الفصل 23

12 0 00

في صيف العام 1994 كان محمد ابني الأصغر في الخامسة يجمع أترابه الأطفال في بيتنا الجديد بحي الركنية يتقلّبون على العشب الأخضر، كنت جالساً مع صديق عند المدخل نتمتع بمنظر الصغار وهم يتقافزون كالغزلان لاهين عن الدنيا وما فيها فلفت نظره طفلان شعرهما ذهبي ووجهاهما زهريان: بهاء عيناه خضراوان وعماد عيناه فيروزيتان. سألني:

- من هذان الطفلان؟

- من شمال إيطاليا.

- ولكنهما حافيان وثيابهما زرية.

- وهل الإيطاليون معصومون من الحفا والزراية؟

أضحى كابوس الاقطاعيين يثقل على صدور الفلاحين والأجراء في إيطاليا، وأضحت القلوب تزداد حقداً وضغينة والهمهمات تشي بالانفجار، وها هو البيرتو ذو العضلات المفتولة والبنية المتينة التي تهدّ الأرض قد بلغ الرابعة والعشرين بعد أن أفقده المرض أباه وأمه وغدا أقصى طموحه أن يحصل على قوت يومه، وغار في سواد قلبه اليائس خيال أوفيليا التي اختارتْ غيره وألهبت النيران في عروقه، فاندمج طائعاً في الآخرين يصبّ همهماته في أوار همهماتهم. بيد أن الإقطاعيين الذين ألهبتْ قلوبهم أشباح العيون تقدح شرراً فقد كانوا أكثر حنكة وأشدّ مكراً فلجأوا إلى بابا الفاتيكان (أوربان الثاني) يلتمسون عنده الفرج.

قال "البابا" بشموخ "سأخلط العالم بعضه ببعض كرمى عيونكم. سأدمر البيوت سأضرم النيران في الحواضر والبوادي لتلتهم الزرع والضرع. ولكن فكوا أكياسكم وأجزلوا العطاء، جازفوا بالخمسة لتربحوا العشرة. أبشروا" وفي شهر تشرين الثاني (نوفمبر) عام (1095م - 487هـ) صاح في الرعايا صيحة مجلجلة ملأت الآفاق: "القدس القدس أيها المؤمنون. القدس رازحة - ياغضبة الرب - تحت أيدي المسلمين المتوحشين. طوبى لمن أطاع ربه وباع دنياه الزائلة بآخرته السرمدية. هيا هبوا إليها أنقذوها من الأيدي الآثمة ليغفر لكم الربّ ذنوبكم وخطاياكم، وتنعموا بغنائم الحرب فضة وذهباً وياقوتاً فتفوزوا بخير دنياكم وثواب آخرتكم، ويمنّ الرب على من يسقط منكم صريعاً بشرف الشهادة الذي لا يضاهيه شرف فيدخله الجنة من أبوابها الواسعة، إنه وعد حقٌّ مني. وبعث رسله ذوي الألسنة الطليقة يطوفون بالناس في جميع أرجاء البلاد وعندما وصلوا إلى الشمال والرجال يتهافتون عليهم ينشدون الخلاص من وعثاء الدنيا، ويتطوعون لنجدة القدس مرضاة جلال الربّ وغبطة البابا حتى وصلوا إلى قرية صغيرة تخفض رأسها عند ضفة بحيرة (غارو) على سفوح جبال الألب الشامخة فوجد (ألبيرتو) نفسه وسطهم وهم يهدرون هدير السيول الجارفة. وكم شعر بالغبطة وهو يرتدي الثياب المقدسة التي شرفوه بها، هائماً بمشاعر قدسية صوفية وهو يزهو بقطع القماش الأحمر الذي تألّق على صدره وكتفه مطرَّزة عليها علامة الصليب، وقدَّموا له حصاناً مطهماً وعدة حرب كاملة وسار في ركب شاكي السلاح لتحرير بيت المقدس.

قامت الحروب الصليبية بين عامي (1096- 1299) توقع القتل والخراب والدمار بوحشية بدءاً من الساحل الغربي ثم انتشرت في أرجاء كثيرة من سورية ولبنان وفلسطين، بيد أن (الغزاة) الفرنجة لم يكونوا في نزهة. وفي ضواحي دمشق اندحرتْ المجموعة التي كان فيها ألبيرتو وحمله حصانه هائماً به نحو الشرق على غير هدى باتجاه طريق تدمر فسقط في إحدى مزارع القرى وفي كتفه جرح عميق ينزف، وجسمه يلتهب بحرارة أذابتْ عينيه محاولة أن تستلّ روحه وأنَّ، وتقطع أنينه حتى غامت الدنيا في عينيه وغاب عن الوعي مستسلماً لأنياب الضباع الجائعة المتوارية عن الأنظار لتتصارع على الولوغ في دمه تنهش لحمه وتقرض عظامه عندما يحلّ الظلام.

رجعت ربيعة نحو القرية على متن حمارتها البيضاء رشيقة كحمامة غار فيها الهديل لكنّ قدوم الربيع جعلها تتفتح وهي تسيل على بُسُطٍ خضرٍ من القمح والشعير بعد أن جزّتْ من حقلها نصيباً من العشب الطريّ غذاء لمعزاتها. لقد قاربت ربيعة الخامسة والعشرين عازبة لاوقت لديها للحب أو الخطوبة أو الزواج لا لقساوة قلبها ولكن لقساوة عيشتها. تذهب في البكور إلى حقلها وتعود قبل غروب الشمس. وفجأة حرنت حمارتها وأرختْ عنقها ومدت رأسها وشدتْ قوائمها، صاحت بها، ضربتها بلا جدوى. وإذا برجلٍ مستلق على قفاه مضرج بالدماء، وفي كتفه جرح حفر فيها فختة بحجم العجّورة جعل القشعريرة تنخل بدنها بلسعات باردة ومن حيث لاتشعر قفزت عن حمارتها، وانتشلت مطرتها وصبتْ على رأسه الماء فاخضلّ شعره الأشقر ولحيته الكثة والتمع وجهه الأبيض الذي لوحته الشمس بدكنة كقشر الرمان، فتململ ونظر إليها مستنجداً بعينين خضراوين ذابلتين وأنين كحشرجة الموت، ثم أغضى سألته "من أنت؟ ماذا بك؟ ماذا تفعل هنا؟" فكلَّ لسانه عن الكلام. قرَّبتْ حمارتها منه، وربطت قائمتيها لتثبت مكانها، ونظرت حائرة إلى طوله الفارع كيف تحمله لتضعه على متن الحمارة، أمسكته من يده السليمة وشدَّته قائلة "هيا انهض" وأعانته حتى وقف متهالكاً فألقته على بطنه فوق ظهر الحمارة، ومضت به إلى دارها وقد سقط قرص الشمس وراء الجبل.

دفعت الباب الخشبي فجذب صريره عيون جدها وجدتها وعندما رأيا الرجل جمدا مأخوذين. سألتها جدتها "من هذا؟" أجابتها بحدة "لا أعرف ياجدتي لكننا يجب أن ننقذه، فقال جدها "لاوقتَ للكلام" حملوه ومددوه على فراش في غرفة ربيعة وفيما هرع الجد يمزّقُ ثيابه فوجئ بعلامة الصليب على صدره وكتفيه فانجذب مصعوقاً ثم قال باحتقان "هذا علج ياربيعة. هذا من الفرنجة الذين يغزون بلادنا يقتلون ويخربون" قالت ربيعة بغصة وانكسار "لكنه ابن آدم ياجدي" فالتفتَ الجدّ إلى الجدة وقال لاهفاً "هيا أضرمي النار بسرعة" وقال لربيعة شدي وثاقه بإحكام. ثم جاء بسيخ من على النار أحمر لاهباً وقال "بسم الله الرحمن الرحيم" ووضعه على كتف ألبيرتو المصاب، فجأر ألبيرتو جئيراً هزّ القلوب، ثم ملأ الجدّ الجرحَ بروث الحمارة وطلب من زوجته أن تغلي بعض الأعشاب بماء نقي، وقال لربيعة "أسقيه مغليَّ العشب، وخصّيه بحليب معزاتك وبيض دجاجتك حتى يتعافى وعوضُك على الله يا ابنتي" ثم حذر زوجته وربيعة بصرامة أن تكتما سرّ وجود هذا الرجل حتى يفرجها الله عليه، وبعد أن أدى صلاة الصبح في المسجد انفرد بالإمام وقال له:

- هل تحفظ السرّ ياشيخي؟

- بإذن الله.

وأسرّ له بحكاية العلج، فانفعل الشيخ وقال بحماسة:

- لا وألف لا.

- ولكن الرسول (ص) أمرنا ياشيخي بأن نحسن معاملة الأسرى، وأن نعالج مريضهم.

- معاذ الله أن أخالف أمر رسول الله عليه صلوات الله وسلامه. لكن لا يجوز لربيعة أن تختلي به.

- إنه مريض متهالك.

- الشيطان خزاه الله لا يمرض ولا يموت.

- ياشيخي ربيعة تسقيه وتطعمه بيدها وتسهر عليه، وإذا تخلَّتْ عنه فارق الحياة، قال تعالى (ومن قتل نفساً بغير حق كأنما قتل الناس جميعاً).

قال الشيخ مأخوذاً "والعياذ بالله" ثم أطرق وفكر ملياً وقال:

- ليس عندي سوى حلٍّ واحد. أن يختار طائعاً أمام شاهدين عدلين الدخول في ديننا وله ما لنا وعليه ماعلينا، وأن نكتب كتاب ربيعة عليه.

أدى ألبيرتو الشهادتين: أن لاإله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ووافق بإشارة من رأسه أن يعقد قرانه على ربيعة، وراح يختلس النظر إلى عينيها السوداوين الذابلتين وجسمها الأهيف وهو مايزال كليلاً متهالكاً، وكان أولّ لقاء للعيون مثل شرارة قدحتْ بينهما جعلتْ ربيعة تغضي بخفر أزهر له وجهها.

قالت ربيعة لجدها وجدتها "ولكنه أصم أبكم. أكلمه فيلوذ بالصمت. إنني حائرة في أمره" قالت الجدة ملمّحة "لايليق بالزوجة أن تعشق زوجها وتتهافتَ عليه" قالت ربيعة باحتقان واستنكار "تقولين زوج ياجدتي وهو طريح الفراش؟ أعني كيف أتفاهم معه من أجل صحته" فقال الجد "هذا يا ابنتي من ناس غير ناسنا، لسانهم غير لساننا. علميه إن استطعت".

ومدّ ألبيرتو إصبعه إلى صدره قائلاً "ألبيرتو، ألبيرتو، ألبيرتو" فردَّدتْ ربيعة "ألبيرتو" ثم مدّ إصبعه إلى صدرها وأشار إشارة السؤال، قالتْ "ربيعة" وكررتْ الكلمة فقال "ربيهة، ثم ربيئة" وظلتْ تطلب منه الإعادة حتى نطق باسمها صحيحاً.

وقال الشيخ للجد "لا عيب بالحلال" ثم سأل هامساً "هل بنى بها؟" إجاب الجد "كيف ياشيخي وهو ما يزال غير قادر على الحركة" قال الشيخ بارتياح "الحمد لله، الحمد لله" وتابع قائلاً "هي حلاله" ثم قال بحزم:

- يجب أن نختنه.

- الآن؟

- نعم، قبل أن يفوت الأوان.

وجاؤوا بالمطهِّر واستلّ الموسى وبسبب استحالة التفاهم اضطروا أن يعصبوا عيني ألبيرتو، ويقيدوا رجليه، ولم يخطر له إلا أنهم يريدون قطع إحليله من وراء ظهر ربيعة فراح يصرخ محتقناً محتداً "ربيعة ربيعة" مستنجداً بها. لكنه وهو يستعمل الدواء لبرء الجرح تعلم كلمة جديدة هي الختان.

كنت قد فرغتُ من كتابة روايتي الجديدة الثامنة "صوتُ الليل يمتدّ بعيداً" قبيل بدء عملي في الهيئة وصدرت عن دار الأهالي بعد استلامي العمل ببضعة أشهر ولاقتْ رواجاً بين القراء وحفاوة بين النقاد والمعنيين، وذات يوم فوجئتُ بالملحق الثقافي الفرنسي المسيو (فوركاد) يزورني زيارة شخصية ليبدي إعجابه بها وهو يتقن اللغة العربية، ويستأذنني بترجمتها وقد ترجم بعض الروايات لجمال الغيطاني ويوسف القعيد من مصر، فرحبتُ بطلبه.

كانت علاقتنا مع فرنسا جيدة وبخاصة السفير فأوفدتُ إلى باريس مع مجموعة عمل وتعرفتُ إلى اثنين من المسؤولين الإعلاميين سرعان ما توثَّقتْ علاقتي بهما، الأول (برنار لانو) رئيس مجلس إدارة (مونت كارلو) وقد فاجأني أنه يتقن العربية بلهجة اللاذقية وإذا بأمه من اللاذقية، وأعلمني أنه عاش ردحاً من طفولته فيها عندما كان أبوه مديراً (للتجهيز الأولى) أثناء الاستعمار الفرنسي، وأنه كان زميلاً للرئيس حافظ الأسد في تلك المدرسة. والثاني (فؤاد بن حلا) رئيس قناة فرنسا الدولية وهو من أصل جزائري يتكلم العربية باللهجة الجزائرية.

كانت ثمرة ذاك اللقاء إنشاء محطة أرضية للاستقبال التلفزيوني في مبنى الهيئة نستقبل بها عشر ساعات يومياً من إرسال قناة فرنسا الدولية مجاناً، وإنشاء استديو ومكاتب جديدة للقناة الثانية، وتدريب مجموعات من الفنيين والمخرجين العاملين في الهيئة على مراحل بمراكز التدريب الفرنسية.

قبل استلامي عملي زارني صديق من المنتجين الأردنيين زيارة مجاملة، ويبدو أنه أراد أن يتوثّق من إشاعة سمعها عن المنصب الجديد فهنأني تهنئة ماكرة ليتوثق من الأمر، فشكرتُ له تهنئته. بعد أن تناولنا الغداء وغادر بيتنا قالتْ لي زوجتي:

- نسي صاحبك مغلفاً هنا.

- متأكدة؟

- هذا هو.

رأيتُ في المغلف غير المقفل مبلغ (تسعين ألف ليرة سورية) حملته ومضيت إلى بيته المستأجر في حيّ المزرعة. قال لي:

- لم أنسَ شيئاً.

- لم يدخل بيتنا أحد سواك.

وبعد جدل أقرّ أنه تركه عامداً باسم الصداقة لأنني قد أحتاج إلى مصروفات إضافية بسبب المنصب الجديد. هذا الرجل كتبت له بعض المسلسلات وكان لا يعطيني مستحقاتي إلا بشقّ النفس، وكنتُ قد أوقفتُ التعامل معه قبل استلام عملي في الهيئة لهذا السبب ولسبب آخر أنه لاينفق على إنتاج أعماله مالاً كافياً فيتدنى مستواها. تركتُ له المبلغ على الطاولة قائلاً "لن أقيم حفلات ولا أحتاج إلى المال ".

جاء منتج أردنيّ آخر ليزورني فاعتذرتْ منه السكرتيرة أنني أعقد اجتماع عمل. أهداها سواراً من الذهب وترك لي عندها محفظة يد صغيرة مما يستعمله الرجال ملأى بأنواع من الحلي الذهبية زعم أنني طلبتها منه، رفضتْ فترك على طاولتها كل شيء وانسلّ خارجاً. أعلمتني السكرتيرة فطلبت من الاستعلامات منعه من الدخول نهائياً، واستدعيتُ أحد السعاة المعروفين بالحيوية وطلبتُ منه أن يأخذ شخصاً يرافقه ويبحث عن الرجل بأسرع وقت ويسلمه (أشياءه) ليكون شاهداً. إن الرغبة الملحة في أن يقوِّم امرؤ خللاً يراه في المجتمع الذي يعيش فيه هي الرغبة الملحّة المبنية على الهواجس الثقافية والإعلامية التي تولد فيه - رغماً عنه - وفي مجال الإنتاج التلفزيوني ثمة من يعبر عنها بالتأليف، أو بالإخراج، أو بالتمثيل، أو بالانتاج كل بحسب استعداده الشخصي. ولئن كان الإنتاج عملية تجارية محضة فإن تجارة (الفجل والبصل) لولا تلك الهواجس أكثر ربحاً منها. بيد أن ثمة من يخوضها بدافع كسب المال بالرشوة والاحتيال على حساب الجودة، أو الإعجاب بامرأة جميلة يريد أن يصل إليها فيعدها أن يجعل منها نجمة براقة، أو ممثلة خائبة يجتذبها ويغدق عليها المال، تماماً كما يفعل صاحب الذهب، كان مغرماً بممثلة شمطاء متبذِّلة يأخذها إلى فرنسا ليعيش معها الليالي الملاح. إنه يسعى إلى كسب المال عن انتاجه المتردي بالرشوة بأية طريقة... وما أكثر المنتجين من أمثاله ذوي الثقافة الضحلة والسوية الأخلاقية الهابطة.

أما في مجال التوزيع فإن عدداً محدَّداً من (النصابين) استطاعوا بطريقة أو بأخرى احتكار توزيع إنتاج الهيئة من مسلسلات وبرامج وسط جوٍّ مشحون بالفوضى والغموض والإشاعات، أحدهم كانت تتراكم عليه الديون فيتهرب من دفعها وعندما حاصرناه بكى وانفعل يحاول استفزاز عاطفتنا. كان هذا أيام شحّ الإنتاج، أما وقد تضاعف الإنتاج كثيراً فإن العملية تحتاج إلى ضبط وصرامة.

أعلنا لجميع أصحاب شركات التوزيع نطلب تقديم عروض عن كل محطة من المحطات العربية وعقدنا اجتماعاً اخترنا فيه الموزع الأفضل بمحضر أصولي فثارتْ ثائرة بعض الآخرين أولئك الذين لم يتعاملوا مع الموضوع بجدية، ولم يكونوا يتوقَّعون هذه النتيجة فسخطوا وراحوا يشككون بالموزع الجديد يحاولون أن يحولوا دون التعاقد معه.

إن أكثر مايثير الحاقدين اعتقادهم أنك في مركز يتيح لك أن تعاقر من شئت من النساء وتغرف ماشئت من المال، فتتراشق عليك الدسائس الطائشة من جهات عدة لا تعرفها فتحس أنك تمشي في حقل ألغام. لقد يئسوا أن يصطادوك (بالمرأة) فلبثوا ينتظرون وانقضوا عليك من (باب المال) وسواء أكنت أضعف أمام إغراءات النساء أم أوشك أن أضعف، فإنني أمام إغراءات المال تماسكتُ دون الحَفَل أن هذه الإغراءات بنوعيها مدسوسة أو عارضة، بل كنتُ أتمتع بقلق لذيذ، فيه تحدي الذات وفيه تحدي الآخرين. أما أولئك الذين خابوا في تحقيق مآربهم فقد اندفعوا يطلقون الإشاعات يسوّغون بها خيبتهم أنهم شرفاء وأن (الإدارة) لاتتعامل إلا بالرشوة.

لملمتُ شتات نفسي باعتمادي على مثل شعبي مصري يقول "امشي عدل يحتار عدوك فيك" وحكمة قديمة تقول "من عرف قدر نفسه ما ضرّه كلام الناس فيه" وتركتُ الإشاعات تتكسر كما تتكسر الأمواج وتغيض في الرمال.

عندما تزوجتُ نعيمة في أواخر تشرين الأول (أوكتوبر) من العام 1982 وقررنا ترك بيت المشروع للأولاد وأمهم حولنا بإرادتنا شهر العسل إلى شهر (دبس) وحزمنا أمتعتنا الشخصية وأقمنا مع أمي في مساكن برزة. كانت تقيم في بيت علي ابن خالتي وكان علي ضابطاً في الجيش السعودي أبوه وعائلته الكبرى "آل الوهيبي" يقيمون من منطقة (الخرج) في نجد وهم على علاقة وثيقة مع آل سعود. أخذوه بعد أن حصل على الشهادة الابتدائية ونسَّبوه إلى الكلية العسكرية التي فتحت لتأسيس جيش سعودي يتلقى العلوم العامة بدءاً من المرحلة الإعدادية بالإضافة إلى العلوم العسكرية.

لم تطل إقامتنا سوى بضعة أشهر حتى طردتنا أمي بسبب غضبة مزاجية عارضة، فاستأجرتُ غرفة مفروشة في ملحق بمنطقة الطلياني في الجسر الأبيض من صديق أسعفني فيها لمدة شهر، كنت أيامها أعمل في دار البعث، فأوفدتني القيادة القومية إلى إيطاليا لمدة عشرين يوماً لحضور احتفالات جريدة الحزب الشيوعي الإيطالي (الأونيتا).

وعندما عدتُ استنفرتُ أصدقائي فعثرت على شقة صغيرة في دمر الحي الغربي بقبو مؤلفة من غرفتين إحداهما لاترى النور أنام فيها وأمارس الكتابة، وفيها أنجزتُ مسلسل "هجرة القلوب إلى القلوب" وفيها أصبتُ بارتفاع "ضغط الدم" لأن غرفتي يعج فيها ضباب الدخان طوال الوقت. وفي تلك الشقة نقلتْ نعيمة خلال العطلة الصيفية من جيرود إلى ثانوية دمر للبنات، وفيها وُلدتْ "أنمار" و"بهراء" و"محمد" يقيمون في الغرفة العلوية المشمسة مع خالتهم التي أقامت معنا لرعايتهم خلال ذهاب أمهم إلى عملها، وفيها استلمتُ عملي في هيئة الإذاعة والتلفزيون.

كانت علاقاتنا مع الجيران في البناية نفسها وفي الجوار جيدة، وكانوا جميعاً يستهجنون أن يقيم مسؤول (كبير) تحت تصرّفه سيارة فخمة في مثل هذا البيت ومثل هذا الحي وفيه فرع صغير من بردى مياهه ضحلة ملوَّثة، يعشش فيها البرغش، وتمور الجرذان المسمَّنة. ذات يوم سمعت نعيمة تولول، صعدتُ إليها فبادرتني قائلة مذعورة "في الغرفة جرذ يختبئ بين الأمتعة. سمعت من زميلاتي أن جرذاً أكل أنف طفل وأذنيه" واشتبكت معه ساعة كاملة أحاول اصطياده فيختبئ تحت الأثاث، ثم دخل في أريكة فعلق في بطانتها حتى تمكنتُ منه، وكتبتُ زاوية في الجريدة عنوانها "سهرة مع جرذ".

كانت علاقنا مع أصحاب البيت حميمية، لكنهم وضعوا شرطاً قبل تسليم البيت أنهم إذا احتاجو إليه يجب أن نرحل منه، لقد وثقوا بي بلا عقد مكتوب، وفجأة أعلموني أنهم يريدون أن يزوجوا ابنهم وأعطوني مدة شهر للرحيل.

ساعدني أحد الأصدقاء بالعثور على بيت من أبنية المخالفات معروض للبيع في دمر الشرقية وسط حيٍّ شعبي سكانه معظمهم قادمون من بعض مناطق القلمون فيه ثلاث غرف ولكن ليس فيه سوى شرفة صغيرة واحدة تطل على الطريق. كانت ذراعا نعيمة ملفوفتان بحلي الذهب بدأت تجمعه منذ كانت طالبة في دار المعلمات، فدفعنا كل ما معنا من نقود، واستلفنا من الأقارب واشتريناه وأقمنا فيه سبع سنوات.

مساء الثلاثاء 17/كانون الثاني (يناير) 1991 وقد وصلتْ التوقُّعات إلى ذروتها غادرتُ مكتبي في الساعة الثانية عشر ليلاً لأتعشّى بعد أن بلّغت وكالة (سانا) أن يتصلوا بي في أي وقت إذا ضربت العراق. جلستُ في البيت مع زوجتي نشرب (المتة) ثم أويتُ إلى سريري وقبيل أن أغمض عينيّ اتصل بي (المحرر المناوب) في سانا قائلاً "الآن بدأ الهجوم على العراق" طلبت من عاملة المقسم أن تبلغ مدير الإذاعة ومدير التلفزيون أن يلاقوني في مكتبي، وذهبت مسرعاً بثياب البيت (الجلابية) وخلال بضع دقائق امتلأ مكتبي بعدد كبير من العاملين في الهيئة يعلنون أنهم جاؤوا يضعون أنفسهم تحت تصرف الإدارة. في البداية ورد الخبر من محطة (BBC) كمايلي "شنتْ الطائرات المقاتلة والقاذفة والمروحيات الأمريكية والبريطانية والسعودية وأخرى حليفة اليوم حملة كثيفة من القصف الجوي والضربات الصاروخية على العراق، وانطلقت تدمّر مئات الأهداف العراقية من المقرات العسكرية والقواعد الجوية، والجسور، والمباني الحكومية، والأجهزة الإعلامية، ومراكز الاتصالات، ومحطات الطاقة، فألقت خلال 85 غارة ماوزنه ألف طن من القنابل بينها 10% من (القنابل الذكية) التي توجه بأشعة الليزر، استخدمتْ فيها صواريخ "كروز" لأول مرة تطلق من سفن حربية أمريكية رابضة في منطقة الخليج. ولقد سمى الأمريكان هذا الغزو "عاصفة الصحراء" وأعلن جورج بوش (الأب)"إننا لن نفشل" وعندما فتحنا على محطة (CNN) الأميريكية رأينا سماء بغداد يعج فيها الدخان الكثيف والقنابل تخترقها وتتهاوى عليها كالشهب والنيازك.

جمدتْ عيون الجميع في هذا العالم المجنون عالم الفتك والدمار وتنشيط شركات بيع الأسلحة لتنعش الحركة الاقتصادية في أمريكا وتحقّق الرغد والرفاه لشعبها. وصاح صدام بصوته الجهوري "إنها أم المعارك" ويقول للغزاة "انزلوا إلى الأرض أيها الجبناء لنحفر قبوركم" بدا لنا صدام المصاب بجنون العظمة كالطفل يدخل عوداً في عش الزنابير (الدبابير) لتهوش عليه وعلى من معه وامتشق بندقيته وارتدى لباس (الكاوبوي) بقبعته الأمريكية وسرواله "الجنز" وسترته الإنكليزية، وامتطى حصاناً عربياً أصيلاً منسوباً إلى عشرين جداً. وطاف في ساحات بغداد بين الجموع الغفيرة يصفّقون له ويهتفون بحياته وبطولاته، وقد انبثَّ بينهم رجاله العتاة يصوبون عيونهم اللامعة كالخناجر يحاولون اقتلاع كلمة تتناول القائد العظيم بالسوء وانتشى صدام وألقى خطبة عصماء حطّم بها الاستعمار والصهيونية وأتباعهما، وجلس رخيَّ البال.

قامت الحرب البرية تستخلص الكويت من الجيش العراقي وزحفت نحوها من أراضي السعودية وأراضي الخليج قطعات عسكرية من (35) دولة أجنبية وعربية حررتْ الكويت وتعقبت فلول الجيش العراقي نحو جنوب العراق. من هذه الدول سورية التي شاركت بلواء عسكري تمركز في منطقة (حفر الباطن) السعودية بغاية المساندة.

وعادت بي الذاكرة إلى مشاهد رأيت فيها صدام على شاشة التلفزيون العراقي يرتدي لباساً عربياً متواضعاً ثوباً "جلابية" وكوفية حمراء "سُلُك - شماغ" وعقالاً أسود في زيارة لأسرة عراقية فقيرة في قرية متطرفة، يسألها عن رأيها بصدام وهي تسمع به ولا تعرفه فتثني عليه وتمتدحه وتشيد بحكمه العادل، وعطاءاته الوفيرة.. لكنها تقدم نقداً عن بعض الأوضاع لا يكاد يتعدى العتب متيمناً في هذه الزيارة بما نقل عن جولات عمر بن الخطاب وبعض الخلفاء كهارون الرشيد على الرعية لتفقد أوضاعها. إنك هنا لاتماري في أن صدام مصاب بجنون العظمة.

ويقيم صدام في العراق المهرجانات الأدبية والإعلامية يدعو إليها كبار الشعراء والأدباء العرب والإعلاميين، ويجلس معهم جلسات "تبسُّط" أو يدخل معهم حمام السوق كنزار قباني الذي امتدحه بقصيدة شهيرة.

ثم عادتْ بي الذاكرة إلى أوائل السبعينات إلى الجزائر عندما انفرد بي رئيس البعثة التعليمية العراقية في ولاية الأصنام الصديق "شوقي الألوسي" وقال لي هل بلغوك كما بلغوني؟ وكنت يومها رئيساً للبعثة التعليمية السورية؟ كان الخلاف على مياه نهر الفرات محتداً بين سورية والعراق، وطُلبَ مني كما طلب من شوقي أن نجمع مانستطيع من الزملاء العرب ونشرح لهم وجهة نظر بلدنا، ونهاجم البلد الآخر. لم يكن الخلاف بين شعبين شقيقين جارين وإنما بين نظامي حكم، فاتفقتُ مع شوقي أن نشرح مشكلة مياه النهر القادمة من تركيا شرحاً هادئاً بنقاش متوازن.

في أوائل التسعينات اتخذ جورج بوش (الأب) أسلوباً جديداً يتقرب فيه من الدول العربية وبخاصة الدول التي ساندت عاصفة الصحراء ببرنامج سمي برنامج "الزائر الدولي" تدعو إليه وكالة الإعلام التابعة للبيت الأبيض عن طريق وزارة الخارجية مجموعات من الإعلاميين تطوف بهم في عدد من الولايات تعرفهم إلى مظاهر الحياة في أمريكا وتتكفل بنفقاتهم كاملة منذ مغادرتهم بلدهم وحتى الرجوع إليها، ويستضيفهم متطوعون من الشعب الأمريكي في دعوات على الغداء والعشاء.

دعيتُ مع اثنين من المهندسين مدير التشغيل التلفزيوني ومدير التشغيل الإذاعي وحدنا من الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، وعوملنا معاملة خاصة، اجتمع بنا عضو من السفارة الأمريكية في دمشق وزودنا بكتيبات فيها معلومات عن تاريخ أمريكا وعن الحياة الحديثة فيها بكل تفاصيلها كالمبلغ الذي يجب أن يعطى لحامل المحفظة في المطار أوالفندق.

منذئذٍ وقبل أن يحين موعد السفر وأتهيَّأ له شرعتُ أعيش الحلم الأمريكي الذي ردَّني إلى عنفوان الشباب إلى المرحلة الواقعة بين منتصف الخمسينات ومنتصف الستينات وأنا أتابع السينما الأمريكية يوماً بيوم. الحلم بمارلين مورو، وأليزابث تايلور، وجين روسل، وأودري هيبورن، وكيم نوفاك، إنه حلم عذب بفاتنات كالزهور. وإنه الحلم بالبطل المطلق جريجوري بك وغلين فورد وروك هدسون... "الكاوبوي" الذي يتألّق على حصانه يذل بقبضته الحديدية العتاة، ويصرعهم بمسدسه بطرفة عين.. يتهاوى الجميع صرعى لكنه يقف وحيداً لايخدش جسمه رأس دبوس. وإنه الحلم بالأدب الأمريكي الذي تجلتْ فيه النظرة الشفافة إلى العالم الجديد، إلى القارة الممتدة في كل الاتجاهات بأراضيها الخصبة ومستوطناتها القديمة التي بناها حجراً حجراً المستكشفون والرواد الأوائل الذين تركوا أوروبا الكليلة المغلقة وراء ظهورهم وجاؤوا ينشدون حرية بلا حدود، إلى أرض ماتزال بكراً كحسناء تفتح صدرها للعناق إلى حضارة نبتتْ برعماً برعماً وسط سكون كسكون الفجر بالأساطير الهندية، ومناجم الذهب والنفط. إلى بلاد تفتح فيها شعر عزرا باوند، وإليوت، وأبدعتْ مسرحها الخاص بها مع يوجين أونيل، وتنسي وليامز وآرثر ميللر، وثورنتن وايلدر، وروايتها الخاصة مع إدغر آلنبو، وهيرمان ميلفيل، ومارك توين ووليم فولكنر، وأرنست همنغواي، وجون شتاينبك.

إنها أمريكا هي التي أوشكت أن تبيد "الهنود الحمر" لكنها احتفظت بمن تبقى منهم ليكونوا نماذج لمتحف التاريخ. أمريكا هي بطل العالم في الملاكمة "محمد علي كلاي" الذي جرّدوه من لقبه وسجنوه، هي "كونتا كينتي" ورواية "الجذور" "لألكس هالي" وذاك السيد الأبيض الصلف ذو القلب الفولاذي الذي اصطاد الزنوج في أفريقيا وكومهم كالبهائم في عنابر السفن، وجاء بهم ليكونوا أرقاء يعاملهم معاملة مهينة أقل من مستوى الحيوانات.

أمريكا هي قصاصات من الأسود والأبيض، هي نسيج محبوك بإحكام. أمريكا هي الكاعب الحسناء ترفُلُ بالدِّمَقْس وبالحرير، قد تعلم أنها مصابة بالزهري أو السفلس أو الإيدز، وقد تعلم أنها خنثى، أو رجل شاذ يتزيا بزي امرأة، أو أنثى من المطاط، أو "خضراء الدمن" الفتاة الحسناء في منبت السوء، ولكنها تشدّ عينيك وتستغويك. وتراها مفعمة بالصَّلَف والغرور لا ترى مَنْ هم وراء المحيط إلا رعاعاً لكنها ماتزال تشدُّ عينيك وتستغويك، إنها قَدَرُك وقرينتك في زواج كاثوليكي كنسي.

في الخامس من نيسان (ابريل) 1941 أصيبت أمريكا بعَشَا البصيرة عندما ألحق بها الطيارون اليابانيون الانتحاريون خسائر فادحة في اوكيناوا. وتمكَّنَ عشا البصيرة منها في السابع من كانون الأول (ديسمبر) من العام نفسه عندما أوقعتْ بها القوات اليابانية في هجوم صاعق هزيمةً ساحقة في (بيرل هاربر) عندها أصبحتْ وحشاً ضارياً وأصبح عنوانها هو "القنبلة الذرية" التي اخترعها (ألبرت أنشتاين) وألقيتْ على مدينة هيروشيما اليابانية في السادس من آب (أوغسطس) 1945كتب عنها أحد شهود العيان "في ثوان قليلة انتشرت الحرائق الهائلة في كل مكان فالتهمت الآلاف من الناس الذين كانوا يسيرون في الشوارع أو يجلسون في الحدائق العامة وسط المدينة. أما من بقوا أحياء فقد انتشرتْ في أجسامهم حروقٌ مميتة وراحوا يصرخون من الألم " "إن كل ما كان فوق منطقة الانفجار أُبيدَ تماماً: جدران، مصانع، منازل، أبنية أخرى واندفع فُتات هذه الأشياء نحو الفضاء في زوبعة رهيبة. الحافلات الكهربائية انتزعت من خطوطها الحديدية وانقذفتْ كأنها فقدت أوزانها وتماسكها. القطارات ارتفعتْ كأنها مجموعة من لعب الأطفال. الخيول، الكلاب، الماشية.. أصابها ماأصاب البشر.إن كل ما كان من الأحياء فقد حياته، وشتلاتُ الأرز فقدتْ خضرتها واحترق العشب الأخضر كما يحترق القش اليابس ووراء منطقة الموت انهارتْ المنازل واصبحتْ أكواماً من الألواح الخشبية والقرميد والأعمدة الحجرية. لقد انهار كل شيء كما تنهار بيوت الكرتون. في دائرة قطرها 10كم" "أما الذين كتبتْ لهم النجاة فقد وجدوا أنفسهم محاطين بستار من اللهب. ومن استطاع منهم اللجوء إلى المخابئ ماتوا بعد 20-30 يوماً من الألم بتأثير إشعاعات (غاما) المميتة، وفي المساء بدأتْ النيران تنخفض ثم ماتتْ. لم يعد هناك شيء تأكله" "وانتقلتْ هيروشيما إلى العدم" وفي التاسع من شهر آب (أوغسطس) نفسه ألقتْ أمريكا قنبلتها الذرية الثانية على مدينة ناغازاكي بين يومي (6 - 9) آب (أوغسطس).

أقلعنا من مطار باريس في التاسعة ليلاً عبر المحيط في رحلة استغرقتْ إحدى عشرة ساعة كنتُ خلالها نهباً للنوم والأحلام والتداعيات، وشريط الذكريات يتطاير في رأسي. هبطنا في مطار واشنطن الدولي في الساعة الثامنة ليلاً، أي كأن الأرض توقفت عن الدوران، أو كأن الزمن توقف حتى وصولنا، وبدونا كالمخمورين وكأن الكرة الأرضية تدور في رؤوسنا: افتح عينيك جيداً إنها أمريكا إنها الهول من التناقضات. وجدنا في استقبالنا "جاك" شابٌ وديع مهذب من جذور دانماركية يتكلم العربية باللهجة السعودية أعلمنا أنه سيرافقنا طيلة رحلتنا ومضى بنا إلى فندق "ديبونا لوزو" وسط العاصمة (downtown) وبعد أن استلمنا مفاتيح غرفنا ودَّعنا جاك على أن نلتقي في الساعة التاسعة صباحاً في بهو الفندق.

وفيما بدت لنا واشنطن وديعة سلسة كأية مدينة أوروبية فوجئنا برسالة تحذير على الطاولة تقول إن إدارة الفندق غير مسؤولة عن فقدان أية نقود أو أشياء ثمينة وتنصح أن نسلمها إلى مكتب الأمانات. كما حذرتنا ألا نمشي في الطرقات والشوارع إلا بما هو ضروري من النقود حتى لا نكون عرضة للصوص والنشالين، والأفاقين.

خلال شهر ويزيد كنت أبحث عن (الأمريكي) بين خلائط من البشر ينتمون إلى جميع الأجناس والأعراق والقوميات والحلل والملل والسيد الأبيض يقبض عليهم بإحكام. إن كلاً منهم يعيش على هواه، تراهم يتراكمون على بائعي المرطبات، ومطاعم الأكل السريع، وتغصّ بهم المرافق السياحية، والسيد الأبيض يستثمر كل شيء كالفرجة من وراء الزجاج على تصوير "نشرة الأخبار" في محطة (CNN) الشهيرة مقابل مبلغ من المال وعلى التصوير السينمائي في "استديوهات يونيفرسل" وملاعب "والت ديزني".

أمريكا هي الزنوج المشعثون المبثوثون في الشوارع يتسولون عنوة، ويتحفزون للشجار، والزنوج الأنيقون كالسيد "ستوك" المسؤول عن برنامج "الزائر الدولي" الذي التقينا به في مكتبه بوزارة الخارجية عند بدء الزيارة وعند انتهائها.

أمريكا هي "لوس انجلوس" وشارع "هوليود" الرائع، وشلالات نياجارا، ومدخل مدينة "أتلانتا" في ولاية جورجيا، ولوحة كهربائية في المدخل كتب عليها عدد السكان بأرقام تدور ليزيد العدد واحداً أو أكثر بحسب الولادات، أو ينقص واحداً أو أكثر بحسب الوفيات، هي (SALT LAKE CITY) التي جذبني إليها اسمها "مدينة بحيرة الملح" وأنا من جيرود المشهورة "ببحيرة الملح" ولكن كم من الفرق بين بحيرة صغيرة تجف في الصيف وبحيرة طولها (160) ك م تختال فيها القوارب.

إذا التقتْ عيناك مصادفة بعيني أمريكي أو أمريكية يبتسم لك ويومئ بتحية ناعمة. إنك ترى أنهم يلقون خلف ظهورهم نيويورك بعظمة ناطحات سحابها كغابات الإسمنت العملاقة، بطرقاتها السريعة الواسعة بين المدن، بسياراتها الفخمة. سألتني امرأة:

- من أين أنت؟

- من سورية.

- أين تقع سورية؟

- في الشرق الأوسط؟

- أهي بعيدة عن إسرائيل؟

إن سؤالها هذا جعلها تهرب من عينيّ إلى أقاصي الأفق.

في التسعينات كان أمير البحرين الشيخ سلمان يزور سورية زيارة رسمية فطلب الاجتماع بمسؤولي المؤسسات الإعلامية، وفي سياق الحديث قال إنه كان يزور سورية سنوياً منذ كان في السابعة عشرة، وكان يذهب إلى صيد الصقور في البادية المتاخمة للرحيبة وجيرود فأشار الزملاء إليّ قائلين "من جيرود". انتعش الرجل وتلألأ على وجهه الحنين إلى أيام شبابه الأولى، وعندما انتهتْ الزيارة استبقاني ودعاني إلى زيارة البحرين أنا وزوجتي وأولادي. وعندما جاءتنا بطاقات الطائرة شددنا الرحال فاستقبلنا وزير الإعلام والثقافة والسياحة الدكتور صالح المؤيد وزوجته والمدير العام للإذاعة والتلفزيون الدكتورة هالة بحفاوة.

أقمنا بجناح (رئاسي) فخم بفندق الشيراتون وخُصِّصتْ لنا سيارة طافت بنا على معالم البحرين وعلى الأخص المتحف الرائع، ثم عدنا جميعاً بما فينا الأطفال (أنمار وبهراء ومحمد) محملين بالهدايا من ساعات فاخرة، وحلي من الذهب واللؤلؤ الثمين.

وعندما قام الرئيس بجولة في دول الخليج بدءاً من السعودية إلى الكويت فالبحرين فقطر فالإمارات، فعُمان، اصطحب معه المسؤولين الإعلاميين وكانت الطائرة كلما أوشكت أن تهبط بنا في أيٍّ منها يقول أحد الزملاء "إن الساعة آتية لاريب فيها" فقد أهدي كلٌّ منا في كل بلد زرناه ساعتين فاخرتين له ولزوجته.

وزار سورية الأمير جابر الصباح بعد أن تحرَّرتْ الكويت، فأهدى كلاً من المسؤولين الإعلاميين محفظة جلدية فاخرة، فيها مجموعة هدايا قطعتان من الجوخ الفاخر وساعتان ثمينتان له ولزوجته، ومغلف فيه خمسة آلاف دولار أي مايعادل مئتين وخمسين ألف ليرة سورية.

في تلك الآونة زرنا جيرود خلال إحدى العطل، وكنا بعد أن تداعى بيتنا نقيم بدار عمي أو ببيت أهل نعيمة، وكانت ألسنة الناس خلال تلك الزيارة تتندّر بازدراء واحتقار في فضيحة مؤسفة عن رجل في حيّنا أولاد عمه باعوا بيوتهم في جيرود وهاجروا إلى دمشق وعندما ماتت أمهم (امرأة عمه وحماته) جاؤوا بها ليدفنوها في جيرود ويقيموا لها العزاء لأن القبور في دمشق نادرة وباهظة الثمن وفي جيرود (مجانية). أقفل ابن العم بابه في وجوههم ومنعهم من دخول بيته.

كانت عيناي وعينا نعيمة تتفرس في دولارات أمير الكويت وذاك الركام من الهدايا التي كنا نقف منها موقف (المشتهي المستحي) فقررنا إنشاء دار في جيرود متمثلين ذاك المثل الذي يقول "نفقات الزواج وبناء البيت ميسرة من عند الله" فاشترينا أرضاً على محيط جيرود من جهة الغرب مساحتها حوالي "ألفي متر مربع" وسطها بناء على الهيكل يحيط به جدار حماية من الإسمنت ارتفاعه متر وربع المتر على محيط البناء، وفيها بئر ارتوازية محفورة، صاحبها من أصدقاء الطفولة، رجل متلاف مزواج يملك مساحات من الأراضي وكلما أراد أن يتزوج من امرأة جديدة يبيع قطعة منها. اتفقنا على شرائها بمئتي ألف ليرة أدفع مئة ألف منها والباقي على أقساط دسّها أبو الخير في جيبه والفرح الطفولي يترجرج على عينيه وراح يبحث عن امرأة جديدة، وباشرنا بالبناء.

أحد أبناء عمي يعمل "مقاولاً" يملك (تركس) وسيارة قلاب، أزال مافي الأرض من صخور ومهددّها، وأحضر لنا مانحتاج من الرمل و"البحص" وأقسم يميناً ألا يأخذ قرشاً واحداً.

بعتُ كل مالدينا من هدايا، واستعنتُ من أجل مواد البناء بتسهيلات قدمها لي وزير التموين، ومحافظ ريف دمشق، والمدير العام لمؤسسة عمران. غرسنا في المدخل أنواعاً من الورود أبرزها الياسمين والقرنفل والزعرور.. وعلى المحيط صفّين من أشجار السرو، وفي الفسحة الخلفية أشجاراً مثمرة من معظم الأنواع. وكان الأهم أن الوالدة عندما توفيت في أواخر العام 1994 كان الطابق الأول جاهزاً، فأقمنا لها عزاء لائقاً في بيتنا الجديد.

ذات يوم قال لي أحد أبناء العم وهو ضابط في الأمن إن أحد زملائه أطلعه على تقرير كاتبه "فاعل خير" في إطار ماكان يصاغ من دسائس ضدي أنني بنيتُ قصراً كلفني (33) مليون ليرة.

أولادي منذ صغرهم حاولتُ أن أرسخ في نفوسهم عدداً من القيم ونتيجة خبرتي في التربية والتعليم اتبعتُ أسلوب "القدوة" بدل الوعظ والإرشاد. في الصدق: كنت مثلاً إذا طرق الباب رجلٌ أكرهه لا أستتر في الداخل وأقول لهم "قولوا إنني غير موجود" إنني مستعد أن أواجهه مهما كنت أبغضه وأقول له "أعتذر عن استقبالك" لا أعبأ بغضبه أو رضاه، وأستعمل الأسلوب نفسه إذا رنّ الهاتف. إذا أخطأ أحدهم واعترف بخطئه - من تلقاء نفسه - أعفو عنه وإنني دائماً أحافظ على مواعيد عملي وأبذل كلَّ جهودي فيه، العمل عندي مقدس.

إنني لا أذكر خلال طفولتي أننا تناولنا فطورنا أو غداءنا أو عشاءنا وحدنا، كان عندنا دائما ضيوف يشاركوننا، إن الكرم يخفي عيوب الإنسان. وبما أنني انفصلتُ عن أمهم قلت لهم بحسم "إذا اختلفتُ مع أمكم حتى لوكانت هي المخطئة قفوا إلى جانبها ولاتلقوا بالاً لغضبي لأنني عندما أعود لنفسي أسامحكم".

في إحدى زياراتي لموسكو أحضرتُ لهم من بين الهدايا (أوكرديون) بيد أن الوحيد الذي اهتمّ به مناع. ذات يوم غضبت منه ووبخته وكدتُ أضربه فوجدته فيما بعد منزوياً في إحدى الغرف يعزف على "الأوكرديون" يسقط عليه غضبه فاكتشفت أن عنده ميولاً موسيقية. سألته "أية آلة تحبّ أكثر؟" قال "العود" فصرتُ آخذه يومياً ليتعلم العزف على العود عند موسيقي قديم بيته في منطقة (باب شرقي) تعلم على يديه الكثيرون ممن أصبحوا مشاهير، وكبر مناع ولم أجد له وسيلة يحقِّق فيها طموحه حتى زرتُ الصديق فؤاد بلاط عندما كان مديراً عاماً لهيئة الإذاعة والتلفزيون. قال لي:

- ابنك عنده حساسية موسيقية إنه يصلح للعمل على أجهزة الصوت.

- هل تعينه؟

- وأعيّن أباه.

وعين مناع في دائرة الصوت وهو لما يبلغ الثامنة عشرة، يعمل في البداية مساعداً للفنيين ينقل الأجهزة ويوصلها بالأسلاك، وبعد أسابيع أخذنا نلاحظ في البيت أنه يسهر حتى ساعة متأخرة من الليل يقرأ بعض المخططات، وأنه يتأخّر كثيراً في عمله. سألته عن السبب قال إنه رأى عدداً من الأجهزة في ممرات الطابق الأول، سأل عنها قالوا هذا (boom) وهو ذراع حديدي يثبتْ على قاعدة ويوصل بنهايته (مايكروفون) ليمتد من خارج الكادر ويلتقط حوار الممثلين عن قرب. فكلفوه باستعماله في إحدى التمثيليات وعندما تأكدوا أنه رفع سوية الصوت الفنية وسهل عمل المخرجين كلفوه بإصلاح جميع الأجهزة وبتدريب بعض الفنيين للعمل عليه. ورسختْ قدمُ مناع شيئاً فشيئاً في مجال الصوت، وحقَّق شهرة واسعة معتمداً على نفسه حتى إن بعض المديرين والمخرجين في الهيئة فوجئوا يوماً أنه ابني، منهم فؤاد بلاط نفسه الذي نسي أنه هو الذي عيَّنه.

والغريب في الأمر أن أولادي ساروا جميعاً باتجاه العمل في مجال التلفزيون. إياد أرسلته إلى الاتحاد السوفياتي لدراسة الإخراج، ورزام انتسبتْ إلى المعهد العالي للفنون المسرحية، وعندما استلمتُ عملي في الهيئة كان مناع قد أصبح من فنيي الصوت الأوائل يتسابق عليه المخرجون. بيد أن طموحه لم يقف عند هذا الحد، فكان أول من شرع في نقل الأعمال الأجنبية إلى العربية بعملية "دوبلاج".

أخذتْ الدسائس تتراشق علي كالحجارة من جهاتٍ متعددة أراها ولا أعرف أية جهة خفية تقذفها، وبعد التدقيق عرفت أنها من أولئك الذين كنت أتصدى لهم بزاوية "يوميات" الساخرة اللاذعة في جريدة البعث، أي أن للقلم ضريبة.. وأخذتْ الإشاعات تتناول أولادي لتكون أكثر إيلاماً، داهم الهيئة فجأة أحد المفتشين وطلب من سليم صبري مدير الإنتاج التلفزيوني ومناع مرافقته. أخذهم إلى شقة معينة في بناء ضخم يطلّ على ملعب الجلاء. قال "افتحوها" فأخرج مناع المفتاح من جيبه وفتحها. فوجئ المفتش ومرافقوه أنها شقة سكن عادية فسأله:

- هل تتردَّد أنت على هذه الشقة؟

- نعم.

- من صاحبها؟

- جدتي. تؤجرها مفروشة، وعندما يتركها المستأجر تكلفني أنا وأخي بالتردّد عليها.

كان تقرير "فاعل الخير" يقول إن سليم صبري ومناع يضعون أجهزة من أجهزة الهيئة في هذه الشقة ليستثمروها، والغريب في الأمر أن سليم صبري لم يكن يعرف مناع معرفة شخصية حتى تلك الساعة، أما سبب الاتهام فيما قدَّرت أنني بعد عدد من الاجتماعات للتداول في تحسين الشاشة تبرع سليم صبري بالإشراف اليومي على تدريب المذيعات ومراقبة هندامهن، والإشراف على مراقب الفترة فنجح في مهمته نجاحاً باهراً.

أثناء تصوير أحد المسلسلات في استديو الدراما الرئيسي اختفى جهاز التسجيل "الفيديو" حاولنا البحث عنه فلم نفلح، أعلمْنا "الشرطة الجنائية" فلم يصلوا إلى نتيجة ففاجأني مسؤول الرقابة في الوزارة قائلاً "عثرنا على السارق" إنه ابن المسؤولة عن ورشة الخياطة العاملة في المسلسل، جاء يزور أمه فاعترف وقال إنه أخرجه بسيارتك الرسمية التي لاتفتَّش أثناء عبور المدخل برفقة مناع على أن يكون شريكاً له، وطلب التحقيق مع مناع.كانت تلك وصمة عار اكتشفها ذاك المراقب الذكي، ذاك الذراع المتحرك، وكانت وخزة جديدة مؤلمة لكنني أثق ثقة راسخة بابني أنه لا يمكن أن يتحدّر إلى تلك المنزلقات حتى جاءني يوماً العميد أحمد نائب رئيس مفرزة الحراسة ووضع الجهاز على طاولتي. فوجئتُ به فقال لي بعد سرقة الجهاز جاءه أحد أصحاب محلات بيع "الفيديو" وقال له "إن شاباً جاءني بهذا الجهاز يريد أن يبيعه لي، وعندما رأيتُ أنه ليس "منزلياً" وأنه مما يستعمل في الاستديوهات أيقنتُ أنه سارق فحدَّدتُ له موعداً. وقال العميد أحمد "قبضتُ على السارق فاعترف أنه حمله خفية من مكان التصوير، وانسل به إلى الشيراتون عبر نفق في النهر"

كانت نتائج تلك الحادثة صفعة لمراقب الوزارة الذي خاب ظنه خيبة جعلته يصغر في عينيّ وعيون أخرين إلى حجم ذبابة، وجعلتْ مناع يصرّ على تقديم طلب استقالة ويترك العمل في الهيئة.