أن ينتف اللصوصُ ريشها ريشة ريشة. وفيما أخذتْ أمي تعدّ طعاماً خاصاً لعشائي خرج أخي ثم عاد "مبهوراً" بالسيارة قال:

- جميلة رائعة. سأقودها.

- ولكنك لاتعرف قيادة السيارة.

- تعلَّمتُ وسأتعلم عليها أكثر.

وعندما رأتها أمي قالتْ "ماشاء الله" وبدا على عينيها ألق الانتصار. ونمتُ نوم المتعب اللاغب حتى الصباح. وفي الصباح انطلقتُ نحو جيرود.