الفصل 24

13 0 00

تركتُ العمل في السادس عشر من تشرين الأول (أوكتوبر) من العام 1996 بإحساس من ولد من جديد، من كان يتخبط بين العواصف الهائجة، والأمواج العاتية، والأصوات المدوية ليرى نفسه على قارب شراعي يحضنه سكون لاتسمع فيه دبيب نملة. وانساحت تحت قدميّ المتاعب والجروح التي كانت تثقل على صدري كالكوابيس. تركت العمل غير آسف أن راتبي التقاعدي بعد خدمة في دوائر الدولة تقارب الأربعين عاماً لم يزد على (3450) ل. س أي أقل من رواتب الأذنة لأن إنهاء الخدمة كان قبل بلوغي الستين ببضعة أشهر ولأنه كان بناء على طلبي. تركته مثقلاً بالديون (مليونان ونصف) من أجل بناء بيتي في جيرود، باع مناع بيته وسدده، ورغم هذا قال قائل "إنه يتظاهر بالفقر حتى لا ينكشف أمر ملايين الدولارات التي أخفاها في مكان ما" ومازالوا يحملقون ينتظرون (هذه) الدولارات حتى الآن.

ومع هذا أعترف أنني لم أترك العمل خالي الوفاض، لقد كان تجربة غنية ومفيدة ممتعة كاحتساء شراب يملؤك بالنشوة لكن طعمه مر. وأعترف أنني تمتعتُ بمزايا لم يكن متاحاً لي أن أتمتع بها لولا موقعي الرسمي كالتسهيلات في الحصول على مواد البناء من حديد وإسمنت (بالسعر الرسمي) لبناء بيتي في جيرود وقد كانت تباع في (السوق السوداء) وكالسفر إلى بلاد لم أكن أحلم بالوصول إليها رافقتني في بعضها زوجتي بعد أن أستأذن الجهة المستضيفة، وكانت هي التي تؤمن معظم أجرة الطائرة "مخفضة بالطبع" من اشتراكها بجمعيات مع زميلاتها. سافرتْ معي إلى فرنسا، وإيطاليا، واليونان، ورومانيا، وإلى تونس، ومصر، والأردن، والإمارات العربية المتحدة، وقطر والبحرين. والزيارة الأهم كانت إلى أمريكا بدعوة من محطة (CNN) لحضور ندوة للأخبار في مقر المحطة بمدينة أتلنتا عاصمة جورجيا برفقة محمد خضور وزوجته. كانت محطتنا الأولى مدينة "لوس انجلس" من أكبر المدن مساحة وعدد سكان في العالم. وصلنا إليها من فرانكفورت في ألمانيا وكان في استقبالنا بالمطار عدد من أبناء الجالية السورية وفي مقدمتهم آل مشمّل حسان وبسام وأقاربهم الذين هاجروا من قرية فيروزة القريبة من حمص. كانت زيارة لاتُنسى أقمنا خلالها في فندق "شيرتون يونيفرسال" بأسعار مخفضة وزرنا استديوهات يونيفرسال ومدينة والت ديزني، وأقامت لنا الجالية السورية حفلاً عائلياً ساهراً في مطعم "علاء الدين" صاحبه من حلب وحضره حوالي أربعمئة نساء ورجالاً. أحيا الحفل مطربون وموسيقيون سوريون، بدأوا بأغنية "من قاسيون أطلّ يابلدي على دمشق أعانق السحبا" فانتصب الشعر في رؤوسنا وتملكتنا قشعريرة جعلت الوطن ملء كل خلية في جسمنا وملء كل قطرة دم. كان عرساً حقيقياً غنى فيه الجميع ورقصوا والفرح يرفّ على الشفاه والعيون والأعطاف. وأكثر ما بهرني وملأ قلبي بالنشوة لقائي بكهل عمره فوق الستين كان مدرساً للغة العربية في ثانويات حمص وعندما بلغ الستين أحيل على التقاعد، وبقي مع زوجته وحيدين في قرية الفيروزة. أبناؤه وبناته مهاجرون في أمريكا يزوره بعضهم مرة كل عام لكنهم بعد التقاعد أقنعوه أن يأتي إلى هنا ليعيش معهم. اسمه بشارة مشمِّل ابنه الأكبر بسام رئيس نادي السريان الأرثوذوكس وابنه الأصغر حسان وكلاهما تاجر ثري، بسام يساهم في بناء كنيسة جديدة في فيروزة وجوارها في محافظة حمص، ويذهب ليحضر تدشينها، حسان تصدع بيته في أحد الزلازل فبنى بيتاً جديداً جاء له بالرخام من إيطاليا، والخشب من السويد، والأثاث كاملاً من دمشق حلب، وهو على استعداد أن يسافر إلى الوطن لحضور عرس يدعوه إليه صديق أو قريب في مكان من سورية. قال لي بشارة صحيح أنني أعيش بين أولادي وأحفادي وأراهم أمام عيني لكني مازلتُ لا أصدق أنني أعيش بعيداً عن الأرض التي ولدتُ فيها، وكلما شعرتُ باليأس من العودة بعد هذا العمر ازداد تعلقي ببلدي أكثر، فصرت أبثّ همومي للشعر، وأهداني ديوانه الذي طبعه ووزعه على الجاليات العربية. عندما أخذت أتصفح الديوان هالني أن القصيدة الأولى فيه هي قصيدة مدح للرئيس حافظ الأسد ينبض الصدق اللاهب بكل حرف وكلمة وعبارة فيها، أما القصائد الأخرى فتتجلى فيها تباريح الشوق لطفولته، وشبابه، ومرابع بلده. قلتُ في نفسي "الله كم نرى في بلدنا من الدجالين المداحين الذين ترى شعرهم أعجف هشاً".

غادرنا "لوس انجلس" بالسيارات إلى "لاس فيجاس"عاصمة القمار واللهو في العالم المدينة التي تتلألأ أضواؤها كأنها الشمس، وكأنها جزيرة وسط أراض جرداء صحراوية لا ترى فيها نبتة خضراء. رافقنا في هذه الرحلة حوالي الأربعين نساء ورجالاً من الجالية السورية، وأقمنا جميعاً في أحد الفنادق الفخمة؛ الإقامة الكاملة في فنادق المدينة مجانية ليتمتع النزلاء بكل أنواع القمار بدءاً من الآلة التي تضع فيها ربع دولار إلى الآلة التي تضع فيها مبلغاً أكبر، وتحرك الساعد إذا كانت يدوية أو تضغط على زرٍّ صغير إذا كانت آلية، فإن ربحت تدفّقتْ من درجها السفلي القطع المعدنية كما يتدفق القمح من آلة التذرية على البيدر بعد الحصاد.. إلى طاولات الروليت والبوكر، وسائر أنواع القمار بما فيها "اللوتو". العبْ في البهو الكبير فتطوف عليك الفاتنات شبه العاريات يقدمن لك جميع أنواع المشروبات الكحولية، وجميع أنواع الدخان مجاناً. العبْ وأنت جالس على مائدة الغداء أو العشاء في مطعم، العب في الممرات والمنعطفات، وأينما اتجهت. إن "لاس فيجاس" التي طفنا على فنادقها وساحاتها عالم سحري، إذا أتيح لك أن تراه مرة واحدة فإنها لن تتكرر، حتى مطارها عندما غادرناها تنتشر في أرجائه آلات القمار.

إن أمريكا هي الأموال المتدفقة كأمواج النهر بالكسب المشروع وغير المشروع، وهي القحط كصمِّ الصخر، و(البلطجة) والسرقة والسطو. في واشنطن (DC) دخلت زوجتانا إلى أحد محلات بيع الألبسة يتفرجن، ودخل معهما محمد خضور للترجمة، وأخذت أتمشى وحدي على الرصيف المحاذي جيئة وذهاباً. وعندما استدرتُ إلى الاتجاه الآخر وجدتُ زنجياً منتصباً مشمخراً على عينيه نظارات سوداء يقابلني قادماً من الجهة الأخرى بتحدٍ وقحٍ رخيص. رأيته وأنا أبتلع غضبي وانزعاجي مصرّاً أن يجبرني على التنحي عن طريقه وأخذتُ أروز قوته "تُرى لو اشتبكتُ معه أأقدر أن أطيح به؟" ورأيته مايزال يقترب مني ولم يبق بيننا سوى متر واحد. ولكن "هَبْ أنني اشتبكتُ معه ومهما كانت النتيجة وجاءت الشرطة واقتادتنا إلى المخفر أليس من العار على سوري موفد أن يشتبك مع مثل هذه الحثالة؟" لم أحسّ بالخوف والحرج طيلة حياتي كتلك اللحظة فانعطفتُ عن الرصيف وولجت محلّ الملابس.

في أتلانتا مقر (CNN) التقينا بعدد من الوفود العربية والأجنبية، استقبلنا جميعاً صاحب الشركة "تد تيرنر" وزوجته النجمة السينمائية "جين فوندا"، ودعانا الرئيس الأسبق "جيمي كارتر" وزوجته "روزالين" إلى العشاء، وصافحنا واحداً واحداً فأخذنا صورة تذكارية أنا ومحمد وزوجتانا معهما. أحسسنا على وجه كارتر بالسماحة والطيبة حتى إذا طاف بنا في "معهد المعلومات" الذي أسسه بجوار بيته، واقتادنا إلى قاعة كبيرة فيها صور مكبرة جداً له وهو يرعى اللقاء بين السادات ومناحيم بيغن أثناء توقيع معاهدة "كامب ديفيد" المخزية وفيها معلومات مستفيضة عن تلك المعاهدة شعرنا أنها لطمة على وجهنا وشعرنا بالخزي ولم تراودنا خلجة شعور باستنكار نحو "كارتر" لأن المجرم هو منا، هو السادات.

وزرنا فرجينيا، وأجرت معي محطة التلفزيون العربي الأمريكي مقابلة على الهواء كُلف بها ثلاثة من الصحفيين العرب المهاجرين ممن يكرهون سورية، فاستلطوا علي بأسئلة استفزازية حول الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان. ضبطتُ أعصابي وتمكنتُ على أقل تقدير أن أنجوا من استفزازاتهم باتخاذ أمريكا التي يسبِّحون بحمدها مثلاً لاستلاب حرية المواطن بأساليب شيطانية، ومن ابتلاع لحقوق الإنسان بوسائل ذكية إعلامنا لا يرقى إلى ركبتيها، ولديموقراطية مثل حوت "الشيخ والبحر" الذي وصل إلى الشاطئ هيكلاً عظمياً بعد أن مزقه سمك القرش في رواية أرنست همنغواي الشهيرة..

قبل استلامي عملي في الهيئة كنت معروفاً من جمهور الصحافة في سورية، ومن جمهور عربي واسع من الذين تابعوا أعمالي التلفزيونية، أو المقابلات التي كانت تُجرى معي، لكنني أثناء عملي في الهيئة ظهرتُ على الجمهور في أوقات كثيرة وبخاصة عندما أنشئتْ القناة الفضائية، فاكتسبت شهرة أرى نتائجها في دمشق وحمص وحلب واللاذقية حتى الآن أي بعد مايزيد على عشر سنوات.

سألني أحد الصحفيين بعد أن تركتُ العمل "هل ترى أنك مظلوم؟" قلت "كما أنني لا أرضى لنفسي أن أكون ظالماً لا أرضى أن أكون مظلوماً" لقد حقَّقتُ انجازات لاأزال أعتز بها وعدت إلى أسرتي وحياتي الاجتماعية وإلى نفسي وتفرغتُ للكتابة التي هي سرّ وجودي في الحياة.

أمضيت أيامي أستقبل المهنئين في النهار، وأروي ظمئي الشديد للكتابة في الليل، أتربع وراء طاولتي الصغيرة محاولاً التكيّف مع الفراغ الجديد الزاخر بادئاً بعملية شبيهة بحركات "التحمية" التي يقوم بها لاعب كرة القدم قبل أن ينخرط في اللعب أراجع ما عندي من مشاريع تلفزيونية وبخاصة التمثيليات المفردة والثلاثيات فأعيد كتابة بعضها وأتمّ كتابة بعضها الآخر، وجاءني اتصال هاتفي من أبي حاتم مدير تلفزيون الشارقة هنّأني بالاستقالة وقال "الآن تركت العمل وتحللتَ من المسؤوليات والمتاعب، إنني أدعوك لقضاء أيام في الشارقة تروّح بها عن نفسك ويتسنى لنا أن نكرمك" ثم جاءني اتصال آخر من أحمد القعود من دبي، وآخر من علي عبيد ومن جمعة الهاملي من أبوظبي وعدتهم جميعاً أن أشدّ الرحال إليهم في مطلع تشرين الثاني (نوفمبر) القادم ورحتُ أتهيّأ لتكون سفرتي مغنية، فآخذ معي رصيداً من تلك الأعمال التلفزيونية "القصيرة".

في مطلع تشرين الثاني (نوفمبر) سافرت إلى الإمارات واستقبلتُ بحفاوة وعوملتُ كأنني ما أزال على رأس عملي، وضعتْ سيارة تحت تصرفي، ودعيت إلى مآدب رسمية فاخرة. في أبوظبي أقمت حوالي الأسبوع بغرفة في فندق الخالدية تطل على البحر، وعندما تميل الشمس إلى الغروب يرسم شعاعها على غوارب الأمواج أطيافاً مستوحاة من ألوان قوس قزح، تجعلك تشعر كأن قارباً تزينه الطنافس والأرائك يحضنك ويهيم بك إلى نهاية الكون.

في دبي سلمت مركز دبي للإنتاج ما معي من تمثيليات، وبعد بضعة أيام أعطوني مبلغاً مجزياً، أرسلت قسماً منه لزوجتي واحتفظت بالباقي لشراء الهدايا. وفي الشارقة رحب بي الشيخ الدكتور سلطان القاسمي حاكم الشارقة ودعاني إلى مأدبة غداء، وقضيت بضعة أيام مع أبي حاتم نقوم برحلات سياحية. ثم عدت إلى دبي أتهيّأ للعودة. تلقيت دعوات فاخرة من الشيخ حشر المكتوم، وأحمد القعود، ورياض الشعيبي، والدكتور على القاسم مدير مركز دبي.

بعد ظهر الثلاثاء - الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001 وحوالي الساعة الثالثة بعد الظهر كنت مستلقياً على سريري أقيل كعادتي بعد الغداء فدخلت زوجتي مرتاعة قائلة "قم قم شاهد التلفزيون. الطائرات المدنية تنقض على برجي المركز التجاري في نيويورك" كان خبراً مروعاً وأنت بين أن تشمت بأمريكا الطاغية التي تُضرَب في عقر دارها وبين أن تجزع على الأبرياء الذين تهدّم البرج على رؤوسهم. قلت لها "لقد أيقظوا الوحش من وكره. أجارنا الله من النتيجة" وأعلن "دبليو بوش" الحرب على الإرهاب بملامح يتقطَّر منها السم، ووجّه تهمة حاسمة لأسامة بن لادن، وفي الحادي عشر من تشرين الأول (أوكتوبر) 2001 انقضتْ أمريكا على أفغانستان، فتألّقت "الجزيرة" أول محطة عربية مختصة بالأخبار تنطلق من قطر، وتابعت الأحداث ساعة بساعة عبر مراسلها المتألِّق "تيسير علوني" الذي تعرض للموت أكثر من مرة وتفوَّقتْ على وسائل الإعلام الغربية، وبدأ نجم محطة (CNN) الأمريكية يخبو.

في شهر نيسان (أبريل) عام 2002 جاءتني دعوة تكريمية من وزارة الإعلام السعودية تدعوني لحضور مهرجان الأفلام الوثائقية الذي تقيمه "الهيئة الوطنية لحماية الحياة الفطرية وإنمائها" في الرياض. غادرت دمشق بالطائرة صباح الجمعة الرابع عشر من نيسان برفقة المخرجين محمد فردوس أتاسي وغسان باخوس. كانت فرحتي عظيمة بالزيارة لأنها المرة الأولى التي أمثل بين يدي تاريخنا في الفيافي التي هاجر منها أجدادنا إلى الشام. كان الطفل محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي أحد سراة قريش يرافق أمه آمنة بنت وهب لزيارة قبر أبيه بين مكة ويثرب، طلبت منه أمه أن يخلع ثيابه وألقت به في بحيرة على الطريق وعلمته السباحة. وعندما بلغ الأربعين وكان معتكفاً على عادته في غار حراء على جبل النور بظاهر مكة هتف به جبريل "اقرأ" أجابه "ما أنا بقارئ" ثلاثاً بثلاث. فقال جبريل "اقرأ بسم ربك الأكرم الذي علم بالقلم.." وكانت "اقرأ" أول شعار يطرحه الإسلام: القراءة وطلب العلم.

ووقف الشاب "طرفة بن العبد" يلقي قصيدته في الجموع الحاشدة ":

وما إن فرغ منها حتى قرر المحكمون أن تكتب بماء الذهب، وتعلَّق على أستار الكعبة مع تلك القصائد التي سميت بالمعلقات أو "الطموس" ووقف عمر بن الخطاب بجانب الكعبة وصاح في الناس "يا معشر قريش من أراد أن تثكله أمه أو ترمل زوجته ويَيْتِم ولده فليتبعني وراء هذا الوادي" هاجر المسلمون خفية إلى يثرب مخافة بطش قريش إلا عمر.

وتوفّي الرسول (ص) عليه وسلم فجزع المسلمون ومنهم عمر، فصاح أبوبكر فيهم قائلاً "من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لايموت" وفي سقيفة بني ساعدة صاح زعيم الخزرج "سعد بن عبادة" قائلاً "منا واحد - يعني الأنصار - ومنكم واحد - يعني المهاجرين -"

وأجمع الأنصار والمهاجرون على أبي بكر خليفة لرسول الله فوقف فيهم خطيباً: "أيها الناس لقد وُلِّيتُ عليكم ولست بخيركم فأطيعوني ما أطعتُ الله ورسوله، فإذا عصيتُ الله ورسوله لا طاعة لي عليكم".

وقال مالك لابن أخيه عنترة والعدوّ يحاصرهم "كرّ ياعنترة" أجابه "أنا عبد والعبد لايحسن الكرّ وإنما الحلبَ والصر" أعادها ثانية "كرّ ياعنترة" أجابه ثانية " أنا عبد.. أعادها ثالثة، فأجابه عنترة الإجابة نفسها فقال مالك "كرَّ ياعنترة وأنت حر". وقال عنترة:

وهبطت بنا الطائرة في مطار الرياض الفخم، واستقبلنا موظفو العلاقات العامة بقاعة الشرف، وإذا بالثلاثة أشقاء نعيمة خالد ومروان وطاهر ينتظرون مع المستقبلين. خالد جاء إلى السعودية في أواسط الثمانينات بسيارة شاحنة متوسطة الحجم لوحتها سعودية، وأخذ يعمل بالنقل يصل الليل بالنهار، ويجمع القرش فوق القرش حتى استطاع أن يشتري سيارة شاحنة كبيرة (قاطرة ومقطورة) وخلال "عاصفة الصحراء" كان من أصحاب الشاحنات القلائل الذين ينقلون التموين للجيش بأجور عالية جداً إلى منطقة حفر الباطن عبر مسافة (500) ك م محفوفة بالمخاطر. قال "كنت في كلِّ مرة أتوقف عند مطعم لأحد الأقارب بظاهر الرياض، أكتب وصيتي وأسلمه مامعي من نقود أمانة عنده ليبعثها إلى أهلي في جيرود إذا حدث لي مكروه. لكن رب العالمين منحني النصر، وإن كان نصرٌ فيه غصة بسبب ما حدث في العراق".

وجمع مبلغاً من المال خوَّله أن يبدأ بشراء حافلتين لنقل الحجاج والمعتمرين إلى الديار المقدسة، وهو الآن يملك عدداً من الحافلات والشاحنات الكبيرة يساعده أخوه مروان بإدارتها.

فوجئتُ بعظمة الرياض، بفخامة مبانيها وطرقاتها، وأناقة أسواقها، كما فوجئتُ بنوافذ بيوتها الخشبية المسمرة، وأنك إن صادفتَ امرأة - وقلما ترى - تراها ملفعة بنقاب تجعلك تستغرب كيف ترى طريقها وتخطو بأقدامها.

إن الرياض مدينة "مذكر" (masculine) تسهر حتى الصباح وفوجئت أن الناس يفضلون التسوق بعد صلاة العشاء. لماذا؟ لأن حملة الخيزرانات بعد أن يصيح المؤذن يجلدون مَن ترى أعينهم في الطريق أو في المحلات يقودونه إلى المسجد مخفوراً صاغراً. ومن طرائف ما سمعت أن شاباً سورياً في المنطقة الصناعية خلع حذاءه (شحاطة) إلى جانب حصير وأقام الصلاة وحيداً، وعندما سجد رأى بطرف عينيه أن عدداً من المصلين يسجدون خلفه يأتمون به، وهو لايكاد يعرف تفاصيل الصلاة، فانسل وحمل حذاءه وهرب والناس مايزالون ساجدين.

وكانت مفاجأتي الكبرى الأفلام التي رأيتها عن البيئة الفطرية في مناطق صحراوية كنا نظن أنها ليستْ سوى قاعٍ صفصف، وكثبان من الرمال. رأينا الينابيع، والنباتات الغريبة والحيوانات البيئية المتحدرة من أعماق التاريخ.

دعانا بعض الأمراء إلى مآدب فاخرة، أما حفل الختام فأقيمت فيه "العرضة"، يقف صفان متقابلان من الراقصين بالسيوف وهم يرددون أغنية من الفولوكلور. جلست مع الجالسين وإذا بالراقصين يرددون أغنية لم أستطع استيعاب كلماتها كانت مصوغة على لحن شجي ملء المشاعر مألوف في البوادي والحواضر في جنوبي سورية. تقول كلماتها:

لست أدري كيف أيقظت في نفسي مشاعر مخزونة جعلتني أقف وأصفق متجاوباً معها من حيث لا أشعر، وإذا بأحد العاملين في العلاقات العامة يتقدم مني ويسألني:

- هل تريد المشاركة؟

- أرحب.

فأحضر لي سيفاً (خلبيّاً) من الصفيح السميك ثقيل الوزن يحتاج إلى جهد في حمله والتلويح به فانخرطت بين الراقصين ممن يتحدرون غالباً من أصول غير عربية، أردد معهم ولا أستوعب كلمة مما يقولون.

بعد انتهاء المهرجان أعلنت وزارة الإعلام للراغبين في أداء العمرة أن تبعثهم بالطائرة إلى جدة، فعرض علي خالد شقيق زوجتي أن نذهب بالحافلة (الباص) براً، ينحّي المقاعد الأمامية، ويضع مكانها مجلساً عربياً، نتناول طعامنا في مطعم أو في السيارة أو على الأرض تحت ظلها. نسير، نقف، نتمتع بالفوضى التي تنطلق فيها النفس على هواها منداحة في ذاك البلقع اللامتناهي.

كانت رحلة من أمتع الرحلات التي قمت بها في حياتي، اجتمع فيها الحاضر بالمحطات الفخمة وأسواق البيع كالتي رأيتها في مطلع السبعينات على طريق إيطاليا الدولي.. مع التاريخ الزخم الذي يعيش فينا من أيام زهير بن أبي سلمى، وحرب البسوس وحرب عبس وذبيان، إلى معركة ذي قار، إلى ظهور الإسلام، وحروب الردة والفتوحات، إلى أيامنا هذه التعيسة.

انطلقنا من الرياض من أعماق نجد، إلى أعماق الجاهلية وتراءى لي ذاك الشاب المترف امرؤ القيس الذي عاش بين عامي (501- 544)م وهو يتنقّل بين صويحباته كما يتنقل الشحرور من فنن إلى فنن، وهاهو يتسلّق بعير إحداهن، كما يصفها في معلقته:

وهاهو امرؤ القيس غارق في اللهو والشراب، وإذا برسول يقتحم عليه المائدة، وينعي إليه أباه القتيل حجر الكندي الملك على أسد وغطفان، ويبلغه وصيته وهو يحتضر أن يثأر له فقال "ضيَّعني أبي صغيراً، وحملني دمه كبيراً" وانتصب في جلسته قائلاً لنديمه الذي بُهتَ وأصيب بالجزع "أكمل دستك" وكانا يلعبان النرد. ثم قال "اليوم خمر وغداً أمر"

واقتربنا من مدينة الرسول (ص) وعاصمة دولته، وهاهو الحارث بن أبي ربيعة المخزومي يدخل على عبد الله بن عباس ابن عم الرسول ومن أقرب الناس إليه ومعه غلامٌ وسيم الطلعة زاهي اللباس ويقول له: "هذا أخي عمر ياعماه يقرض الشعر فإن كان مما يَجْمُلُ بمثله وإلا حبستُه" يقول عبد الله: "أنشدني يافتى" فينشده عمر:

ينتشي ابن عباس ويقول للحارث "لئن بقي هذا ليخرجنّ المخبآت من خدورهن" ويبلغ عمر ريعان الشباب فيشيع شعره بين الناس، وتتعددّ صويحباته ويتبادل الرسائل معهن، وكلهنّ من علية القوم متعلمات مثقفات، وصار كبار المغنين يصدحون بشعره كابن سريج والغريض وعلى الخصوص جميلة التي ترتدي في مجالس الغناء لباساً خاصاً هي وفرقتها.

وفيما كان عبد الله ابن عباس يجلس في ركنه في المسجد الحرام وحواليه قاصدوه وعنده نافع بن الأزرق وجماعة من الخوارج يتقدم نحوه شاب يرتدي الثياب الزاهية والطيب يفوح منه، فيتهلل ابن عباس ويقول "هيا أنشدنا من آخر ماقلت ياعمر" فينشده:

ثم يقول:

ثم يقول:

حتى أتى على آخرها فتثور ثائرة نافع بن الأزرق ويقول "الله يابن عباس! إنا نضرب اليك أكباد الإبل من أقاصي البلاد، نسألك عن الحلال والحرام فتتثاقل عنا، ويأتيك فتى من فتيان قريش فينشدك:

قال ابن عباس. ليس هذا وإنما قال:

قال ابن الأزرق "ما أراك إلا قد حفظت البيت" أجابه "وإن شئت أنشدت القصيدة كلها"

وانحنيت أمام قبر الرسول وإلى جواره قبر أبي بكر وقبر عمر وصلّيْتُ ركعتين، ودعوت لوالديّ وزوجتي وأولادي، وإخوتي وأخواتي، وأهلي وأصدقائي وللمؤمنين والمؤمنات، وطرقت مسامعي في أعماقي الدفينة "الله أكبر" يرددها مليار وربع المليار من المسلمين الذين ينتشرون في أرجاء الأرض، والذين هم على كثرتهم مايزالون ضعيفين مستضعفين تأكل قلوبهم الهشاشة.

زرنا مسجد قباء الذي بني في مبرك ناقة أبي أيوب الأنصاري وفيه بئر له، وهو أول مسجد بني على عهد الرسول (ص) وهو الذي وضع أول حجر فيه تلاه أبو بكر وعمر. إنه يبعد عن مسجد الرسول خمسة كيلومترات، وكان الرسول يزوره يومياً راكباً على بغلته البيضاء أو ماشياً ويصلي فيه ركعتين، وكان المقر الأول للدولة الإسلامية يوم كان سقفه من جريد النخل. وزرنا البقيع وفيه القبور الدوارس التي تضم رفات زوجات الرسول وبعض أهله وولده وبعض الشهداء الأوائل، وفيما يراه بعضهم ثغرة عمرانية في المدينة بين الأبنية الفخمة رأيته أبرز ملمح باقٍ من التاريخ بريئاً كالنخيل.

أقبلت على قبر الحمزة ونظري يمتد إلى جبل أحد، والمسلمون سبعمائة فيهم خمسون من الفرسان يقودهم الرسول (ص) جعلوا ظهورهم إلى جبل أحد، وقد أمر الرسول الرماة أن يصعدوا إلى قمة الجبل ليحموا ظهر المقاتلين لايتحركون مهما رأوا من نصر أو نكوص، يواجههم من المشركين ثلاثة آلاف منهم مئتان من الفرسان، وفيما انهال المسلمون على المشركين كالسيل الجارف زعزعوهم وشتتوهم نزل الرماة والتحقوا بهم حتى لا تفوتهم الغنائم. ألقى خالد بن الوليد نظرة خاطفة على المعركة وكان على رأس فرسان قريش فانقض على المسلمين من الخلف فثبتوا شباناً وشيباً وسقط منهم عدد من الشهداء وأصيب الرسول بثنية سنّه وكانت الهزيمة. في تلك الأثناء رمى "وحشي" بحربته حمزة عم الرسول وكان من أبطال المسلمين فاخترقتِ الحربة صدره وكأنها تخترق صدري وأنا أقف وراء شبك حديدي أنظر بخشوع إلى قبره الدارس على مستطيل محدد بقطع صغيرة من الحجارة. وفيما فتحتُ يديّ أقرأ الفاتحة وقف إلى جانبي كهل قصير القامة يبدو أنه غير عربي، يعتمر عمامة (رجل دين) وقال هامساً "ردد ورائي" أشرتُ له أن يصمت فتابع كلامه "ياسيدي الحمزة " قلت بعصبية "اسكت يارجل ابتعد عني" فأرخى رأسه وابتعد بخطا ثقيلة، وإذا بمروان يضع في يده عشرة ريالات ويقول لي "هؤلاء متسولون يدخلون قلوب البسطاء من باب جهلهم ليكسبوا رزقهم".

اشترينا قليلاً من التمر لا أذكر أنني رأيت في أسواقنا ولا في هدايا الحجاج مثله في الشكل ولذة الطعم، وفيما جلسنا عند الحافلة نلقي نظرة عامة على المدينة ساهمين سمعتُ صوت الرسول (ص) يهتف وهو يشهر سيفه في غزوة "حنين" "أنا النبيّ لاكذب أنا ابن عبد المطلب" يثبتُ، ويحثّ الناس على الثبات. إن الدولة التي بناها الرسول (ص) قامت على ألوان لاتحصى من المعاناة.

غادرنا المدينة ظهراً نسير على مهل متجهين إلى مكة ولو كان الموضوع يتعلق بالمسافة وهي (400) ك م لقطعناها بأقل من أربع ساعات على طريق حديثة مزدوجة لكننا نتوقف عند كل محطة نستروح قليلاً، ثم نتابع ليتنازعنا التاريخُ ببصيرتنا يوقظ أفراحنا وأتراحنا والواقعُ بأبصارنا يملأ عيوننا من هذه الأراضي القفراء وحجارتها السوداء وتحت كلِّ حجر تنبض ذكريات أجدادنا الذين تحدرنا من أصلابهم.

توقفنا في منطقة "بيار علي" وهي المنطقة التي يُحْرِم فيها أهل الشام لأداء العمرة أو فريضة الحج، وأصبحنا كما يصبح الناس عراة لايرتدون (مخيطاً) إلا من قطعة قماش (منشفة) يسترون بها عورتهم يلفونها على خصرهم ويربطونها بحزام، وقطعة أخرى يضعونها على أكتافهم، هنا يتساوى الناس "كأسنان المشط". اغتسلنا، وارتدينا لباس الإحرام، وهممنا بمتابعة المسير وأنا ألح عليهم أن نحاول بلوغ مكة في الهزيع الأول من الليل. طلبوا أن نتلبّث حتى تحين صلاة العصر نقيمها في المسجد وننطلق. رفضتُ وقلتُ "هذا هدر للوقت المهم أن تؤدى الصلاة في أي مكان"وألححتُ على متابعة السير.. فأخذوا يتلبَّثون، ويسوِّفون، ويتلفّعون بالحجج، حتى صاح المؤذن لصلاة العصر.

انطلقنا - متأخرين - واستسلمتُ لوشيش السيارة وهم يتبادلون قيادتها وعيناي تسرحان في تلك السهوب الواسعة، وهاهو الخليفة عمر بن الخطاب ماضٍ إلى الحجّ مع جماعة من الناس، وعندما وصلوا إلى ذاك المكان فوجئ بهم يتوقفون ويصلون تحت شجرة ولم يكن وقت صلاة. سألهم فقالوا يا أمير المؤمنين هنا عقد الرسول مع قريش صلح الحديبية عام 6 هـ الموافق عام 628م، وتحت هذه الشجرة صلى الرسول، فصاح بهم "أيها الناس إنما هلك من كان قبلكم عندما اتخذوا من أعمال أنبيائهم بِيَعاً فمن عرضت له صلاة فليصل، ومن لم تعرض له صلاة فليمض" وأمر بقطع الشجرة.

وإذ اقتربنا من مكة رأيتُ امرأة يقال إنها بلغتْ المئة ولم تبيضّ في رأسها شعرة ولم يسقط لها سنّ تتوكّأ على عصاها منتفضة على حزنها وأمومتها الجريحة، تتقدم من ابنها المصلوب، وتقف قائلة " أما آن لهذا الفارس أن يترجّل؟ " ثار عبد الله بن الزبير على بني أمية في مكة، وبايعه الناس بالخلافة، وأرسل أخاه مصعب إلى العراق والياً عليها فقُتل مصعب، وبعث الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان لعبد الله بن الزبير يعطيه الأمان وعهد الثقة على أن يتراجع عن ثورته فأبى. حاصره الحجّاج بن يوسف الثقفي، فأوى عبد الله إلى أمه أسماء بنت أبي بكر يستشيرها "أماه انفض كثير ممن حولي خوفاً من بطش الحجاج " فقالت أسماء:

- أي بني لا تقبل على خطة تخاف على نفسك منها مخافة القتل، متْ كريماً وإياك أن تؤسر أو تعطي بيديك.

- ولكني أخاف أن يمثِّلوا بي بعد القتل.

- وهل تتألم الشاة من السلخ بعد ذبحها؟

وظلّ يقاتل حتى قتل فصلبه الحجاج وتركه تنهش فيه كواسر الطير.

وعندما بدأنا نوغل في مكة وجدتُ نفسي أردد لاشعورياً:

حياهم حياهم بني شيبة حياهم

أحملها من الطفولة عندما كان المتصوِّفة في جيرود يرددونها في أذكارهم، وعرفت فيما بعد أن بني شيببة هم سَدَنَةُ الكعبة وحاملوا مفاتيحها يتوارثونها أباً عن جد حتى اليوم وهم من أحد بطون قريش. وأخذت أراقب هذه المدينة التي أقيمت في واد "غير ذي زرع" تحيط به الصخور المدببة وكأن النبي إبراهيم عندما أشاد الكعبة لم يكن في ذاك المكان من ميزة سوى نبع "زمزم" الذي جدده عبد المطلب ومايزال ثرّاً حتى اليوم. وهذا ما جعل مورد قبيلة قريش يعتمد على مصدرين: الأول هو الضيافة المأجورة وهي محج العرب قبل الإسلام ومحج المسلمين بعده، وقد تقاسم سادة قريش المهام فيما بينهم: الحجابة، والسقاية، والرفادة وإطعام الحجيج، والندوة، واللواء. والثاني هو التجارة في رحلتي الشتاء والصيف التي كان أول من سنّها هشام بن عبد مناف لتكون مكة واسطة العقد بين الشام واليمن. ولكن الأحفاد اليوم يضعون في وعاء بلاستيكي تسعة عشر ليتراً من الماء العادي يضيفون إليه ليتراً واحداً من ماء زمزم ويبيعونه للحجاج والمعتمرين ليحملوه إلى بلادهم ويقدموا للمباركين قطرات من "ماء زمزم المقدس" بكؤوس صغيرة كما تقدم القهوة المرة يرشفونها وكأنهم يتمسحون بأستار الكعبة.

وصلنا بعد منتصف الليل منهكين جائعين وأخذت السيارة تتمايل بين الأودية الصخرية التي تقوم عليها الفنادق، وبيوت الضيافة، ومقرات المطوفين، وخرجتْ من صدري لهفة قسرية عميقة وأنا أمعن النظر إلى المسجد الحرام تتوسطه الكعبة وتتجلى فيه الأضواء فتضفي عليه نورانية حملتني إلى ذاك التاريخ الذي كان جذوة حياتنا نحن العرب اقتادنا خالد إلى مطعم أنيق يقدم نوعاً من الدجاج لا أذكر أنني ذقتُ ألذَّ من طعمه فأُتخمنا، وفوجئت بخالد يقول:

- هيا نؤدي العمرة.

- الآن ياخالد بعد ان انتصف الليل؟ أنا لا أستطيع لأنني بعد أن أتخم ترتخي مفاصلي.

- ولكنك تكره الازدحام والآن هو الوقت المثالي للهدوء والسكينة.

أيده مروان والسائق حسن فتذكّرتُ مثلاً شعبياً يقول "إذا جن ربعك عقلك لا ينفعك" وأقبلنا على المسجد، وتوضّحتْ أمامي الكعبة، وفيما امتلأت نفسي رهبة طرق أذنيّ بيت لعمر بن أبي ربيعة يقول:

يقصد الناس للطواف احتساباً وذنوبي مجموعة في الطواف.

وتذكرت حجازيات الشريف الرضي. وتذكرتُ الشاعر عمران بن حطان وكان قصيراً دميماً تزوج من امرأة حسناء (من الخوارج) على أن يحوِّلها إلى (السنة) لكنها استطاعت (هي) أن تضمه الى (الخوارج) دخل عليها يوماً وقد تزيّنتْ فازدادت في عينيه جمالاً، فحملق اليها وأدام النظر. سألته:

- ما شأنك؟

- والله أصبحتِ جميلة

- قالت "أبشر. إني وإياك في الجنة.

- كيف!!!؟

- لأنك أُعطيتَ مثلي فشكرتَ، وابتُليتُ بك فصبرتُ.

في الحرم يجب أن تكشف المرأة عن وجهها، ومن حيث لا أشعر أخذت عيناي تتنقلان بين وجوههن لعلي أجد عينين تتجلى فيهما صنعة الله فلم أجد إلا مجموعة من الأندونيسيات قصيراتِ القامةِ لاحماتِ العيون يقودهن شاب يقرأ في كتاب ويرددن خلفه. ورأيتُ حبلاً من الناس يتقاطرون مطأطئي الرؤوس نحو "الحجر الأسود" يشدّهم إليه ليلحسوه ويحسوا بالانتصار. بعضهم يحاول أن يتخطى الآخرين فينهره الشرطي، ويُهين الوقحين منهم. رأيت الحجر على بعد أمتار وقد حفرتِ الألسنة فيه حفرة بحجم رأس الرجل، ومازلت أستغرب هذا التهافت على تقاليد فارغة، وتراءى لي سادة قريش وقد أزمعوا أن يعيدوا بناء الكعبة فاختلفوا واحتدم الخلاف فيمن يضع حجر الزاوية (الحجر الأسود) وإذا بمحمد بن عبد الله قادماً فقال أحدهم "جاء الأمين. تعالوا نحكّمه بيننا" خلع محمد رداءه ووضع الحجر عليه وقال لهم "أمسكوا بأطرافه وارفعوه" فحمله ووضعه مكانه بيده. ولعل عمر بن الخطاب لو رأى حال الناس هذه الآن لكان وضع حوله شبكاً من الحديد. بدأنا الطواف منطلقين من نقطة بدء اختارها مروان، وفتح كتاباً يحمله قائلاً:

- اقرأوا معي حتى تكون عمرتنا صحيحة.

- دعني أعبد الله على طريقتي يامروان. اعبد الله كأنك تراه فإن لم ترَه فإنه يراك.

وتراءى لي جبلة بن الأيهم آخر ملوك الغساسنة يطوف حول الكعبة فداس بدوي من فزارة على طرف إزاره عن غير قصد فوقع جبلة على الأرض، وعندما قام لطم الفزاري على وجهه فهشم أنفه. شكاه الفزاري إلى عمر فأمر عمر أن يلطم الفزاريُّ وجهَ جبلة. صُعق جبلة واعترض قائلاً:

- كيف تساويني به وأنا ملك وهو سوقة؟

- لاملوك في الإسلام ولا سوقة. المسلمون كلهم سواء.

فاستمهله حتى الغد، وعندما أطبق الليل هرب متجهاً إلى بلاد الروم مزمعاً اللجوء إلى القيصر.

أنهينا الطواف وذهبنا للسعي بين الصفا والمروة رائحين غادين سبع مرات ذهاباً وسبعاً إياباً لكنّ ساقيّ توقفتا عن الاستجابة لي بعد المرة الثانية فجلستُ على أحد الأرصفة وأعلنت العصيان. قالوا لي:

- لا تكتمل العمرة إلا بالسعي لأنه شعيرة أساس من شعائر الحج والعمرة.

- غدا أقوم بها.

- لايجوز تجزئة العمرة.

- غداً أبدأ العمرة كلها من جديد، ثم مالكم تصعبونها علي إن مع العسر يسراً.

وإذا بهم يأتون بكرسي متحرك جلستُ عليه حسماً للخلاف وأخذ اثنان من المرتزقة يتقاذفان الكرسي يسلمني كلٌّ منهما للآخر، أحدهما قال لي إنه يعاني من آلام في ظهره، والآخر مريض بالسكري. والحقيقة أنني عمري ما أحسستُ بخزيٍ كهذا الخزي أن أكون عبئاً على رجلين كليلين هشّين يعتاشان غير عابئين بعللهما وأنا طويل عريض وجسمي أشدّ صلابة من الحديد.

ورحتُ أنقّل طرفي بنظرة عامة فهالني ما أرى من أعمدة رخامية، وأروقة تلفّ حول الكعبة على عدة أدوار، فخامة استلبت من المسجد براءته وعفويته وأخرجته من زخم التاريخ إلى بهرج الحياة المعاصرة، لقد وسعوا المسجد أضعافاً.. وعندما أبديتُ تعليقي للزملاء الإعلاميين في الرياض فيما بعد قالوا "لوكنت تؤدي فريضة الحج وترى الملايين يحتشدون في المسجد الحرام لأدركت معنى هذه التغييرات".

تقدمنا من باب المسجد بين الخارجين والقادمين، فانصبّتْ في عيني على حين غرة هالة من ضياء أوقدت النار فيّ: عينان سوداوان كأنما صيغتا من قلب دجنّة ورموش كثيفة كواحة في الرَّبع الخالي، وجفون ناعسة كرشفة من عسل، وقوام كغصن صفصافة؛ شابة بلباس خاص لست أدري أهي بدوية أم حضرية، ألقت نظرة عامة تنبض سحراً وجاذبية، وتابعت سيرها كحمامة فاردة جناحيها. قلتُ مأخوذاً "الله ما هذا الجمال" وأردفتُ مازحاً "هيا نرجع ونعيد الطواف من أوله" وبما أنهما شقيقا زوجتي تجاهلا بمكر، وتابعا السير كأنما لاعين رأت ولا أذن سمعتْ.

خرجنا من المسجد وكأننا في عرينا ولدنا من جديد، كأننا أنزلنا أثقالنا عن كواهلنا وقلوبنا وصرنا خفافاً كرفوف الطير، كأننا انتُشلنا من وعثاء حياتنا وأوزارها، وصرنا أبرياء كالعسل المصفى، وما زلنا في قلب عروبتنا وإسلامنا كعروق الصخر تثبتُ الأرض بجبالها الرواسي أن تميد، أحسسنا أن الإسلام روح شفافة، وجسد يعيش حياته مباحة يكابد مشقاتها ويتمتع برخائها.

وإذا بمروان يستوقفنا وبيده مقص، يختار خصلة صغيرة من شعر كلٍّ منا ويقصّها قائلاً "العملية لا تستأهل أن ندخل "صالون" حلاقة وندفع النقود" عند أداء فريضة الحج أو العمرة مثلما لايجوز ارتداء ثياب مخيطة فإنه لايجوز حلق الرؤوس واللحى وتقليم الأظافر حتى يرتدّ الإنسان إلى طبيعته البكر، وعندما يخرج الناس من الحرم يحتفلون بقصّ شعورهم، وحلاقة لحاهم، وقصِّ أظافرهم إنه تقليد من التقاليد الإسلامية التي خرجت من العمق وقرّت في المظهر تقضي على كوامن الإبداع ليصير الناس "طابوراً".

ورحنا نجوب مكة وضوء النهار يجلوها كعروس يفوح منها البخور يلفت النظر أن سكانها خلائط من سائر الأجناس والأعراق، جاؤوا إلى الحج وظلوا يجاورون الكعبة يعيشون بين ظهرانيها معتفين أو متسولين أو يقومون بأعمال الخدمة. لقد ذكرني حالهم ببيت المتنبي الذي قاله في شِعب بوان:

ولكن الفتى العربي فيها غريبُ الوجه واليد واللسان

وها أنذا أرى سادة قريش يغلون حقداً على محمد بن عبد الله الذي سفَّه أحلامهم وأزرى بعاداتهم وتقاليدهم ودعاهم إلى إله واحد يجبُّ أصنامهم، وهاهم يسلطون عليه سفهاءهم يشتمونه ويضعون في طريقه الأشواك ويلقون عليه الأقذار وينثرون عليه التراب، فيقول صابراً صامداً "اللهم اهدِ قومي فإنهم لايعلمون" وهاهو "أمية" يجلد بلالاً الحبشي يضرجه بالدم، وأبو بكر يداهمه يشتريه ويعتقه لوجه الله. وها أنذا أرى أول شهيدين في الإسلام سمية أم عمار وزوجها ياسر مضرجين بالدماء ورائحة الجنة تفوح في الأثير.