أطبق الليل إلا من أصوات متفرقة لنباح كلب حانق ينداح في الأفق مثل قرقعة حجر على صفيح مهترئ، والسِّلفتان مريم وتبارك اللتان تنامان على فراش واحد وتتدثران بلحاف واحد تصغيان برهافة وتوجس منتظرتين ساعة الصفر عندما تغرق في النوم الحماة العجوز ذات العينين المتسلطتين والأذنين المتأهبتين.. حتى تباشرا بتنفيذ مؤامراتهما. وضعت تبارك فمها في أذن مريم فاقدة صبرها لاهفة هامسة مخفية رعبها:
- نامت؟
- نامت.
خنعت مريم، وسرتْ في أوصالها رعدة جعلتها تنتفض وهي تتخيل جبروت الحماة. قالتْ تبارك متذمرة محتجة:
- مالك مريم!؟
- أخاف الفضيحة يا تبارك. حماتي قلبها أقسى من الصوان.
- لتفعل ما تشاء.
- قومي أنت.
- يا أسفي عليك يا مريم! انت أطول مني. هيا لا تترددي.
- خائفة.
رَكَنتا غير قادرتين على مقاومة الجوع يخور في بطن كل منهما لايسمعه، ولا يعاني من ألمه سوى صاحبته فلكزت تبارك مريم بضيق قائلة:
- هيا مريم.
شدّتْ مريم على أسنانها، وقررت المجازفة إذ لابدّ من المجازفة. ومدتْ قدمها إلى معجن الخبز واستلَّتْ رغيفاً بين إصبعي قدمها، حضنته وقبّلته، ووضعته على رأسها قائلة:
- أتوسل إليكَ يا ربي أن تغفر لي وألا تحرمنا من هذه النعمة.
انتهبت تبارك الرغيف، وكادت تشتبك مع مريم، ثم قسمته وناولت مريم وهي تتحفّز بحرقة وتحسّر حصَّتها "يشهد الله أنهما نصفان متساويان" وهرعت كل منهما تنهش حصتها وكأنها اقتنصت أملاك الدنيا بأسرها.
لم تكن (خَزْنة) بخيلة. نشأت في بيت عزّ أبوها كنعان كان من أنبل الرجال وأكرمهم في جيرود وأخوها محي الدين كان يلعب بالليرات الذهبية والمجيديات الفضية وزوجها إسماعيل كان سيد الرجال. ولها ولدان أبيَّان تعتز بهما هزيم لايزال غائباً منذ أكثر من عشر سنوات ومحمد منذ أكثر من سنتين انتهبهما (السفر برّ) من حُشاشة قلبها ووضعهما في عالم الغيب المدلهِّم. ولم يبقَ لها في عالم الشهادة إلا بضع ليرات ذهبية وبضع مجيديات تخبئها في قاع صندوقها المقفل ليوم أسود يومٍ له بداية ولا تُعرف له نهاية. لقد مَهَرت في تدبير شؤون دارها تربي الدجاج وعندها ثلاث حظائر في كلٍّ منها سبع دجاجات وديك، وعندها حظيرة وضعتْ فيها عدداً من الديوك. تختار دجاجة توقفت عن البيض فتضع تحتها إحدى وعشرين بيضة، وتتكاثر دجاجاتها ويكثر البيض تأكل مع كِنّتَيْها شيئاً منه وتشتري سنام الجمل والزيت بما تبقى. وألجأتها الضرورة التي هي الحد الفاصل بين الموت والحياة أن تقنِّن المؤونة مما يتوفر من طحين وبرغل مخافة غدر الزمان، ومهما يكن فإن الحياة غالية.
تبارك بنت محي الدين لم يغب هزيم زوجها وابن عمتها يوماً عن خيالها ولم تغب ذكريات ذاك الحبّ اللاهب الصامت الذي ظلّ يتلألأ على عيني كل منهما طيلة ثماني سنوات حتى أذن أبوها المتجهِّم دائماً بالزواج. وافق بعد أن تصدَّت له عمتها "خزنة" واستلطت عليه.
تتماسك تبارك في الليل بجسمها الدقيق وعينيها اللتين تلوبان في محجريهما خوفاً من المجهول، وتقول بقلب دامٍ: "أين أنت الآن يا مهجة القلب يا هزيم؟"
ومريم ذات الوجه المزهر والشعر الأشقر والعينين الشهلاوين مستسلمة لقضاء الله وقدره، وقد اهترأت الذكريات في رأسها كأنها البكرة تدور بحبل الدَّ لْو ينزل إلى البئر ويصعد خاوياً كرأسها.
عندما بلغ محمد السابعة عشرة هتف في وجه أمه:"زوجوني. أريد أن أتزوج الآن" تبسم أبوه وقال: "موافق" فخطب له مريم وهي يتيمة الأبوين كان أبوها رجل دين وجدها تابع لبعض الطرق الصوفية وبعد أن تزوجها بأشهر قليلة جاءت منيّة أبيها وفارق الحياة، ثم تبعه جدُّها. أنجبت له مريم "قاسم" لكن المنية لم تمهله أكثر من شهرين وانضم إلى عصافير الجنة.
وفي العام 1909 بلغ محمد العشرين فأجلوه لإعالة زوجته وأمه وما إن مضى العام حتى ألغوا التأجيل، مريم الآن حامل في شهرها الثاني يتسلّط عليها الوِحام وهم يزمعون أن يختطفوه من بين يدي أمه وامرأته إلى عالم الغيب. أحنى محمد رأسه أمام صدر أمه وقبّل يديها ووضعهما على رأسه ووقفت مريم ترتجف مجهشة كأنها تعاني من رجفة برد ترنو إلى زوجها حبيب روحها منكسرة، وقبعت سلفتها تبارك تراقب دامعة العينين. ضمت خزنة ابنها الأصغر متشنِّجة وقبلتْه فتناثرتْ دموعها على خدّيه بسخاء. تشبّثَتْ بذاك الطفل المشاكس الذي ظل ينيخها وينهل من ثدييها طوال بضع سنين، وشدّته إلى صدرها كأنها لا تريد أن تفلته. ثم تماسكت وانتصبتْ قائلة بعنفوان: "العسكرية للرجال يا ولدي" ثم عرت صوتَها نبضةُ حنين قسرية فتابعت تقول بصوت راجف: "الله يرضى عليك يا أبا قاسم ويعيدك إلينا بالسلامة" أحس محمد أن صبر الجندرما الذين ينتظرون على باب الدار قد نفد فحمل صرة ثيابه وانجذب خارجاً دون أن يلتفت إلى أحد. غمغمتْ خزنة: هاهو "محمد" يتبع أخاه "هزيم" إلى المجهول، فأيقظها من شرودها عويل مرّ التفتتْ فرأت مريم وتبارك تلطم كلٌّ منهما وجهها والغطاء يسقط عن رأسها، وشعرها يتناثر فصاحت بهما غاضبة "كفى. خزاكما الله. أتعقدانها مناحة؟ ادعيا له ولأخيه أن يعودا بالسلامة" فانكفأت كل منهما على نفسها تعتصر البكاء مرغمة ذليلة.
انضمّ محمد إلى أترابه وإلى "الفراري" وانسابوا نحو جبل القلمون متجهين إلى النبك - تحت حراسة الجندرما - وجميعهم يحسر الصمت نظراتهم بين موقع الخطوة التالية وبين الأفق البعيد وكم يخاف الإنسان من البعيد وهو لا يعرف في أية جبهة قتال يزجونه، وهل سيعود أم لا؟ وهل سيتم العثور على جثته إذا مات؟ وهل يدفن في مكان لائق؟
في النبك ولجوا مركز التجمّع وانضموا إلى ذاك الحشد من "المجندين" ومن "الفراري" وما أكثر الفارين من العسكرية! سيق الجميع إلى هنا من شتى الديار الشامية وعندما أُجري التعرف إلى العسكر مُنح محمد وكل من يلمّ بالقراءة والكتابة - وهم قلة قليلة - رتبة "بلوك أميني - نائب عريف".
أخضعوهم لفترة تدريبية قصيرة تعلموا فيها شيئاً من النظام المنضم، وكيفية استعمال البندقية وشيئاً عن تكتيكات القتال، وكانوا في الليل يعقدون الدبكات، ويتبارى المغنون بالميجانا والعتابا والموّال ثم ينشدون أغنية جماعية وراء أحد المغنين:
وعندما صاح حسين "أوف" بصوته القوي الآسر أخرس جميع المغنين وتوقفت الدبكة وخيَّم الصمت على الجميع وبدأ حسين بأهزوجة مرحة تفرّج الهم عن النفوس:
فماجت المناكب وتلاحمتْ في حلقات الدبكة ودقت الأرجل الأرض بعزيمة الشباب ترجُّها وراح الجميع يردِّدون معه. ثم صاح "أوف" مرة أخرى فهدأوا وقد سرت في مهجهم كالقشعريرة. ثم بدأ بأهزوجة جديدة ملونة بالحزن ذابت قلوبهم فيها:
فتحركتْ حلقات الدبكة وكأنها عربات القطار تئن على قضبانها، والجميع يرددون مع حسين وترتسم في مخيلتهم بضعة وجوه يُغَضِّن ملامَحها الأسى وجه الأم والأخت والزوجة والعشيقة.
ذات صباح وزعوهم كتائب وسرايا فأضاعت الألبسة العسكرية السمات الفردية وعندما قرروا أن يزجوهم في حرب "الترعة" في فلسطين شرعت عينا كلٍّ منهم تلوب بحثاً عن أبناء قريته ليأتنس بهم.
في أول معركة وقنابل "الطوب" المدفع تدوي وتنفث دخانها هنا وهناك وأزيز الرصاص يلعلع من "المتر ليوز" الرشاش، ومن بارودة (الكركر) وثار النقع كالضباب وحوَّم "عزرائيل" فوق الرؤوس وتجمع العسكر في عيونهم وهم منبطحون في الخنادق. أحس كبار السن أن العسكر الجدد وَجِلَت قلوبهم فصاح كلٌّ منهم فيمن حوله: "كلها ساعة ياشباب وينجلي الخوف ولايغدو لأيٍّ منكم همٌّ إلا أن يبحث عن شبح واحد من أولائك الإنكليز الكفرة. ركّز نظرك واقنصه واقضِ على حياته قبل أن يقنصك ويقضي على حياتك"
كانت تلك الحرب كرّاً وفراً. وكانت مشكلة العثمانيين هي الطيران البريطاني لكن "البينباشي" العقيد كان يزج عسكره وسط البريطانيين ليشتبكوا معهم بالسلاح الأبيض. فصرعوا عددا كبيراً منهم نثروهم على الأرض كالنعاج. فاضطر الإنكيز إلى عقد هدنة.
أُعجب "اليوزباشي" النقيب بمحمد، أحبّه وقرّبه منه وبعد أقل من سنة حقق له رتبة "أون باشي" عريف، وفي السنة التالية مُنح رتبة "شاويش" رقيب، وصار يهرب إلى الاندماج بالقتال من خيال مريم التي تركها حبلى.
في مطلع السنة الثالثة دبّج محمد رسالة على أنها مبعوثة إليه من مختار جيرود تقول إن أباه تُوفِّي، وإنّ أمه مريضة، وحفر على قطعة صابون خاتماً مهرها به، وقدمَّها إلى اليوزباشي فمنحه إجازة خمسة عشر يوماً.
انقضّ محمد على جيرود كالباشق. هبط ليلاً على داره كنبع يتفجّر بالماء النمير وطلب من الحريم أن يكتمن خبر عودته، وفوجئ أن مريم وضعت ولداً جديداً سمّته جدته "ابراهيم" لكنه قبل مضيّ أسبوع تبع أخاه لينضم إلى عصافير الجنة فكادت تدمع عيناه. زرع محمد الأرض منذ وصوله قمحاً وشعيراً بالمشاركة زرعها بعلاً متكلاً على الله.
ولم يكد يمضي بضعة أشهر حتى سقطت ترعة السويس بيد الإنكليز وعاد العسكر من فلسطين تائهين، وكثر "الفراري" وعجز "الجندرما" عن متابعتهم بل غضوا الطرف عنهم. تركوهم يسعون في رزق عيالهم.
وفي اليمن "صنعاء" مع بزوغ كل فجر يستيقظ (الأون باشي) "هزيم" مع رفاقه الأسرى لإقامة صلاة الصبح ولا شيء آخر سوى الأكل والصلاة. يقيمون الصلوات الخمس ويقدم لهم عسكر الإمام الفطور والغداء والعشاء. ويلتف كل منهم بمعطفه ويستسلم للنوم. ساقوه إلى "أضنة" و"جناق قلعة" وزجوه في حرب البرغال (البلغار) وماتزال تضج في رأسه أصوات القنابل والرصاص وشبح سيدنا "عزرائيل" يلوح له ثم يذهب عنه بعيداً، وهاهو اليوم (يسير) أسير في اليمن بمصير مجهول.
على بعد مسيرة يوم كامل على القدمين من دمشق باتجاه تدمر تمتد السهول الفسيحة في ذاك الفضاء الشرقي من أطراف "جيرود" ملء عين الرائي حتى الأفق. ترتفع الأعشاب حتى زنار الرجل، وتتعايش كائنات من الأحياء أرانب وسلاحف وأفاعٍ، وضفادع، وحرباءات، وسائر الهوام تسعى دائبة لتبحث عن رزقها. وتسرح قطعان الذئاب والثعالب وبنات آوى تتربص لتنقض على فريسة لتملأ بطونها. وتسرح قطعان الغزلان والوعول خافضة رؤوسها تلتقط بشفاهها رؤوس النبتات الطرية وتتمطق بولع. وإذا ما ثارت ثائرة الوعول لخلاف فَحْلَيْن على أنثى أو لتمنّع أنثى على ذكر راحت تتناطح، مقوّسة رقابها ملتحمة في مبارزة بقرونها المتشابكة يصكّ بعضها رؤوس بعض فتقرقع الأصوات وتنداح أصداؤها. والغزلان ترنو إليها متهيّبة حتى إذا انقضّ عليها أسد أو نمر راحت تتقافز متطايرة في الهواء. وتنثال الينابيع وتَصِلُّ سلاسلها الحريرية على حفنات من الحصى تستعير ألوان قوس قزح وتنثرها عليها. وتحيط بها كالهدب من العين أعشاب ذات طعم لذيذ كالحبق والأقحوان والخبيزة، وحشيشة أم أحمد يأكلها الناس، وتطوِّقها بؤر من قصب (البربار) تتطاول فوق قامات الرجال يُصنع من أعوادها الرفيعة (الناي) و(المزمار) و(المجوز) وتُرصف أعوادها الغليظة فوق أخشاب السقوف، تفوح منها روائح برِّية مضمّخة بالرطوبة.
وثمة هياكلُ بِنْياتٍ من الحجر والطين متناثرة هنا وهناك بعضها ماتزال قائمة فيها أرحية ضخمة لعصر الزيتون، وخوابي فخارية فارغة. وبعضها مهرّأة فيها بقايا أرحية لعصر الخمور وخوابٍ فخارية مهشَّمة أُهملت بعد دخول الإسلام، وغطاها الطين اللزج والغبار.
منذ حوالي العام (3700) ق. م بدأت بعض القبائل العربية تهاجر نحو الشام والعراق وتبني ممالكها كالسومريين والكنعانيين (الفينيقيين) والسريان وتنتشر فيها وكانوا على صراع دائم مع الروم والإغريق. وفي الربع الأخير من القرن الثالث الميلادي مرّت عربة تتجه إلى روما تجرها الخيول وعليها هيكل تجلس فيه "زنوبيا" ملكة تدمر مقيدة تحت الحراسة بعد أن هزمها القائد الروماني "أورليانوس" واحتل مملكتها، وبسط الرومان نفوذهم على هذه الأراضي. وفي مطالع القرن الرابع الميلادي عبرتْها قوافل قبيلة "الأنباط" البدوية متجهة نحو جنوب سورية لتبني مدينة "الأنبار" عاصمة لها.
يقول الواقدي في كتابه "فتوح الشام" فيما كان جيش المسلمين وجيش الروم يزحفون نحو منطقة اليرموك في الشام قال أبو بكر لأصحابه إن أبا عبيدة بن الجراح لين العريكة فما رأيكم أن نبعث إلى خالد بن الوليد أن يغادر العراق بمن معه من الجيش ويَنْهَدَ إلى الشام؟ قالوا نعم الرأي، فوصل خالد بجيشه في غضون العام 15 هـ/ 636 م إلى ذاك الفضاء منهكين فأطلقوا رواحلهم تروي ظمأها وتمسك رمقها وراحوا ينهلّون ويعلّون من الينابيع الصافية ثم مالبثت رائحة الشواء أن فاحت. ثم تابعوا الطريق إلى دمشق.
وفي القرن الثاني الهجري السابع الميلادي جاء عدد من القبائل العربية وانتشروا في بلاد الشام وامتدَّت قبيلة تغلب مسلمين وتصارى إلى هذه الأرض. منهم بنو "كلب" الذين زرعوا مساحات واسعة من المشمش "الكلابي" السلس اللذيذ كالعسل يقول البلاذري "بعد أن طلّق الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان زوجته الأثيرة لديه "ميسون بنت بحدل الكلبي" وكانت على النصرانية أخذت معها ابنها "يزيد" وكان رضيعاً فنشأ في بيت أخواله، وعندما تولّى الخلافة أولع بالصيد ومجالس الشراب والغناء والتفكهة.
يقول الواقدي: قدم رجلان بين عامي (60 - 64 هـ / 683 - 684 م) في غسق الليل إلى جُرود (جيرود الحالية) ونزلا ضيفين على صاحب لهما فرحب بهما وقدم لهما دجاجة مطبوخة، ونصبا كميناً ليزيد. جاء يزيد في إحدى رحلات الصيد إلى ذاك الفضاء مع موكبه وقرده المزيّن بقلادات الحرير، فعُقدت مجالس الغناء وبُسطت موائد الشراب وراحت خيوط النشوة تتسلل إلى رأس الخليفة فأمر بسباق الخيل، ونطاح الأكباش حتى هبط الغروب، فأُشعلت النيران وراحت ألسنة اللهب تتراقص وتضيء الوجوه.
وفي صباح مبكِّر انطلق الخليفة مع بعض أصحابه جهة الشرق يستزيد من الصيد والقنص وأوغلوا حتى بلغوا قرية اسمها "حُوّارين" (لاتزال حتى اليوم قريبة من القريتين) وفيما كان يداعب قرده ويصوِّب سهامه انقض عليه "الرجلان" وأنزلا به طعنات أردته قتيلاً، وانسلاّ هاربين، كان يزيد في التاسعة والثلاثين من عمره وكانت مدة حكمه ثلاث سنوات.
وبين القرنين الحادي عشر والثاني عشر امتدّت إليها فلول الصليبيين الذين اجتاحوا سورية ولبنان وفلسطين في حروبهم مع نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي وأقام فيها بعض المتخلفين من الجرحى والفارين ودخلوا الإسلام وعاشوا بين الناس "لهم ما لهم وعليهم ماعليهم " فتلقف الرجال نساءهم، والنساء رجالهم وتركوا ذرية من الأبناءٍ والأحفاد شعرهم أشقر ووجوهم زهرية وعيونهم خضراء وزرقاء خاصة الذين جاؤوا من شمال إيطاليا وشمال فرنسا وصاروا عرباً مسلمين كالآخرين. وفي القرن الثاني عشر اجتاحها المغول قادمين من الشرق متجهين إلى دمشق وهم الآخرون تخلّف عدد منهم وتركوا ذرية من الملونين بالسمرة والصفرة ومن ذوي الجفون المغولية.
جبل الدخان يقع شمالي جيرود، ويرتفع بشموخ حتى عنان السماء، والناظر إلى أوديته من بعيد يتوهّم أنها بحجم أخاديد الفلاحة والصاعد إليها يراها سحيقة يشقى شقاء مراً في اجتيازها وقد يعجز إلا من يعرف مفاوزها ومداخلها ومخارجها كرعاة المعزى والساعين إلى قرية المراح (قلدون) أو الهابطين منها. في وسطه صخرة ضخمة بارزة وكأنها تحاول الخروج منه تسمى "المعلَّقة" تبدو من بعيد بحجم قبة مسجد وتبدو مغارتها بحجم طاقة الغربال، أما الصاعد إليها الواقف على أول درجةٍ من انحدارها الشديد المنزَلِق فيراها بحجم بناء صخم ويرى المغارة بحجم دار واسعة.
يروي الأجداد أن أشجار اللزاب، والسنديان، والبطم، واللوز البري كانت تطلي هذا الجبل بلون أخضر يتوهج في الصيف، ويَقْتُم في الشتاء. وكان الضباب يخيم عليه طوال العام ويتفشّى في الهواء كألسنة الدخان فسمي "جبل الدخان"، ويروون أن أشجاره كانت تستوقف السحاب العابر في السماء وتستضيفه وتستحلبه أمطاراً كما تُستحلب النعاج، فهو رحمة عندما يملأ باطن الأرض بالماء ونقمة عندما يبعث إليها السيول الجارفة. وحتى القرن التاسع عشر كانت السيولُ تهدم بيوت جبرود على رؤوس أصحابها وتجرفها نحو الملاّحة فلا ينجو إلا طويل العمر. وكان أهل جيرود يعيدون بناءها كلما تهدَّمت فتصفوا لهم سنة أو بضع سنين وتمتلئ مخازنهم بالقمح والشعير والذرة والمشمش والجوز والعنب والزبيب، وزرائبهم بالنعاج والمعزى والحمير والجمال. كانوا ينتكصون وينتفضون لاينثنون ولايتراجعون حتى جاءهم طوفان كبير أودى بالكثير منهم وبمواشيهم ومخازنهم فرحلوا إلى بلاد الله الواسعة.
وفي القرن التاسع عشر أعيد بناء جيرود وكانت قرية صغيرة معظم سكانها ينتمون إلى عائلتين (دينيّتين) يعيش معهما عدد من الأسر لجأوا إليها من جهات متعددة، وكانت كل عائلة تنتمي إلى طريقة صوفية لها نوباتها (استعراضاتها) الموسمية ولها زاويتها وراياتها وطبولها ودفوفها وصنوجها و(سنجقها) الذي يعلو بضعة أمتار بشكل مثلث متساوي الساقين رأسه إلى الأعلى قائم على عمود مركزي يحمله أعتى العتاة، وعمودين جانبيين على زاويتي القاعدة يتبرّك بحملهما آخرون. ولها شيوخها من (أهل الخطوة) وبهاليلها، وسدنة زواياها، وبعد جولة الاستعراض يتناولون "الهريسة" وهي جريش القمح المزدان بقطع اللحم والسمن العربي حتى الامتلاء. ثم يقيمون نوبة الذكر في الزاوية يرددون فيها "الله. الله" بإيقاعات تبدأ بطيئة ثم تتناهى في السرعة مترافقة مع الرقص الثابت بانحناءات صاعدة هابطة بين قرع الطبول وزعيق الصنوج النحاسية حتى تتعطل أحاسيسهم الفردية ويصلوا - كما يقولون - إلى لحظة الإشراق وهي الحلول في ذات الله العليا فيغدون كتلة واحدة.
أحيطت جيرود بسور ترابي اتقاء للسيول وغارات شذاذ البدو لأن البدو الأصلاء لايغزون البيوتات الدينية وإنما يقدمون لها الأُعطيات والنذور، وفي ذاك القرن وفدت إليها عشيرة من سراة قبيلة (الرولا) تحضرت وأقامت فيها تحت خيم على نهرها الرئيس الذي سًمِيَ منذ ذاك الحين "نهر الشيوخ" ثم تبعتهم عائلات بدوية من (السوالمة) ومنح العثمانيون "محمد" شيخ القبيلة لقب "آغا" وأسندوا إليه ردّ غارات البدو عن المنطقة بأكملها، وسمي أبناء عشيرته (الأغوات).
بنى الباشا أول الأمر دارةً فخمة وسط القرية بعلِّية، فسُمِّيَتْ المنطقة المجاورة "تحت العلية" وطاف مع مرافقيه بظاهر القرية وأراضيها وجمع الرجال وأهل الحكمة ووجه لهم هذا السؤال:
- أترون إلى عائلة تعيش منفردة في دار جدرانها متآكلة وأبوابها مخلّعة؟ هل تأمن على أهلها وعلى حلالها من اللصوص وقطاع الطرق؟
- لا.
- من هو أعدى أعدائنا هنا في جيرود؟
- شُذاذ البدو وقطّاع الطرق.
- لا أيها الرجال، إنه السيل، ولن نعيش آمنين مادام ينقضّ على القرية ويمنيها بالمصائب والويلات. من أين تأتي السيول؟
- من الشمال والغرب من جبل الدخان.
- تفضلوا معي.
وطاف بهم حوالي القرية ورسم خطاً بشكل نصف دائرة على حدودها الشمالية والغربية وقال
- هنا يجب أن نبني سِكْراً منيعاً.
- نعم الرأي ياسعادة الآغا.
- نحن الآن في منتصف أيار (مايو) نأخذ الشهر المتبقّي من الربيع وثلاثة أشهر الصيف وشهراً من الخريف أي خمسة أشهر حتى نهاية أيلول (سبتمبر) يجب أن يكون السكر جاهزاً فننام ملء عيوننا.
ومنذ الصباح هبّ أهل القرية رجالاً ونساء وأطفالاً وقامت نخبة الرجال الذين أوكل إليهم الباشا الإشراف على العمل فوزعوا الناس إلى أربع مجموعات: للحفر وبناء الأساس وجرف التراب. رجل يبني الأساس بالحجارة، ورجل يخلط التراب بالحجارة والحصا وآخر يحفر التراب بالمرّ، وآخر بالمحفار، وآخر يجمعه بالرفش، وزوجان يجرفان التراب بالمسحاة. وامرأتان تحملان قفة من أذنيها ملأى بالتراب أو الحجارة. ورجل يغني لمجموعته يزيدها حماسة، وارتفع السِّكر جباراً قادراً على الصمود، وأُنشئ ممر في كل من الغرب والجنوب رُصف بالحجارة والحصا وشدَّد الباشا على الجميع ألا يعبروا إلا من هذين الممرين، وطلب من بعض رجاله أن يراقبوا عن كثب. وفي صيف العام التالي أمر الباشا بصيانة السكر ليظلّ قوياً.
وُزِّعت الأراضي الغربية والشمالية "الحبيسة" و"الركنية" و"السيب" و"الجفر" على (الأغوات) ووُزِّعَتْ الأراضي الشرقية "عين السَّل" و"توت الحشاش" و"جَوَر منجل" و"الصفا" ملكيات صغيرة على الفلاحين، تلك أراضي النهش التي تحفر فيها حفرة بعمق ذراع فترى نبعاً يملؤها حتى نصفها وتنتشر فيها "العيون" والعين هي حفرة مخروطية بعمق قامة رجل؛ قطر فوهتها يقارب أربعة أذرع، وقعرها أقلَّ من ذراع، ولها دَرَج للنزول إليها. وحتى أواسط الخمسينات كانت ماتزال ممتلئة بالماء إلى منتصفها طيلة الصيف يرتوي منها الفلاحون أثناء عملهم. ووزِّعت الأراضي الجنوبية الغربية "الشبيكة" على الفلاحين وتربتُها أقل خصوبة لقربها من الملاحة، وقام الفلاحون باستصلاح أراضيهم يعملون فيها أو يعملون شركاء عمل عند "الأغوات" الذين لم يكونوا يعملون بأيديهم، وأمر الباشا أن تحفر الأقنية لريّ الأراضي وأنشئت مزارع الكرمة والقمح والشعير ثم البطاطا.
أما المنطقة الجنوبية الشرقية فهي محاطة بكثبان الرمل والجص ويعتقد الناس أنها مدينة النبي "لوط" المقلوبة. وفيها الملاّحة "بحيرة الملح" التي تصبّ فيها مياه السيول شتاء وتجف في الصيف فيجنون منها الملح ذا الطعم الُمرّ يجمعونه أكواماً ويعالجونه برَشَاش الماء لذلك يقال في المنطقة "الجيرودي ملحتُه مرّة" لعلهم يعنون شيئاً آخر. ثم وضعت الدولة يدها على الرمل قبل أواسط القرن العشرين باعتباره خامات معدنية. ينقل الجص إلى دمشق ويُشوى بأفران خاصة ويباع للبنّائين، والملح باعتباره ثروة معدنية عامة ينقل إلى المعامل المختصّة في دمشق.
ونظراً لاستتباب الأمن في جيرود ولخصوبتها وطيب مناخها وغزارة مياهها، وصل عدد الأقنية المحفورة على الطريقة الرومانية حتى الخمسينات من القرن الماضي إلى (17) قناة (نهر صغير) فقدم إليها عدد من الأسر المهاجرة: تدمريون أصبحوا يعدّون ثلث القرية، وأُسر من فلسطين، ومصر والعراق، وأماكن أخرى. منها أسرة آل "هزيم" التي يتناقض رأيان في أصلها: - رأي يقول إنهم ينتمون إلى قبيلة قريش ومعهم شجرة نسب تصل إلى أبي بكر الصديق - ورأيٌ آخر يقول إنهم ينتمون إلى قبيلة (هزيم) النصرانية في محافظة حمص دخل عدد منهم الإسلام ونزحوا منها. وفي الحالين تفرق آل هزيم إلى عائلات (صغيرة) أقاموا في حوران، وعكار (العبدة وببنين) والحفة في محافظة اللاذقية. في جيرود انتسبوا إلى جدهم "حجازي" وعرفت العائلة باسم "حجازي هزيم" ويُرجّح أن العائلة كلها قادمة من الحجاز بدلالة اسم الجد "حجازي". وتوارثت العائلة أباً عن جد "هندسة الري"وبخاصة فتح الأقنية الرومانية والتجارة والفلاحة وكان مستواها الاجتماعي فوق مستوى "الطبقة الفلاحية" وأقلّ من مستوى "الأغاوات".
وفي الأراضي الشرقية على بعد (10) ك م من جيرود استولى على مساحات منها متنفّذون يقال إنهم من حيّ ركن الدين من دمشق ليستثمروا خيراتها الوفيرة ووضعوا عليها الحراس. فاختار الباشا أسراً من عدد من العائلات المعروفة بالتماسك والقوة في جيرود حتى يضيع الدم في القرية كلها وأرسلهم ليطردوا الحراس ويقتلوا من يتمنّع منهم. وأنشئت قرية "الناصرية" فتدفقت عليهم الخيرات وما لبث أهلها أن أثروا فأدّى معظمهم فريضة الحج وصلت عند بعضهم إلى سبع، وتزوج امرأة أخرى ثم نزحتْ إليها بعض أسرٌ فلاحية من النبك ويبرود وقرى جبل القلمون واندمجوا في السكان وصاروا منهم.
في منتصف الطريق بين جيرود والناصرية قرية "العطنة" فيها "خان" بني ليكون مركزاً لتزويد المبعوثين من "دمشق" إلى "استانبول" بالطعام ولتبديل رواحلهم. يظنّ بعضهم أنها أقدم من جيرود، لكن جيرود ورد اسمها في عدد من الكتب القديمة منذ القرن الأول الهجري باسم "جَرود" وأهل "العطنة" يتكلمون بلهجة جيرودية صرفة ماعدا أنهم لايهمزون حرف (القاف) وبما أن أهل جيرود كانوا حتى نهاية القرن التاسع عشر لايهمزون القاف فإنني أتوقّع أن أهلها نزحوا إليها من جيرود بعد بناء "الخان".
وفي أواخر القرن التاسع عشر اعتدى "ممدوح" والي السويداء (جبل العرب) على امرأة ويبدو أنه كان سفيهاً ظالماً فقتلوه. فأرسل لهم "والي دمشق" قوة عسكرية تنتقم منهم فقتلوا "الكومندار" وهزموا العسكر. وقال شاعرهم قصيدة منها:
فطلب "الصدر العالي" في الآستانة أن يذهب آغا جيرود على رأس قوة لإخضاع الدروز. واستهل قدومه شاعرهم قائلاً:
وعندما أخذ الآغا يعبر بقوته أحد الأودية يقال إنه "وادي المزرعة" جاءه وفدٌ يحمل راية بيضاء، قابلوه وأهابوا به أن يعود من حيث جاء وذكّروه أن أسلوب العثمانيين هو "فرّق تسدْ" وقالوا له: "انظر إلى قمم الجبال حولك" وإذا به يرى البنادق تصوَّب إليه وإلى جماعته. وقالوا "نستطيع أن نفعل بكم الفعايل بالبنادق والحجارة ولكننا نحرص على دمائكم كما تحرصون عليها" فاستشار الآغا جماعته وقرروا الانسحاب. كانت جيرود تلك السنة تعاني من القحط فزوّدوهم بأحمال القمح، وتآخى الرجال من الطرفين وصار لكل عائلة من جيرود أخ من عائلات الدروز. استمرت هذه الأخوة حتى منتصف القرن العشرين وكان أخو عائلتنا يزورنا بين حين وآخر وكنا نحبّه.
نفى العثمانيون "الآغا" إلى "الآستانة" (سركلوه) وأنزلوه في دار بأحد أحيائها وكان ذا شخصية جذابة، شجاعاً شهماً كريماً. يروي مَن رافقوه أن الأتراك صاروا يتردّدون على مضافته فيقيم الولائم ويقدم الضيافات، صاروا له أصدقاء وأعواناً وعندما علم "الصدر العالي" استغرب من أين يأتي هذا الرجل بالمال؟ فقال لأعوانه مستغرباً: "يبدو أنه جاء يغزونا في عقر دارنا" فأفرجوا عنه ومنحوه لقب "باشا" وتركوه يعود إلى بلاده، وقال الذين رافقوه في ذلك النفي (السركله) إنه أخذ الليرات الذهبية معه في صفائح الدبس، وأن زوجته جعلتْ أزرار المعاطف ليرات ذهبية.
اشترى الباشا بيتاً لائقاً بدمشق في (حي ساروجا العريق) وكان يتنقلّ بين دمشق وجيرود بعربة تجرُّها الخيول وحواليه عزوة مختارة من فرسان جيرود وعندما مات كان موته حدثاً كبيراً لكنه لم يخلِّف أولاداً فورثه "سليم" ابن أخيه دعاس الذي توفي قبل الباشا. وسَّع سليم أملاكه فامتدت إلى أعماق جبل القلمون وأسس مزرعة هامة سُمِيَت "الكبري" وشارك الفلاحين في زراعتها واستثمارها.
كان دعاس فارساً جواداً ثَقُل وزنه عند العثمانيين (الدولة التي كانت تُحتَضر) والتي كانت ترتاب بظلِّها فلفقوا له تهمة وزجّوه بسجن القلعة في دمشق. وبعد أسابيع قليلة تمكّن من الهرب مع فارس من آل حرفوش من تلكلخ كان من أعزِّ أصدقائه. فصاغ تلك الواقعة شاعر شعبي نثراً وشعراً على غرار قصص بني هلال ظل الناس يقرؤونها في المضافات ردحاً من الزمن. وعندما مات دعاس ورثه ابنه سليم وورث مكانة الباشا بيد أنه كان قاسياً صلباً ورغم أنه كان ميالاً إلى اللهو لم يفرط بأملاكه إنما زادها وطوَّرها.
ثارت الحرب العالمية الاولى منذ العام 1914 وكانت العراق جزءاً من الخلافة العثمانية فتحركت الجيوش البريطانية وأنزلت قواتها في البصرة في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام نفسه ودارت معارك ضارية فاحتل البريطانيون البصرة وتحركوا نحو بغداد، وما إن وصلوا إلى مشارفها حتى شلّ حركتهم الجهد والإرهاق وهبوط الروح المعنوية. وتعرضوا لهزيمة كبرى اضطرتهم أن ينسحبوا الى كوت العمارة.
في غضون ذاك العام 1914 الذي يسمونه عام التجمع وعلى مدى ما كانت الامبراطورية العثمانية التي لُقِّبَتْ بالرجل المريض تحكم أُلغيت جميع حالات التأجيل واندفع الجندرما يبحثون عن "الفراري" ويسوقون الرجال إلى (العسكرية) من مطلع الشباب وحتى الكهولة ليُزَجَّ بهم في جبهات القتال. ساقوهم تحت الحراسة لا تأخذهم في الله لومة لائم إلا من كان قادراً أن يدسّ في أيديهم بضع ليرات ذهبية فيغضون الطرف عنه لينسلّ هارباً. وداهم الجندرما بيت محمد. قالت له أمه:
- محمد نور عيني خذ ليرة من عقصتي وأعطها للمختار والجندرما يغضوا الطرف عنك. خذ ليرتين، كل ما في الدنيا من ذهب لا يساوي ظفرك.
- لا يا أمي، ما الفائدة أن أختبئ في البيت كالحريم لا أقدر أن أعمل شيئاً حتى يفسد عليَّ مُفسِدٌ فيسوقوني وأترككم على البساط؟
ولم يبقَ في بقاع الشام سوى الأطفال والنساء وعجائز الرجال صرعى الفقر والذلّ والمجاعات والجوائح من كالطاعون و(الهواء الأصفر) الكوليرا..
جلس "الشاويش" محمد في باحة مركز التجمّع على كرسي ينتظر أحد الأنفار أن يعدّ له "الأركيلة" مسلِّماً أن حياته وحياة هؤلاء الضلِّلين مرتّهَنة للعسكرية دفاعاً عن عرش السلطان، وسأل نفسه:"ماذا نكسب لو سقطت هذه الدولة العليّة؟ أليحكمها الكفار ويذيقون الناس ألوان القهر والعذاب والذل؟ وهل سيكون هؤلاء الكفّار أقل قسوة من هذه الدولة؟ أسئلة يحار ذوو الألباب فيها. على أية حال لا الدولة قادرة أن تصدّ العدو ولا العدوّ قادر أن ينتصر عليها، إنهما دائماً يقعان كالخرج كما يقال في جيرود لا غالب ولا مغلوب. ولكن ما ذنب هؤلاء الناس يذوقون مرارة الحروب ويكونون وقودها؟ وجاءه النفر ووضع الأركيلة أمامه، وقال:"جربها أفندم" وسأله: "أصحيح ما يشاع أنهم سوف يسوقوننا إلى العراق أفندم؟" قال له محمد زاجراً: "تكلم على قدّك واذهب إلى عملك " وفي الصباح سيقوا بالقطار باتجاه العراق.
في كوت العمارة على بعد 150 ك. م جنوبي بغداد كان أوار المعركة يحصد النفوس. وتحت نيران الحرب كان التدمري بين فترة وأخرى يردد صيحة حرب: "الله أكبر "ثلاث مرات و"أنا أخوكِ ياجذعة" ثلاث مرات وهو يعلم أنه لا أحد يسمعه إلا من كان إلى جواره. كانت صيحاته لاهبة تخرج من أعماق صدره يختلط فيها الخوف بالنخوة، سأله "الغزاوي" هل أنت خائف يا صديقي؟ " أجابه هامساً: "لا يهم أن أكون خائفاً أم لا. لكن رسول الله (ص) كان يشارك في القتال أثناء الغزوات وكانت له صيحة قتال يقول فيها:"أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب" قال الغزاوي بخشوع "صلوات الله عليه" ورقّق التدمري صوته قائلاً "لا كحكّامنا الذين يقذفون بنا في جحيم قتال لاناقة لنا فيه ولا جمل، عيالنا تتشرد ونحن نضحي بأنفسنا وهم ينعمون في ديارهم هانئين" وهدأ القتال ودبيب الصمت المريع يكاد يفتّت النفوس وكل من الإنكليز والعثمانيين متربّص بالآخر ينتظر الأوامر.
استدعى "البينباشي" فجأة "الباش شاويش" محمد وأفهمه أن الإنكليز يرسلون دوريات استطلاع حوالي المعسكر، وطلب منه أن ينتقي مجموعة من الأنفار وينصب كميناً ويأتيه بما يستطيع من الأسرى على قيد الحياة.
انتقى محمد مجموعته من أعزِّ رفاقه أصحاب النخوة والهمة العالية، فحضن كلٌّ منهم بندقيته يهيم بها وكأنها العروس، وتسلّلوا في غمرة الغسق نحو ضفاف دجلة واختاروا مكاناً مناسباً ولبثوا ينتظرون وقد توزعت عيونهم وآذانهم بصمت وحذر في جميع الاتجاهات. لم تكن عندهم مشكلة بين الحياة والموت لأن الأجل محتوم والإنسان لا يقدر أن يستأخر أجله أو يستقدمه، ولا تدري نفس بأية أرض تموت. بدت الحياة في وجداناتهم مفازة ضيقة، ولاح لهم طيف من أهلهم في أعلاها بل في قمة جبل شامخ لا يصل إليها بساط الريح.
تذكّر محمد مَلْمَحاً من طفولته وأمه تنفش شعرها وتوهمه أنها غولة كي تخيفه عندما يعصي أوامرها وتضيق به. وتذكّر مريم الطيبة المسكينة التي ما إن تهنأ بحياتها معه حتى تختطفه "العسكرية" وفجأة همس الغزاوي:
- انظروا.
لاحت لهم أشباح عساكر يتقدمون نحوهم في تشكيل هجومي بخفة وحذر كأنهم يخشون أن تمسّ أقدامهم الأرض. عندها راحت القلوب تخفق في الصدور التي لاتكاد تتسع لها، وبدت الحياة لذيذة الطعم لكن كلاً منهم بصق هذه اللذة وأخلى فمه من الإحساس بها. همس محمد قائلاً:
- حاولوا معرفة عددهم.
فركزوا نظرهم وكأنما انقشعت عن بصائرهم غشاوة الليل واختلفوا في تحديد العدد: هل هم سبعة أم ثمانية؟ قال محمد هامساً:
- المهم أن يكونوا وحدهم حتى لا نقع في فخهم بدل أن نوقعهم في فخِّنا.
عادوا جميعاً فأنعموا النظر، ثم اتفقوا أنها دورية استطلاع وحيدة. قال محمد:
- توزعوا وأخلوا لهم الطريق لنتحلّق حولهم ونفاجئهم.
انتشرت المجموعة على شكل حذوة فرس، وراح كل منهم يتوثَّب كنمر كاسر حتى صار الإنكليز في قبضتهم، فصاح بهم محمد مباغتاً بصوت كزئير أسد: "ألقوا أسلحتكم على الأرض، وارفعوا أيديكم وإلا مزقنا رؤوسكم بالرصاص " خارت فرائص القوم وصعقتهم المفاجأة، فألقوا السلاح الذي راح يقعقع على الأرض بخفوت، ورفعوا أيديهم وصاح أحدهم:
- أمان مسلمان.
وعندما شدوا وثاقهم وساقوهم نحو المعسكر عرفوا أنهم هنود. تهلَّل "البينباشي" فرِحاً معجباً، وربت على كتف محمد قائلاً "عفارم محمد. سأقدم لك (نيشان) " قال محمد رافعاً رأسه: " شكراً أفندم، ولكن ماذا أفعل بالنيشان؟ ليتك تعطيني قطعة ذهبية فيدعو لك أهلي بطول العمر " تبسم البينباشي، ومدّ يده إلى جيبه وقدم لمحمد ليرة ذهبية عثمانية (عصملية)، فتناولها محمد ودسها في رقاع سترته المهلهة.
حاصرت القوات العثمانية الإنكليز في كوت العمارة وسدت عليهم جميع المنافذ حتى نَفِدَتْ أغذيتهم. وكبدتهم خسائر وصلت الى 23 ألفاً ما بين قتيل وجريح. وفي نيسان (ابريل) 1916م رفع البريطانيون العلم الابيض واستسلموا. فأخذ العثمانيون الثمانية آلاف الناجين منهم أسرى حرب، وعرضوهم في شوارع تكريت وبغداد، وفي 16 أيار (مايو) وقَّعتْ بريطانيا معاهدة "سايكس بيكو" مع فرنسا واتفقت معها على تقسيم البلاد العربية وتوزيعها فيما بينهما ووضعتها تحت الانتداب وكانت بريطانيا قد وعدت الشريف حسين أمير الحجاز أن يقوم بالثورة العربية الكبرى في عام 1917 لطرد العثمانيين من البلاد العربية على أن يوحِّدوا العرب وينصبّوه ملكاً عليهم. وعينت له مستشاراً ضابط المخابرات الإنكليزي (لورنس) الذي قال عنه الكاتب الإنكليزي كولن ولسن "السافل الذي يتباهى بسفالته" وبعد أن أدى حسين مهمته وساعدهم على تحقيق النصر نفوه إلى قبرص.
شكلَّ الإنكليز حملة جديدة بقيادة الميجر جنرال "ستانلي مود" استطاعت ان تشق طريقها الى بغداد فوصلت إليها في 8 آذار (مارس) 1917. لكن "مود" قائد الحملة المنتصرة أصيب بالكوليرا ومات في النبك. حضنت خديجة ابنتيها عاتكة بنت الرابعة وأمينة بنت السنتين وقد غرقتا في النوم على صدرها، وبكت بصمت وأسى: إذا تدبَّرتْ طعام اليوم فإنها لا تدري كيف تتدبر طعام الغد. هرب زوجها يوسف من العسكرية العثمانية مع من هرب إلى الأرجنتين. وقبع هناك، لاحسَّ ولاأنس. وكان لابدّ لها أن تشمِّر عن ساعديها تبحث عن فرصة عمل بشقِّ النفس: كنقل الأتربة في الحفريات وكالحصاد في موسم الحصاد أيّ عمل لايمسَُ شرفها وكبرياءها.
وفي 30 تشرين الأول (اوكتوبر) من العام 1918بعد أن استسلمت اليابان استسلم العثمانيون وهكذا كالموت المفاجئ أو كالسكتة القلبية انتهت الحرب وانسحب العثمانيون من البلاد العربية فانهارت بطرفة عين أربعة قرون وكأنها كانت على أساس من ملح. صحيح أن العسكر يأكل قلوبهم الحنين إلى أهلهم لكنهم أصيبوا بخيبة قاصمة للظهر. تناثروا في الفيافي مأفونين باحثين عن الطريق التي يتوجب اتباعها ليعودوا إلى أهلهم. غدوا كلما التقت عينان بعينين يلتمع ضرب من المشاعر في أعماق النفوس شبيه بمشاعر فقدان أبٍ أو أخٍ عزيز. شبيه بمشاعر مَنْ جُرِّدَ من ثيابه وأُلقيَ به عارياً وسط الناس وعورته تحملق فيهم بلا سترٍ ولو ورقة توت. أحسوا كما يحسّ الفلاح: يحرث أرضه ويزرعها، يصارع برد الشتاء الذي يقصم الظهر، وحرّ الصيف الذي يذيب القلب، يكابد ويشقى، ويعايش زرعه الذي يكبر في عينيه إصبعاً إصبعاً حتى يحين الحصاد، فيسري مع إطلالة الفجر ويجمع بيدره وهو يحلم بحبات القمح الذهبية تنعشه طوال العام، وإذا بالنار تأكل الهشيم فلايبقى من موسمه سوى الرماد.
كم كانوا يضيقون ذرعاً برؤساؤهم يُجْبِرونهم بعيونهم السليطة ووجوههم المقطبة وبخاصة الأتراك أن يدعوا إلى السلطان بطول البقاء والنصر على الأعداء في كل لفتةٍ صباح مساء حتى وَقَرَ السلطان في وجداناتهم وانتصب متربِّعاً مترحرحاً وكأنه لو انجلى عنها انجلت أرواحهم في إثره، كأنه الإله بيده القضاء والقدر؛ خيره وشرّه، وبيده قبض الأرواح وإحياء الموتى، وشفاء الأعمى والأكمه والأبرص. لكنهم الآن رغم ذلك غدوا مثل الغرقى في بحر تلتصق فيه السماء بالماء على مدى دائرة النظر في الآفاق البعيدة.
تحرك محمد ورفاقه باتجاه الغرب يقصدون ديارهم في الشام وكأنهم يدرجون في أقفاص فولاذية، ولجأوا إلى أحد مضارب البدو. رحبّ الشيخ بهم وقدم لهم طعاماً من الحمّص المسلوق، واشترى منهم لباسهم العسكري وسلاحهم، وسائر عتادهم مقابل ثياب بدوية زوّدهم بها فلم يبق معهم سوى خناجرهم مثبتة في زنانيرهم، وناموا حتى الفجر وانطلقوا، كان بينهم وبين ديارهم طريق كلها مفاوز ومتاهات طويلة بطول الشقاء الذي هو توأمهم الملتصق بهم، طريق ملأى بقطاع الطرق واللصوص.كانوا خمسة: اثنان من جيرود وبعلبكي وتدمري وغزاوي، وكلٌ منهم غدا أقرب إلى الآخرين من شغاف قلبه. يسيرون طوال النهار بجبروت متأصِّلٍ في نفوسهم يقاومون برد الشتاء الذي طفق يعبر عن نفسه ببرقه الذي ينخل الفضاء ورعده الذي يدوي في السهوب والأكمات ويتردد صداه في قلوبهم التي تتحدى الصبر فيغذُّون السير ليدفأوا بالحركة وغدا الزمن فظاً ثقيلاً كأنه دنيا بلا نهاية منطرحة في قلوبهم مثل صراع مرٍّ بين الموت والحياة. وإذا اشتد الهطل، أو أغمضت الدنيا عينيها في ظلام دامس اختبأت فيه الغيوم فوق السحب لجأوا إلى مضارب البدو أو إلى كهف في بطن جبل قضوا ليلتهم وتابعوا طريقهم. قال الغزاوي:
- أخشى أن يطول احتجاب النجوم عنا فتضيع منا الاتجاهات ونضل طريقنا.
قال التدمري:
- لا تخف. أنا دليلكم. أنا ابن البراري الشاسعة.
في الظهيرة صحت السماء وانجلت عنها سدف الغيوم لكن نسيماً شديد البرودة اندفع يشوي آذانهم وأنوفهم فدخلوا أحد الكهوف في بطن الوادي يأكلون مابين أيدهم من خبز الذرة والتمر. وفجأة قال البعلبكي:
- ألا تسمعون شيئاً؟
ففغروا أفواههم ومدّوا أعناقهم يرهفون السمع. قال التدمري مذعوراً:
- ألا تسمعون وشيشياً يا شباب؟
وهرع الغزاوي إلى الخارج وصرخ فيهم مذعوراً:
- اخرجوا.
هبوّا جميعاً مندفعين من الكهف، وإذا بسيل جارف قادم باتجاههم تتلوّى مقدمته في قعر الوادي مثل رأس الأفعى تتبعها أمواجه التي يتقلّب بعضها إثر بعض مندفعة هادرة. فتنادوا بهلع:
- إلى الأعلى. إلى الأعلى.
وتسلقوا قمة الوادي مثل الذئاب الضارية، وركنوا يحملقون في لجج الماء المتدفقة التي تتزاحم بمناكبها. قال أحمد (جيرودي) بورع:
- الحمد لله. كُتِبَ لنا عمرٌ جديد.
وسرح محمد يفكر: يبدو أن الموت يتحامل عليهم، يطلُّ بين الفينة والفينة كأنه يهدِّدهم أو يريد أن يقول لهم شيئاً ما. وتابعوا المسير..
في الثلاثين من تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1918 أعلن لويد جورج القائد العام الجديد للقوات البريطانية للعراقيين أن بريطانيا حاربت من أجل تحقيق حرية الشعوب وتحريرها من جور ألمانيا وحلفائها، وأنها تعترف بوحدة العرب واستقلالهم التام. وكانت بريطانيا قد كلفت وزير خارجيتها اللورد جيمس بلفور في 2تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 1917 بتسليم المرابي اليهودي روتشيلد الكتاب الأبيض الذي تمنح بموجبه فلسطين لليهود.
أما محمد ورفاقه فلم يكن يعنيهم سوى أنهم مسلمون عرب رعايا في الدولة العثمانية السَّنية، وأنهم كانوا يقاتلون الإنكليز الكُّفار، وأنهم انتصروا في معركة الكوت لكنهم لا يعرفون لماذا انسحب البنباشي وجعلهم ينصرفون؟
وصلوا إلى تدمر في الهزيع الأخير من الليل متهالكين جائعين وقال محمد في نفسه "اقتربنا جيرود ضربة حجر" ومشوا وراء التدمري يتغلغل بين الأزقة كالغزال وتوقَّف أمام دار أهله يحيطون به كصغار الهررة وطرق الباب بقوة وصمت بمكر فسمعوا وقع أقدام يتجه نحوهم وصوت ينادي "مين" فردّ عليه التدمري مغيِّراً صوته "صاحب" فصرّ الباب الخشبي وانفتح عن رجل يتلفّع بعباءة من وَبَر الجمل وبين يديه بندقية وبجانبه زوجته تحمل الفانوس. وبعد لحظات صمتٍ ورهبة صاحت الأم مأخوذة "صالح؟" وترامت عليه تعانقه. وفيما أخذ المطر يتساقط بغزارة قال الرجل لزوجته "دعيه يدخل هو وربعه" عرضت عليهم الأم أن تقدم لهم بيضاً مقلياً بالزبدة وتمراً.. لكنهم قالوا "لا نطيق الأكل الآن" وتمددوا على الأرض وغرقوا في نوم عميق فجمعت ما لديها من أغطية وغطتهم بحنان وفرح يغلي فيها غلياناً.
وعندما نادى المؤذن لصلاة الظهر قال الأب بحسم:"سأوقظهم. كفى" فجاءت الأم بجرة "البرما" التي أحكمت غطاءها بالرقاع والطين وبسطت الخوان وأفرغتها يتصاعد منها البخار وتفوح رائحة السمن العربي. وامتدت الأيادي تلف كرات من القمح المهروس الممزوج بقطع الدجاج ينفخون عليه ويدسونه في أفواههم التي يسيل منها اللعاب. وبعد العصر همّوا بمتابعة المسير رغم محاولة رفيقهم وأبيه وأمه أن يبقوا إلى الصباح. اتجهوا شرقاً وكل منهم يحس أنه يتمتع بحرية كأنه انطلق من جلده وعظمه.
أخذت المجاعة حدها في سائر الريف هدّت أركان البيوت، ولوت الأعناق. خلت الديار من رجالها فقهرت الجميع، أذلّتْهم يبّستْ شفاههم وأوقفتهم على حافة الهاوية،وبارت الأراضي وصارت مرتعاً للحراذين والسحالي.. حتى طفق الرجال يعودون. وما أسرع ما تنقبض أفراح الاستقبال المبتسرة فيحاولون البحث عن عمل أيَّ عمل لينحتوا الصخر من أجل سدّ الرمق. إلا خديجة: زوجها يوسف لفظته من تفكيرها نهائياً وألقته في المجهول. أمينة تجاوزت الثامنة وعاتكة تجاوزت العاشرة، وضعتهما تحت جناحيها وسعت مع الساعين من أبناء قريتها يبحثون عن لقمة العيش المرّة. راحت تخبط مع الجميع شرقاً وغرباً وتوغَّلت في الشمال حتى بلغت "قرق خان" في الأناضول. تقول خديجة "لا أريد من الله إلا السترة، واللقمة، ورقعة الثوب".
وفي الحادي والعشرين من كانون الأول (ديسمبر) عام 1918 وصل محمد ورفاقه ليلاً إلى جيرود بعد اثنين وخمسين يوماً من تلك الرحلة التي تكرست ذكرى في نفسه وكأنها أصابع يديه. هبط على داره وكأنه ليلة القدر، ولعلعت الزغاريد، وكانت ساعة نصر حضنتهم وجعلتهم يحسون وكأنهم وُلدوا من جديد. واختلط الفرح بالدموع، وضمت خزنة ابنها وكأنه رجع طفلاً وكادت تكشف عن صدرها لترضعه. وركنت مريم ذاهلة تحملق في زوجها وكأنه ومضة حلم، وأغمضت تبارك عينيها تضرع إلى الله أن يعود هزيم. كانت خزنة تعاني من المرض، وتحاملت على نفسها تريد أن تغرف بيديها نعيم الدنيا وتقدمه لابنها الذي جمدت عيناها على وجهه على كل مافيه. جعل محمد أيامها حلماً وردياً وذبحت الديك الأحمر وأولمت. في صباح اليوم التالي وقد بزغت الشمس وارتفع دخان الموقد الكبير الذي وضعت عليه مريم القدر النحاسي الكبير تسخّن الماء للغُسل، وانهمكت بفرح ما بعده فرح تسلق البيض وتهيئ الدبس. فداهمتها خزنة وهي ترمقها متوترة:
- أما زال محمد نائماً يا مريم؟
- نعم يا امرأة عمي.
- طلعت الشمس. ماذا بعد؟ قومي أيقظيه. تحركي.
وقف محمد أمام أمه ومايزال يتوثَّب إلى عينيه كلّ صباح الواقع والذكريات. المحراث والنير، والمرّ، والرفش، والمجرفة، والمسحاة، وقفّة المطاط، المعلقة على الجدران، وفتحة البئر المسورة بالحجارة والطين والدلو المطاطي المتدلي من الحامل الخشبي. لبث لحظات سابحاً في حلم العودة وقد تحلل من أزيز الرصاص ودوي القنابل وأنات الجرحى وانتظار الموت مداهماً من فوق من تحت من كل الاتجاهات. من الطرق الكأداء، من الجوع وقطاعي الطرق من السير مرغماً وهو نائم. وطالعته ابتسامة العتب على وجه أمه فبادرها:
- صباح الخير يا أمي.
- صباح الخيرات والليرات. عجل يا ابني اغتسل وتناول فطورك وتعال أكلمك.
جلس محمد بجانب أمه فعانقته بيدها ورنت إليه بحنان تنتزعه من الحلم قبلته ثم انتصبت قائلة: "مهلة الضيف ثلاثة أيام يا محمد" قم يا ولدي واذهب إلى دمشق برضاي ورضا الله عليك وقابل "الأمير" كم كان يعزّ المرحوم والدك والتمس عنده عملاً يليق بك وبعائلتك. الرزق لا يأتي وحده إلى دارك يا ولدي وما معك من الذهب والدراهم سينتهي ولو كان بحراً. البحور تنشف يا أبا قاسم ".
لم يخيّب محمد ظنّ أمه ركب الحمارة البيضاء وأخذ معه أعزّ أصدقائه فاضل الذي استعار حمارة الجيران، وقد كان محمد سعيداً بصداقته لأنه يكبره بحوالي عشر سنين ويساعده على التبصّر في أموره. دخلا دمشق وسط عدد من رجال القرية راجلين وراكبي رواحل. وفي (خان المعلق) قال لفاضل:
- فاضل انتظرني هنا حتى أعود.
- احذر أن تتأخر عليّ يا محمد؟
- يجب أن تنتظرني. فيها رزقة يا فاضل.
- نسأل الله التوفيق.
تذكر محمد أن فاضل فارغ الجيب فانتحى به جانباّ ودسّ في يده بإصرار نصف (مجيدي) فضّي وأعطى صاحب الخان ثلاث قطع (أبو الميّة) على الحساب بدل التبن.