الفصل 19

13 0 00

فتحتُ عينيّ لنور الصباح يحملق من النافذة فوجدتُ إلى جانب السرير فنجان قهوة مغطى بالصحن وبجانبه قطعة حلوى، احتسيتُ رشفة وأشعلتُ سيجارة وابتلعت ملء صدري من الدخان فعانيت من نوبة سعال صمدتُ لها وأطفأتها بجرعة أخرى كالمتَّقي من الرمضاء بالنار، وراحتْ حنجرة نادية الذهبية تنساب في أعماقي مع أغنية فيكي لياندروس(aprés toi je ne peux plus vivre) "من بعدك لاأستطيع أن اعيش" وأنا ماأزال حائراً في أمر نادية. ماتزال كلمة "سرّ" على عينيها الحزينتين تجلدني. حسناً: لو كانت نادية سيئة الطويّة لكان أحرى بها أن تستفزَّني بمهارة وحذق وتستغل تأجج الأحاسيس في لقائنا في بومرداس وتختار بمكر لحظة التأهُّب ونحن في عنفوان الرغبة والجموح متوثِّبان على شفا التهاوي في الالتحام كحصان وفرس جامحين وتبوح لي بسِرِّها فأستسلم في وقت يستحيل فيه التبصّر والتفكير في العواقب فأنساق بشجاعة إلى الرضى وبَذْلِ المواعيد دون حساب. ولكن هل كانت لديها فسحة في ذاك الوقت المحدود؟

هيّأتُ نفسي وتغاضيتُ عن رغدة التي وقفتْ قرب الباب منكسرة صامتة، والعتبُ يرقص على شفتيها يوشك أن يترجَم إلى كلام يحيك في صدرها، لكنني خرجت متغاضياً هارباً من وساوسي ضائعاً ممزقاً. دخلتُ المدرسة واندفعتُ إلى قاعة المدرسين وتعمَّدتُ أن أنفرد بمليكة في الزاوية سألتُها:

- مليكة هل تعرفين نادية جيداً؟

- ابنة حارتي ورفيقتي في المرحلة الابتدائية.

- هل تحفظين السرّ إذا وجهتُ لك سؤالاً خاصاً

- بكل تأكيد.

- هل كانت نادية مخطوبة؟

- لا أبداً.

بعد نهاية الدوام ذهبتُ إلى الحاجة وفي الطريق رأيتُ تلك العجوز الساخطة التي تتشاجرُ مع قدرها التعيس والتي هَبِلَتْ فاختلطتْ عندها التعاسة بمخزونات الذكريات واندفعتْ تضرب عدوّاً مفترضاً بعصاها والزبَّد يتجمع في شدقيها. ترجلتُ من السيارة ووقفتُ جانباً أرنو إليها وأشاركها بقلبي سخطها على الدنيا ومافيها "أليس من حقها أن يلتفّ أولادها وأحفادها حولها يطلبون رضاها، كبارهم يتأهبون لخدمتها فتأمر وتنهي، وتشاركُ الفَرِحَ فرحه والتعيس تعاسته، تناصر المظلوم فيهم وتدعو للمريض بالعافية؟" وصغارهم يحوِّمون حولها يزقون ويترعون قلبها فرحاً وطمأنينة، ومنهم من يغمس رأسه في صدرها باكياً يشكوها عَنّتَ أمه أو تكشيرة أبيه، فتثأر له توبخ الأم أوالأب فيختلج الصغير فَرِحاً وشماتة بريئة؟ وتدلِّلهم تعطيهم قطع الحلوى تخرجها من صدرها أو محفظتها وتمنحهم عطفها وقُبَلَها بلا حساب؟ وتغني لهم وتحكي لهم الحكايات فينامون في حِضْنِها كأنهم يحلقون فوق السحاب؟ وتفتح يديها مع صلاة الصبح، تبتهل إلى الله أن يرضى عنهم جميعاً ويوفِّقَهم. لقد مزَّقني سرُّ نادية وأيقنتُ أنه ضرب من الإخفاق جاء على صورة أخرى جديدة وتمزقتُ بينها وبين زينب ورغدة التي بعثتْ في قلبي الإشفاق وهي تعاقر الذل حتى تفوز مني بابتسامة رضا، جلستُ مع الحاجة نحتسي القهوة ويبدو أنها قرأتْ مايجول في خاطري، قالت:

- مالك ياوليدي؟

أطرقتُ أحسّ بالضياع. ثم رفعتُ رأسي وقلتُ بحماسة:

- اسمعي ايتها السيدة العظيمة. ألستِ أمي؟

- وأعزّ.

- أرجوكِ أن تسألي عن وضع نادية، عن أهلها، عن كلِّ شيء، عن وضعها الاجتماعي والأهم: هل كانت مخطوبة؟ ولمن؟. أريد الخبر اليقين اليوم.

- وزوجتك هذه الجديدة؟

- قلتُ لك كل شيء عنها.

- أنت تتسرع بقراراتك، وتوقع نفسك بنفسك. ألم أقل لك أبعد عن رأسك التفكير بجزائرية، وبيَّنتُ لك الأسباب؟

- إن كثرة من زملائنا السوريين يتزوجون جزائريات ويعيشون بسعادة وأمان. أرجوك دعيني من النصائح إنني أتمزق. هل تلبين طلبي أم لا؟

قالت مشفقة اليوم آتيك بالخبر اليقين "وتابعت مستسلمة "الزواج قسمة ونصيب".

عندما التقيتُ بدانييل سألتُه:

- ألا يهمكم أنتم الأوروبيين عندما تتزوجون أن تكون الزوجة عذراء؟

ضحك دانييل وقال:

- أيُّ أعمى قلب يتزوج امرأة قبل أن ينام معها مرات متعددة؟

- حسناً. ألا يشغله في المرة الأولى، في اللقاء الأول ألا تكون عذراء؟

- عندما ألتقي بفتاة ناضجة أي في سن الزواج وأرى أنها ماتزال عذراء يخطر لي أنها في الغالب ساذجة، أو تعاني من مرض فيزيولوجي أو نفسي.

وعندما رأى الدهشة على وجهي قال بحدة:

- عجيب أمركم أنتم العرب! تربطون الشرف والأخلاق ببكارة المرأة، بعضو في الإنسان هو الأشدّ قذارة؟

- هذه نقطة خلاف حادة بيننا. سؤال: أليس في هذا العضو الأشد قذارة ذروة المتعة الإنسانية المقدسة؟

- بلى.

- أوليس هو الذي يطلّ منه الإنسان إلى الحياة؟

- بلى.

- هل يمكن أن تكون المرأة من خلاله مباحة؟

- لاتباح إلا إذا كانت مومساً. المرأة السويّة يجب أن يكون لها صديق واحد، والرجل السويّ يجب أن تكون له صديقة واحدة.

- وإذا نتج عن ذلك حَبَلٌ؟

- ليس سوى المبادرة إلى الزواج.

- فإن لم يتمّ؟

- فالإجهاض.

- أوَليس الإجهاض قتل روح إنسانية؟

- لاشكَّ أنه أمر مكروه.

- وإذا لم يتمّ الإجهاض ووُلِد طفل؟

- لابدَّ من الزواج.

- وإذا أنكر الرجل ورفض الاعتراف وحَمْلَ المسؤولية؟

- تبحث المرأة عن رجل آخر يرضى بها وبابنها.

- فإن لم تجد؟

- ينسب الطفل إليها لأن هذا قدرها يجب أن ترضى به وتحمل مسؤوليته، ولأنها في الأساس تسرَّعَتْ وأساءتْ اختيار الشريك.

في الدورة المسائية رأيتُ نادية مندمجة في زميلاتها، وإذ أقبلتُ إلى القاعة تطلَّعتْ باتجاه الباب مُصعِّرةً خدَّها تضعُني في زاوية عينيها من خلال نظرة عامة والتحدي يلوح على سيمائها محفوفاً باعتدادٍ لاتَخْفى فيه المكابرة، لعلها أحسَّتْ أنني قررتُ الابتعاد عنها بسبب "سرِّها". إن المرأة قادرة أن تقرأك وتكشف خفاياك من عينيك.

عند نهاية الدرس تَنادى الزملاء لزيارة زميل عراقي "شوقي الألوسي" لتقديم التعازي بسبب وفاة أمه فكان هذا مسوِّغاً لعدم لقائي بنادية ودعوتي حسب العادة أن أوصلها إلى بيتها. فوجئ بنا "شوقي" وعددنا يزيد على العشرة واضطر أن يستعير بعض الكراسي من جيرانه، وجلسنا صامتين نستغرب لامبالاته بوفاة أمه، سألني زميل مصري يضع على عينيه نظارات سميكة هامساً:

- من هو المتوفّى؟

- يقولون أمه.

ففتح يديه وطلب من الجميع أن يقرأوا الفاتحة على روحها، وألقى خطبة يشيد بفضائلها ووفائها لزوجها، وحسن تربيتها لأولادها، وسأل الله أن يدخلها الجنة. وانهال عليه الجميع بعبارات التعزية. سألنا شوقي باستغراب:

- بمن تعزوني؟

- بأمك.

- أمي حية تُرزق.

كانت الملابسة أن زميلاً عراقياً قرأ في صفحة الوفيات بجريدة الثورة عن وفاة سيدة عراقية من آل الألوسي اسم ابنها "شوقي" فتبيَّن أنها امرأة أخرى وأن عدد الجريدة صادر قبل ستة أشهر، وأن آل الألوسي كثيرون جداً.

عدتُ إلى البيت فاستقبلتني رغدة بلهفة لا أجد فرقاً بينها وبين الشتيمة تسعى بإظهار مفاتنها الجسدية التي صارت عندي لطخات مجبولة بالغباء والكذب والخداع، تبذل ما في وسعها للتقرب مني بغباء معقود على تلقائية المكر وسألتني أسئلة لم أجب عنها:

- هل تشاجرتَ مع أحد؟

- هل أضع لك العشاء؟

- ألا تريد أن نذهب لنسهر عند أحد؟

فتغاضتْ عن كمودي وابتلعتْ استياءها وقد حقَّقت أحلامها بزوج عنده بيت وسيارة وله راتب كبير ولن تتخلى عن مكاسبها ولو بذلت حياتها من أجلها ولكنها من حيث لا تشعر ملأتْ قلبي بالإصرار على نادية. في الصباح تقدمتْ مني مليكة وسألتني هامسة:

- ماسرّ اهتمامك بنادية؟

- لاشيء.

وقرع الجرس فتوجهنا بين الجميع نحو قاعات الدروس، وعلى ملامح مليكة مايدلّ أنها لم تقنع بإجابتي. بعد الغداء ذهبتُ إلى الحاجة وركنت إلى جانبها أشاركها القهوة، قالت: "أبوها وأمها مطلقان وهي تعيش عند جدَّتها لأمها" وقالت "أبوها متزوج من غير أمها وقد رُزق بعدد من الأولاد وهو مهاجر في فرنسا يعمل في منطقة تولوز في تقليم الأشجار والدوالي ويجني من ذلك دخلاً وفيراً، وأمها متزوجة من غير أبيها وقد رُزقتْ هي الأخرى بعدد من الأولاد، وهاجرتْ مع زوجها إلى فرنسا وأقاما في باريس، زوج أمها يعمل خادماً في أحد المطاعم "

قلتُ بحرارة وضيق:

- أما سألتِ لي عما إذا كانت مخطوبة؟

- لا لا. لم تكن يوماً مخطوبة.

- متأكِّدة؟

- هذا ما أكده جيران أمها وأقاربها.

تركتُ الحاجة فجأة وخرجتُ أسوح وحيداً فرداً بسيارتي على طريق العاصمة، نادية أخطأتْ فصاغتْ حكاية تبرئ نفسها بها، وخطأ كهذا لايمكن أن يكون بيضة الديك لقد تكرَّرَ وسيتكرر، سألت نفسي "أَمَا كان أولى بها أن تصارحني بالحقيقة؟ "

عدت إلى البيت، فتحتُ الباب ودخلتُ بهدوء ولاحظتُ أن رغدة تراقبني خلسة من الظلام، قضيتُ ليلة كلها صراع مرير مع نفسي مرة أسخط على نادية وأحاول اقتلاعها من قلبي على أنها شيطان رجيم، ومرة أحسّ أنها نافلةٌ جيلَها وليستْ كغيرها من الفتيات، فأحسّ أنها متلاحمة مع أعماقي ولا أكاد أقدر على الخلاص منها وغدت علاقتي بها علاقة كمود، أراها ولاأراها، وأحسُّ أنها هي الأخرى تراني ولاتراني، وما إن توشك أن تتلاشى من ذاكرتي حتى تعود تلك الواحة الخضراء الخصيبة يوم رحلتنا إلى بومرداس تتجلى في كلِّ هدأة وركون، تملأ عيني بزخمها رغماً عني. وينساب صوتها الدافئ مباغتاً (aprés toi) يبعث فيَّ نشوة منعشة ويصوغ أحلاماً حريرية ويستلُّ من أعماقي اعترافاً أنها امرأة متميزة فأحسُّ أن الحكمة تختلط بالجبن والتخاذل. في اليوم التالي أحاول تركيز نظري إليها عسى أن أنساق إلى حلّ، فأكتشف أننا كلينا تحجرتْ مشاعرنا، وأراها تتقوقع على نفسها تسوِّف أيامها تسويفاً... فأسأل نفسي بحدة وضيق أتُراني نكأتُ جروحها؟ أتُراها هفتْ إليّ تستنجد بي من حفرة زلَّتْ قدمها وسقطتْ فيها فأعرضتُ عنها وخذلتُها؟ وشيئاً فشيئاً صارت المسافة تمتدّ بيننا وصار كل منا لا يكاد يرى الآخر إلا بحجم جرادة.

في مطلع شباط (فبراير) جاءتني رسالة من اتحاد الكتاب العرب بدمشق يبلغونني بالانضمام إلى الوفد السوري لحضور المؤتمر العام العاشر لاتحاد لأدباء والكتاب العرب في "قصر الصنوبر" في الجزائر العاصمة، وجاءتْ عطلة الشتاء وحان معها موعد إرسال رغدة إلى سورية. قلت لها مساء "هيئي أمتعتك سأوصلك غداً إلى المطار" بكت، شهقتْ، توسَّلتْ، بدتْ لي امرأة مبتذلة وأنا أحتقر النساء المبتذلات اللائي يسهل عليهن أن تُداس كرامتهن.

في الصباح حرصتُ على مغادرة الأصنام قبل موعد انطلاق الطائرة بوقت كافٍ حتى إذا تعطَّلت السيارة أستطيع تدبُّرَ أموري قبل فوات الأوان، وركنتْ رغدة إلى جانبي كامدة مستسلمة، وأنا أتمنى لو أقطع المسافة بلمح البصر هارباً من نفسي التي أوشكتْ أن تضعف حتى بدوتُ أحسّ أن التخلص منها خطأ لايقل عن خطأ القرار بزواجها فشدَدْتُ على أصابعي وسيطرتُ على نفسي أستنكر لحظات الضعف والتردّد التي تكاد تشوِّه حياتي كلها وتذكَّرتُ كلاماً كان يردِّده أبي لستُ أدري أين سمعه وهو أن الإمام علي بن أبي طالب تمنى لو كان عنقه بطول عنق الجمل حتى لا تخرج الكلمة من فمه إلا بعد أن يطيل التفكير فيها ويمحِّصها، رغم أن القرارات السريعة الحاسمة كانت إرثاً في عائلتنا وهي قد تحقِّق إنجازات هامة وحاسمة أو توقع في سقطات مؤلمة.

عندما دخلتُ في طريق المطار وانسابت السيارة بين الأشجار التي تحضن العابرين بصدرها الرحب تمنَّيْتُ لو كانت طريق المطار الجرداء في سورية كهذه الطريق أما رغدة فأخذت شهقاتها تتصاعد حتى صارت إلى نحيب متقطع وأخذت ترجف كالديك المذبوح فشقَّتْ في نفسي ثلماً بين الإشفاق والإصرار، ولم تيأس قالت وهي تترجل من السيارة كلمة واحدة "ارجوك" تجمع فيها كل ما في قلبها من ضراعة وخيبة وألم وأنا أتلهّف إلى رؤية الطيارة تتسلق بها أبراج السماء. لبثتُ مكاني حتى اختفتْ الطائرة وصارتْ رغدة شيئاً عابراً من ذكريات الماضي عندئذ تفجَّر في نفسي تأنيب الضمير موجعاً، وأوشك الندم أن يشدني من تلابيبي حتى خيِّل إلي أنني حكمتُ على رغدة بالإعدام وغدوتُ في حالة من الهياج النفسي تلاشتْ عندما التقيتُ في الفندق مع عادل أبو شنب ومحي الدين صبحي وخلدون الشمعة وخرجتُ بهم أريهم بسيارتي "كورنيش" الجزائر الساحر وعندما طلبوا مني أن أريهم "حي القصبة" ذكروني بأيامي الأولى في الجزائر فأوقفتُ السيارة في ساحة "بورسعيد" وقلتُ تفضلوا. ماذا يمكن أن يرى المرء في حيِّ القصبة سوى بيوت الدعارة وبعض مشاغل السلع اليدوية؟ أصيبوا بالذهول "من هنا انطلقتْ الثورة الجزائرية؟ هنا البيئة الروائية التي كتب عنها "محمد ديب" ثلاثيته الشهيرة. في اليوم التالي أقام الرئيس الجزائري الهواري بومدين حفل استقبال لأعضاء المؤتمر وزخرتْ الردهة الواسعة بالنقاشات الواضحة الصريحة يتنقّل فيها الأدباء بين بومدين، والبشير الإبراهيمي وزير الثقافة، وناجي علوش. أما الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري الذي يصنِّفه النقاد أنه آخر الشعراء العرب التقليديين الذي أعاد للشعر جزالته وزخمه فقد ترك الجميع وضم إلى شيخوخته العابثة وقبعته الشهيرة شاعرة شابة لما تتجاوز العشرين اسمها "أحلام مستغانمي" تلفّ حوله كما تلفّ فراشة حول شجرة هرمة، وكان الجميع ينظرون إلى الجواهري بازدراء لامن أجل أحلام مستغانمي وإنما لأنه باع "تقدميته وتاريخه النضالي" بمكافأة مجزية نالها من ملك المغرب الذي دبّج فيه قصيدة مديح عصماء، ورأيتُ في المؤتمر المفتش العام "حامد رابحية" الذي حضر لي حصة درسية في الأصنام فابتهج في لقائي وطلب أن أعرفه على الدكتور شكري فيصل، وأخيراً عرض عليّ أن يطلب من وزارة التربية السورية باسم وزارة التربية الجزائرية تمديد إعارتي في الجزائر فرحبتُ وشكرته ورأيتُ عرضه هدية عظيمة يقدمها لي فقد أحببتُ الجزائر حتى صارت تنازعني على حب سورية. واتخذتُ قراراً نهائياً أن أداهم نادية ساعة وصولي إلى الأصنام أطلب منها أن تصارحني بكل شيء وأعدها أنني لستُ معنياً بماضيها مهما كان "نحن أبناء اللحظة الراهنة" نتزوج ونعيش حياة فوق مستوى أحلام البشر، نزور ما نشتهي من أوروبا ثم آخذها لزيارة سورية. وعندما وصلتُ إلى الأصنام وأويتُ إلى بيتي وحيداً مفرداً أحسستُ في البداية أن لحظتي الراهنة غدت مفصلاً من مفاصل حياتي، مفصلاً له ذيول ذات حدين أولهما تقريع الذات: فماذنب غادة أن أتسرع بخطبتها وزواجها فأكتشف خطئي فألقي بها على قارعة الطريق؟ وما ذنبي أنا أريد أن أتزوج وأستقر وأبعد عن نفسي حياة الانفلات فلا أظفر بالمرأة المناسبة؟ إن الإنسان رجلاً أو امرأة لا يحقّق وجوده إلا في الآخر، الآخر المناسب، المكافئ، الذي يمتاز بإيجابيات تمحو مافيه من سلبيات على أن الكمال لله وحده، ومن سوى نادية؟

أمضيتُ ليلتي شبيهة بالهلوسة ومعي نادية أتحرق إلى تلك اللحظة، لحظة المواجهة والمصارحة لأنتفض بها من هذه التقلبات بين النجاح القليل والفشل الكثير وألتحم بها وتلتحم بي صريحين صافيين كعين الماء. في الصباح داهمتني مليكة قائلة:

- هل علمت؟

- بماذا؟

- نادية هاجرتْ إلى فرنسا.

- بهذه السرعة؟

- لها صديق في فرنسا اتصلت به وهاجرتْ

- كيف علمتِ بكل هذا؟

- من خالتها شريفة رفيقتي.

نفذت فيّ الطعنة سريعة كالسهم جعلتني أحس بالخواء، وأخذتْ مليكة تختلس النظر إلي بين الشماتة والعتاب. في المساء قالت لي شريفة بشيء من اللوم "أنت السبب" عدت إلى البيتِ وحيداً يبتلعني الفراغ ويغمغم فيّ. أنا السبب؟ أنا السبب، ولمحتُ من جديد عبارات الأولاد المكتوبة على الجدران، ورتع في مخيلتي أربعة غزلان تطاردهن الوحوش الكاسرة، أربعة "صيصان" إياد ومناع ورزام وبشر تضمهم زينب بجناحيها مثل "الرِّقة" تتحفّز بمنقادها لهرٍّ يتربّص بهم لتنقض عليه. إن هذا هو السبب الذي يَجُبُّ جميع الأسباب الأخرى، فكتبتُ رسالة لزينب تلتهب فيها العاطفة، وأرسلتُها في الصباح.

عاد لي الإحساس بالخلل في علاقاتي مع الآخرين وكأنني أعاني من مزاج مريض، فهويتُ إلى القاع فاشلاً يائساً، ثم انتفضتُ وتصالحتُ مع نفسي: إنني ناجح في عملي، وفي قراراتي السريعة الواثقة حول العمل منذ اليوم الأول وحتى الآن، فما سرُّ هذا التناقض؟ إنها تعاسة بلون خاص، لكن فشلي ليس إلا مع النساء لا لعلة شخصية فيّ ولكن لملابسات تخلط ظروف حياتي بالحظ، وأنا لا يعني لي الحظ سوى ماتعنيه المصادفات الطبيعية كأن يُفرض عليك أبوك وأمك ويوم ميلادك، والمصادفات المفاجئة كأن تصدمك سيارة جانحة على الطريق تكسر يدك أورجلك أو تودي بحياتك. وهل ثمة نفسير لقنبلة تتفجر وسط مجموعة من المقاتلين... تصيب شظاياها أحدهم بمقتل، وآخر بجرح عميق أوطفيف، وتعفي آخر تمر شظاياها من جانبه بسلام؟

وتلَّبسني فراغ ملء الكون وأنا كنجمة كليلة تدور حول نفسها فقدتْ توهُّجها، أمامي أربعة أشهر بنهاراتها ولياليها أقف في بدايتها كطير تغلغل الخردق في جناحيه، فأمعن فيها علني أحسّ بنهايتها التي تبدو أطول من أربع سنوات.

في البداية تمكنّت مني العزلة فابتعدتُ عن كل من أعرف وكأنني أصبتُ بما أصيب "أبو صبيح" مدرس لغة عربية سوري، انعزل في بيته لايخالط أحداً وبخاصة السوريين والفلسطينيين، والسبب أنه كان يقف دائماً أمام المرآة معجباً بنفسه يتوق إلى علاقة غرامية رغم أنه أب لسبعة أولاد يعيشون معه في الأصنام. اتفق عدد من زملائه أن يكتبوا له رسالة غرامية باسم "مُحِبّة صادقة" ووضع يوسف وهو فلسطيني "سوري" أحمر الشفاه على شفتيه وطبعها على الرسالة وبعثوها إلى عنوانه في الثانوية وحددوا له موعداً للقاء في مكان معيّن بمحطة القطار، وقبل أن يحين الموعد تسللوا إلى المحطة وتواروا داخلها حتى جاء وأخذ يتمشى في انتظار "المحبة الصادقة" وقبل أن يضجر تحلَّقوا حوله يسخرون منه وبخاصة يوسف الذي كان أكثرهم تهكُّماً فتشاجر معه. كان يوسف مستهتراً لامبالياً، وكان مروان أحد المدرسين السوريين وعمره فوق الخامسة والثلاثين قد تزوج خلال العطلة من فتاة عمرها في حدود السادسة عشرة، وكان شديد الغيرة عليها، وهنا تتعدد الروايات بعضهم يقول إن يوسف كان يتحرَّش بها، وبعضهم يقول بل بنى علاقة معها. لكن الأهم أن مروان تسلَّل إلى بيت يوسف وانفرد به وطعنه بالسكين طعنات عديدة فأرداه قتيلاً. وعندما أخذت الشرطة الجنائية تحقِّقُ مع المشتبه بهم كان على القائمة أبو صبيح، وظلَّ يتعرّض للأسئلة، وظلوا يراقبون تحركاته حتى تم اكتشاف القاتل الحقيقي فاهتزَّتْ شخصية أبو صبيح وهو أعجز من أن يقتل فأراً فاعتزل في بيته بين زوجته وأولاده.

عندما استلمتُ مهمة رئيس البعثة التعليمية السورية في الولاية رُوِيتْ لي حكاية أبو صبيح وحكاية انعزاله فذهبت لزيارته مع عدد من الزملاء لنخلِّصه من هذه العزلة وندمجه بنا، وقد سهّل مهمتنا أن جميع الذين تآمروا عليه انتهت إعارتهم وعادوا إلى سورية أما الذي رواها لنا فقد عاصرها ولم يشارك بها. طرقنا الباب فتفاجأ بنا وأدخلنا بشيء من الارتباك وقدم لنا عدداً من المجلات والصحف وجلس جانباً. سألته "هل عملتَ في بداية حياتك عند الحلاق؟" قال بدهشة "نعم ولكن كيف عرفتْ؟" قلت "لأن الحلاق وحده يقدم لزبائنه الصحف حتى لا يملّوا الانتظار" وراح كلٌّ منهم يتحدَّثُ عن بدايات حياته الصعبة، وكيف كان مضطراً أن يجمع بين العمل والدراسة حتى أنهى دراسته الجامعية. فاندمج "أبوصبيح" بنا وصار يتبادل معنا الزيارات.

كان انعزالي هذه المرة قهريّاً حتى "بو مرداس" التي تعوَّدتُ أن تكون منفرجاً لي لم يعد لها بعد زواج سعيد طعمٌ يُشتهى. زرته مرة واحدة فاستقبلتني "حورية" الفتاة الفلاحة الطيبة الكريمة التي تركتْ الدراسة بعد حصولها على الابتدائية ولم تغادر "القطيفة" طوال حياتها حتى تزوجها وجاء بها إلى هنا ومايزال مبهوراً بها قلتُ له:

- تبدو لي كأنك تخشى أن تطير حورية من بين يديك.

- ولمَ لا؟ هذه الطفلة الخام ردَّتْني بعفويتها إلى الطفولة وأعادت صياغة حياتي.

لم يستطع الفراغ أن يجعل حبُّ الجزائر يخبو في قلبي، قلتُ في نفسي لماذا لا أرى وجهاً آخر من وجوهها لايمتُّ بعلاقة إلى النساء؟ وأول ماخطر لي مشروع الألف قرية التي وضع خطتها "بومدين" فذهبتُ إلى إحداها مع زميل جزائري: قرية حديثة بيوتها التي سُلِّمتْ للفلاحين جميلة وأنيقة مجهَّزة بكل ما تحتاج إليه الأسرة من مفروشات وأدوات لإعداد الطعام، مرافقها كاملة وفيها مسرح، ودار للسينما، ومركز ثقافي وناد رياضي، إنها خطوة حضارية تتجسد أمام العيون.

في الأسبوع التالي دعاني أحد طلابي إلى قريته المجاورة ذهبنا في الصباح فاستقبلني أهله بحفاوة وأمضينا النهار بطوله والطاولة أمامنا لاتخلو من الضيافة بأنواع الطعام وخبز القمح البيتي والكُسكُسي بالعسل والعنب والحلويات البيتية.

ذات يوم دعاني "بوزيان" صديق من جبهة التحرير أمضى دراسته الجامعية معنا في سورية وطلب مني أن آخذ طلابي إلى المركز الثقافي للتصدي إلى "داعية إسلامي" عاد للتوّ من أمريكا يحمل شهادة الدكتوراة بالتاريخ مع مجموعة انتشروا في المراكز الثقافية في جميع الولايات الجزائرية. جلس الداعية وراء المنبر بجسمه النحيل أنيقاً معتداً بنفسه واندفع بلسانه الطليق يحارب الفسق والتردي الاجتماعي وما آلت إليه الجزائر من فساد ومصائب وويلات حتى غدا أهلها على شفا حفرة من النار فصار واجباً عليه أن ينبّههم من غفوتهم، ويذكرهم بالأمم الأخرى الراقية المتحضِّرة التي تفوَّقتْ عليهم بسائر مناحي الحياة لأنهم باعوا دينهم للشيطان، وأخذ ينير لهم طريق الحقِّ والهداية، ويذكرهم بسيرة الرسول (ص) والسلف الصالح وبخاصة العهد الراشدي، وانفعل واحتدّ وجلجل بصوته كأنه في معركة ضارية ثم أخذ يرقِّق صوته حتى بكى ومسح دموعه... ثم قال لاهثاً "اللهم فاشهد إنني بلغت" وكررها ثلاثاً، بدا كممثل مسرحي بارع مدَّربٍ تدريباً متقناً على اللعب بالعواطف، كانت هذه المحاضرات إرهاصاً لمظاهرات صاخبة تفجَّرتْ في الجامعة الجزائرية واستطالتْ إلى أماكن أخرى يذكيها بعض رجال الدين فقمعها الهواري بومدين بقوة وحزم، وألقى خطاباً للشعب الجزائري يحارب فيه رجال الدين الذين قال عنهم إن واحدهم لايكاد يعرف أكثر من قراءة "الفاتحة" فينصِّب نفسه ولياً على الناس، وندَّد بالأصابع الطامعة التي تتحرك بالخفاء وتخلط الدين بالسياسة، والحقيقة أن الجزائر تعوم على بحور من الخيرات، وهي غنية بالإنتاج الزراعي المتنوع، وغنية بالبترول والغاز والمعادن.

ذات يوم عُرضت في إحدى دور السينما في الأصنام مسرحية "حرب الألفي سنة" للكاتب المسرحي المعروف "كاتب ياسين" حضرتُها وكم أدهشني أن عدد الحضور أقلّ من عدد الممثلين وجوقات الغناء والرقص المشاركين فيها. ظننتُ في البداية أن المسرحية لن تعرض، لكنها عُرضتْ بجدية وحماسة، وأذكر أنني صفَّقتُ وحدي بحرارة لأحد المشاهد الذي أثار إعجابي الشديد فانحنى الممثلون لي.

وعاد الفراغ يدبّ دبيباً ثانية بثانية ودقيقة بدقيقة في زمن بطيء ثقيل على النفس حتى هبط عليَّ سالم أبو عساف، تعرَّفتُ إلى سالم مصادفة في السنة الأولى عندما كنت أقيم في فندق النصر وهو معلم بمدرسة في إحدى قرى ولاية الأصنام جاء إلى الجزائر بعد الاستقلال مباشرة "خارج إطار الإعارة" مع عدد من حملة الشهادة الثانوية مثل سعيد تماماً سالم شاب مهذب سلس المعشر وكأيٍّ من الدروز يتميَّز بالكرم التلقائي فاجأني اليوم بزيارة حرَّكتْ الركود في حياتي وألحّ عليَّ أن أزوره في عطلة نهاية الأسبوع فاتجهتُ إلى قريته المشهورة بطيب هوائها وحماماتها المعدنية تبعد عن الأصنام ستين كيلومتراً ثلاثون منها طريقها مستقيم يصعد ببطء وثلاثون لولبي يستمر في الصعود إلى القرية على إحدى قمم جبال "الوارس نيس" وترى الغابات على ذرا الروابي والمرتفعات، والبحيرات في الأودية والقيعان مناظر تصغر في العين شيئاً فشيئاً مع الصعود لكنها تكبر وتكبر حتى تترع فراغ القلب كما يترع العسل الصافي كأساً من البللور.

في العامين الماضيين جئت بزينب والأولاد أكثر من مرة يتمتعون بروعة الطريق وأستأجرت لهم مقصورة خاصة في الحمامات يسبحون فيها وبلعبون.

زرت سالم هذه المرة وتحدرنا ستين كيلومتراً على السفح المقابل لمدينة صغيرة تتميّز من المدن الجزائرية الأخرى بتنوع نشاطاتها الثقافية والرياضية والسياحية نمارسها كلها كمن يتناول وجبات شهية يتمتع بها جميعاً كامل المتعة والمرأة فيها دائماً باقة الورد الفواحة. تعرفنا إلى صديقتين نجلس معهما جلسات سمر تجعلنا ننقطع عن العالم كمن يسبح في مقطورة فضائية، كلتاهما سمراء متألِّقة بيد أن إحداهما حادة السمرة ممن يندر أن يرى المرء مثيلاً لسمرتها في سورية فوجدت نفسي من حيث أدري ولا أدري مشدوداً إلى لفتاتها الرشيقة كلفتات مهرة دهماء وإلى سيمائها المنمنمة ولسانها الذي يسيل منه الكلام كنسغ الورود. رأيتها للوهلة الأولى تبادلني الإعجاب بالإعجاب في مشاعر هادئة كأنها حياد إيجابي في الجزائر لايستعملون باللغة العامية كلمة "سمراء" فإن كانت الفتاة فاتحة السمرة يقال لها "كحلا" وهي كلمة جميلة ومعبرة، وإن كانت شديدة السمرة يقال لها "زرقا" في اللقاء الأول قلت ابتغاء مغازلتها: أنت "زرقاء" وإذا بها تنجذب غاضبة إنها عقدة "الفتاة العربية" التي ترى نموذج الجمال في الوجه الأبيض والشعر الأشقر والعيون الملونة أي أن كلمتي وضعتها في النقيض. ولولا تدخل سالم وصديقته يخاطبانها بالخليط من العربية والفرنسية ويسوغان لها موقفي بأنني لا أتقن اللهجة الجزائرية لماتت تلك العلاقة في مهدها.

أصبحت أصعد إلى سالم كل أسبوع وأتحدّر معه إلى تلك المدينة ومع مرور الأيام أخذتْ تتحول زيارتي إلى عادة لكنها عادة لابديل لها، أنتظرها كطير يفرد جناحيه متأهِّباً للطيران.

في آخر زيارة وقد أوشكتُ على الرحيل من الجزائر غادرتُ سالم مع الغروب فحاول أن يؤخرني حتى الصباح وحذرني من وحشة الطريق الذي يتراكم فيه الضباب والوحوش الضارية وقُطاع الطرق لكنني لم أتراجع عن موقفي الذي تتلاطم فيه المتناقضات الفرح بقرب العودة إلى الأهل، والانقباض لمغادرة الجزائر والانقطاع عن هذه الزيارات الأسبوعية فعظُم فيَّ الشعور بالتحدي وكأن سيارتي أصبحتْ قلعة حصينة. وعندما بدأت بالتحدر في تلك المنعطفات اللولبية أطبق علي الضباب والظلام والوحشة وانسدّتِ الرؤية في عيني فأحسستُ كأنني صرتُ حصاة صغيرة في قبضة السكون الساحق الصارم تنبض فيها "حلاوة الروح" وغدا صوت محرك سيارتي هديراً. ووجب عليّ أن أطلق أحاسيسي وأفتح عيني إلى أقصاهما لأتمكن من تلمِّس الطريق متراً متراً بالإطلال من نافذة السيارة والسير بسرعة خطوات من يمشي على قدميه لأن الخروج عن الطريق يعني أن أصير إلى كرة صغيرة تهوي إلى الوديان السحيقة تتقاذفها الصخور.

تمنّيتُ لو أرى إنساناً في هذا الفضاء العدمي المنغلق وعندما لاح لي رجل وأشار لي بيده أن آخذه بطريقي انتصب الشعر في رأسي والتوجّس من أن يكون قاطع الطريق، فتذكرتُ بيتاً للشاعر عمرو بن أحمر الباهلي من مخضرمي الجاهلية والإسلام يقول:

وامتزجت الملائكة بالشياطين لحظات جفّ حلقي من لذع مرارتها حتى حسبت أنها نهاية العالم، وفجأة وجدت نفسي مصبوباً في تلك الطريق المستقيمة وانقشع الضباب ومخر مصباح سيارتي ركام الظلام وأصبحت الأصنام كأنها عشيقة تنتظرني لاهفة في غلالة شفافة.

ومع اقتراب موعد انتهاء الإعارة والعودة إلى الوطن بدأت محاسبة النفس محاسبة هادئة. صحيح أنني خسرتُ نادية، وتحول طيفها إلى حسرة حارقة، وأنها لجأتْ إليّ فخذلتُها وحفزتُها أن تهاجر إلى فرنسا لكن القطيعة لم تنبنِ على شكوك بحقيقة علاقاتها مع خطيب مزعوم وحسب، لقد طلبتْ مني في أول زيارة إلى بومرداس "مئة دينار" بحجة أنها تريد شراء (بنطال) ولا تحمل نقوداً. وكرَّرتِ الطلب في المرة الثانية (مئتي دينار) فبدأ الشك في أمرها يساورني، لكن طلبها في المرة الثالثة (ثلاثمائة دينار) ثبَّتَ كل هواجسي، وثبَّتَ ضرورة عودتي إلى حياتي الزوجية وإعادة بنائها بصفاء نية. لقد شعرت أن كل ماأقوم به طيش بطيش، وماعليّ إلا أن أعطي زينب فرصة أخيرة حفاظاً على الأولاد وأنا أعاني الآن من حرقة الشوق.

عندما عرض عليّ المفتش العام حامد روابحية في قصر الصنوبر أثناء مؤتمرالأدباء وقد غدا صديقاً حميماً أن يسعى لتمديد إعارتي ورغم أن السعادة غمرتني وضعتُ احتمالين: الأول - أن يتحقق المشروع فأحضر الأولاد وأمهم إلى الجزائر ولعلي سأدفن في الأصنام كل خيباتي وأختار مدينة أخرى غيرها. والثاني - أن يفشل المشروع ويتصدع الحلم وينهار لأنني لا أثق بموافقة وزارة التربية السورية فامتطيتُ سيارتي لآخر مرة أشعر بالخيبة واتجهتُ لأبيعها في مقبرة السيارات (الفاراي) مددتُ أصابعي أتلمَّس ساعد المقود أودِّعها ذاك الوداع المرّ مرارة الهزيمة. وطفقتُ أشتري الهدايا وأجمع أمتعتي أفعل ماتفعله الطائرة المقاتلة لتتخفَّف من وزنها فأحرقتُ كل مالديّ من أوراق ومسودات ماعدا مخطوطة روايتي "العنكبوت" التي كتبتها خلال العامين الفائتين وغدتْ جاهزة لأقدمها إلى اتحاد الكتاب العرب بدمشق.

ودَّعتُ الحاجة والزبير وانخرطت في المدرسة بالزملاء يموجون مبتهجين بحلول العطلة الصيفية دائبين بين باحات المدرسة وقاعاتها كلّ يودع الآخرين. ووقفت مليكة في زاوية القاعة تتصبب عليها لواعج الأسى والخيبة، ولمحتُ في مؤقها دمعات تتلألأ وكأنها ضرام نار انطلقتْ من قلبها إلى قلبي.

أدرتُ ظهري ثم استجمعت قواي لأودَّعها ففوجئتُ بها تغادر القاعة متهادية كأنها تنساق إلى مصير مشؤوم. كان هذا استفزازاً جعل مشاعري تتأجَّج بالمرارة والأسف على أربع سنوات غدت ساعات لاهبة مع اقتراب موعد الطيارة.

قبل مغادرتي الأصنام استلمتُ رسالة من الأستاذ روابحية يطلب مني مقابلته بوزارة التربية في الجزائر العاصمة فزوَّدني بنسخة من كتاب وزارة التربية الجزائرية إلى وزارة التربية السورية لأتابعه باليد، وعندما أقلعت بي الطائرة من مطار الجزائر تهدر في الأعالي انتابني شعور مَنْ بُتِر عضو من أعضاء جسمه، فتشبَّثتُ بخيط أمل واهٍ هو تمديد الإعارة.

وعدتُ بالهدايا ومعظمها للأولاد الذين ملأوا عيني ببناء جسومهم ورشاقتهم وفرحهتم بعودتي يضمونني ويلجأون برؤوسهم إلى صدري: إياد زاد على الثانية عشرة، ومناع على التاسعة ورزام على السادسة وبشر على الثالثة. التصقوا بي كأنهم أجنحتي التي أوشك أن أطير بها، ونعمتُ خلال الأيام الأولى بجوِّ عائليٍّ احتضنني بلهفة ومحبة وزيارة الأصدقاء للسلام عليّ.

كان أول ما بادرت به مراجعة وزارة التربية من أجل تمديد الإعارة ففوجئتُ بالرفض، وبأنني ملزم بالعودة إلى مديرية تربية الحسكة التي أعرتُ منها. إنها خيبة قاصمة للظهر قابلتها بتقديم طلب استقالة فأجبت بأن الاستقالة ممنوعة أي أنني حوصرتُ في الزاوية الضيقة. فعوّلتُ على مقابلة الوزير الدكتور شاكر الفحام وكان أستاذنا في الجامعة وكان بيننا مودة. وافق الدكتور على مقابلتي بعد انتظار قصير ورحّب بي فتفاءلت، لكنه فاجأني بأنه لايمكلك الصلاحية في تمديد الإعارة ولا في قبول الاستقالة. امتلأتُ باليأس فطلبتُ منه أيسر الممكن أن ينقلني إلى محافظة دمشق وقد نُقل جميع زملائي الذين عُيِّنوا معي فقال لي من قبيل المواساة فيما يبدو"الآن لا أستطيع. التحق بعملك وسأحاول نقلك بعد حوالي الشهرين" وذهبتُ إلى اتحاد الكتاب وقدمتُ مخطوطة الرواية واستلمتُ من الديوان إيصالاً باستلامها حالماً برؤيتها مطبوعة بغلاف جذاب، وبالأوساط الأدبية تحتفي بها ولقد كان ذاك الحلم تعويضاً عن كل الخيبات التي مزَّقتني تمزيقاً. منها حصيلتي من سنوات الإعارة الأربعة التي لم تكن بسبب اضطراب حياتي الزوجية سوى الذكريات المثيرة بحلاوتها ومرارتها، والنزر اليسير من "النقود" وكانت نقطة المواساة الوحيدة إنشاءُ "الجمعية السكنية" لاتحاد الكتاب في إطار ثلاث عشرة جمعية للنقابات المهنية التي فوجئتُ بها وكأنها ضربة حظّ فسارعتُ إلى التسجيل لأنها كانت الأمل الوحيد في الحصول على "شقة".

وكان من أبرز الأحداث في هذه العطلة الخلاص من رغدة. وبعد تهالك منها أن تظل زوجتي، أسكنها في أي مكان زوجة ثانية أتردد عليها متى شئت، وبعد أن حاول القاضي الشرعي تأجيل المخالعة أسبوعاً على الأقل لمراجعة النفس عندما رآها تجهش بالبكاء تمسّكت بموقفي بكل إصرار، وتنازلتُ لها عن كل شيء وتمت المخالعة ومضى كلٌّ إلى حال سبيله.

صارت الكوابيس منذئذٍ تتسلط عليّ بين فترة وأخرى أرى نفسي في الرؤيا متورطاً بقتل إنسان موشكاً أن أساق إلى حبل المشنقة فأصحو من النوم وصدري مطبق على أنفاسي. كانت حساسية مفرطة ومصارعة مع الضمير شرسة حتى انتفضتُ على نفسي وتساءلتُ "وأخيراً أَأُداوي جروح الآخرين، وأنتشلهم من كساد حياتهم وأترك نفسي مثخناً بالجراح؟ أما آن لي أن أعيش حياة مستقرة؟

بدأ العام الدراسي 1975- 1976 فشدَدتُ الرحال إلى الحسكة مزمعاً أن أراجع مديرية التربية في الصباح لأستلم "نصاباً" في أية ثانوية فيها. في المساء دخلتُ نادي المعلمين فلم أجد وجهاً أعرفه فانزويت بإحدى الطاولات وحيداً وكأنني موجة موغلة في بحر لانهاية له، وإذا بيد تربت على كتفي انجذبت ففوجئتُ بدنحو يتهلل مبتسماً، تعانقنا بحرارة وجلسنا نشرب القهوة. قال دنحو بثقة وإصرار:

- كنت مديراً لأكبر ثانوية ولايجوز بحال من الأحوال أن ترجع لتكون مدرساً عادياً.

- وزير التربية وعدني أن ينقلني إلى دمشق خلال شهرين.

- هذا تسويف أو مجاملة سمِّها ماشئت. ستقضي عاماً دراسياً كاملاً هنا وتنقل عند صدور التشكيلات في الأشهر الأولى من العام الدراسي القادم.

إنها أربع سنوات انطوتْ وقد تبدل فيها كل شيء، بالأمس دعاني دنحو ودعا عدداً من الزملاء المعارين والذين انتهت خدمتهم في محافظة الجزيرة إلى عشاء وداع. تركته مديراً لإعدادية الطلائع وهو الآن رئيساً لمكتب التربية الفرعي، وعبد القادر صار مديراً للتربية وأحمد زميل الدراسة الجامعية صار محافظاً للحسكة.

استلمتُ إدارة إعدادية زكي الأرسوزي، واستأجرتُ غرفتين مع الجيران في بيت متواضع في حي "قدور بك" الشعبي، وأحضرتُ زينب والأولاد على أمل أن أجد بيتاً أفضل وهكذا عدتُ إلى نقطة الصفر في حصيلة حياة الأسرة التي التأمت أخيراً وفي حصيلة الوظيفة والمناصب والمراتب كما هي الحال في حصيلة جني المال، لكن حصيلتي في عدد التجارب بحلوها ومرها كانت الأغنى وصارت ذكريات.

ومن طرائف تلك المرحلة أننا أنذرنا الطلاب أن من لا يحلق شعره سنشوهه وحددنا صباح السبت مهلة أخيرة. كان إياد في الصف الثامن في المدرسة نفسها وكان شعره بحاجة إلى حلاقة ولم يكن في الحيّ حلاق لائق فتشاغلتُ عن أخذه إلى حيِّ آخر. وعندما اصطف الطلاب في الصباح وحمل ملكي مدرّب الفتوة آلة الحلاقة لتشويه شعر المخالفين هرع إليّ وقال لي هامساً لاهفاً وأنا أشرف على العملية من بعيد:

- إياد شعره طويل.

- إبدأ به.

نظر إلي مستغرباً فأكدتُ قائلاً "هيا، افعل ما أقول لك" وعندما قصّ ملكي خصلة من شعر إياد كما فعل بالآخرين أخرس أية عملية تمرد أو اعتراض، وأخرس أصحاب الواسطات الذين وضع أبناؤهم بحسب القرعة في شعب اللغة الفرنسية وكانوا يمارسون الضغوط لنقلهم إلى شعب اللغة الإنكليزية.

ومن طرائفها أن المدير السابق الذي نقل مدرساً إلى ثانوية أخرى بسبب فشله في الإدارة كان يزورني يومياً ليبصرني بالمدرسين والموجهين ويحذرني منهم "فلان ثعلب" "فلان شرس" ويقدم لي النصائح ويقترح عليّ كيف أعاملهم، ويحاول التدخل في شؤون العمل. سكتُّ أول مرة وثاني مرة وعندما أخذ يلحّ قلت له محتداً " تنصحني وأنت نقلتَ لأنك فشلتَ في الإدارة؟ اجلس صامتاً أو أرجوك أن تكفّ عن زيارتي "

ومن طرائفها أن آذناً قزماً معوقاً كان يجلس على باب غرفتي ويقحم عينيه في كل شاردة وواردة فاستدعيته وسألته:

- ماذا تعمل أنت؟

- أنا آذن المدير الخاص.

- وأنا لا أريد آذنا خاصاً. إذهب واعمل مع الآخرين.

- لكنني مكلف بالمراقبة.

- أية مراقبة؟ ومن كلفك؟

- الرفاق.

قلتُ له منتهراً غاضباً:

- أيّ رفاق؟ انصرف من هنا.

- انتبه أنا ورائي ثمانية أعضاء عاملين.

- بلغهم تحياتي واذهب لتعمل مع الآخرين.

- أنا لا أبدل عملي.

- اسمع ياهذا. لو كنت رجلاً صحيحاً لصفعتك على وجهك كسرتُ أنفك هيا انصرف من وجهي.

فعاد وجلس على الكرسي جلسة متحدياً. اتصلت بمدير التربية وطلبت نقله حالاً بدون بديل فوافق وقال "بلِّغْه" وحدد مدرسة أخرى. طلبت من الموجه أن يبلغه وإذا به يدخل قائلاً "أنت تؤذي نفسك بهذه الأفعال. وسترى"

ومن طرائفها أن عدداً من الزملاء جاؤوا لزيارتي يوم العيد وكان إياد يحضّر الضيافة قلت معرّفاً "ابني إياد" فقال مدرس الرياضيات مستغرباً:

- ابنك؟ لماذا لم توصني به؟

- هل كان بحاجة إلى توصية؟

- لا أبداً إنه أفضل طالب بالرياضيات في الصف.

بعد أسابيع خطوتُ بل سُيِّرتُ إلى خطوة أخرى في مجال العمل بقدر محتوم، فقد تم القبض على مدير ثانوية عربستان - بتهمة سياسية - وهي من الثانويات الكبرى فأسند المنصب إليّ. لم أكن أعرف الرجل لأنه عيِّن مدرساً ثم مديراً بعد سفري إلى الجزائر، بيد أن شعوري كان شعور من يغتصب حقوق الآخرين ويحس بتأنيب الضمير حيال أمر لاناقة له فيه ولاجمل. وفي مجال السكن استأجرتُ غرفتين في بيت أم جورج القريب من الثانوية.

ومن طرائف تلك المرحلة أن طالباً في الصف الثالث الثانوي من أحفاد "ادهام الهادي" أبرز شيوخ الجزيرة "شمَّر" و"الجبور" والذي يقال إنه استضاف في قصره جمال عبد الناصر عندما زار الجزيرة اصطدم مع مدرس الفلسفة سعيد فاستدعى سعيد الموجه وكلاهما من أبناء القامشلي، تلاسن الموجه مع الطالب وطلب منه أن يذهب إلى الإدارة فرفض. جاءني الموجه وقال لي بوجه تطفر عليه حمرة الارتباك.

- أرجوك تصرف.

- قل له يريدك المدير حالاً.

ودخل الطالب غرفتي متّقداً والموجه يركن قرب الباب. قلت له بصرامة:

- اذهب ولا تعد إلا ومعك وليُّك.

- أبي متوفَّى.

- عمك خالك. انصرف ولا تجادلني.

وبعد أن انصرف الطالب دخل غرفتي المدرس والموجه مرعوبين:

- ياأستاذ هذا ولد شرس مؤذٍ.

- ماذا كنتما تتوقعان أن أفعل غير هذا؟

ولم يجرؤ أحدهما على مغادرة المدرسة حتى جاءني رجل يبدو أنه من شيوخ البدو الذين غربتْ شمسهم لكنها ماتزال تسطع في قلوبهم، وقف في الباب وقال بصرامة "انتسب" قدمتُ له نفسي بالشكل الرسمي، فلم يعجبه ذلك، وقال من جديد:

- انتسب.

- أنا ابن حواء وآدم.

- انتسب.

هنا فهمتُ أنه لن يدخل إلا من باب عالٍ. وبغاية حلّ المشكلة، ومخاطبة الناس على قدر عقولهم انتسبت انتساباً لم أكذب فيه فقد كان موثقاً في شجرة العائلة التي ترجع بنا إلى الجد الأول "أبو بكر الصديق" ورغم أنني لم أكن مقتنعاً به قلت مواجهاً باعتداد:

- أبي من "هزيم من قريش" وأمي من "عنزة"

- الآن أدخل.

صافحني وجلس. وسألني عن الموضوع فبيَّنتُ له أن ابنه أساء لمعلمه ومن يسئ إلى معلمه كمن يسيء إلى أبيه وأخيه الأكبر. قال بحرقة:

- هو ابن أخي. أبوه متوفى.

وطلب استدعاءه واستدعاء الموجه. دخل الطالب محتشماً والموجه مرتبكاً. قال الشيخ لابن أخيه "حبَّه" تلكأ الطالب فكرر بحزم وانفعال "حبه" فقبل الطالب جبين الموجه، وحُلَّتِ المشكلة.

اطمأنّ الشيخ لصحبتي وراح يندِّد بالاشتراكية وقال لي إن الدولة عندما طبَّقتْ الإصلاح الزراعي وزعوا أراضيه على الفلاحين فقبع كلٌّ في خيمته مع أسرته وجاء يوم العيد وكانت أهازيج الفلاحين على مقربة منه تحيّي الثورة وتسبّ الاقطاع والاقطاعيين فطلب منه ابنه الوحيد "عيدية" قال: "ولم يكن في جيبي سوى بضع ليرات أعطيته شيئاً منها فقال لي: صحيح أنك إقطاعي ظالم. قال "بصقتُ عليه وأخرجتُ مسدسي وهيّأته فهرب مني. أطلقتُ النار عليه وانكببتُ على وجهي أحسّ أنني خسرتُ الدنيا بحالها أموالي وثروتي حتى ابني الوحيد. لكن إرادة الله شاءتْ أن تنفذ بعض رصاصاتي من جوانب معطفه دون أن تصيبه".

لو كان للإنسان وجه واحد لكان للحياة طعم واحد لا حلوٌ ولا مرّ وما غنى الحياة إلا وجوهها وطعومها المتعددة وورودها وأشواكها ووجهات النظر المتضاربة. إن نفس الإنسان عميقة واسعة سعة ما في الجبال من مفاوز وولوجك فيها كالتائه في تلك المفاوز. لقد اكتشفوا ذرا الجبال وأعماق البحار ولكنهم لم يستطيعوا اكتشاف النفس الإنسانية.

وجاءت نقلة أخرى على سلّمٍ لا أدري أنا صاعد فيه أم هابط. إن ثانوية "القادسية" هي ثانوية البنات الوحيدة بالقامشلي وأكبر الثانويات في المحافظة عدد شعبها (49) أي أن عدد الطالبات فيها يزيد على (2600) في المرحلتين الإعدادية والثانوية.

بعد أقلّ من شهرين من بداية العام الدراسي نقل زوج المديرة وهو ضابط معروف فنقلت المديرة فجأة إلى محافظة أخرى وكانت صارمة حازمة فأسندتْ الإدارة إلى معاونتها وهي هينة لينة، وراحت فرقة الشبيبة تعقد فيها الاجتماعات فسادت الفوضى في الثانوية، كما أن بعض "الزعران" راحوا يلاحقون الطالبات أثناء خروجهن من المدرسة على الدراجات، وأخذ أولياء الطالبات يرفعون الشكاوى، وبعضهم يخرج ابنته من المدرسة. وإذا بالمحافظ ومدير التربية ودنحو ينقضون على مكتبي يطلبون مني أن أستلم إدارتها. قلتُ لهم باحتجاج وكلهم أصدقائي "كل شيء إلا ثانوية البنات" جرى بيننا نقاش حاد فقلت بصراحة "أنا لا آمن على نفسي من هذا العمل" قال المحافظ "أنا أعرفك جيداً. نحن أبناء الريف تأبى علينا كرامتنا أن نتمادى مع من هنّ تحت أيدينا" وقال دنحو "يجب أن ننقذ المدرسة" وبعد إلحاح وافقت.

عندما دخلت غرفة الإدارة أطبقتُ الباب وخلوتُ إلى نفسي أفكر بهذه التجربة الجديدة الملأى بالحرج، وأتهيّأ للاضطلاع بها. وكان أول من طرق الباب طالبة تحمل صينية عليها نموذج من الطعام قدمته لي وفق أصول الضيافة وتبعتها مدرسة "التدبير المنزلي" تشرف عليها وتسألني أن أتذوق الطعام الذي تعده الطالبات بإشرافها وأبيّن رأيي فيه.

وزارني الإداريون وبعض المدرسين للتعارف والتفاهم حول أوضاع المدرسة فاتخذتُ من يومي الأول إجرائين حاسمين: الأول - طلبتُ من البواب أن يقفل الباب الخارجي ولا يدخل أحداً إلى المدرسة كائناً من كان إلا بعد استئذاني، وأن تنحصر الزيارات في مكتبي. قال وكأنه يحذرني بخبث "والرفاق الشبيبيون والحزبيون؟ " قلتُ بحدة "وجميع أهل الأرض أفهمت؟" وعندما حاول بعضهم الاحتجاج والمزايدة السياسية منعتهم من الدخول نهائياً. والإجراء الثاني - اتصلتُ بالنقيب رئيس الشعبة السياسية وكنا على معرفة عابرة فهو من بلدة قريبة من جيرود وطلبتُ منه المؤازرة فسير دوريات "باللباس المدني" تعقَّبتْ أولئك "الزعران" على مدى بضعة أيام، وزجّتْ بعضهم في السجون فأعيدتْ للمدرسة هيبتُها.

يقول المثل الشعبي "الملذوع بالحليب يخاف من اللبن" والمدير إذا تشبّث بمنصبه وخاف أن يُعزل فنفَّذ كل مايطلبه منه انتهازيو الحزب والشبيبة وأفّاقوا الديموقراطية والمساواة بين المعلم والطالب، ومن هنا كانت بداية التردي في التعليم إن الطفل الذي ينشأ على قمع أمه وأبيه يكسب عادة الخنوع وعندما تتاح له فرصة "الديموقراطية" يمارسها بردة فعل مريضة.

ذات يوم في إحدى الفرص كنت أجلس وحيداً في غرفة الإدارة فسمعت ضحكاً وصخباً في قاعة المدرسين المجاورة. ذهبت إليها وإذا بأحد الزملاء "أمين عمار" يروي نكتة اقتلعت من الصدور موجة من الضحك الصاخب، وما إن هدأ الجميع حتى ألقى أمين نكتة جديدة بدت أشدّ إضحاكا من الأولى حتى إن بعضهم كانت عيناه تدمعان. منذ تلك الساعة صرتُ أجلس أثناء الفرص في قاعة المدرسين أتابع معهم النبع الثرّ الذي يتدفق من فم أمين، والغرابة في ذلك أن من يلتقِ به خارج ذلك المجلس يره كئيباً مكفهرّ الوجه.

ومنذ الأيام الأولى فاجأتني ماري باتصال هاتفي أعادت به ذكريات ما قبل الإعارة كانت تعمل على مقسم في إحدى الدوائر وصارتْ تكلمني يومياً في وقتٍ محدد شكتْ لي كيف استنفر أهلها وحجروا عليها حتى لاتهرب معي، وكيف أُرغمتْ بشكل ما على الزواج من شابٍ سكير تركها مع ولدها وهاجر. كانت حريصة على أن تراني وكنا نلتقي لقاء عابراً في أحد المنعطفات تدفع ابنها على العربة ونتبادل تحية وابتسامة بالعيون.